من مكتبة مِداد الخطيب

مولدُ النُّور... وميلادُ أُمَّة

مشاركة
🕌 مولدُ النُّور... وميلادُ أُمَّة #خطبة_جمعة #المولد_النبوي #محبة_النبي #السيرة_النبوية #اتباع_السنة #إيمانيات #عقيدة الحمدُ للهِ الذي أشرَقَت بميلادِ نبيِّه الظُّلمات، وانقَشَعَت ببعثَتِهِ سُحُبُ الجَهالات، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ طاعتَهُ مَقرونةً بطاعةِ رَسوله، ومَحبَّتَهُ مَشروطةً باتِّباعِ دَليله، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أرحَمُ الخَلقِ بالخَلق، وأصدَقُ مَن نَطَق، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن سارَ على نَهجِهِ واقتَفى أثَرَهُ إلى يومِ الدِّين، وسَلَّم تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، هل سَألتم أنفُسَكم يومًا: لماذا نَفرحُ بميلادِ رجلٍ وُلدَ قبلَ أكثرَ من ألفٍ وأربعمائةِ عام؟ وهل حُبُّنا له مُجَرَّدُ عاطفةٍ تَثورُ في شهرٍ من الشهور ثم تَسكُن؟ وما هو الدَّليلُ الصَّادقُ الذي إذا قَدَّمناهُ يومَ القيامةِ عَرَفَنا به وسَقانا من حَوضِه؟ أسئلةٌ ثَقيلة، وجَوابُها هُوَ الفاصِلُ بَينَ النَّجاةِ والهلاك، وسَنَقِفُ على حَقيقَتِها بَعدَ قَليل، فَلْنُعِرِ القُلوبَ والآذان. أيها الإخوةُ المؤمنون، في مِثلِ هذا الشَّهرِ، ربيعِ الأوَّل، تَتَوَجَّهُ قلوبُ المسلمينَ شَرقًا وغَربًا نَحوَ ذِكرى عَظيمة، ذِكرى مِيلادِ سيِّدِ ولَدِ آدم، مُحمَّدٍ ﷺ. لكنْ، دَعونا نَتَأمَّل.. ما الذي جَرى في ذلك اليوم؟ لم يُولَد مُجرَّدُ طفلٍ في مكة، بَل وُلدَت أُمَّة. كانَ العالَمُ يَغرقُ في دماءِ المظلومين، وتُوأَدُ فيه البَنات، وتُعبَدُ فيه الحِجارةُ التي لا تَضُرُّ ولا تَنفَع. العالَمُ كانَ يَعيشُ أطوَلَ ليلٍ في تاريخِ البشريَّة. ثمَّ ماذا حَدَث؟ يَقولُ اللهُ تباركَ وتعالى واصفًا تلك اللحظةَ الفارقةَ في عُمرِ الزَّمان: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ۝ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [سورة المائدة: 15-16]. تَأمَّلوا.. سَمَّاهُ اللهُ نُورًا. لأنَّ مَن لا يَسيرُ خَلفَ مُحمَّدٍ ﷺ يَتَخَبَّطُ في ظلامٍ دامس، مَهما حازَ من شَهاداتِ الدُّنيا، ومَهما بَلَغَ من مَناصِبها. النُّورُ الحقيقيُّ هو أن تَرى طريقَكَ إلى اللهِ بوضوح، ولا طريقَ إلى اللهِ إلَّا من خِلالِ هذا النَّبيِّ الأُمِّيِّ الكَريم. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة آل عمران: 164]. يا عبادَ الله، إنَّ احتفاءَنا بهذا النَّبيِّ ﷺ لَيسَ احتفاءً كاحتفاءِ الأُمَمِ بعُظمائها وزُعمائها. الأُمَمُ تُقَدِّسُ زُعماءَها وتَبني لهم التَّماثيل وتَكتُبُ لهم الأشعار، ثم يَنتهي الأمر. أمَّا نحن، فمَحبَّتُنا لنبيِّنا دِينٌ نَتقرَّبُ به إلى الله. واسمَعوا لهذا الحديثِ العظيم، الذي يَضَعُ مِيزانَ الإيمانِ في نِصابِه. يقولُ الصَّادقُ المَصدوق ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (متفق عليه). حتى أكُونَ أحَبَّ إليه من وَلَدِه! هل تَخَيَّلتم حَجمَ هذا الحُبّ؟ قلبُ الأبِ يَتَفَطَّرُ على وَلَدِه، لكنَّ حُبَّ النبيِّ ﷺ يَجبُ أن يكونَ أعمَقَ وأقوى وأرسَخ. لماذا؟ لأنَّ وَلَدَكَ قَد يَنفَعُكَ في الدُّنيا، أمَّا مُحمَّدٌ ﷺ فهو الذي سيَقِفُ يَومَ القيامةِ والناسُ في هَولٍ وفَزَع، والأنبياءُ يَقولون: نَفسي نَفسي، وهو يَسجُدُ تحتَ العَرشِ ويَقول: «يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي». فكيفَ لا نُحِبُّه؟ وكيفَ لا تَهفو القُلوبُ إليه؟ ولكن، أيُّها المُسلمون، وهنا نَصِلُ إلى الأمرِ الأخطَر. ما هي عَلامةُ هذا الحُبّ؟ هل الحُبُّ قَصيدةٌ نُنشِدُها؟ هل الحُبُّ يَومٌ نَحتَفِلُ فيه ثمَّ نَعودُ في اليَومِ التالي لِنَهجُرَ سُنَّتَه؟ لا والله. ميزانُ الحُبِّ وَضَعَهُ اللهُ من فَوقِ سَبعِ سَماوات، فقال جَلَّ جَلالُه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: 31]. يقولُ الإمامُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله، وهو يَصِفُ حالَ الناسِ مع هذه الآية: "ادَّعى قَومٌ مَحبَّةَ اللهِ، فامتَحَنَهم اللهُ بهذه الآية". نعم، هي آيةُ المحنةِ والاختبار. مَنِ ادَّعى الحُبَّ، طُولِبَ بالدَّليل، والدَّليلُ هو الاتِّباع. تَأمَّلوا مَعي مشهدًا من مَشاهدِ الحُبِّ الحقيقيِّ الذي صَنَعَهُ الاتِّباع. نَنتَقِلُ الآن إلى مَكَّةَ في عُمقِ صَحرائها، حيثُ يَقِفُ رَجُلٌ مُكَبَّلٌ بالسَّلاسِل، هو الصَّحابيُّ الجليل خُبَيبُ بنُ عَدِيٍّ رضي الله عنه. أحاطَ به كُفَّارُ قريشٍ ليَقتُلوه،
واجتَمَعوا لِيَشفوا غليلَهم منه. تقَدَّمَ إليه أبو سفيان — قَبلَ إسلامِه — وقال له يَستَفِزُّه ويَختَبِرُ قَلبَه في لَحظةِ الموت: "أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا خُبَيْبُ، أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الآنَ عِنْدَنَا مَكَانَكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ وَأَنَّكَ فِي أَهْلِكَ؟". سُؤالٌ يَهتَزُّ له الجَبَل. أنتَ أمامَ المَوت، والخلاصُ كلمة. فماذا قال خُبَيب؟ قال بكلماتٍ تُكتَبُ بماءِ الذَّهَب: "وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ، وَأَنِّي جَالِسٌ فِي أَهْلِي!". فقال أبو سفيان مُتَعَجِّبًا: "مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا". هذا هو الحُبُّ يا عبادَ الله! حُبٌّ يُرَخِّصُ الرُّوحَ والدَّمَ لأجلِ ألَّا يُشاكَ النبيُّ ﷺ بشَوكة. فما بالُنا اليومَ نَدَّعي حُبَّهُ، ثمَّ نَطعَنُ سُنَّتَهُ في بُيوتنا؟ ما بالُنا نَدَّعي حُبَّهُ، وشَبابُنا يُقَلِّدونَ أعداءَهُ في لِباسِهم وقَصَّاتِ شُعورهم ومُصطَلَحاتِهم؟ ألا تَتَفَكَّرون؟ كيفَ نَرضى أن نَترُكَ هَديَهُ ﷺ مُعَلَّقًا في كُتُبِ السِّيرة، بَينَما نَتَّبِعُ أهواءَ النُّفوس؟ ... في هُدوءِ هذه اللحظة، اسألوا أنفُسَكم بِصِدق: متى آخِرَ مَرَّةٍ تَرَكتَ فيها شَيئًا تَهواهُ نَفسُك، مُجَرَّدَ أنَّكَ عَرَفتَ أنَّ مُحمَّدًا ﷺ لا يُحِبُّه؟ متى آخِرَ مَرَّةٍ فَعلتَ فيها فِعلًا شاقًّا عليك، فَقَط لأنَّكَ تَذَكَّرتَ أنَّ نَبيَّكَ كان يَفعَلُه؟ هنا يُقاسُ الحُبّ. يقولُ القاضي عِياضٌ في كِتابِه الشِّفا وهو يُعَدِّدُ علاماتِ مَحبَّةِ النَّبيِّ ﷺ: "فاعْلَم أنَّ مَن أَحَبَّ شَيئًا آثَرَهُ وآثَرَ مُوافَقَتَهُ، وإلَّا لم يَكُن صادِقًا في حُبِّه وكان مُدَّعيًا، فالصَّادِقُ في حُبِّ النَّبيِّ ﷺ مَن تَظهَرُ عَلامةُ ذلك عليه، وأوَّلُها: الاقتِداءُ به، واستِعمالُ سُنَّتِهِ، واتِّباعُ أقوالِه وأفعاله، وامتِثالُ أوامرِه واجتِنابُ نَواهيه، والتَّأدُّبُ بآدابِه في عُسرِه ويُسرِه". يا عبادَ الله، إنَّ العالَمَ اليومَ في أمسِّ الحاجةِ إلى ميلادٍ جديدٍ لِمَعاني النُّبوَّةِ في حَياتِنا. النبيُّ ﷺ ليسَ شخصيَّةً نَستَدعيها في شَهرِ رَبيعٍ الأوَّل لِنُلقِيَ الخُطَب، بل هُوَ مَنهجُ حَياةٍ يَجِبُ أن نَستَيقِظَ عليه ونَنامَ عليه. ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: 21]. أينَ أُسوَةُ رسولِ اللهِ ﷺ في بُيوتنا؟ كيف كانَ يُعامِلُ زَوجاتِه؟ كانَ في مِهنَةِ أهلِه، يَخيطُ ثَوبَه، ويَخصِفُ نَعلَه، ويَبتَسِمُ في وَجهِ زَوجتِه، ويَقول: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (رواه الترمذي). أينَ أُسوَةُ رسولِ اللهِ ﷺ في أسواقِنا وتِجاراتِنا؟ أينَ الصِّدقُ والأمانةُ والسَّماحة؟ كان يَقول: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» (رواه البخاري). أينَ أُسوَةُ رسولِ اللهِ ﷺ مع الصِّغارِ والشَّباب؟ كان يَمسَحُ على رُؤوسِهم، ويَزرَعُ اليَقينَ في قُلوبهم قائِلًا: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ» (رواه الترمذي). وتَدَبَّروا معي هذه القِصَّةَ العَجيبة، التي تَهُزُّ القُلوبَ القاسية. كان النَّبيُّ ﷺ يَخطُبُ إلى جِذعِ نَخلَةٍ في مَسجده، فلمَّا صُنِعَ له المِنبَر، وتَحَوَّلَ إليه وصَعِدَ عليه.. هل تَدرونَ ماذا حَدَث؟ صاحَ الجِذع! الجِذعُ الخَشَبيُّ الجَمادُ أصدارَ صَوتًا كأنينِ الصَّبيِّ الذي يَبكي شَوقًا! نَعم، بَكى الجِذعُ لأنَّهُ ابتَعَدَ عن رسولِ الله ﷺ وتوَقَّفَ عن سَماعِ الوَحي بجِوارِه. فما كانَ من أرحَمِ الخَلقِ ﷺ إلَّا أن نَزَلَ عن مِنبَرِه، وذَهَبَ إلى الجِذعِ المُتَخَشِّب، فضَمَّهُ إليه واحتَضَنَه، فسَكَنَ الجِذعُ وهَدَأ كما يَهدَأُ الطِّفل! يا أُمَّةَ مُحمَّد.. إذا كانَ الجِذعُ الجَمادُ قد بَكى شَوقًا إليه، ووَلَهًا بالوحي الذي يَنزِلُ عليه.. فأينَ قُلوبُنا نحن؟ لماذا قَسَت؟ لماذا لا نَبكي شَوقًا لِسُنَّتِه؟ لماذا لا نَضُمُّ سُنَّتَهُ إلى حَياتِنا كَما ضَمَّ هُوَ الجِذع؟ ألا يُشبِهُ هذا حالَ كثيرٍ مِنَّا؟ تَبكي جُذوعٌ خَشبيَّةٌ حُبًّا لرسول الله، وتَجِفُّ مآقي رِجالٍ يَدَّعونَ الإسلامَ إذا سَمِعوا سِيرَتَه أو استُهزِئَ بسُنَّتِه. ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [سورة الحديد: 16]. واعْلَموا رَحِمكم الله، أنَّ العِبرَةَ لَيست بالابتِداع، بل بالاتِّباع. فمَن أرادَ أن يَحتَفِيَ بِنَبيِّهِ حَقًّا، فليُحيِ سُنَّتَهُ في جَوفِ اللَّيلِ وهُوَ ساجد، وليُحيِ سُنَّتَهُ في الصَّدَقةِ والخُلُقِ الحَسَن. يَقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ
مُبَيِّنًا حَقيقةَ المحبَّة: "مَحبَّةُ اللهِ ورَسولِه لا تَكونُ إلَّا باتِّباعِ الشَّريعةِ وباطنِ الدِّينِ وظاهِره". وكلُّ ما خالَفَ ذلك ممَّا اختَرَعَهُ النَّاس، مَهما زَيَّنوه، فهُوَ مَردودٌ. ألم يَقُل حَبيبُنا ﷺ: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (متفق عليه). فلْنَعُد إلى اليَنابيعِ الصَّافية. ولْنُرَبِّ أبناءَنا على شَمائلِه. علِّموا أولادَكم في البُيوتِ مَن هو مُحمَّد؟ كيفَ كان يَمشي؟ كيفَ كان يَعفو عَمَّن ظَلَمَه؟ كيفَ دَخَلَ مَكَّةَ فاتحًا مُنتَصِرًا، فلم يَتَكَبَّر، بَل دَخَلَ مُطَأطِئًا رَأسَهُ تَواضُعًا للهِ حتَّى كادَت لِحيَتُهُ تَمَسُّ رَحلَ بَعيرِه، وقال لخُصومِه الذين أذاقوهُ الوَيلات: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ». هذا هو الدِّينُ الذي إذا عَرَفَهُ أبناؤنا بَصَروا الحقيقةَ في زَمَنِ الزَّيْف. وهذا هو النَّبيُّ الذي إذا اقتَدَينا به، رَفَعَ اللهُ مَقامَنا. يقول الله جل جلاله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء: 65]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمّا بعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن مِيلادِ النُّور، وعن حَقيقةِ الحُبِّ الصَّادقِ لِنَبيِّنا ﷺ الَّذي لا يَكونُ إلَّا بالاتِّباع لا بالابتِداع، ووَقَفنا مَع مَشاهدَ من حُبِّ الصَّحابةِ وشَوقِ الجَمادِ إليه. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهمِّ الَّذي سيُحَدِّدُ إن كانت هذه الخُطبةُ سَتَمُرُّ مُرورَ الرِّيح أم سَتُثمِرُ في قُلوبكم: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الحُبَّ إلى واقِعٍ في حَياتِنا ابتِداءً من هَذا اليَوم؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدوا في قُلوبكم الشَّوقَ إلى لِقائِه. قال ﷺ: «وَدِدْتُ أَنَّا لَوْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا»، قالوا: أوَلَسنا إخوانَك يا رسول الله؟ قال: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ» (رواه مسلم). فاستَحضِروا هذه الرِّسالَةَ القَلبيَّة، وسَلوا اللهَ أن تَكونوا من هؤلاءِ الإخوانِ الذين اشتاقَ إليهم نَبيُّكم قَبلَ أن يَرَوكُم. الثانية (لِسانيَّة): أكثِروا مِن الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيهِ في لَيلِكُم ونَهاركم، وخاصَّةً في يَومِ الجُمُعة. لا تَبخَلوا على أنفُسِكم بهَذا الكَنز. فإنَّ العَبدَ إذا صَلَّى على النَّبيِّ ﷺ صَلاةً واحدة، صَلَّى اللهُ بها عليه عَشرًا، وكُفيَ هَمَّهُ وغُفِرَ ذَنبُه. اجعَلوا ألسِنَتَكم رَطبةً بِذِكرِه. الثالثة (عَمَليَّة): أحْيُوا في حَياتِكُم اليومَ سُنَّةً مَهجورةً مِن سُنَنِه. لا تَخرُجوا مِن المسجِد إلَّا وقَد عَزَمتم عَلى فَعلِ شَيءٍ واضِح: سواءٌ كان صلاةَ الضُّحى، أو صيامَ الأيَّامِ البيض، أو التَّيَامُنَ في اللِّباس، أو إفشاءَ السَّلامِ على مَن عَرَفتَ ومَن لَم تَعرِف. التَزِموا بسُنَّةٍ واحِدةٍ واعضُّوا عليها بالنَّواجِذ. الرابعة (اجتماعيَّة): اجمَعوا أبناءَكُم وأهلَ بُيوتِكم هَذِه اللَّيلة، لا لتُشاهِدوا شاشةً ولا لتَلهَوا، بَل لِتَقُصُّوا عليهم قِصَّةً واحِدةً فَقَط مِن سِيرةِ نَبيِّكم ﷺ. أخبروهُم مَن هُوَ بَطَلُهُم الحقيقيّ. إن لم تَفعَلوا أنتُم ذلك، فإنَّ الزَّمانَ سيَسرِقُ مِنهم هُوِيَّتَهم. الخامسة (موضوعيَّة): اجعَلوا اتِّباعَهُ هُوَ المِيزانَ الفاصِلَ في كُلِّ قَراراتِكم. إذا اختَلَفتُم مع زَوجاتِكم، أو تَخاصَمتُم في أرزاقِكم، فاسأَلوا: ما هُوَ هَديُ مُحمَّدٍ ﷺ هُنا؟ والتَزِموا به وإن خالَفَ أهواءَكُم. فيا مَن تَسمَعُني الآن، إيَّاكَ أن تَظُنَّ أنَّ الدِّفاعَ عن رسولِ اللهِ ﷺ يَقتَصِرُ على الشِّعارات. بَل أعظَمُ دِفاعٍ عنهُ أن يَرى النَّاسُ أثرَ أخلاقِهِ في شَخصِك، وتَعامُلِك، وبَيعِك وشِرائك. فمَن لم يَكُن مُتَّبِعًا لِسُنَّتِه، فادِّعاؤُهُ مَحَبَّتَهُ دَعوى بِلا بُرهان. فاتقوا الله عباد الله، فإن التقوى هي الميزان، واتباع هدي المصطفى هو السبيل إلى الرضوان. ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه، فقال في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم
الدين. اللهم اجعلنا ممَّن إذا ادَّعى مَحبَّةَ نَبيِّه صَدَّقَها بالاتِّباع، وإذا سَمِعَ سُنَّتَهُ سارَعَ إلى الاستِماعِ والانتِفاع. اللهم أوردنا حوضه، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً. اللهم احشرنا في زمرته، واجعلنا يوم القيامة تحت لوائه، وارزقنا شفاعته. اللهم أحيِنا على سنته، وأمتنا على ملته، واجعلنا من رفقائه في الفردوس الأعلى من الجنة. اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، واربط على قلوب المستضعفين في كل مكان، وانصر إخواننا المظلومين، وعجّل لهم بالفرج يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.