🕌 رمضان والغضب: كيف تظهر ثمرة الصيام في الخلاف؟
#خطبة_جمعة #رمضان #تزكية_النفس #حفظ_اللسان #الأخلاق #الصيام
الحمدُ للهِ الذي فَرَضَ الصِّيامَ تَهذيباً للنُّفوسِ، وتَزكيةً للقُلوبِ، ومَدرسةً لِلأخلاق. الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ شَهرَ رَمَضانَ مِيداناً تَتَسابَقُ فيهِ الأرواحُ إلى مَغفِرَتِه، وتَتَدَرَّبُ فيهِ الجَوارحُ على مَرضاتِه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الحِلمَ زِينَةَ المُؤمِنين، والعَفوَ شِعارَ المُتَّقين. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، أوسَعُ النَّاسِ صَدراً، وأعظَمُهُم حِلماً، وأطيَبُهُم خُلُقاً، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بعدُ:
شوارعُ تَضِجُّ بالزِّحامِ قَبلَ الإفطارِ بدقائِق.. أبواقُ سيَّاراتٍ تَرتَفِعُ بالغَضَب.. أصواتٌ تَعلُو في البُيوتِ لِسَبَبٍ تافِه.. ووُجوهٌ مُكفَهِرَّةٌ تَتَذَرَّعُ وتَحتَجُّ بأنَّها "صائِمَة".
والسؤالُ الذي يَطرَحُ نَفسَهُ بقُوَّةٍ على عَتَباتِ هذا الشَّهرِ الفَضيل: هل جاءَ رَمَضانُ لِيَزيدَنا غَضَباً وضِيقاً وانفِعالاً؟ أم أنَّنا لم نَفهَم بَعدُ حَقيقَةَ الصِّيام؟ وما الفَرقُ بينَ مَن يَصومُ عن الطَّعامِ والشَّرابِ فَحَسب، وبينَ مَن يَصومُ قَلبُهُ عن الغِلِّ، ويَصومُ لِسانُهُ عن الجَهل؟ الجَوابُ المُؤلِمُ والمُوقِظُ في خُطبَتِنا اليَوم.
يا عِبادَ الله، لَقَد شَرَعَ اللهُ الصِّيامَ لِغايَةٍ عُظمَى، ولِمَقصَدٍ أَجلَّ من مُجرَّدِ الجُوعِ والعَطَش. يَقولُ مَولانا جَلَّ جَلالُه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: 183]. والتقوى هُنا لَيسَت كَلِمَةً مُجَرَّدَة، بَل هيَ قُوَّةٌ داخِليَّةٌ تَضبِطُ انفعالاتِكَ، وتَكحَبُ جِماحَ نَفسِكَ عِندَ الاستِفزاز.
لَقَد ظَنَّ بَعضُ النَّاسِ أنَّ التَّعَبَ الجَسَديَّ والانقِطاعَ عن الطَّعامِ يُبَرِّرُ لَهُم سُوءَ الخُلُقِ، وضِيقَ الصَّدرِ، وسُرعَةَ الغَضَب، وكأنَّ الصِّيامَ مُخَدِّرٌ لِلعَقلِ ومُثيرٌ لِلأعصاب! واسمَعوا كَيفَ نَسَفَ النَّبيُّ ﷺ هذا المَفهومَ المَغلوطَ من جُذورِه، حينَ قالَ في الحَديثِ الصَّحيحِ العَظيم: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (متفق عليه).
تَأمَّلوا مَعي هذهِ الكَلِمَةَ المُعجِزَة: "جُنَّة". أي دِرعٌ ووِقايَة. الصِّيامُ دِرعٌ يَقيِكَ من نارِ جَهَنَّمَ غَداً، نَعَم، ولكِنَّهُ قَبلَ ذلِكَ دِرعٌ يَقيِكَ من "نارِ الغَضَبِ" في الدُّنيا! فإذا استَفَزَّكَ أحَدٌ، أو أخطَأَ عَلَيكَ جاهِلٌ، أو زاحَمَكَ أحَدٌ في طَريق، لا تَرُدَّ السَّيِّئَةَ بالسَّيِّئَة، بَل ارفَع شِعارَ القُوَّةِ المُنتَصِرَة: "إنِّي امرُؤٌ صائِم".
