🕌 السُّنَّةُ النَّبَويَّة... سَفينَةُ النَّجاةِ وحِصنُ الإيمان
#خطبة_جمعة #السنة_النبوية #حجية_السنة #منكرو_السنة #العقيدة #شبهات_معاصرة #اتباع_النبي
الحمدُ للهِ الذي أرسَلَ رَسولَهُ بالهُدى ودينِ الحقِّ لِيُظهِرَهُ على الدِّينِ كُلِّه، وأنزَلَ عليهِ الكِتابَ والحِكمَةَ وعَلَّمَهُ ما لم يَكُن يَعلَم، وجَعَلَ طاعَتَهُ من طاعَتِه، ومَعصِيَتَهُ سَبَبًا للخُسرانِ والمَهانَة. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ سِياجًا يَحفَظُ الدِّينَ من تَحريفِ الغالينَ وانتِحالِ المُبطِلين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، الصَّادقُ المَصدوق، الذي لا يَنطِقُ عن الهَوى، إنْ هو إلَّا وَحيٌ يُوحى، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن سارَ على نَهجِهِ واقتَفى أثَرَهُ وسُنَّتَهُ إلى يومِ الدِّين، وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا.
أمَّا بَعدُ:
يا عبادَ الله، نحنُ اليومَ أمامَ فتنةٍ خطيرةٍ تَتَسَلَّلُ إلى عُقولِ الشَّباب، فتنةٌ تَلبَسُ ثَوبَ تَعظيمِ القُرآنِ لتَهدِمَ الإسلامَ من جُذورِه! فتنةٌ حَذَّرَ منها النبيُّ ﷺ قَبلَ أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا، ووَصَفَ أصحابَها بدِقَّةٍ عَجيبةٍ كأنَّهُ يَراهُم اليومَ يَجلِسُونَ أمامَ الشَّاشاتِ ويَنفُثُونَ شُبُهاتِهم. فما هو هذا التَّيَّارُ الخَفيُّ؟ وما هي الكَلِماتُ النَّبَويَّةُ التي كَشَفَت مُخَطَّطَهُم قَبلَ أن يُولَدوا؟ جَوابٌ يَستَحِقُّ مِنكُمُ استِحْضارَ القُلوبِ قَبلَ الأسماع.
أيُّها المؤمنون، هل سَألتُم أنفُسَكُم يومًا: كيفَ وَصَلَ إلَينا هذا الدِّينُ غَضًّا طَرِيًّا كأنَّهُ نَزَلَ اليوم؟ كيفَ عَرَفنا تَفاصيلَ صَلاتِنا، وزَكاتِنا، وحَجِّنا، وصِيامِنا؟ كيفَ عَرَفنا أدَقَّ تَفاصيلِ حَياةِ نَبيِّنا ﷺ، من دُخولِهِ بَيتَهُ إلى قيادَتِهِ للجيوش، ومن ضَحِكَتِهِ في وُجوهِ أصحابِهِ إلى بُكائِهِ في سُجودِه؟ إنَّهُ الجُهدُ البَشَريُّ الأعظَمُ في تاريخِ الإنسانيَّة: حِفظُ السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ المُطَهَّرَة.
ومع هذا الحِفظِ المُعجِز، نَسمَعُ اليومَ أصواتًا تَتَردَّدُ في مَجالِسِ بعضِ المُثَقَّفين، وتَغزو مَقاطِعَ الشَّبَكاتِ الاجتِماعيَّة، يَدَّعي أصحابُها أنَّهُم يُريدُونَ "تَنقيَةَ الدِّين". يَقولونَ لك بِلِسانٍ ذَلِقٍ وعِبارةٍ مَعسولَة: "حَسبُنا كِتابُ الله! القُرآنُ مَحفوظٌ بنَصِّ القرآن، أمَّا الأحاديثُ فَقَد كُتِبَت بَعدَ النَّبيِّ ﷺ بعُقود، ودَخَلَها الوَضعُ والضَّعف، وفيها ما لا يَقبَلُهُ العَقلُ الحَديث، فَدَعُونا من كُتُبِ التُّراث، ولنَكتَفِ بالقُرآنِ وَحدَه!". يُسَمُّونَ أنفُسَهُم "القُرآنيِّين"، والقُرآنُ مِنهُم بَراء.
