🕌 طَهَارَةُ القُلُوبِ مِن لَوَثَاتِ الشُّكُوك
#خطبة_جمعة #اليقين #أمراض_القلوب #الشك #تزكية_النفس #عقيدة #رقائق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ اليَقينَ رُوحَ الإيمان، وطُمَأنينَةَ القُلُوبِ، ومِفتاحَ الفَلاحِ في الدُّنيا والآخرة. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادةً نَقِيَّةً من كُلِّ رَيب، مُبَرَّأَةً من كُلِّ شَكٍّ، خالِصَةً لِوَجهِهِ الكَريم. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُوقِنين، وسَيِّدُ المُتَوَكِّلين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين، وسَلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَخَيَّلوا معي رَجُلاً يَبني حِصناً عَظيماً، يُشَيِّدُ جُدرانَهُ، ويُحكِمُ أبوابَهُ، ويَجمَعُ فيهِ كُنوزَهُ ونَفائِسَه. ثُمَّ إنَّهُ يَترُكُ في أَساسِ هذا الحِصنِ ثُقبَةً صَغيرَةً، لا يَعبَأُ بِها، فَتَتَسَلَّلُ مِنها حَيَّاتٌ وعَقارِبُ تُفسِدُ عَليهِ مَأْمَنَه، وتُسَمِّمُ حَياتَه، وتَجعَلُ حِصنَهُ مَقبَرَةً لَه! هذا الحِصنُ — يا عِبادَ الله — هُوَ قَلبُ المُؤمِن، وتِلكَ الكُنوزُ هِيَ صَلاتُهُ وصِيامُهُ وطاعاتُه، وأمَّا تِلكَ الثُّقبَةُ الخَفيَّةُ والآفَةُ المُهلكَة... فَهِيَ "الشَّكُّ" إذا تَمَكَّنَ مِنَ القَلب. مَرَضٌ خَفيٌّ لا يُوجِعُ الجَسَد، ولا يُسقِطُ الشَّعر، ولا يُنحِلُ البَدَن، ولَكِنَّهُ يَهدِمُ الآخِرَةَ هَدماً. فَكَيفَ نُطَهِّرُ حُصُونَنا؟ وكَيفَ نَحرُسُ قُلوبَنا؟ الجَوابُ في خُطبَتِنا اليَوم.
أَيُّها المُسلِمون، الدِّينُ كُلُّهُ مَبنيٌّ عَلَى أصلٍ واحِد، ومَدارُ النَّجاةِ يَومَ القِيامَةِ مَرهونٌ بِشَيءٍ واحِد، ألا وهُوَ "سَلامَةُ القَلب". يَقولُ مَولانا جَلَّ في عُلاه، واصِفاً ذَلِكَ المَشهَدَ المَهيبَ المَخوف: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].
تَأمَّلوا هَذِهِ الآيَةَ العَظيمَة! القَلبُ السَّليم. لَم يَقُلِ الجَسَدُ السَّليم، ولا العَقلُ الذَّكي، ولا العَمَلُ الكَثير... بَلِ القَلبُ السَّليم. وقَد أجمَعَ عُلَماءُ التَّفسيرِ والسَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى أنَّ القَلبَ السَّليمَ هُوَ القَلبُ الَّذي سَلِمَ مِن شِركٍ يُناقِضُ التَّوحيد، ومِن بِدعَةٍ تُخالِفُ السُّنَّة، ومِن شَهوَةٍ تُخالِفُ الأمر، ومِن "شَكٍّ" يُناقِضُ اليَقين. فالشَّكُّ صَدَأُ القُلوب، ومَرَضُ الأرواح، وآكِلُ الحَسَنات.
إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعالَى قَد حَسَمَ قَضِيَّةَ الإيمانِ في القُرآنِ الكَريمِ بِشَرطٍ لا يَتَنازَلُ عَنه، فَقالَ سُبحانَهُ مُبَيِّناً حَقيقَةَ المُؤمِنينَ الصَّادِقين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15].
قِفوا عِندَ كَلِمَةِ ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾... أي: لَم يَشُكُّوا، ولَم يَتَرَدَّدوا، ولَم تَتَزَلزَل أقدامُ قُلوبِهِم بَعدَ ثُبوتِها. الإيمانُ لَيسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تُقالُ بِاللِّسان، والإسلامُ لَيسَ مُجَرَّدَ هُوِيَّةٍ نَرِثُها في أوراقِنا الرَّسميَّة. الإيمانُ هُوَ ذَلِكَ الِاستِقرارُ الرَّاسِخُ في الأعماق، الَّذي لا تُحَرِّكُهُ العَواصِف، ولا تَطيرُ بِهِ الرِّياح.
ويُبَيِّنُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ خُطورَةَ القَلبِ وأثَرَهُ عَلَى سائرِ الجَسَد، فَيَقولُ في الحَديثِ المُتَّفَقِ عَلَيه: «أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ القَلْبُ». فَإِذا دَخَلَ الشَّكُّ في وُجودِ الله، أو في عَدلِهِ، أو في حِكمَتِهِ، أو في صِدقِ نَبِيِّهِ ﷺ، أو في حَقيقَةِ الآخِرَة، أو في صِحَّةِ الشَّريعَة... فَسَدَت تِلكَ المُضغَة، وتَحَوَّلَتِ الصَّلاةُ إلى حَرَكاتٍ بَدَنِيَّةٍ بارِدَة، وتَحَوَّلَ الدُّعاءُ إلى هَمسٍ لا حَرارَةَ فيه، لأنَّ المُحَرِّكَ قَد تَعَطَّل!
إخوَتي في الله، هَل سَأَلتُم أنفُسَكُم يَوماً: كَيفَ يَبدَأُ الشَّكُّ في قَلبِ المُسلِم؟ وكَيفَ يَنسَلِخُ العَبدُ مِن يَقينِهِ وهُوَ لا يَشعُر؟
إنَّ الشَّيطانَ لا يَأتي إلى المُؤمِنِ فَيَقولُ لَهُ صَراحَةً: "اكفُر بِالله". بَل يَأتيهِ بِخُطُواتٍ، كَما حَذَّرَنا الجَلَّيلُ سُبحانَه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: 21]. يَأتيهِ في صورَةِ "سُؤالٍ بَريء"، ثُمَّ "فِكرَةٍ عابِرَة"، ثُمَّ "شُبهَةٍ صَغيرَة". فَإِذا لَم يَدفَعها المُؤمِنُ بِنورِ العِلمِ وقُوَّةِ اليَقين، اسْتَوطَنَت قَلبَه، وعَشَّشَت في صَدرِه، حَتَّى يُصبِحَ الدِّينُ كُلُّهُ عِندَهُ مَحَلَّ اتِّهام!
اسْمَعوا إلى هذا التَّشبيهِ العَبقَريِّ الَّذي نَحَتَهُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ في كِتابِهِ "مِفتاحُ دارِ السَّعادَة"، وهُوَ يَصِفُ كَيفَ يَجِبُ أن نَتَعامَلَ مَعَ الشُّبُهاتِ والشُّكوك. يَقولُ مُحَذِّراً تِلميذَهُ ابنَ تَيمِيَّةَ لَهُ: «لا تَجعَل قَلبَكَ لِلإيراداتِ والشُّبُهاتِ مِثلَ الإسفَنجَةِ، فَيَتَشَرَّبَها، فَلا يَنضَحَ إلَّا بِها. ولَكِنِ اجعَلهُ كَالزُّجاجَةِ المُصمَتَةِ، تَمُرُّ الشُّبُهاتُ بِظاهِرِها ولا تَستَقِرُّ فيها، فَيَراها بِصَفائِهِ، ويَدفَعُها بِصَلابَتِه».
يا لَهُ مِن تَصويرٍ عَجيب! القَلبُ الإسفَنجَةُ هُوَ قَلبُ المُتَلَقِّي في زَمانِنا، الَّذي يَفتَحُ هاتِفَهُ في كُلِّ صَباح، ويُسَلِّمُ عَقلَهُ وعَينَيهِ لِمَقاطِعِ المُلحِدين، والمُشَكِّكين، والساخِرينَ مِن آياتِ الله، يَتَلَقَّى الشُّبُهاتِ دُونَ عِلمٍ يُحصِّنُه، ودونَ إيمانٍ يَحرُسُه، فَيَتَشَرَّبُها قَلبُهُ كَما تَتَشَرَّبُ الإسفَنجَةُ الماءَ المُلَوَّث، حَتَّى إذا عُصِرَت... لَم تُخرِج إلَّا التَّلَوُّثَ والشَّكّ!