إنَّ كَلِمَةَ "إنِّي صائِم" لَيسَت إعلانَ ضَعفٍ، ولا هُروباً من المُواجهَة، بَل هيَ إعلانٌ لِلسَّيطَرَةِ التَّامَّةِ على النَّفس. كأنَّكَ تَقولُ لِمَن أمَامَك: أنا أملِكُ أن أَرُدَّ عَلَيك، وأستَطيعُ أن أنتَصِرَ لِنَفسي، ولكِنَّ هُناكَ سُلطاناً أعظَمَ يَحكُمُني في هذهِ اللَّحظَة، سُلطانُ اللهِ الذي أصومُ لَه.
أَيُّهَا المُسلِمُون، لَقَد حَذَّرَنا النَّبيُّ ﷺ من أن يُصبِحَ الصِّيامُ جَسَداً بِلا رُوح، وقِشرَةً بِلا لُب. يَقولُ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (رواه البخاري). أيُّ فائِدَةٍ تُرجَى من بَطنٍ خاوٍ من الطَّعام، ولِسانٍ مُمتَلِئٍ بالشَّتائِم، وقَلبٍ يَغلي بالأحقاد؟
ولِذلِكَ، كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَفهَمونَ الصِّيامَ على أنَّهُ زَمامٌ لِلنَّفس. يَقولُ أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنه: "مَن خافَ اللهَ لم يَشفِ غَيظَه، ومَن اتَّقى اللهَ لم يَفعَل ما يُريد". يا سُبحانَ الله! لَيسَ كُلُّ ما تُريدُ أن تَقولَهُ في لَحظَةِ الغَضَبِ تَقولُه، ولَيسَ كُلُّ غَيظٍ في صَدرِكَ يَجِبُ أن تُنفِذَه. التقوى هيَ الفَرامِلُ التي تُوقِفُكَ عِندَ حُدودِ الله.
ويُقَرِّرُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ حَقيقَةً نَفسيَّةً عَميقَةً حينَ يَقول: "الغَضَبُ غُولُ العَقل، يَغتالُهُ كما يَغتالُ الذِّئبُ الشَّاة". فإذا غَضِبَ الصَّائِمُ طاشَ عَقلُه، ونَطَقَ بِما يُفسِدُ صَومَه، وجَرَحَ مَن حَولَه، ثُمَّ إذا هَدأ انقَشَعَ غَضَبُهُ عن نَدَمٍ لا يَنفَع، وحَسَراتٍ لا تَدفَع.
ألا تَتَفَكَّرونَ في قَولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في سُورَةِ آلِ عِمران، وهو يَصِفُ المُتَّقينَ الذين أُعِدَّت لَهُمُ الجَنَّة: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: 134].
تَأمَّلوا! لم يَقُل "الذين لا يَغضَبون"، فالبَشَرُ مَجبولونَ على الغَضَب، ولكِنَّهُ قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾. الكَظمُ هو حَبسُ الشَّيءِ المُمطَلِئِ أن يَفيض. كَأنَّ صَدرَكَ يَغلي كالمِرجَل، وأنتَ تَكظِمُهُ وتُغلِقُ عَلَيه، خَوفاً من اللهِ وحَياءً من عِبادَتِك.
واسمَعوا لِهذهِ القِصَّةِ العَجيبَةِ التي تَتَجَلَّى فيها ثَمَرَةُ الصِّيامِ والتَّقوى في الخِلاف:
جَلَسَ التَّابِعيُّ الجَليلُ مَيمونُ بنُ مِهرانَ مَع أضيافِهِ يَوماً، فجاءَت جارِيَةٌ لَهُ بِصَحفَةٍ فيها مَرَقٌ حارّ (يَغلي)، فعَثَرَت الجارِيَةُ، فانسَكَبَ المَرَقُ الحارُّ على مَيمون!
تَخَيَّلوا المَشهَد.. رَجُلٌ بَينَ ضُيوفِه، يُسكَبُ المَرَقُ الحارُّ على ثِيابِهِ وجَسَدِه. طاشَ عَقلُه، واشتَدَّ غَضَبُه، ورَفَعَ يَدَهُ لِيَضرِبَها. وفي تِلكَ اللَّحظَةِ الفاصِلَة، لَحظَةِ انفِجارِ البَراكين، نَطَقَت الجارِيَةُ بِكَلِماتٍ من كِتابِ الله، كأنَّها رَشَّت بها ماءً بارِداً على نارِ غَضَبِه.