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، فَإنَّ فيهِ مُعجِزَةً من مُعجِزاتِ النُّبوَّةِ تَحُلُّ كَثيرًا من أُمُورِنا. أخرَجَ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ بإسنادٍ صَحيح، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قامَ خَطيبًا فَقال: «ألا إنِّي أُوتيتُ الكِتابَ ومِثلَهُ مَعَه، ألا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبعانُ على أريكتِهِ يَقولُ: عَلَيكُم بِهذا القُرآن، فَما وَجَدتُم فيهِ من حَلالٍ فَأحِلُّوه، وما وَجَدتُم فيهِ من حَرامٍ فَحَرِّموه! ألا وإنَّ ما حَرَّمَ رَسولُ اللهِ مِثلُ ما حَرَّمَ الله».
يا سُبحانَ الله! تَأمَّلوا الصُّورَةَ النَّبَويَّةَ الدَّقيقَة: «رَجُلٌ شَبعانُ على أريكتِه». لِماذا قالَ "على أريكتِه" ولم يَقُل في المَسجِدِ أو في ساحَةِ الجِهاد؟ لأنَّ الطَّعنَ في السُّنَّةِ لا يَصدُرُ من عالِمٍ أفنى عُمُرَهُ في البَحث، ولا من مُجاهِدٍ بَذَلَ رُوحَهُ لله، بل يَصدُرُ غالِبًا من دَعِيٍّ مُتَعالٍ، جالسٍ في رَفاهِيَتِه، يَتكَئُ على كُرسِيِّه، لم يَثْنِ رُكبَتَيهِ في مَجالِسِ العُقُولِ والفِقه، ثُمَّ يُحاكِمُ دِينَ اللهِ إلى عَقلِهِ القاصِر! يَقولُ النَّبيُّ ﷺ قَبلَ أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا إنَّ هذا الصِّنفَ سَيَظهَر، ويُحَذِّرُنا مِن أن نَنخَدِعَ بِزُخرُفِ قَولِه.
أيُّها الإخوَةُ الأفاضِل، إنَّ مَن يَدَّعي الاكتِفاءَ بالقُرآنِ وإنكارَ السُّنَّة، هُوَ في الحَقيقَةِ يُكَذِّبُ القُرآنَ الذي يَدَّعي الإيمانَ بِه! كيفَ يَعقِلُ أن نُؤمِنَ بكِتابٍ يَقُولُ اللهُ فيهِ سُبحانَه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7]، ثُمَّ نَقولُ لِرَسولِ الله: لا نُريدُ ما آتَيتَنا؟!
وكيفَ نَقرَأُ قَولَهُ تَعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80]، ثُمَّ نَفصِلُ طاعَةَ اللهِ عَن طاعَةِ رَسولِهِ الَّذي بَلَّغَنا عَنه؟! وكيفَ نَمُرُّ على قَولِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]؟! تَأمَّلوا... أَقسَمَ اللهُ بِنَفسِهِ العَليَّة (فَلا ورَبِّكَ) أنَّهُ لا يَثبُتُ لَهُم إيمانٌ حتَّى يُحَكِّموا رَسولَ اللهِ ﷺ في حَياتِهِ ومَماتِه، لا يُحَكِّمُونَهُ فَقط، بل لا يَجِدُونَ في صُدُورِهِم أيَّ ضِيقٍ من حُكمِه، ويُسَلِّموا تَسليمًا مُطلَقًا! فَأينَ هذا الإيمانُ مِمَّن يَرُدُّ حَديثًا ثابِتًا لأنَّهُ "لم يَدخُل مِزاجَهُ" أو لم يُوافِق "عَقلَه"؟!
