🕌 الابتزاز الإلكتروني: حماية الضحية وكسر صمت الخوف
#خطبة_جمعة #الابتزاز_الإلكتروني #حفظ_الأعراض #الأسرة #التوبة #الستر
الحمدُ للهِ الستِّيرِ الحليم، الذي أسبَلَ على عبادِهِ ثوبَ السِّترِ المتين، وجَعَلَ حِفظَ الأعراضِ من أعظمِ مَقاصدِ هذا الدِّين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَغفِرُ الزَّلَّات، ويَسترُ العَورات، ويَقبَلُ التَّوبات، ويَغضَبُ مِمَّن تَتَبَّعَ عوراتِ المسلمين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أرحَمُ النَّاسِ بالنَّاس، وأعظَمُهُم حِفظًا للذِّمام، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخيَّلوا معي مشهداً يَحدُث الآن، في هذه اللحظة، في بُيوتٍ لا نَعرِفُها، ولعلَّها قريبةٌ منَّا... شابٌّ أو فتاةٌ يَجلِسُ وَحيداً في غُرفته، يُحَدِّقُ في شاشةِ هاتفه، وقَلبُه يَكادُ يَتوقَّفُ من الرُّعب. أنفاسُه مُتلاحقة، والنَّومُ قد فارَقَ عَينَيه منذ ليالٍ، لا لِمَرَضٍ ألمَّ بجسده، ولا لِفَقرٍ نَزَلَ بساحته، بل لأنَّ هُناك رسالةً صامتةً وَصَلَته تَحمِلُ تهديداً يُدَمِّرُ حياته. اليومَ، يا عبادَ الله، نَفتَحُ مَلَفّاً يُدمي القلوب، ويَهدِمُ البُيوت، ويَقتُلُ الأرواحَ في صَمت. نتحدَّثُ عن «وحشِ الشاشات»... عن الابتزازِ الإلكتروني. فما هو هذا الدَّاء؟ وكيفَ نَحمِي ضَحاياه؟ وكيفَ نَكسِرُ صَمتَ الخوف؟
أيها المسلمون، إنَّنا نَعيشُ في زَمَنٍ تَغَيَّرَت فيه أشكالُ الجَرائم. قديماً، كان اللِّصُّ يَسرِقُ ديناراً أو مَتاعاً، أمَّا اليوم، فقد ظَهَرَ لُصوصٌ لا يَسرِقونَ الأموالَ فَحَسْب، بل يَسرِقونَ الطُّمأنينة، ويَسرِقونَ السُّمعة، ويَسرِقونَ أرواحَ الضَّحايا. المُبتَزُّ الإلكترونيُّ مُجرمٌ جَبان، يَختَبِئُ خَلفَ شاشةٍ مُضيئة، يَستَغِلُّ زَلَّةً، أو خطأً، أو ثِقةً في غيرِ مَحَلِّها، أو صورةً التُقِطَت في غَفلة، ليُحَوِّلَ حياةَ إنسانٍ إلى جَحيمٍ لا يُطاق.
واسمعوا لهذه الآيةِ العظيمة يا عباد الله، آيةٌ تَهُزُّ الوِجدان وتَكشِفُ مَوقِفَ السَّماءِ من هؤلاءِ المُجرمين، يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النور: 19].
تأملوا! اللهُ جلَّ جلالُه يَتَوَعَّدُ بالعذابِ الأليمِ في الدُّنيا قَبلَ الآخرةِ لِمَن "يُحِبُّ" مُجَرَّدَ الحُبِّ أن تَشيعَ الفاحشةُ وتُفضَحَ الأسرار، فكيفَ بِمَن يَسعَى في ذلك بِقَصد؟ كيفَ بِمَن يُخَطِّطُ ويُهَدِّدُ ويَبتَزُّ ليَنشُرَ الفَضائح؟ إنَّ هذا المُجرمَ لا يُحارِبُ عَبداً ضَعيفاً فَحَسْب، بل يُحارِبُ اسماً من أسماءِ اللهِ الحُسنى... يُحارِبُ اللهَ "السَّتِّير"!