قالَت الجارِيَة: يا سَيِّدي، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾.
فَتَوَقَّفَ مَيمون، ونَظَرَ إليها، وقالَ في هُدوءِ المُؤمِن: "قَد كَظَمتُ غَيظي".
قالَت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾.
قالَ: "قَد عَفَوتُ عَنكِ".
قالَت الجارِيَةُ لِتَبلُغَ بِهِ القِمَّة: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
فما كانَ من هذا المُتَربِّي بِمَدرَسَةِ القُرآنِ إلا أن قال: "اذهَبي، فأنتِ حُرَّةٌ لِوَجهِ الله!".
اللهُ أكبَر! أيُّ قُلوبٍ هذه؟ وأيُّ قُوَّةٍ هذه؟ غَضَبٌ يَغلي، يُطفِئُهُ القُرآنُ في لَحظَة. إنَّ مَن يَمطِطي غَضَبَهُ ويَقودُهُ إلى الخَيرِ هو الشُّجاعُ الحَقيقي. ولِذلِكَ نادى النَّبيُّ ﷺ النَّاسَ يُصَحِّحُ لَهُم مَفهومَ القُوَّة، فَقال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (متفق عليه). البَطَلُ لَيسَ مَن يَصرَعُ النَّاسَ في الشَّوارِع، البَطَلُ هو مَن يَصرَعُ شَيطانَهُ في صَدرِه!
إخوَتي في الله، دَعُونا نَقِفُ مَع أنفُسِنا وَقفَةَ صِدق. أينَ يَظهَرُ ضَعفُنا في رَمَضان؟ إنَّهُ يَظهَرُ في بُيوتِنا! تَقِفُ الزَّوجَةُ في المَطبَخِ سَاعاتٍ طِوالاً، صَائِمَةً مُرهَقَة، لِتُعِدَّ الطَّعام. ويَعودُ الزَّوجُ من عَمَلِهِ مُتعَباً جائِعاً. ثُمَّ ماذا؟ يَتَأخَّرُ صِنفٌ من الطَّعامِ دَقائِق، أو يُنسَى شَيءٌ بَسيط، فَتَنفَجِرُ الزَّوابِع، وتَرتَفِعُ الأصوات، وتُرمَى الكَلِماتُ الجارِحَة، ويَفسُدُ الإفطارُ الذي جَمَعَهُ اللهُ لِيَكونَ لَحظَةَ فَرَحٍ ورَحمَة!
هل هذا هو الصِّيامُ الذي أمَرَنا بِهِ الله؟ أينَ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [سورة فصلت: 34]. أينَ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ مَع أقرَبِ النَّاسِ إلَيك؟
إنَّ كَظمَ الغَيظِ مَع مَن تَقدِرُ عَلَيهِ — كالزَّوجَةِ أو الطِّفلِ أو الخادِمِ أو الضَّعيف — هو مِقياسُ الإيمان. واسمَعوا إلى هذا العَطاءِ الرَّبَّانيِّ والمُكافَأةِ العُظمى التي يَنتَظِرُها الصَّائِمُ الحَليم. يَقولُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ» (رواه أبو داود والترمذي وحسنه).
يُخَيِّرُهُ اللهُ على رُؤوسِ الأشهاد! لِماذا؟ لأنَّهُ أوقَفَ نَفسَهُ ابتِغاءَ وَجهِ الله في لَحظَةٍ كانَ يَستَطيعُ فيها أن يَنتَقِم.
عِبادَ الله، قَبلَ أن أختِمَ هذهِ الخُطبَة، دَعوني أروي لَكُم مَشهَداً من سِيرَةِ المُعَلِّمِ الأوَّل ﷺ، لِنَرى كَيفَ يُطَبَّقُ الحِلمُ في أوجِ الاستِفزاز.