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العَلاقَةَ بينَ الكِتابِ والسُّنَّةِ لَيسَت عَلاقَةَ نَصَّينِ مُنفَصِلَين، بل هي عَلاقَةُ الرُّوحِ بالجَسَد، وعَلاقَةُ البَيانِ بالمُبَيَّن. يَقولُ اللهُ تَعالى مُخاطِبًا نَبيَّهُ ﷺ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]. اللهُ أنزَلَ القُرآن، وجَعَلَ بَيانَهُ وتَفسيرَهُ وشَرحَهُ وتَطبيقَهُ العَمَليَّ في حَياةِ النَّبيِّ ﷺ وأقوالِهِ وأفعالِه.
ولذَلِكَ قالَ الإمامُ الأوزاعيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً كُتِبَت بِماءِ الذَّهَب: "الكِتابُ أحوَجُ إلى السُّنَّةِ من السُّنَّةِ إلى الكِتاب". لا يَعني هذا أنَّ السُّنَّةَ أفضَلُ من كلامِ الله، مَعاذَ الله! بَل يَعني أنَّ القُرآنَ أُجمِلَت فيهِ الأحكام، ولا يُمكِنُ فَهمُها وتَطبيقُها إلَّا بِبيانِ السُّنَّةِ المُفَصِّلَة.
اسألوا هَؤُلاءِ الَّذينَ يَدعُونَ لاطِّراحِ السُّنَّة: كيفَ تُصَلُّون؟ القُرآنُ أمَرَنا بالصَّلاةِ فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. أينَ في القُرآنِ أنَّ الفَجرَ رَكعَتان؟ أينَ في القُرآنِ أنَّ المَغرِبَ أربَع؟ أينَ في القُرآنِ صِفَةُ الرُّكوعِ وماذا نَقولُ فيه؟ أينَ صِفَةُ السُّجود؟ لا يوجَد! لقد بَيَّنَها النَّبيُّ ﷺ بِفِعلِهِ وقال: «صَلُّوا كَما رَأيتُموني أُصَلِّي» (رواه البخاري).
وكيفَ تُزَكُّون؟ القُرآنُ أمَرَ بالزَّكاة، فَمَن الَّذي حَدَّدَ النِّصابَ، وأوضَحَ أنَّ في كُلِّ أربَعينَ شاةً شاة، وأنَّ في الذَّهَبِ رُبُعَ العُشر؟ وكيفَ تَحُجُّون؟ القُرآنُ أمَرَ بِطَوافِ العَتيق، فَمَن الَّذي أوضَحَ أنَّ الطَّوافَ سَبعَةُ أشواط، وأنَّ السَّعيَ سَبعَة، وأنَّ الوُقوفَ بعَرَفَةَ هُوَ رُكنُ الحَجِّ الأعظَم؟ إنَّهُ النَّبيُّ ﷺ الَّذي قال: «خُذوا عَنِّي مَناسِكَكُم» (رواه مسلم).
ألا يُدرِكُ العاقِلُ أنَّ إلغاءَ السُّنَّةِ يَعني إلغاءَ الإسلامِ العَمَليِّ بالكلِّيَّة؟! إنَّهُم لا يُريدُونَ تَعظيمَ القُرآنِ كَما يَدَّعون، بل يُريدُونَ دينًا بِلا تَكاليف، دينًا مائِعًا يُفَسِّرُهُ كُلُّ واحِدٍ حَسَبَ هَواهُ وتَشَهِّيه!
ودَعُونا نَنتَقِلِ الآنَ أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا لِلخَلف، إلى مَجلِسٍ من مَجالِسِ العِلمِ في البَصرَة. كانَ الصَّحابيُّ الجَليلُ عِمرانُ بنُ حُصَين رَضيَ اللهُ عَنهُما يُحَدِّثُ النَّاسَ بِسُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فَقاطَعَهُ رَجُلٌ وفي نَفسِهِ شَيءٌ من هذهِ اللُّوثَةِ وقال: "يا أبا نُجَيد، حَدِّثونا بالقرآنِ ولا تُحَدِّثونا بهذه الأحاديث!".