وقد جاء في الحديث العظيم عن النبي ﷺ أنَّه صَعِدَ المِنبَرَ فَنادى بِصَوتٍ رَفيعٍ فقال: «يا مَعشَرَ مَن أسْلَمَ بِلِسانِهِ ولم يُفضِ الإيمانُ إلى قَلبِه، لا تُؤذُوا المُسلمينَ ولا تُعَيِّرُوهُم ولا تَتَّبِعوا عَوْراتِهم، فإنَّهُ مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أخيهِ المُسلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفضَحْهُ ولو في جَوفِ رَحْلِه» (رواه الترمذي).
يا لَعَظَمة هذا الدِّين! ويا لَشِدَّةِ هذا الوعيد! إنَّ المُبتَزَّ الذي يُهَدِّدُ فتاةً بنَشرِ صُورتها، أو يُهَدِّدُ شابّاً بكَشفِ سِرِّه، يَظُنُّ أنَّهُ ذكيٌّ مُتَخَفٍّ خلَفَ أرقامٍ وحِساباتٍ وَهميَّة. يَظُنُّ أنَّ أحداً لا يَعرِفُه. نَسِيَ أنَّ العَليمَ الخَبيرَ يَراه، وأنَّ اللهَ قد تَكَفَّلَ بفَضيحَتِه في عُقرِ دارِه. فاحذَر يا مَن تَتَلاعَبُ بأعراضِ النَّاس! إنَّ دُموعَ الضَّحيَّةِ التي تَسقُطُ في جَوفِ اللَّيلِ قَهراً وخَوفاً، تَصعَدُ إلى السَّماءِ وتَطرُقُ أبوابَ الجَبَّار، ودَعوةُ المَظلومِ ليس بَينَها وبَينَ اللهِ حِجاب.
ولنتأمل معاً، يا إخواني، حالَ الضَّحيَّة. شابٌّ زَلَّت به القَدَم، أو فتاةٌ غَرَّتها عاطفةٌ كاذبة، فأرسَلَت صُورةً أو باحَت بِسِرّ. أخطَؤوا؟ نعم، أخطَؤوا. أذنبوا؟ نعم، أذنَبوا. ولكن... مَن مِنَّا بلا خَطيئة؟ مَن مِنَّا لَو كُشِفَ الغِطاءُ عن سَرائرِه لاستَطاعَ أن يَمشيَ بين النَّاسِ رافعاً رأسَه؟
قال الإمام ابن القيم رحمه الله مبيناً حال المذنبين: "إنَّ العَبدَ لَيُذنِبُ الذَّنبَ، فَيَنكَسِرُ قلبُه، ويَذِلُّ نَفسُه لربِّه، فَيَكونُ ذَنبُهُ ذلك أنفَعَ له من طاعاتٍ كثيرةٍ تُورِثُهُ العُجبَ والكِبر". هؤلاءِ الضَّحايا، رُبَّما تابوا إلى اللهِ وبَكوا نَدَماً على ما فَعَلوا، واللهُ التَّوَّابُ الرَّحيمُ قد يَكونُ غَفَرَ لهم. ثم يَأتي هذا المُبتَزُّ المُجرم، ليُحاسِبَهم على ذَنبٍ رُبَّما غَفَرَهُ الله! أينَ يَذهَبُ هذا الظَّالمُ من غَضَبِ الله؟
يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [سورة الأحزاب: 58]. وأيُّ أذىً أشدُّ من تَرويعِ الآمِنين، وهَتكِ السِّترِ، واستنزافِ الأموالِ والأعراضِ تحتَ سَيفِ التَّهديد؟
أيها الأب، أيتها الأم... ولعلكم تسألون: لماذا تَرضَخُ الضَّحيَّةُ للابتزاز؟ لماذا يَدفعُ الشَّابُّ ماله، وتُقَدِّمُ الفتاةُ كرامتَها للمُبتَزّ، مَرَّةً تِلوَ المَرَّة، بدلاً من إيقافِه؟
الجوابُ مُؤلمٌ يا عبادَ الله... الجوابُ هو: نحن!
نعم، المُجتَمَعُ والأُسرَة.