يَروي أنَسُ بنُ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عَنه قال: كُنتُ أمشي مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ، وعَلَيهِ بُردٌ نَجرانِيٌّ غَليظُ الحاشِيَة (أي عَباءَةٌ خَشِنَةُ الأطراف)، فَأدرَكَهُ أعرابِيٌّ، فَجَذَبَهُ بِرِدائِهِ جَذبَةً شَديدَة! يَقولُ أنَس: فَنَظَرتُ إلى صَفحَةِ عُنُقِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وقَد أثَّرَت بِها حاشِيَةُ البُردِ من شِدَّةِ جَذبَتِه.
تَخَيَّلوا! أعرابيٌّ يَشُدُّ قائِدَ الأمَّةِ ونَبِيَّها من مَلابِسِهِ حَتَّى يُؤثِّرَ في عُنُقِه! ثُمَّ يَقولُ الأعرابيُّ بِجَفاء: يا مُحَمَّد! مُر لِي مِن مالِ اللهِ الذي عِندَك.
ماذا كانَت رَدَّةُ فِعلِ النَّبيِّ ﷺ؟ هل شَتَمَه؟ هل أمَرَ الصَّحابَةَ بِضَربِه؟
يَقولُ أنَس: "فالتَفَتَ إلَيهِ رَسولُ اللهِ ﷺ، فَضَحِكَ.. ثُمَّ أمَرَ لَهُ بِعَطاء!".
أيُّ عَظَمَةٍ هذه؟ أيُّ قَلبٍ يَتَّسِعُ لِهذا الجَهلِ فَيَرُدُّهُ بِضِحكَةٍ وعَطاء؟ صَدَقَ اللهُ فيهِ إذ يَقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
فيا مَن تُسرِعُ إليهِ ثَورَةُ الغَضَبِ في نَهارِ رَمَضان.. تَذَكَّر أنَّ الصِّيامَ مَدرَسَة، وأنَّ الغَضَبَ امتحان، وأنَّ كَلِمَةً واحِدَةً جارِحَةً قَد تَخدِشُ صَومَكَ، وتَحرِمُكَ من قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة الزمر: 10].
فيا رَبِّ، طَهِّر قُلوبَنا من الغِلّ، وألسِنَتَنا من الزَّلَل، واجعَل صِيامَنا صِيامَ المُتَّقين.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عن حَقيقَةِ الصِّيامِ، وكَيفَ أنَّهُ دِرعٌ يَقِينا من شَرِّ الغَضَبِ قَبلَ أن يَقِينا من النَّار، ووَقَفنا مَع مَواقِفِ الحِلمِ عِندَ السَّلَف، وقِصَّةِ مَيمونَ بنِ مِهران، وأدرَكنا أنَّ الشَّديدَ حَقاً هو مَن يَملِكُ نَفسَهُ عِندَ ثَوَرانِ الأعصاب. والآنَ، ونَحنُ نَعيشُ أيَّامَ هذا الشَّهرِ الفَضيل، كَيفَ نُحَوِّلُ هذا المَعنى إلى واقِعٍ عَمليٍّ في حَياتِنا بُيوتِنا وشَوارِعِنا؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري، تَحفَظونَ بِها صِيامَكُم وتَجلِبونَ بِها سَكينَةَ بُيوتِكُم:
الأولى (قَلبيَّة): أخلِص نِيَّةَ السُّكوتِ لِله. إذا حَدَثَ مَوقِفٌ مُستَفِز، فاستَحضِر في قَلبِكَ أنَّكَ لا تَصمُتُ ضَعفاً، بَل تَصمُتُ لِأنَّكَ تُريدُ أن يَجعَلَكَ اللهُ يَومَ القِيامَةِ في مَقامِ ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، فتَحتَسِبُ سُكوتَكَ عِبادَةً مَقبولَة.
الثانية (لِسانيَّة): التَزِم بالسِّلاحِ النَّبَويِّ الفَعَّال. إذا شَتَمَكَ أحَدٌ، أو ضايَقَكَ في طَريق، أغلِق فَمَكَ فِعلياً، وقُل بِلِسانِك: "إنِّي صائِم، إنِّي صائِم". هَذهِ الكَلِمَةُ تُطفِئُ شَيطانَكَ، وتُذكِّرُ خَصمَك، وتَحفَظُ حَسَناتِكَ من الضَّياع.