فماذا كانَ رَدُّ الصَّحابيِّ الَّذي تَرَبَّى في مَدرَسَةِ النُّبوَّة؟ هَل صانَعَهُ؟ هَل بَرَّرَ له؟ لا واللَّه. نَظَرَ إليهِ عِمرانُ نَظرَةَ الحازِمِ وقال: "إنَّكَ لَأحمَق! أينَ تَجِدُ في الكِتابِ أنَّ الظُّهرَ أربَعٌ لا يُجهَرُ فيها بِقِراءَة؟ وأينَ تَجِدُ في القُرآنِ أنَّ الطَّوافَ بالبَيتِ سَبع؟ وأينَ تَجِدُ الزَّكاةَ في الأَموالِ في القُرآن؟!" ثُمَّ قالَ لهُ عِمران: "لقد فَرَضَ اللهُ في القُرآنِ أشياء، وسَنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ سُنَنًا، فَخُذوا عنَّا؛ فَإنَّكُم واللَّهِ إن لم تَفعَلوا لَتَضِلُّنَّ ضَلالًا مُبينًا!". فَأُسقِطَ في يَدِ الرَّجُل، وعَرَفَ خَطَأهُ وقال: "أحيَيتَني أحياكَ الله".
وهنا قد تظنون أن هؤلاء المشككين ينطلقون من قراءة عميقة للقرآن... والواقع أنهم أجهل الناس بكتاب الله! يقول أيوب السختياني رحمه الله: "إذا حَدَّثتَ الرجل بسنة فقال: دعنا من هذا وحدِّثنا من القرآن، فاعلم أنه ضال مضل".
يا عِبادَ الله، السُّنَّةُ حِصنٌ مَنيع. المُستَشرِقُونَ وأعداءُ الإسلام، لَمَّا أيقَنُوا أنَّ القُرآنَ مَحفُوظٌ بِحِفظِ اللهِ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وأنَّهُم لا يَستَطيعُونَ تَبديلَ حَرفٍ مِنه، تَوَجَّهُوا بِسِهامِهِم إلى السِّياجِ الَّذي يَحمي القُرآن، إلى السُّنَّةِ النَّبَويَّة! طَعَنُوا في رُواةِ الحَديث، وشَكَّكُوا في صَحيحِ البُخاريِّ ومُسلِم، وسَخِرُوا من الصَّحابَةِ كَأبي هُرَيرَةَ رَضيَ اللهُ عَنه! لِماذا أبو هُرَيرَة؟ لأنَّهُ أحفَظُ الأُمَّةِ لِسُنَّةِ نَبيِّها. إذا أُسقِطَ أبو هُرَيرَة، أُسقِطَت آلافُ الأحاديث، وإذا أُسقِطَت الأحاديث، انهَدَمَ الدِّينُ وأصبَحَ الإسلامُ كَالطِّينِ اللَّيِّنِ يُشَكِّلُهُ العَلمانيُّ والمُلحِدُ والزِّنديقُ كَما يَشاء.
ألا يُشبِهُ هذا حالَ كثيرٍ مِمَّن يَظهَرُونَ اليَومَ في الفَضائيَّاتِ ويُسَمَّونَ "مُفَكِّرين"؟ تَجِدُ أحَدَهُم بِبَدلَةٍ أَنِيقَة، يَبتَسِمُ ويَقول: "أنَا أُشَغِّلُ عَقلِي... هذا الحَديثُ في صَحيحِ البُخاريِّ لا يُعجِبُني، وهُوَ يُخالِفُ المَنطِق!". سُبحانَ الله! أيُّ مَنطِقٍ تَتَحَدَّثُ عَنه؟ عُقولُ البَشَرِ نَسبيَّة، وما تَراهُ أنتَ اليَومَ مَنطِقيًّا، كانَ أجدادُكَ يَرَونَهُ مُستَحيلًا، وسَيَراهُ أحفادُكَ بَعدَ قَرنٍ تَخَلُّفًا! لَو كانَ الدِّينُ يُؤخَذُ بالعَقلِ المُجَرَّد، لما أرسَلَ اللهُ الرُّسُل!
يَقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "ومَن جَعَلَ عَقلَهُ حاكِمًا على نُصوصِ الوَحي، فَقَد نَصَّبَ نَفسَهُ إلهًا يُشرِّعُ مَعَ الله!". والقاعِدَةُ عِندَ أهلِ السُّنَّة: لا يُوجَدُ نَصٌّ شَرعيٌّ صَحيحٌ يُخالِفُ صَريحَ العَقلِ السَّليم. فإذا تَوَهَّمَ الإنسانُ تَعارُضًا، فالعَيبُ في فَهمِهِ وعَقلِهِ القاصِر، لا في وَحيِ السَّماء.