عِبادَ الله، نَحنُ نَعيشُ اليَومَ في عَصرٍ مَفتوح، عَصرٍ جُعِلَت فيهِ الشُّكوكُ سِلعَةً تُباعُ وتُشتَرى، وتُصنَعُ لَها المَنَصَّاتُ والبَرامِج. الفَتى الصَّغيرُ، والشَّابُّ في مُقتَبَلِ عُمُرِه، قَد يَرى ويَسمَعُ مِنَ الشُّبُهاتِ في يَومٍ واحِدٍ عَبرَ شاشَتِهِ الصَّغيرَة، ما لَم يَسمَع بِهِ كِبارُ عُلَماءِ الأُمَّةِ في قَرنٍ كامِل! شُكوكٌ في كَمالِ الشَّريعَة، طُعونٌ في السُّنَّةِ النَّبَوِيَّة، سُخرِيَةٌ مِنَ الحِجابِ والعِفَّة، هُجومٌ عَلَى حِكمَةِ اللهِ في أقدارِه. فَإذا لَم يَكُنِ القَلبُ "زُجاجَةً مُصمَتَةً" قَوِيَّةَ اليَقين، صَلْبَةَ الإيمان، تَحطَّمَ تَحتَ هَذِهِ المَطارِق.
ولَكِن، ما هُوَ المِقياس؟ كَيفَ أعرِفُ أنَّ ما في قَلبي هُوَ وِسواسٌ عابِرٌ لا يَضُرّ، أم شَكٌّ مُستَقِرٌّ مُهلِك؟
تَأمَّلوا مَعي هذا المَوقِفَ النَّبَوِيَّ الرَّحيم، الَّذي يَسيلُ بَرداً وسَلاماً عَلَى كُلِّ قَلبٍ مُبتَلى. جاءَ رِجالٌ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ إلَيه، وقَد بَلَغَ مِنهُمُ الخَوفُ مَبلَغَه، تَكادُ قُلوبُهُم تَنخَلِعُ مِن شِدَّةِ ما يَشعُرونَ بِه. فَسَألُوهُ قائِلين: يا رَسولَ الله، إنَّا نَجِدُ في أنفُسِنا ما يَتَعاظَمُ أحَدُنا أن يَتَكَلَّمَ بِه! (أي: نَجِدُ أفكاراً ووِساوِسَ في عَقيدَتِنا، وفي ذَاتِ الله، نَخافُ حَتَّى مِنَ النُّطقِ بِها لِبَشاعَتِها).
فَبِماذا أجابَهُمُ النَّبِيُّ الرَّحيمُ ﷺ؟ هَل كَفَّرَهُم؟ هَل طَرَدَهُم؟ لا والله! بَلِ التَفَتَ إلَيهِم بِوَجهِهِ المُشرِقِ وقال: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قالوا: نَعَم. قالَ كَلِمَةً كُتِبَت بِماءِ الذَّهَب: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ»! (رَواهُ مُسلِم).
اللهُ أكبَر! صَريحُ الإيمان؟ نَعَم. شَرَحَ عُلَماءُ الإِسلامِ هذا الحَديثَ فَقالوا: إنَّ كَراهِيَتَكُم لِهَذِهِ الوِساوِس، وخَوفَكُم مِنها، وعَدَمَ قُبولِكُم لَها في قُلوبِكُم، ومُدافَعَتَكُم لَها، هُوَ دَليلٌ عَلَى أنَّ الإيمانَ في قُلوبِكُم صَريحٌ وخالِص! فاللِّصُّ لا يَدخُلُ بَيتاً خَرِباً، بَل يَقصِدُ البَيتَ المَليءَ بِالكُنوز. كَذَلِكَ الشَّيطان، لا يُوسوِسُ في قَلبٍ فارِغٍ كافِر، فَقَد فَرَغَ مِنه، بَل يَقصِدُ قَلبَ المُؤمِنِ المُوَحِّدِ لِيَسرِقَ يَقينَه.
فَلا تَحزَن يا مَن تُهاجِمُهُ الوِساوِسُ في صَدرِه! الوِسواسُ الَّذي تَكرَهُهُ وتَدفَعُهُ لا يَضُرُّك، وإنَّما الَّذي يُهلِكُ، هُوَ "الشَّكُّ" الَّذي يَستَريحُ إلَيهِ العَبد، ويَرتَضيه، ويَجعَلُهُ مِنهَجاً وعَقيدَة، ويَترُكُ بِسَبَبِهِ الصَّلاة، أو يُجادِلُ بِهِ في آياتِ الله!
ويُقَرِّرُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ حَقيقَةَ هَذا الثَّباتِ فَيَقول: «واللهِ لَقَد أدرَكتُ أقواماً، لَوِ انْشَقَّتِ السَّماءُ عَنِ الأرضِ ما ازدادوا في إيمانِهِم يَقينًا، لِأنَّ يَقينَهُم بَلَغَ المُنْتَهَى».
هَل سَأَلتُم أنفُسَكُم يَوماً: كَيفَ كانَ يَأتي هَذا اليَقين؟
اسْمَعوا إلى هَذِهِ القِصَّةِ العَظيمَةِ مِن سِيرَةِ الصِّدِّيقِ أبي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنه. قِصَّةٌ تُبَيِّنُ الفَرقَ الشَّاسِعَ بَينَ الشَّكِّ المُنحَرِف، واليَقينِ المُستَقيم.
في صَبيحَةِ الإِسراءِ والمِعراج، عِندَما أخبَرَ النَّبِيُّ ﷺ قُرَيشاً أنَّهُ أُسرِيَ بِهِ إلى بَيتِ المَقدِسِ وعادَ في لَيلَةٍ واحِدَة. طارَ عُقولُ المُشرِكين، ووَجَدُوها فُرسَةً لا تُعَوَّضُ لِلتَّشكيكِ في رِسالَتِه! ذَهَبوا يُهَروِلونَ إلى أبي بَكر. قالوا لَه: هَل لَكَ في صاحِبِكَ؟ يَزعُمُ أنَّهُ أُسرِيَ بِهِ اللَّيلَةَ إلى بَيتِ المَقدِسِ وجاءَ قَبلَ الصَّباح! (وهُم يَعلَمونَ أنَّ الرِّحلَةَ تَستَغرِقُ شَهراً ذَهاباً وشَهراً إِياباً).
ماذا كانَ يُمكِنُ لِأبي بَكرٍ أن يَفعَل؟ هَل طَلَبَ مُهْلَةً لِلتَّفكير؟ هَل دَخَلَ الشَّكُّ قَلبَه؟ لا والله!
قالَ جُملَةً واحِدَةً هِيَ أصلُ اليَقينِ في الإِسلام: «إِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ!».
يا لَعَظَمَةِ هذا المَوقِف! «إن كانَ قالَ فَقَد صَدَق». قالوا: أتُصَدِّقُهُ في هذا؟! قال: «إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ». فَسُمِّيَ يَومَئِذٍ بِالصِّدِّيق!
هَذا هُوَ اليَقينُ يا عِبادَ الله. اليَقينُ الَّذي يَبني جِداراً صُلبَاً أمامَ كُلِّ شُبهَة، لأنَّهُ مَبنيٌّ عَلَى أصلٍ ثابِت: صِدقِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وقُدرَةِ اللهِ الَّتي لا يُعجِزُها شَيء. ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: 10]؟!
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ القَلبَ الَّذي يَعتادُ الشَّكَّ في كُلِّ شَيء، والاعتِراضَ عَلَى كُلِّ حُكم، والتَّمَرُّدَ عَلَى أُصولِ الشَّريعَة بِاسمِ "التَّنويرِ" و"البَحث"، هُوَ قَلبٌ مَريضٌ يَسيرُ إلى الهَلاك. يَقولُ تَعالَى عَنِ المُنافِقينَ الَّذين استَمرأوا الشُّكوك: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10]. الشَّكُّ إذا استُحسِنَ زادَ وتَضَخَّم، حَتَّى يَأكُلَ الدِّينَ كُلَّه.
فَكَيفَ التَّطهير؟ كَيفَ النَّجاة؟
يُخاطِبُكُم رَبُّكُم تَبارَكَ وتَعالَى واصِفاً الدَّواءَ الوَحيدَ لِهَذِهِ الأدواء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
شِفاءٌ لِما في الصُّدور! القُرآنُ هُوَ مَشفَى القُلوب، ومُطهِّرُ النُّفوس. إنَّ القَلبَ الَّذي يَقرَأُ كِتابَ اللهِ بِتَدَبُّر، ويَقِفُ عِندَ آياتِهِ، ويَرى كَيفَ يَرسُمُ القُرآنُ حَقيقَةَ الكَونِ، وحَقيقَةَ الإنسانِ، وحَقيقَةَ الخالِق... لا يُمكِنُ لِلشَّكِّ أن يَجِدَ فيهِ مَكاناً. إنَّ آيَةً واحِدَةً تَقَعُ في قَلبٍ مُنكَسِرٍ تَبُدِّدُ ظَلامَ ألفِ شُبهَة!
