من مكتبة مِداد الخطيب

السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ في رِحَابِ الجَامِعَةِ... عِلْمٌ وَعَمَل

مشاركة
🕌 السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ في رِحَابِ الجَامِعَةِ... عِلْمٌ وَعَمَل #خطبة_جمعة #السنة_النبوية #الشباب #الجامعة #طالب_العلم #الأخلاق #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي رَفَعَ قَدْرَ العُلَماءِ العامِلين، وجَعَلَ العِلمَ طريقاً مُعبَّداً إلى خَشيتِه ورِضوانِه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ في اتِّباعِ سُنَّةِ نَبيِّهِ النَّجاةَ والعِصمَةَ في زَمَنِ الفِتَن، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، المُعَلِّمُ الأوَّل، والمُرَبِّي الأعظَم، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَدخُلونَ من بَوَّاباتِ الجَامعةِ كلَّ صَباحٍ حامِلينَ كُتُبَكم، باحِثينَ عن شَهادةٍ تُؤَمِّنُ مُستَقبَلَكم الدُّنيَوي. ولَكِن، هُناكَ مَنهَجٌ عَظيمٌ غائبٌ عن كَثيرٍ من القاعات والمُدَرَّجات، مَنهجٌ لا يَمنَحُكَ وَظيفةً فَحسَب، بَل يَمنَحُكَ خُلوداً في رِضوانِ الله. ما هو هذا المَنهج؟ وكَيفَ نُحييهِ في أروِقَةِ جامِعاتِنا ليَكونَ طَوقَ نَجاةٍ لَنا؟ سِرٌّ سَنَقِفُ على تَفاصيلِهِ بَعدَ قَليل. أيُّها الإخوَةُ الفُضَلاء، ويا مَعاشِرَ الشَّبابِ وطُلَّابِ العِلم: الجامِعَةُ في حَياتِنا لَيسَت مُجَرَّدَ أسوارٍ، ومُدَرَّجاتٍ، واختِباراتٍ، وشهاداتٍ تُعَلَّقُ على الجُدران. الجامِعَةُ مِصنَعٌ للعُقول، ومَحَطَّةٌ تَتَشَكَّلُ فيها شَخصيَّةُ الإنسانِ ومَبادِئُه. في هذه المَرحَلَة العُمريَّةِ الحَرِجَة، تَصطَدِمُ الأفكار، وتَتَزاحَمُ الشَّهَوات، وتُعرَضُ الشُّبُهات، ويَجِدُ الشَّابُّ نَفسَهُ أمامَ أمواجٍ مُتلاطِمَةٍ من التَّحَدِّياتِ الفِكريَّةِ والأخلاقيَّة. هُنا يَبرُزُ السُّؤالُ الأكبَر: أينَ رَسولُ اللهِ ﷺ من حَياتِنا الجامِعيَّة؟ وكَيفَ تَكونُ السُّنَّةُ النَّبَويَّةُ حاضِرَةً مَعَكَ بَينَ قاعاتِ الدَّرس، وفي مَمرَّاتِ الكُلِّيَّة، ومع زُمَلائِك وأساتِذَتِك؟ يَقولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في مُحكَمِ كِتابِه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: 21]. تَأمَّلوا هذه الآيَةَ العَظيمة! اللهُ جَلَّ جَلالُهُ لم يَجعَل نَبيَّهُ ﷺ أُسوَةً في المَسجِدِ فَقط، ولا في مِحرابِ الصَّلاةِ فَحسَب، بَل جَعَلَهُ أُسوَةً في كُلِّ تَفاصيلِ الحَياة. أُسوَةً للشَّابِّ في طُموحِه، ولطالِبِ العِلمِ في جِدِّه، وللأستاذِ في أمانَتِه. أوَّلُ أثَرٍ للسُّنَّةِ النَّبَويَّةِ في الجامِعَة، يَبدَأُ مِنَ القَلب... مِنَ النِّيَّة. كَثيرٌ مِنَ الطُّلَّابِ يَدرُسُ الطِّبَّ أو الهَندسَةَ أو الحُقوقَ أو التِّجارَةَ، ويَظُنُّ أنَّ هذا عِلمٌ دُنيَويٌّ لا عِلاقَةَ لَهُ بالدِّين، فَيَقصِدُ بِدِراسَتِهِ الوَظيفَةَ والمالَ فَقط. ولَكِنَّ السُّنَّةَ النَّبَويَّةَ تُعَلِّمُنا كَيفَ نُحَوِّلُ هذه المُحاضَراتِ المُرهِقَةَ إلى عِبادَةٍ نُؤجَرُ عَلَيها! واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (متفق عليه). يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "نيَّةُ المُؤمِنِ تُحَوِّلُ العاداتِ إلى