أينَ أنتُم مِن تَسليمِ أبي بَكرٍ وعُمَر؟ دَعُونا نَنتَقِلِ الآنَ إلى المَسجِدِ الحَرام، في صَدرِ الإسلام. هذا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنه، العِملاقُ، رَجُلُ الدَّولَةِ والعَقل، يَقِفُ أمامَ الحَجَرِ الأسوَد... حَجَرٌ لا يَضُرُّ ولا يَنفَع. هَل قاضاهُ عُمَرُ بِعَقلِه؟ هَل قال: لِماذا أُقَبِّلُ حَجَرًا؟ لا! التَفَتَ للناس وقالَ كَلِمَتَهُ الَّتي أسَّسَت مَنهَجَ التَّسليمِ إلى يَومِ القيامَة: "إنِّي لَأعلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنفَع، ولَولا أنِّي رَأيتُ النَّبيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلتُك" (متفق عليه).
يا لَعَظَمَةِ هَذا الدِّين! ويا لِقُوَّةِ التَّسليم! "لَولا أنِّي رَأيتُ رَسولَ الله"... هذا هُوَ الميزان.
يا عِبادَ الله، قَضيَّةُ اتِّباعِ السُّنَّةِ لَيسَت قَضيَّةً فِقهيَّةً فَقَط، بل هِيَ قَضيَّةُ حُب. إن كُنتَ حَقًّا تُحِبُّ رَسولَ اللهِ ﷺ، فالحُبُّ لَيسَ أنشودَةً تُتغَنَّى بِها، ولا ادِّعاءً يُقالُ باللِّسان، بَل هُوَ اتِّباع. استَمِعوا إلى هذه الآيَةِ الَّتي تُسَمَّى آيَةَ المِحنَة، يَقولُ رَبُّنا تَعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]. شَرطُ حُبِّ اللهِ لَك، أن تَتَّبِعَ حَبيبَهُ ﷺ. ومَنِ ادَّعى مَحبَّةَ اللهِ وهو رافِضٌ لسُنَّةِ نَبيِّه، فَهوَ كاذِبٌ في دَعواه.
وفي هذه اللحظة بالضبط، وأنت تستمع إلى خطبتي، يقرر الله في سجل الملائكة أين قلبك من تعظيم سنة نبيه ﷺ. فما هو قرارك؟ هل ستسمع للمشككين وتترك هدي المختار؟ أم ستعض عليه بالنواجذ؟
يَقولُ الإمامُ مالكٌ بنُ أنس رَحِمَهُ الله: "السُّنَّةُ سَفينَةُ نُوح، مَن رَكِبَها نَجا، ومَن تَخَلَّفَ عَنها غَرِق". فاحذَروا عِبادَ اللهِ أن تَتَخَلَّفوا عَن سَفينَةِ نَبيِّكُم في بَحرِ هذهِ الفِتَنِ المُتلاطِمَة.
أقولُ قَولي هَذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائرِ المُسلِمينَ من كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجْمَعين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ خَطَرِ تِلكَ الدَّعواتِ المارِقَةِ الَّتي تَدعو إلى التَّخلِّي عَنِ السُّنَّةِ النَّبَويَّة، وعَرَفنا كَيفَ أنَّها تَهْدِمُ الدِّينَ من أساسِه وتُعَطِّلُ القُرآنَ نَفسَه. وتَأمَّلنا مَواقِفَ الصَّحابَةِ العِظامِ كَعُمَرَ وعِمران، وكَيفَ كانَ تَسليمُهُمُ المُطلَقُ لِما جاءَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ حُبَّنا وتَعظيمَنا لِسُنَّةِ نَبيِّنا إلى واقِعٍ في حَياتِنا؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): ازرَع في قَلبِكَ الحُبَّ والتَّعظيمَ المُطلَقَ لِكُلِّ ما صَحَّ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ، واجعَل نَفسَكَ وهَواكَ تَبَعًا لِما جاءَ بِه، ولا تَجعَل في صَدرِكَ حَرَجًا مِن حُكمِه.