الضَّحيَّةُ تَخافُ من الفَضيحة، تَخافُ من نَظرةِ المُجتَمَعِ القاسيةِ التي لا تَرحَم. تَخافُ الفتاةُ من أبيها أكثرَ ممَّا تَخافُ من المُجرم. تَخشَى أنَّها إن ذَهَبَت إلى أهلِها مُعتَرِفةً بخَطئها وطالبةً للحماية، أن تَجِدَ السَّيفَ مُسَلَّطاً على رَقَبَتها بَدَلاً من أن تَجِدَ الدِّرعَ الذي يَحميها. الخَوفُ من قَسوةِ الأهلِ هو السِّلاحُ الحقيقيُّ الذي يَستَخدِمُهُ المُبتَزُّ. لو كان المُبتَزُّ يَعلَمُ أنَّ الفتاةَ ستُخبِرُ أباها أو أخاها، وأنَّ الأبَ سَيَضُمُّ ابنَتَهُ ويَقولُ لها: "أنتِ ابنتي، أخطَأتِ ولكنَّني سَنَدُكِ ولن أسمَحَ لِوَغْدٍ أن يَمَسَّكِ بِسوء"... لَو عَلِمَ المُجرمُ ذلك، لَفَرَّ هارباً.
لكنَّهُ يَلعَبُ على وَتَرِ الرُّعبِ المُجتَمَعي. فكيف يعقل أن نَترُكَ أبناءَنا وبَناتنا فريسةً لِذِئابِ الشَّبَكات، لأنَّنا لم نُعَلِّمهُم أنَّ بابَنا مَفتوحٌ لهم مَهما عَظُمَت أخطاؤهم؟
عُودوا معي إلى تاريخ السلف الصالح، لنرى كيف كان المجتمع المسلم يتعامل مع المخطئ التائب، وكيف كان الستر منهجاً لا شعاراً.
جاءَ رَجُلٌ إلى أميرِ المُؤمنينَ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي اللهُ عنه، يَحمِلُ في صدره همّاً ثقيلاً. قال الرجل: "يا أميرَ المؤمنين، إنَّ ابنةً لي أصابَت حدّاً (أي وقعت في الزنا)، فَعَمَدَت إلى مُديَةٍ (سِكِّين) فَذَبَحَت نَفسَها، فأدرَكناها وقَد قَطَعَت بَعضَ أوداجِها، فَداوَيناها حتى بَرِئَت. ثُمَّ إنَّها أقبَلَت على القُرآنِ والعِبادةِ وحَسُنَت تَوبَتُها. وقد جاءَ الآنَ مَن يَخطِبُها... أُفأُخبِرُهُ بِشأنِها؟"
تأملوا الموقف! أبٌ يَسألُ عن ماضٍ أسودَ لابنته، يَسأل هل يَكشِفُ سِرَّها للخاطب من باب الأمانة؟
فماذا كان رَدُّ الفُاروقِ عُمَر، الرَّجلِ الذي كان الشَّيطانُ يَفِرُّ من طريقِه لِقُوَّتِهِ وحَزمِه؟
غَضِبَ عُمَرُ غَضَباً شديداً وقال للرَّجُل: "أَتَعمِدُ إلى سِترٍ سَتَرَهُ اللهُ فَتَهتِكُه؟! واللهِ، لَئِن أخبَرتَ بِشأنِها أحَداً مِنَ النَّاسِ لَأَجعَلَنَّكَ نَكالاً لأهلِ الأمصار! بَل أَنكِحها نِكاحَ العَفيفةِ المُسلِمة!".
يا الله! "أَنكِحها نِكاحَ العَفيفةِ المُسلِمة". هذا هو الفِقهُ العظيم. عُمَرُ رضي الله عنه أدرَكَ أنَّ التَّوبةَ تَجُبُّ ما قَبلَها، وأنَّ السِّترَ مَقصِدٌ شرعيٌّ يُحيي الأرواحَ المُنكَسرة. إذا تابَ العَبدُ، سَتَرَهُ الله، ومَن سَتَرَهُ اللهُ، حَرُمَ على الخَلقِ فَضحُه. فكيفَ نَحنُ اليوم؟ كَيفَ نُسَلِّمُ أبناءَنا لِلمُبتَزِّين بِسَبَبِ قَسوَتِنا؟
ويعلمنا نبينا ﷺ هذا المنهج في قصة أخرى عجيبة. لمَّا جاءَ ماعِزٌ رضي الله عنه يَعتَرِفُ بالزِّنا، التَفَتَ النَّبيُّ ﷺ إلى هَزَّال — وهو الرَّجُلُ الذي شَجَّعَ ماعزاً على الاعتراف والمجيء للنبي ﷺ — فقال له النَّبيُّ ﷺ مُعاتباً: «يَا هَزَّالُ، لَوْ سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ لَكَانَ خَيْراً لَكَ!» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
"لَو سَتَرتَهُ بِرِدائك"... فكيف بِمَن يَسعَى اليَومَ في هَتكِ أستارِ الآمِنين بِهواتفِهِم وتَسجيلاتِهم وصُوَرِهم؟
إخواني في الله، الابتزازُ الإلكترونيُّ مَبنيٌّ على الخَوف. المُبتَزُّ يَسقيكَ الخَوفَ قَطرةً قَطرة. فما هو العِلاج؟
العِلاجُ أن تَستبدِلَ الخَوفَ من الفَضيحةِ، بالخَوفِ من الله والتَّوَكُّلِ عليه.