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ الله، وقَد أدرَكَ حَقيقَةَ هذا الدَّاء: «والشَّكُّ في الدِّينِ مِن أمراضِ القُلوب، وعِلاجُهُ اليَقينُ، واليَقينُ لا يُنالُ إلَّا بِطَلَبِ العِلمِ النَّافِعِ، وعَمَلِ الصَّالِحاتِ، والدُّعاءِ بِالِافْتِقارِ إلَى الله». هَذِهِ الثَّلاثِيَّة: عِلمٌ يَنفي الجَهل، وعَمَلٌ يُثَبِّتُ الإيمان، ودُعاءٌ يَستَنزِلُ الرَّحمَة.
إخوَتي الأَحِبَّة، إن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ حَقّاً، فَطَهِّروا بَيتَهُ الَّذي يَنظُرُ إلَيه. اللهُ لا يَنظُرُ إلى صُوَرِكُم ولا إلى أموالِكُم، ولَكِن يَنظُرُ إلى قُلوبِكُم. فَلا تَجعَلوا مَحَلَّ نَظَرِ اللهِ مِنكُم مَليئاً بِالشُّكوكِ والأوهامِ والتَّرَدُّد. طَهِّروهُ بِذِكرِهِ، واغْسِلوهُ بِدُموعِ التَّوبَة، وثَبِّتوهُ بِطاعَتِه، قَبلَ أن يَأتيَ يَومٌ تُكشَفُ فيهِ السَّرائِر، وتُمحَصُ فيهِ القُلوب.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أجْمَعين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن خَطَرِ الشَّكِّ إذا دَخَلَ القَلب، وكَيفَ أنَّهُ كَالسَّمِّ الَّذي يُفسِدُ الإيمان، وفَرَّقنا بَينَ الوِسواسِ العابِرِ الَّذي نَدفَعُهُ ونَكرَهُهُ وهُوَ دَليلُ الإيمان، وبَينَ الشَّكِّ المُستَقِرِّ الَّذي يُهلِكُ صاحِبَه. وعَرَفنا أنَّ صَلاحَ الدُّنيا والآخِرَةِ مَبنيٌّ عَلَى اليَقين. والآن، السُّؤالُ العَمَليُّ الأهَمّ، السُّؤالُ الَّذي نُواجِهُ بِهِ أنفُسَنا قَبلَ أن نُغادِرَ هَذا المَسجِد: كَيفَ نَحمي قُلوبَنا عَمَلِيّاً؟ كَيفَ نَبني سُورَ اليَقين؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، مَن أخذَ بِها حَمَى قَلبَهُ وروحَه:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدوا التِجاءَكُم لِلهِ بِالدُّعاء، واعْتَرِفوا لَهُ بِضَعفِكُم. كانَ أكثَرُ دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ — وهُوَ المَعصوم — : «يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّت قَلبي عَلَى دينِك» [رواه الترمذي]. إذا كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَسأَلُ اللهَ الثَّبات، فَكَيفَ بِنا نَحنُ في زَمانِ الفِتَن؟ اجعَلوا هَذا الدُّعاءَ في كُلِّ سَجدَةٍ تُسجَدونَها اليَوم.
الثانية (لِسانيَّة): اجعَلوا لَكُم مَعَ القُرآنِ مَوعِداً لا يُخلَف. القُرآنُ شِفاءُ الصُّدور. اقتَطِع مِن وَقتِكَ، اللَّيلَةَ قَبلَ أن تَنام، لِقِراءَةِ صَفحَةٍ واحِدَةٍ فَقَط — ولَكِن بِتَدَبُّرٍ ويَقين، تَقِفُ عِندَ وعيدِها ووَعْدِها. آيَةٌ واحِدَةٌ بِتَدَبُّرٍ أوقى لِلقَلبِ مِن ألفِ حِوارٍ وجِدال!