الثانية (لِسانيَّة): أكثِر مِنَ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، وخاصَّةً في يَومِ الجُمُعَة، وذُبَّ بِلِسانِكَ وقَلَمِكَ عن سُنَّتِهِ، ولا تَسمَح لأحَدٍ أن يَنتَقِصَ مِن رُواةِ الحَديثِ أو يُشَكِّكَ في حَفَظَةِ الشَّريعَةِ كالإمامِ البُخاريِّ ومُسلِم وغيرِهما، فإنَّ الطَّعنَ في الناقِلِ طَعنٌ في المَنقول.
الثالثة (عَمَليَّة): تَعَلَّم هَديَ نَبيِّك. لا يُعذَرُ مُسلِمٌ في بَيتِهِ ولا يَكُونُ عِندَهُ كِتابٌ كَـ "رِياضِ الصَّالحين" يَقرَأُ مِنهُ حديثًا أو حَديثَين، ليَتَعَرَّفَ على أدَبِ النَّبيِّ ﷺ، وصِيامِه، وطَريقَتِهِ في الأكلِ والشُّربِ والنَّوم. كَيفَ نَتَّبِعُ سُنَّةً نَحنُ نَجهَلُها؟!
الرابعة (اجتماعيَّة): عَلِّموا أبناءَكُم سُنَّةَ نَبيِّهِم واغرِسُوا مَحَبَّتَهُ في قُلوبِهم قَبلَ أن تَختَطِفَهُم شُبُهاتُ الإنترنت. احكُوا لَهُم قَصَصَهُ، وكَيفَ عانى ﷺ لِيَصِلَ إلَينا هذا الدِّينُ كامِلًا مُطَهَّرًا.
الخامسة (موضوعيَّة): إيَّاكُم ثُمَّ إيَّاكُم أن تَستَمِعوا إلى تِلكَ البَرامِجِ أو المَقاطِعِ الَّتي تَطْرَحُ الشُّبُهاتِ حَولَ الدِّين والسُّنَّةِ بِدَعوى "التَّنوير" و"التَّجديد". القُلوبُ ضَعيفَة، والشُّبَهُ خَطَّافَة، ومَن بَحَثَ عن السُّمِّ وتَذَوَّقَهُ، لا يَلومَنَّ إلَّا نَفسَهُ إن هَلَك.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن تَمَسَّكَ بِسُنَّةِ نَبيِّهِ في هذا الزَّمان، القابِضُ فيها على دِينِهِ كالقابِضِ على الجَمر، لَهُ أجرٌ عَظيمٌ ومَنزِلَةٌ عاليَة.
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، عَمَلًا بِقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك على نَبيِّنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ التَّابِعينَ لَهُم بِإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن أحَبَّ سُنَّةَ نَبيِّكَ ظاهِرًا وباطِنًا، اللَّهُمَّ ارزُقنا اتِّباعَهُ في الأقوالِ والأفعالِ والأخلاق.
اللَّهُمَّ أحيِنا على سُنَّتِه، وتَوَفَّنا على مِلَّتِه، واحشُُرنا في زُمرَتِه، وأورِدنا حَوضَه، واسقِنا مِن يَدِهِ الشَّريفَةِ شَربَةً هَنيئَةً لا نَظمَأُ بَعدَها أبدًا.
اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِنَ الفِتَن، ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن، ونَعوذُ بِكَ مِنَ الزَّيغِ بَعدَ الهُدى، ومِن الضَّلالَةِ بَعدَ الرَّشاد.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ الذَّابِّينَ عَن دِينِكَ، الحامِينَ لِشَريعَتِك، المُعَظِّمينَ لِكِتابِكَ وسُنَّةِ رَسولِكَ ﷺ.
اللَّهُمَّ اغفِر للمُؤمِنينَ والمُؤمِنات، والمُسلِمينَ والمُسلِمات، الأحياءِ مِنهُم والأموات.
عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللَّهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.