الثالثة (عَمَليَّة): إذا غَضِبتَ فَغَيِّر حالَتَك! وهذا هَديٌ نَبَوِيٌّ مُباشِر. إذا غَضِبتَ وأنتَ قائِمٌ فاجلِس، وإذا كُنتَ جالِساً فاضطَجِع. وتَوَضَّأ، فإنَّ الغَضَبَ من الشَّيطان، والشَّيطانُ خُلِقَ من نار، وإنَّما تُطفَأُ النَّارُ بالماء.
الرابعة (اجتماعيَّة): اجعَل بَيتَكَ واحَةَ أمانٍ لا ساحَةَ مَعَرِكَة. إذا رَجَعتَ مُتعَباً قَبلَ الإفطار، فاعلَم أنَّ زَوجَتَكَ ومَن في البَيتِ أكثَرُ تَعَباً مِنك. تَغاضَ عن زَلَّةٍ في الطَّعام، أو تَقصيرٍ في تَرتيب، فابتِسامَتُكَ وتَجاوُزُكَ عِندَ الإفطارِ أعظَمُ عِندَ اللهِ من مائِدَةٍ مَلِيئَةٍ بالطَّعامِ مَع الصُّراخِ والغَضَب.
الخامسة (موضوعيَّة): اجعَل "غَضَبَكَ" هو مِقياسَ "صِيامِك". كُلَّما شَعَرتَ أنَّ استِفزازَكَ سَريع، وأنَّ صَوتَكَ يَرتَفِعُ لِأتفَهِ السَّبَب، فاعلَم أنَّ صِيامَكَ فيهِ خَلَلٌ وتَسرِيبٌ يَحتاجُ إلى سَدّ، فبادِر بالاستِغفارِ وعُد إلى التَّقوى.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ المُسلِمَ الحَقَّ هو مَن تَظهَرُ أخلاقُهُ في لَحظاتِ الخِلافِ قَبلَ لَحظاتِ الرِّضا.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيهِ، عَمَلاً بِقَولِ رَبِّكُم جَلَّ وعَلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن اتَّبَعَهُ بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ اهدِ قُلوبَنا، وسَكِّن غَضَبَنا، واجعَلنا من الكاظِمينَ الغَيظَ والعافينَ عن النَّاس.
اللَّهُمَّ اجعَل رَمَضانَ هذا شَهراً تَتَطَهَّرُ فيهِ قُلوبُنا من الحِقدِ والحَسَدِ والغِلِّ وسُوءِ الخُلُق.
اللَّهُمَّ حَسِّن أخلاقَنا كما حَسَّنتَ خَلقَنا، واجعَل سُكوتَنا فِكراً، ونُطقَنا ذِكراً، ونَظَرَنا عِبرَة.
اللَّهُمَّ أصلِح ذاتَ بَينِنا، وأَلِّف بَينَ قُلوبِنا، واجعَل بُيوتَنا عامِرَةً بِالمَوَدَّةِ والرَّحمَةِ والسَّكينَة.
اللَّهُمَّ تَقَبَّل صِيامَنا وقِيامَنا، ولا تَجعَل حَظَّنا من صِيامِنا الجُوعَ والعَطَش، ولا حَظَّنا من قِيامِنا السَّهَرَ والتَّعَب، بَل ارزُقنا القَبولَ والمَغفِرَة.
اللَّهُمَّ ارحَم أمواتَنا، واشفِ مَرضانا، واقضِ دُيونَنا، وفَرِّج كُروبَ إخوانِنا المُستَضعَفينَ في كُلِّ مَكان، يا أرحَمَ الرَّاحِمين.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وأَقِمِ الصَّلَاة.
🌿 هنا يَنتهي القَلَمُ، وهنا تَبدأ مَسؤوليَّتُك أيُّها الخطيب. هذا نَصٌّ صاغَه نموذجٌ آليٌّ، والآلةُ تُحسِن وتُسيء. فلا تَأمَن لها إلَّا بعد تَحَقُّق — راجِع آياتها وأحاديثَها من مَصادرها، وامزُجها بقَلبِك وتَجربَتك، فالمِنبرُ ميزانٌ يومَ الحساب. وإن أرَدتَ صَقلَ هذه الخُطبة فحَدِّد طَلَبَك بدقَّة، تَنَل ما يُلائم منبَرَك.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبرمضان والغضب: كيف تظهر ثمرة الصيام في الخلاف؟
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.