الثالثة (عَمَليَّة): اغْلِقوا مَنابِعَ الشَّك! السَّمعُ والبَصَرُ أبوابُ القَلب. مَن فَتَحَ هاتِفَهُ لِكُلِّ مُتَحَدِّث، وكُلِّ حِسابٍ مَجهول، وكُلِّ مَقطَعٍ مُشَكِّك، ثُمَّ يَبكي أنَّ قَلبَهُ قاسٍ وأنَّ إيمانَهُ ضَعيف... فَهُوَ كَمَن يَشرَبُ السُّمَّ ثُمَّ يَتَعَجَّبُ مِنَ الألَم! قَرِّرِ اليَومَ أن تُلغِيَ مُتابَعَةَ أيِّ مَصدَرٍ يَخدِشُ دِينَك أو يُثيرُ في قَلبِكَ الشُّبُهات، حِفظاً لِأغلَى ما تَملِك.
الرابعة (اجتماعيَّة): الْزَموا صُحبَةَ أهلِ اليَقين. الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِه. الصَّاحِبُ الَّذي يُذَكِّرُكَ بِالله، ويَدعوكَ لِلصَّلاة، ويَملَأُ قَلبَكَ بِالرِّضا والطُّمَأنينَة، هُوَ الدِّرعُ الواقي. أَمَّا المَجالِسُ الَّتي لا يُذكَرُ فيها اللهُ إلَّا بِالاعتِراض، ولا يُتَحَدَّثُ فيها إلَّا بِالشُّكوك والسُّخرِيَة... فَالنَّجاةُ مِنها غَنيمَة.
الخامسة (موضوعيَّة): تَسَلَّحوا بِالعِلمِ الشَّرعيِّ النَّافِع. الشَّكُّ يَعيشُ في بِيئَةِ الجَهل. عِندَما تَسمَعُ شُبهَةً أو يَخطُرُ لَكَ تَساؤُل، لا تَكْتُمُه في صَدرِكَ لِيَفسُد، ولا تَبحَث عَن إجابَتِهِ عِندَ الجُهَّال، بَلِ اسأَل أهلَ العِلمِ الرَّاسِخين. قالَ تَعالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. دِينُنا دينُ بَصيرَةٍ وبُرهان، ولَيسَ فيهِ سُؤالٌ بِلا جَواب.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن عَبَدَ اللهَ بِيَقين، أتاهُ الفَرَجُ بِيَقين. يقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]، أي المُوتُ الَّذي تَنكَشِفُ بِهِ الحَقائِق. فَمَن ماتَ عَلَى شَيءٍ بُعِثَ عَلَيه.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلَى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، فَقَد قالَ جَلَّ مِن قائِل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلَى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ والتَّابِعينَ لَهُم بِإِحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلوبِ، ثَبِّت قُلوبَنا عَلَى دينِك. اللَّهُمَّ يا مُصَرِّفَ القُلوبِ، صَرِّف قُلوبَنا إلى طاعَتِك.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِن كُلِّ شَكٍّ وريب، ومِن كُلِّ نِفاقٍ وشِقاق، ومِن كُلِّ عَمَلٍ لا يُرضيك.
اللَّهُمَّ ارزُقنا يَقينًا صادِقاً يُباشِرُ قُلوبَنا حَتَّى نَعلَمَ أنَّهُ لا يُصيبُنا إلَّا ما كَتَبتَ لَنا، ورِضاً بِما قَسَمتَ لَنا.
اللَّهُمَّ املَأ صُدورَنا بِنورِ الإيمان، واحرُسها بِملائِكَةِ الرَّحمَة، ولا تَجعَل لِلشَّيطانِ إلَينا سَبيلاً.
اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِن زَوالِ نِعمَتِك، وتَحَوُّلِ عافيَتِك، وفُجاءَةِ نِقمَتِك، وجَميعِ سَخَطِك.
اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لِلمُستَضعَفينَ والمَظلومينَ عَوْناً ونَصيراً ومُؤَيِّداً وظَهيراً. اللَّهُمَّ احقِن دِماءَهُم، واستُر أعراضَهُم، وآمِن رَوعاتِهِم، وانصُرهُم عَلَى مَن بَغَى عَلَيهِم.
اللَّهُمَّ اجعَل خَواتيمَ أعمالِنا خَيرَها، وخَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك، وأنتَ راضٍ عَنَّا غَيرُ غَضبان.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
🕌 طَهَارَةُ القُلُوبِ مِن لَوَثَاتِ الشُّكُوك
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.