رسالتي هنا لِكُلِّ ضَحيَّةٍ تَسمَعُني الآن، أو سَيَصلُها كَلامي: لا تَخضَع! لا تَدفَع! لا تُرسِل المَزيد!
المُبتَزُّ وحشٌ كُلَّما أطعَمتَهُ، كَبُرَ زُورُهُ وطَغى، ولَن يَشبَع. ظَنُّكَ أنَّكَ إن دَفَعتَ له سَيَترُكُكَ، هو وَهمٌ كاذب. سيَعودُ ليَبتَزَّكَ مَرَّةً أُخرى بَعدَ شَهرٍ أو سَنَة.
اسمع نداءَ مَولاكَ الذي خَلَقَك، وهو أرحَمُ بكَ مِن نَفسِك: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الزمر: 53].
ارجِع إلى الله، تُب إليه، ثمَّ اتَّخِذِ القَرارَ الشُّجاع: اقطَع التَّواصُلَ مَعَهُ تَماماً، وأبلِغِ الجِهاتِ المُختَصَّة، وصارِح مَن تَثِقُ بِهِ مِن أهلِك. الفَضيحةُ المُتَوَهَّمَةُ أهونُ ألفَ مرَّةٍ مِن عُبوديَّةٍ ذَليلةٍ لِمُجرمٍ نَذْلٍ يَمتَصُّ رُوحَك. لا تتردّد ولا تخف، فإن الله معك ولن يضيعك إن صدقت اللجأ إليه.
...
تأملوا هذا المعنى جيداً.
الجريمة ليست في الخطأ الأول الذي تُبت منه، الجريمة التي تدمر حياتك هي استمرارك في الرضوخ للباطل.
ولنتأمل معاً واقعَ كثيرٍ من مجتمعاتنا، كيف أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحةً لنهش الأعراض! بمجرد أن ينتشر مقطع مقصود أو مسرب، أو صورة فضيحة، تجد الآلاف، بل الملايين، يشاركونها! يتداولونها عبر مجموعات (الواتساب) ووسائل التواصل، وهم يضحكون أو يتشمتون.
هل فكر هؤلاء أن كل ضغطة زر لنشر تلك الصورة هي مشاركة فعلية في الابتزاز؟
هل فكروا أنهم يرتكبون إثماً مبيناً؟
يقول الله تعالى محذراً إيانا من هذا الانزلاق الخطير: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [سورة الحجرات: 12].
وقال الصادق المصدوق ﷺ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (رواه مسلم). وعِرضُ المسلمِ يشمل سمعته وصورته وحياته الخاصة.
قال الإمام الحسن البصري رحمه الله: "أدركتُ أقواماً لم تكن لهم عيوب، فتكلموا في عيوب الناس، فأحدث الله لهم عيوباً. وأدركت أقواماً كانت لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس، فنسي الناس عيوبهم".