عِبادات". فإذا دَخَلتَ جامِعَتَكَ، ونَوَيتَ بِدِراسَتِكَ نَفعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ونَوَيتَ أن تَكونَ طَبيباً مُسلِماً أميناً، أو مُهَندِساً يَخافُ اللهَ في مَشاريعه، أو مُحاسِباً لا يَأكُلُ الحَرام... فَإنَّ كُلَّ دَقيقَةٍ تَقضيها في المُذاكَرَةِ والسَّهَرِ، وكُلَّ خَطوَةٍ تَخطوها إلى قاعَةِ الاختِبار، تُكتَبُ في صَحيفَةِ حَسَناتِك. هَكَذا كانَت نَظرَةُ الشَّبابِ في عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ للعِلم. وتَأمَّلوا في هذه القِصَّةِ العَجيبَةِ لِشابٍّ في عُمُرِكُم الجامِعي! إنَّهُ الصَّحابيُّ الشَّابُّ العَبقَريُّ زَيدُ بنُ ثابِتٍ رَضيَ اللهُ عنه. دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ المَدينَةَ وزَيدٌ غُلامٌ صَغير، فَلَمَّا رَأى النَّبيُّ ﷺ ذَكاءَهُ وقُدرَتَهُ، أَمَرَهُ بِأمرٍ صَعب، قالَ لَه: «يَا زَيْدُ، تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي». هل تَذَمَّرَ زَيد؟ هل قالَ هذا عِلمٌ لا يُفيد؟ لَقد عَرَفَ أنَّ تَعلُّمَ لُغَةِ الأعداءِ في ذَلِكَ الوَقتِ ضَرورَةٌ لِحِمايَةِ الدَّولَةِ والمُجتَمَع. فَانكَبَّ على العِلمِ جادّاً مُجتَهِداً، قالَ زَيد: "فَتَعَلَّمْتُهُ لَهُ، فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى حَذِقْتُهُ!" خَمسَةَ عَشَرَ يَوماً فَقط ليُتقِنَ لُغَةً كامِلَة! هَكَذا هِيَ هِمَّةُ الشَّابِّ المُسلِمِ الَّذي تَشَبَّعَ بِالسُّنَّة، يَدرُسُ ويَتَفَوَّقُ ويُبدِع، لِأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ الأُمَّةَ تَحتاجُ إلَيه. وفي ذَلِكَ يَقولُ جَلَّ وعَلا: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة التوبة: 105]. عِبادَ
الله: والمِحْوَرُ الثَّاني في أثَرِ السُّنَّةِ في الجامِعَة، هُوَ مِحوَرُ "الأخلاقِ والأمانَة". الجامِعَةُ مُجتَمَعٌ مَفتوح، يَختَلِطُ فيهِ الصَّالِحُ بِغَيرِه، وتُعرَضُ فيه المَفاتِن. والشَّابُّ المُتَمَسِّكُ بِسُنَّةِ نَبيِّهِ ﷺ يَمشي في جامِعَتِهِ كَأنَّهُ قُرآنٌ يَمشي على الأرض. لا تَغُرَّهُ صَيحَةٌ، ولا تَستَخِفَّهُ شَهوَة. يَدخُلُ قاعَةَ الاختِبارات، وتُتاحُ لَهُ فُرسَةُ الغِشِّ، والزُّمَلاءُ مِن حَولِهِ يَتبادَلونَ الإجاباتِ في غَفلَةٍ مِنَ المُراقِب. في هذه اللَّحظَةِ الحاسِمَة، تُشرِقُ السُّنَّةُ النَّبَويَّةُ في قَلبِه، ويَرِنُّ صَوتُ الحَبيبِ ﷺ في أُذُنِه: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (رواه مسلم). فَيَضَعُ قَلَمَهُ، ويَرفُضُ أن يَبنيَ مُستَقبَلَهُ وعَلاماتِهِ ومَطْعَمَهُ القادِمَ على سُحتٍ وكَذِب. يَعلَمُ يَقينًا قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [سورة غافر: 19]. هذا هو الأثَرُ الحَقيقيُّ للسُّنَّة! لَيسَتِ السُّنَّةُ مَظهَراً خارِجيّاً فَحسَب، بَل هِيَ مُراقبَةٌ للهِ في الخَلَواتِ وقاعاتِ الامتِحانات. ومِن آثارِ السُّنَّةِ في الجامِعَة: حِفظُ البَصَرِ وعِفَّةُ الجَوارِح. نَعيشُ اليَومَ في عَصرٍ تَبَرَّجَت فيهِ الفِتَن، وفي أروِقَةِ الجامِعاتِ قَد يَرى الشَّابُّ أو الفَتاةُ ما لا يُرضي الله. الشَّابُّ الَّذي يَتَّبِعُ سُنَّةَ النَّبيِّ ﷺ، يَسيرُ غاضّاً بَصَرَه، حافِظاً لِقَلبِه، مُتَذَكِّراً وَعدَ رَبِّه: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النور: 30]. ومِن ثِمارِ هذه العِفَّة، أنَّ اللهَ يُورِثُهُ نُوراً في قَلبِه، وفَهماً في عِلمِه، ويُظِلُّهُ في ظِلِّهِ يَومَ القِيامَة! أَلَم يَقُلِ النَّبيُّ ﷺ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»؟ ومِنهُم: «وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ» (متفق عليه). فَهَنيئاً لِطالِبٍ وطالِبَةٍ حَفِظا حُدودَ اللهِ بَينَ المُحاضَرات. أيُّها المُسلِمون: الجامِعَةُ أيْضاً مِيدانٌ لِصِراعِ الأفكارِ والشُّبُهات. قَد يَجلِسُ الطَّالِبُ أمامَ أُستاذٍ يَطْعَنُ في ثَوابِتِ الدِّين، أو يَقرَأُ في كِتابٍ يُشَكِّكُ في الشَّريعَة، أو يُخالِطُ مَن يَدعوهُ إلى الانفِلاتِ التَّامِّ مِنَ القِيَم. وفي هذه المَواطِن، تَكونُ السُّنَّةُ النَّبَويَّةُ والفِقهُ الصَّحيحُ هُما الدِّرْعَ الحَصين. يَقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ اللهُ مُوصِياً تِلميذَهُ ابنَ القَيِّم بِنَصيحَةٍ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "لا تَجعَلْ قَلْبَكَ للإِيرَاداتِ والشُّبُهَاتِ مِثْلَ السِّفِنْجَةِ فَيَتَشَرَّبَهَا، بَلِ اجْعَلْهُ كَالزُّجَاجَةِ المُصْمَتَة، تَمُرُّ الشُّبُهَاتُ بِظَاهِرِهَا وَلا تَسْتَقِرُّ فِيهَا، فَيَرَاهَا بِصَفَائِهِ وَيَدْفَعُهَا بِصَلابَتِه". هَذا هو العَقلُ المُؤمِنُ المُتَحَصِّنُ بالسُّنَّة! عَقْلٌ لا يَرفُضُ العِلمَ البَشَري، ولَكِنَّهُ يَزِنُهُ بِميزانِ الكِتابِ والسُّنَّة، مُستَحضِراً قَولَ الحَقِّ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الرعد: 17]. وتَأمَّلوا مَعي سِيرَةَ الإمامِ الشَّافِعيِّ رَحِمَهُ الله، لَمَّا كانَ طالِباً في مِثلِ سِنِّ شَبابِ الجامِعَة. خَرَجَ مِن مَكَّةَ قاصِداً المَدينَةَ لِيَطلُبَ العِلمَ عِندَ الإمامِ مالِك. لم تَكُن عِندَهُ أموالٌ طائِلَة، ولا أورَقٌ وقراطيسُ يَكتُبُ فيها، بَل كانَ كَما يَقولُ عن نَفسِه: "كُنتُ أَمضي إلى الدِّيوان (مَكان رَميِ الأوراق المُستَعمَلَة) فَأَطلُبُ الظُّهورَ (أي ظُهور الأوراق المَكتوبَة) فَأَكتُبُ فيها". جُهدٌ، ومُعاناةٌ، وفَقر... لَكِنَّها الهِمَّةُ الَّتي لا تَعرِفُ المُستَحيل، والاحتِرامُ العَميقُ للعِلمِ والمُعَلِّمين. فَأينَ شَبابُنا اليَومَ مِمَّن لا يُحسِنُ الاستِماعَ لِمُعَلِّمِه، ولا يَعرِفُ توقيرَ أُستاذِه، وقَد جَهَّزَ اللهُ لَهُم كُلَّ سُبُلِ الرَّاحَةِ والأدَواتِ الحَديثَة؟ عبادَ الله... مِن أعظَمِ آثارِ السُّنَّةِ في الجامِعَة: إقامَةُ الصَّلاةِ وتَعظيمُ شَعائِرِ الله. كَم هُوَ مَشهَدٌ يُفرِحُ القَلب، حينَ تَسمَعُ الأذانَ يُرفَعُ في مَرافِقِ الجامِعَة، فَتَرى ذَلِكَ الشَّابَّ المُهَندِسَ أو الطَّبيبَ أو طالِبَ العُلومِ الحَديثَة، يَترُكُ كُتُبَهُ، ويَقطَعُ حَديثَهُ مَعَ زُمَلائِهِ، ويَتَوَجَّهُ إلى مَسجِدِ الجامِعَةِ لِيَضَعَ جَبهَتَهُ ساجِداً للهِ تَعالى! هذا الشَّابُّ قَد فَهِمَ قَولَ اللهِ جَلَّ وعَلا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا
تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [سورة النور: 36-37]. فلا تُلهيهِ مُحاضَرَةٌ، ولا يُشغِلُهُ امتِحانٌ عَن تَلبِيَةِ نِداءِ المَلِكِ الدَّيَّان. هذا هو الطَّالِبُ الَّذي نَثِقُ أنَّهُ سَيَبني الأُمَّة، لِأنَّ مَن لم يُضَيِّع حَقَّ الخالِق، أحرَى ألَّا يُضَيِّعَ حُقوقَ المَخلوقين. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين. أمّا بعد: عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن أثر السنة النبوية في الجامعة، ووقفنا مع نية طالب العلم التي تحول دراسته لعبادة، ثم تدبرنا أهمية الأخلاق والأمانة في قاعات الاختبار، وختمنا بالتحصن من الشبهات وإقامة الصلاة في أروقة الكليات. والآن، نحن أمام السؤال الأهم: كيف نترجم هذا إلى واقع في حياتنا الجامعية اليومية؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزل من منبري: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نِيَّتَكَ كُلَّ صَباحٍ قَبلَ دُخولِكَ مِن بَوابَةِ الجامِعَة. قُل في نَفسِكَ: "اللَّهُمَّ إنِّي أطلُبُ هذا العِلمَ لِأَنفَعَ بِهِ نَفسي وأُمَّتي، وأَستَغني بِهِ عَن سُؤالِ النَّاس"، لِيُبارِكَ اللهُ لَكَ في وَقتِكَ وجُهدِك. الثانية (لِسانيَّة): احفَظ لِسانَكَ وجَوارِحَكَ في حَرَمِ الجامِعَة عَنِ الكَذِبِ والغِشِّ والغيبَة. لا تَنقُل إجابَةً لا تَحِلُّ لَك، ولا تَخُض في أعراضِ النَّاس — فَإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ». الثالثة (عَمَليَّة): حافِظ على صَلاتِكَ في مَسجِدِ أو مُصَلَّى الجامِعَة. لا تُؤَخِّرِ الصَّلاةَ حَتَّى تَعودَ إلى بَيتِك — اجعَل لِنَفسِكَ جَدوَلاً يَضمَنُ لَكَ أداءَ الصَّلاةِ في وَقتِها، فَهي مِفتاحُ التَّوفيقِ والذَّكاء. الرابعة (اجتماعيَّة): اختَر صُحبَةً صالِحَةً تُعينُكَ على الطَّاعَةِ والتَّفَوُّق. الصَّاحِبُ ساحِب، وكَما قالَ الحَبيبُ ﷺ: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ». جالِس مَن يُذَكِّرُكَ باللهِ ويُشَجِّعُكَ على النَّجاح. الخامسة (موضوعيَّة): اجعَل لَكَ وِرداً يَومِيّاً ولَو بَعْدَ المُحاضَراتِ؛ تَقرَأُ فيهِ حَديثاً واحِداً مِن سُنَّةِ نَبيِّكَ ﷺ أو صَفحَةً مِن سِيرَتِه، لِيَبقى قَلبُكَ مُتَّصِلاً بِهَديهِ النُّورانيِّ في زِهامِ المَناهِجِ والمُقَرَّرات. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على التميز في الدنيا والنجاة في الآخرة. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، عملاً بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. اللَّهُمَّ ارزُقنا الإخلاصَ في أقوالِنا وأعمالِنا، واجعَل نِيَّاتِنا في طَلَبِ العِلمِ خالِصَةً لِوَجهِكَ الكَريم. اللَّهُمَّ بارِك لِشَبابِنا وبَناتِنا في جامِعاتِهِم ومَدارِسِهِم، اللَّهُمَّ افتَح عَلَيهِم فُتوحَ العارِفين، وارزُقهُم فَهْمَ النَّبِيِّينَ وحِفْظَ المُرْسَلين. اللَّهُمَّ قِهم شَرَّ فِتَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَوات، واجعَل قُلوبَهُم حُصوناً لِلإيمانِ واليَقين. اللَّهُمَّ وَفِّق أساتِذَتَهُم لِتَأدِيَةِ الأمانَة، واجعَل مُؤسَّساتِنا التَّعليميَّةَ مَنابرَ خَيرٍ وهُدىً لِلأُمَّةِ جَمعاء. اللَّهُمَّ احفَظ أوطانَ المُسلِمين، واحقِن دِماءَهُم، وارحَم مُستَضعَفيهِم، وفَرِّج هَمَّ المَهمومين، ونَفِّس كَربَ المَكروبين. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.