يا مَن تصلك فضيحةُ أخيك أو أختك فتسارع لنشرها: قف! أنت تهتك ستر الله. امسحها فوراً. كُن أنت الحلقة التي تتوقف عندها الفتنة. كن من عباد الله الذين يسترون ليسترهم الله يوم العرض الأكبر.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ لله حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أمَّا بعد:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن جريمة الابتزاز الإلكتروني، وكيف أن المبتز محارب لله الستير، ووقفنا مع معاناة الضحية وضرورة كسر صمت الخوف، وتدبرنا مسؤولية الأسرة في احتواء أبنائها ومسؤولية المجتمع في ستر العورات. والآن، إخواني، بقي السؤال الأهم الذي سيحدد إن كانت هذه الخطبة ستمر مرور الريح أم ستثمر في قلوبكم: كيف نترجم هذا إلى واقع في حياتنا؟ كيف نحمي أنفسنا ومجتمعنا؟
يقول الله جل في علاه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة: 2].
وأوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري:
الأولى (قَلبيَّة): إلى كلِّ مَن زَلَّت قَدَمُه ووَقَعَ ضحيَّةً، استَحضِر نيَّةً صَادقةً بالتوبة النصوح، ولا تيأس من رحمة الله. الذنب بينك وبين ربك يُغفر متى صدقت، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [سورة هود: 114]. اغسل قلبك بالرجاء، ولا تجعل الخوف من المخلوق أعظم من رجائك في الخالق.
الثانية (لِسانيَّة): احفظ لسانك وأصابعك عن تناقل الفضائح. إذا وصلتك صورة مسربة، أو مقطع ابتزاز، فاجعله يقف عندك وامسحه فوراً. قل خيراً أو اصمت. وتذكر قوله ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (متفق عليه). سترك لأخيك اليوم، هو سترك لنفسك يوم تُبلى السرائر.
الثالثة (عَمَليَّة): إلى الضحية: توقف عن الدفع أو الرضوخ اليوم! الآن! لا ترسل صورة أخرى، ولا تحول درهماً واحداً. الخضوع للمبتز يزيد قيودك. توجه فوراً إلى الجهات المختصة في الدولة، فهي مجهزة بسرية تامة للتعامل مع هؤلاء المجرمين وقطع دابرهم. خطوة شجاعة منك اليوم تنهي كابوساً طويلاً.
الرابعة (اجتماعيَّة): إلى الآباء والأمهات: افتحوا أبواب الحوار مع أبنائكم الليلة. اجلس مع ابنتك وابنك وقل لهم بوضوح: "نحن بشر ونخطئ، إذا وقعتم في مشكلة أو تعرضتم لتهديد، فتعالوا إليّ فوراً. أنا درعكم وحاميكم ولن أتخلى عنكم". الأب الحكيم هو الذي يجعل بيته الملاذ الآمن، لا قفص الاتهام.
الخامسة (موضوعيَّة): رسالة تحذير وإنذار إلى كل مُبتَز: تُب إلى الله الليلة قبل أن تنام. امسح ما في هاتفك من صور الناس، وكُفَّ أذاك عنهم. والله لئن لم تتب، ليقذفن الله الرعب في قلبك، وليفضحنك في عقر دارك. قال ﷺ: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (رواه مسلم)، ومفهوم المخالفة أن من فضح مسلماً فضحه الله.
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الأعراض مصونة، وأن الحقوق محفوظة عند من لا يغفل ولا ينام. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: 281].
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، القائل: «كل المسلم على المسلم حرام»، عملاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين.
اللهم اجعلنا ممن إذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر، وممن يسترون العورات ويقيلون العثرات.
اللهم احفظ شبابنا وفتياتنا من فتن الشبهات والشهوات، واحفظهم من كيد الكائدين، ومكر المبتزين الأشرار.
اللهم أنزل سكينتك وطمأنينتك على كل مكروب ومهموم، وكل من طال خوفه واشتد كربه، اللهم فرج همهم، ونفس كربهم، واكفهم شر من أراد بهم سوءاً بما شئت وكيف شئت، إنك على كل شيء قدير.
اللهم من أراد بأعراض المسلمين سوءاً فاشغله في نفسه، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا قوي يا عزيز.
اللهم اجعل بيوتنا آمنة مطمئنة، وارزقنا الرفق بأبنائنا، واجعلنا لهم حضناً دافئاً وسنداً منيعاً.
اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، واجعلهم في كل أرضٍ آمنين مطمئنين، وارفع الظلم عن المظلومين، وانصر المستضعفين من عبادك في كل مكان.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبالابتزاز الإلكتروني: حماية الضحية وكسر صمت الخوف
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.