من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

استرداد الحقوق بلا ظلم: لا تستوف أكثر مما لك

مشاركة
🕌 استرداد الحقوق بلا ظلم: لا تَستَوفِ أكثر ممَّا لَك #خطبة_جمعة #الظلم #استرداد_الحقوق #العدل #العفو #الخصومات #أخلاق #رقائق الحمدُ للهِ العَدلِ الحَكَم، اللَّطيفِ الخَبير، الذي قَامَت السَّماواتُ والأرضُ بعَدلِه، وحَرَّمَ الظُّلمَ على نَفسِه وجَعَلَهُ بَينَ عِبادِهِ مُحَرَّمًا، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، نَصَرَ المَظلومَ ووَعَدَهُ بالإجابَة، وحَذَّرَهُ في ذاتِ الوَقتِ من البَغيِ والاعتِداءِ في طَلَبِ حَقِّه. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورَسولُه، إمامُ العادِلينَ وقُدوَةُ المُقسِطين، الذي أرسى دَعائمَ العَدلِ حتَّى معَ الأعداءِ والمُخالِفين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بَعد: إخوتي في الله، لَو سَألتُكُم اليَوم: مَن مِنكُم تَعَرَّضَ لِظُلمٍ في حَياتِه؟ مَن مِنكُم سُلِبَ حَقُّه، أو خُدِشَ عِرضُه، أو أُكِلَ مالُه، أو نالَتهُ شَتيمَةٌ لا يَستَحِقُّها؟ لَرفَعَ الغالبيَّةُ العُظمى أيديَهُم. كُلُّنا نَعرِفُ مَرارَةَ الظُّلم... كُلُّنا نَعرِفُ حُرقَةَ القَلبِ وغَلَيانَ الدَّمِ عِندَما يُساءُ إلينا بغيرِ حَقّ. ولكِن، هَل سَألتُم أنفُسَكُم يَومًا: هَل يُمكِنُ للمَظلومِ أن يَتحَوَّلَ في لَحظَةِ غَضَبٍ إلى ظالِم؟ هَل يُمكِنُ لِدَعوَةِ المَظلومِ المُستَجابَةِ التي تَختَرِقُ حُجُبَ السَّماء، أن تَنقَلِبَ إلى لَعنَةٍ تَطاردُهُ هُوَ يَومَ القِيامَة؟ هَل يُمكِنُ أن تَدخُلَ المَحكَمَةَ وأنتَ صِحاحُ الحَقِّ، ثُمَّ تَخرُجَ مِنها وأنتَ مُطالَبٌ بِمَظالِمَ أثقَلَ منَ الجِبال؟ هذا هو الخَطُّ الدَّقيقُ الشَّائكُ الذي يَنزَلِقُ فيهِ الكَثيرون. وهذا هو مَوضوعُنا اليوم: كَيفَ تَستَرِدُّ حَقَّكَ... دُونَ أن تَظلِم؟ وكيفَ تَأخُذُ مَظلَمَتَكَ... دُونَ أن تَتَجاوَزَ الحَدَّ فَتُصبِحَ أنتَ الجَلَّاد؟ واسمَعوا لِهذا التَّأصيلِ القُرآنيِّ المَهيب، الذي يَضَعُ مِيزانَ العَدلِ بِيَدِ المَظلومِ حتَّى وهو يَتَجَرَّعُ غُصَّةَ الألَم. يَقولُ رَبُّنا تبارَكَ وتَعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 40]. تَأمَّلوا مَعي — يا رَعاكُم الله — كَلِمَةَ: ﴿مِّثْلُهَا﴾. مِثلُها بِلا زِيادَة. مِثلُها بِلا فَجُور. مِثلُها بِلا تَعدٍّ على الأبرِياء. أباحَ لكَ القُرآنُ أن تَرُدَّ السَّيِّئَة، ولكِنَّهُ قَيَّدَكَ بِـ "المِثل". فَإن شَتَمَكَ بِكَلِمَة، فَلَكَ أن تَرُدَّها بِمِثلِها دُونَ زِيادَة، وإن أخَذَ دِرهَمَك، فَلَكَ أن تَستَرِدَّ دِرهَمَكَ دُونَ أن تَسرِقَ مِنهُ دِرهَمَين! فَإن زِدتَ عَنِ المِثل، انتَقَلتَ من دِفاعٍ عَنِ النَّفسِ إلى ظُلمٍ يُحاسِبُكَ اللهُ عَلَيه، ولِهَذا خَتَمَ الآيَةَ بِقَولِه: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا يُحِبُّ المَظلومَ إذا استَوفى حَقَّهُ فَتَجاوَزَ حَتَّى صارَ ظالِمًا. وتَدَبَّروا مَعي هذه الآيَةَ الأُخرى التي تَحسِمُ القَضيَّة، يَقولُ جَلَّ جَلالُه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]. مِيزانٌ رَبَّانيٌّ دَقيق. الحَقُّ مَحفوظ، ولكِنَّ الشَّيطانَ يَدخُلُ مِن بابِ استِيفاءِ الحَقِّ لِيُوقِعَكَ في الظُّلم. واسمَعوا إلى هَذا المَشهَدِ النَّبَويِّ العَجيب، الذي يُجَسِّدُ هذه الحَقيقَة. يَجلِسُ النَّبيُّ ﷺ، وبِجانِبِهِ أحَبُّ الرِّجالِ إلَيهِ، أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضيَ اللهُ عَنه. فَيَأتي رَجُلٌ ويَبدَأُ بِشَتمِ أبي بَكر. يَشتِمُهُ ويُؤذيه، وأبو بَكرٍ ساكِتٌ لا يَرُدّ، والنَّبيُّ ﷺ يَنظُرُ إلى أبي بَكرٍ ويَبتَسِم! نَعَم، يَبسِمُ تَعَجُّبًا مِن ثَباتِه. ثُمَّ تَمادى الرَّجُلُ في الشَّتمِ والإهانَة، فَلَم يَحتَمِل أبو بَكر، فَرَدَّ عَلَيهِ بَعضَ ما قال — لَم يَظلِمه، بَل رَدَّ عَلَيهِ شَتيمَتَه. في هذه اللَّحظَة، مَحا النَّبيُّ ﷺ ابتِسامَتَه، وغَضِبَ، وقامَ ومَشى وتَرَكَ المَجلِس! فَلَحِقَ بهِ أبو بَكرٍ مُسرِعًا وهو يَتَساءَلُ في دَهشَة: يا رَسولَ الله، كانَ يَشتِمُني وأنتَ جالِس، فَلَمَّا رَدَدتُ عَلَيهِ بَعضَ قَولِهِ غَضِبتَ وقُمتَ؟ فَقالَ لَهُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ كَلِمَةً تَكتُبُ بِماءِ الذَّهَب: «إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ حَضَرَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ» (رواه أحمد وأبو داود بإسناد حسن). يا سُبحانَ الله! كُنتَ مَظلومًا، وكانَ المَلَكُ يُدافِعُ عَنك، واللهُ مِن فَوقِ سَبعِ سَماواتٍ راضٍ عَنكَ. فَلَمَّا انتَصَرتَ لِنَفسِكَ — حَتَّى وإن كانَ بِحَقّ — انسَحَبَ المَلَك، وحَضَرَ الشَّيطانُ لِيَنفُخَ في النَّارِ لِتَتَجاوَزَ الحَدّ! ويُبَيِّنُ رَسولُ اللهِ ﷺ هذه القاعِدَةَ بِوُضوحٍ في حَديثٍ آخَر يَقولُ فيه: «الْمُسْتَبَانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ» (رواه مسلم). يَعني: الإثمُ كُلُّهُ على مَن بَدَأَ الشَّتمَ والخُصومَة. ولكِن، بَشَرط! ما هُوَ الشَّرط؟ «مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ». فَإن شَتَمَكَ بِكَلِمَة، فَشَتَمتَهُ بِعَشر، أو شَتَمَكَ في نَفسِك، فَشَتَمتَ أُمَّهُ وأباه، أو أهانَك، فَفَضَحتَ سِرَّهُ وتَتَبَّعتَ عَورَتَه... هُنا، ارتَفَعَ الإثمُ عَنِ البادِئ، وأصبَحتَ أنتَ المُعتَدي الآثِم! عبادَ الله، ألا يُشبِهُ هَذا حالَ كَثيرٍ مِنَّا اليَوم؟ انظُروا إلى مَحاكِمِ الطَّلاقِ والأُسرَة. يَحصُلُ خِلافٌ بَينَ زَوجَين. قَد يَكونُ الزَّوجُ ظالِمًا، أو تَكونُ الزَّوجَةُ مُقَصِّرَة. هذا وارِد. ولكِن ماذا يَحصُل؟ بَدَلَ أن يَأخُذَ كُلُّ ذي حَقٍّ حَقَّه، تَبنُضُ عُروقُ الانتِقام! فَيُطَلِّقُها، ثُمَّ يَمنَعُها مِن رُؤيَةِ أطفالِها نِكايَةً بِها. أو تَأخُذُ هِيَ الأطفال، وتَمنَعُهُ مِن رُؤيَتِهِم، وتُشَوِّهُ صُورَتَهُ أمامَهُم، وتَرفَعُ قَضايا كَيديَّةً كاذِبَةً لِتَكسِرَ ظَهرَهُ ماليًّا! واللهِ، إنَّ مَن يَفعَلُ ذَلِكَ قَد خَرَجَ مِن دائِرَةِ المَظلومِ الَّذي لَهُ حَقٌّ، إلى دائِرَةِ الظَّالِمِ الَّذي سَيَقِفُ بَينَ يَدَيِ اللهِ يُحاسَبُ عَن دُموعِ أطفالٍ صِغارٍ استُخدِموا كَدُروعٍ في مَعرَكَةٍ قَذِرَة! يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله: "يا ابنَ آدَم، إنَّكَ إن عَفَوتَ طالَ حِلمُك، وإنِ انتَقَمتَ طالَ هَمُّك". ولْنَتَأمَّل مَعًا صُورَةً أُخرى مِن صُورِ الاستِيفاءِ الجائِر. يَظْلِمُكَ شَخصٌ في عَمَلٍ أو تِجارَة، فَيَأكُلُ مالَك. فَتَغتَنِمُ فُرسَةً لِتَسرِقَ مِن مالِهِ أضعافًا في الخَفاء! وتُبَرِّرُ لِنَفسِكَ قائِلًا: "أنا آخُذُ حَقِّي". كَلَّا! أنتَ لا تَأخُذُ حَقَّك، أنتَ تُصنِّفُ نَفسَكَ في دِيوَانِ الخائِنِين! اسمَعوا لِتَوجيهِ نَبيِّكُم ﷺ الصَّارِم: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» (رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح). لا تَخُنْ مَن خَانَك! خِيانَتُهُ لا تُبيحُ لَكَ الخِيانَة. حَقُّكَ يُؤخَذُ بِالقَضاء، وبِالمُطالَبَة، وبِالضَّغطِ المَشروع. أمَّا أن تَمُدَّ يَدَكَ في الخَفاء لِتَسرِقَ مَن سَرَقَك، فَقَد تَساوَيتُما في وِزرِ السَّرِقَة! وما القَولُ فيمَن يُظلَمُ مِن شَخص، فَيَصُبُّ جامَ غَضَبِهِ على أهلِ ذَلِكَ الشَّخص، أو عائلَتِه، أو قَبيلَتِه؟ يُسيءُ إلَيكَ رَجُلٌ مِن عائِلَةٍ مُعَيَّنَة، فَتَجلِسُ في المَجالِسِ تَسُبُّ العائِلَةَ كُلَّها، وتَطعَنُ في أنسابِهِم، وتَتَّهِمُ نِساءَهُم بِمُجَرَّدِ أنَّ واحِدًا مِنهُم أخطَأَ في حَقِّك! أينَ أنتَ مِن قَولِ الحَكَمِ العَدلِ في كِتابِه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]؟ ماذا فَعَلَت أمُّ هذا الرَّجُلِ لِتَشتِمَها؟ وماذا فَعَلَ أبوهُ لِتَلعَنَه؟ وما ذَنبُ قَبيلَتِهِ لِتَطعَنَ فيها؟ قَدَرُ المُؤمِنِ — يا عِبادَ الله — أنَّهُ عادِلٌ حَتَّى مَعَ أَلَدِّ أعدائِه. قال الله تَعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8]. ولا يَجرِمَنَّكُم: أي لا يَحمِلَنَّكُم بُغضُ قَومٍ على تَرکِ العَدلِ فيهِم! إذا كانَ اللهُ يَأمُرُنا بالعَدلِ مَعَ الأعداءِ المُشرِكين الَّذي نُبغِضُهُم، فَكَيفَ بالعَدلِ مَعَ أخيكَ المُسلِمِ الَّذي اختَلَفتَ مَعَهُ في مِيراثٍ أو شَرِكَةٍ أو زَواج؟! ولِهَذا قال الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله، مُلَخِّصًا صِفَةَ المُؤمِنِ الحَقّ: "المُؤمِنُ لا يَحِيفُ على مَن يُبغِض، ولا يَأثَمُ فيمَن يُحِبّ". لا يَحيفُ على مَن يُبغِض! أي لا يَظلِمُ مَن يَكرَه. إذا اختَصَمَ مَعَهُ كانَ مُنصِفًا. أمَّا المُنافِق، فَصِفَتُهُ كما أخبَرَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (متفق عليه). وما هو الفُجورُ في الخُصومَة؟ هو أن تَتَجاوَزَ الحَدّ! أن يَكونَ الخِلافُ مَعَ شَريكِكَ على ألْفِ دِينار، فَتَرفَعَ قَضيَّةً تَتَّهِمُهُ فيها بِاختِلاسِ مِليون! أن تَختَلِفَ مَعَ زَميلِكَ في العَمَل، فَتُفتِّشَ في ماضيه وتَفضَحَ أسرارَهُ الشَّخصيَّةَ الَّتي لا عِلاقَةَ لَها بالعَمَل! الفُجورُ أن تَستَخدِمَ كُلَّ أسلِحَةِ الدَّمارِ الشَّامِلِ في خِلافٍ صَغيرٍ يُمكِنُ أن يُحَلَّ بِكَلِمَة. إخوَتي الأكارِم، اسمَعوا لِهَذا المَوقِفِ العَظيم، مِقَةً مِن سِيَرِ عُلَمائِنا الرَّبَّانيِّين، لِنَعرِفَ كَيفَ يَكونُ استِردادُ الحَقِّ دونَ ظُلم، بَل كَيفَ يَكونُ العَفوُ عِندَ المَقدِرَة. شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله... أُوذِيَ أذًى شديدًا. امتَحَنَهُ خُصومُهُ مِن بَعضِ الفُقَهاءِ الَّذي حَسَدوه. كادُوا لَهُ عِندَ السُّلطان، واستَصدَروا فَتاوى بِسَجنِه، فَلَبِثَ في السِّجنِ سَنَوات، وذاقَ المَرارَةَ بِسَبَبِ وِشاياتِهِمُ الكاذِبَة. ثُمَّ دارَتِ الأيَّام... وتَغَيَّرَتِ الأَحوال. وعادَ السُّلطانُ النَّاصِرُ مُحَمَّدُ بنُ قَلاوُونَ إلى الحُكم، وكانَ يُحِبُّ ابنَ تَيميَّة. استَدعى السُّلطانُ ابنَ تَيميَّةَ مِن سِجنِه، وأخرَجَ لَهُ فَتوى كانَ أُولئكَ الخُصومُ قَد أصدَروها ضِدَّ السُّلطانِ نَفسِه! قالَ السُّلطانُ لِابنِ تَيميَّة: هَؤُلاءِ الفُقَهاءُ قَد أفتَوا بِقَتلي (يَعني خَلعَه)، وهُم أَنفُسُهُمُ الَّذينَ آذَوكَ وأفتَوا بِسَجنِك وتَكفيرِك! وأنا أُريدُ أن أقتُلَهُم، فَمُدَّ لي يَدَ المُساعَدَة، وأفتِني أنتَ بِقَتلِهِم لِأُريحَكَ مِنهُم وأنتَقِمَ لي ولَك! فَماذا فَعَلَ ابنُ تَيميَّة؟ هَل قالَ: هَذِهِ فُرسَتي، جاءَ حَقِّي إلى قَدَمَيّ؟ هَل بَرَّرَ استِئصالَهُم بِأنَّهُم ظَلَموهُ وأفسَدوا في الأرض؟ لا والله! وَقَفَ العالِمُ الرَّبَّانيُّ كالجَبَل، يُدافِعُ عَن خُصومِهِ الَّذينَ سَجَنوه! قال للسُّلطان: "إن قَتَلتَ هَؤُلاءِ لَم تَجِد بَعدَهُم مِثلَهُم، هُم عُلَماءُ المُسلِمين!" فَقالَ السُّلطانُ مُتَعَجِّبًا: "إنَّهُم قَد آذَوكَ وأرادوا قَتلَكَ مِرارًا!" فَقالَ ابنُ تَيميَّةَ كَلِمَتَهُ الخالِدَة: "مَن آذاني فَهُوَ في حِلّ... ومَن آذى اللهَ ورَسولَهُ فَاللهُ يَنتَقِمُ مِنهُ، أنا لا أنتَصِرُ لِنَفسي!" يُعَلِّقُ قاضي القُضاةِ ابنُ مَخلوف — وكانَ مِن أشَدِّ خُصومِ ابنِ تَيميَّة — يَقول: "ما رَأينا أتقى مِنِ ابنِ تَيميَّة، سَعَينا في دَمِهِ فَلَم نَقدِر، ولَمَّا قَدَرَ عَلَينا... عَفا عَنَّا وصارَ يُدافِعُ عَنَّا!" اللهُ أكبَر! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. فَمَن لَم يَستَطِع أن يَصِلَ إلى مَقامِ "الإحسان" كابنِ تَيميَّة فَيَعفو ويُسامِح، فَلا أقَلَّ مِن أن يَقِفَ عِندَ حُدودِ "العَدل"، فَيَأخُذَ حَقَّهُ ولا يَظلِم. عبادَ الله، خُذوا حُقوقَكُم. لا بَأس. الإِسلامُ لا يَطلُبُ مِنكُم أن تَكونوا ضُعَفاء، بَل قال ﷺ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ عِرْضِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». المُطالَبَةُ بالحَقِّ قُوَّة، ودَفعُ الظُّلمِ رُجولَة. ولكِن إيَّاكُم ثُمَّ إيَّاكُم أن تَتَجاوَزوا. إيَّاكُم أن تَومُوا القِيامَةَ وقد رَبِحتُم قَضاياكُم في الدُّنيا بالِافتِراء، وتَخسَروها في الآخِرَةِ لأنَّكُم استَوفَيتُم أكثَرَ مِمَّا لَكُم. قال رَسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يَومٍ لأصحابِه: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟». قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (رواه مسلم). أيُّها المُسلِم... قد تَكونُ مُفْلِسًا يَومَ القِيامَة، لَيسَ لأنَّكَ كُنتَ ظالِمًا مِنَ البِدايَة، بَل لأنَّكَ كُنتَ "مَظلومًا" فَغَضِبتَ، فَشَتَمتَ هَذا، وقَذَفتَ هذا، وافتَرَيتَ على هذا بَرَدِّ الفِعل... فَذَهَبَت حَسَناتُكَ وأنتَ تَظُنُّ أنَّكَ صاحِبُ حَقّ! فاتَّقوا اللهَ في خُصوماتِكُم، ولْيَكُنِ القُرآنُ إمامَكُم، والعَدلُ مِيزانَكُم. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، الذي أمَرَ بالعَدلِ ورَغَّبَ في العَفوِ والصَّفح، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن الخَطَرِ العَظيمِ الَّذي يَقَعُ فيهِ الكَثيرونَ، حِينَ يُحيلُهُمُ الشَّيطانُ مِن مَظلومِينَ أصحابِ حَقّ، إلى ظالِمينَ مُعتَدين، بِسَبَبِ التَّجاوُزِ في استِردادِ الحُقوق، وسَردنا كَيفَ أنَّ الإِسلامَ حَرَّمَ الخِيانَةَ حَتَّى لِمَن خانَنا، وحَرَّمَ الفُجورَ في الخُصومَة. والآنَ، وقَد عَرَفنا الدَّاء... كَيفَ الدَّواء؟ وكَيفَ نُتَرجِمُ هذا التَّأصيلَ إلى واقِعٍ في حَياتِنا اليَوميَّة المَليئَةِ بالخِلافات؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، تَحفَظونَ بِها دِينَكُم وحَسَناتِكُم: الأولى (قَلبيَّة): نَقِّ نِيَّتَكَ قَبلَ المُطالَبَةِ بِحَقِّك. اطلُب حَقَّكَ إحقاقًا للعَدل، لا انتِقامًا وتَشَفِّيًا في الصُّدور. المُؤمِنُ يَكرَهُ الظُّلمَ لأنَّ اللهَ يَكرَهُه، فَإذا طالَبتَ بِحَقِّكَ في مَحكَمَةٍ أو مَجلِس، فَلْيَكُن قَلبُكَ هادِئًا مُعَلَّقًا بِالله، لا مَحروقًا بِالغلِّ والحِقد، فَإنَّ الحِقدَ يَأكُلُ الإيمانَ كَما تَأكُلُ النَّارُ الحَطَب. الثانية (لِسانيَّة): اِمسِك عَلَيكَ لِسانَك في وَقتِ الخُصومَة. إنِ اختَلَفتَ مَع أحَد، فَلا تَلعَن، ولا تَطعَن في الأنساب، ولا تَشتِمِ الآباءَ والأُمَّهات. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. الكَلِمَةُ الَّتي تَخرُجُ مِنكَ في لَحظَةِ غَضَبٍ لا تَعود، وقَد تَكونُ هي السَّيِّئَةَ الَّتي تَقذِفُ بِكَ في النَّارِ وأنتَ تَظُنُّ أنَّكَ مَظلوم. الثالثة (عَمَليَّة): استَرِدَّ حَقَّكَ بالنُّورِ لا بالظَّلام. إن ظَلَمَكَ شَريكُك أو سَرَقَك، فَخُذ حَقَّكَ بالقانونِ أو بالشَّرعِ أو بالوُجَهاء، إيَّاكَ أن تَسرِقَهُ خُفيَةً لِتُعَوِّضَ خَسارَتَك. كُن رَجُلًا تَقِفُ في النُّور، فَالمُسلِمُ لا يَخونُ حَتَّى مَن خانَه، والأمانَةُ لا تَتَجَزَّأ. الرابعة (اجتماعيَّة): اجعَلِ الخِلافَ مَحصورًا في صِحابه. إن غَضِبتَ من زَوجَتِكَ أو طَلَّقتَها، فَأطفالُكَ أبرياء، لا تُشَوِّه صورَةَ أُمِّهِم أمامَهُم. وإنِ اخنَلَفتَ مَع أخيك، فَلا تُقاطِع أبناءَهُ ولا تُحَرِّض عائِلَتَك. لا تُوسِّع دائِرَةَ النَّارِ لِتَلتَهِمَ الأبرِياء. الخامسة (موضوعيَّة): إذا وَجَدتَ أنَّكَ لا تَستَطيعُ أخذَ حَقِّكَ إلا بِالظُّلمِ والتَّجاوُز... فالعَفوُ خَيرٌ لَك. تَنَازَل في الدُّنيا، لِتَأخُذَ الأجرَ مُضاعَفًا منَ اللهِ يَومَ القِيامَة. قال تَعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وتَذَكَّر أنَّ مَن تَنازَلَ لله، عَوَّضَهُ اللهُ سَكينَةً في قَلبِهِ لا يُعادِلُها كُلُّ ذَهَبِ الأرض. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هِيَ الَّتي تَحجِزُكُم عَنِ الظُّلمِ عِندَ المَقدِرَة، وهِيَ الَّتي تُعصِمُكُم من زَلَّاتِ الغَضَب. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عَلَيهِ في مُحكَمِ تَنزيلِه، فَقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهمَّ إنَّا نَسألُكَ قُلوبًا سَليمَة، لا تَحقِدُ ولا تَغِلُّ ولا تَظلِم. اللَّهمَّ طَهِّر نِيَّاتِنا، واجعَل غَضَبَنا لَك، ورِضانا لَك. اللَّهمَّ احفَظ ألسِنَتَنا عَنِ الفُجورِ في الخُصومَة، وأَعِذنا مِن أن نَظلِمَ أو نُظلَم، أو نَعتَدي أو يُعتَدى عَلَينا. اللَّهمَّ ارزُقنا العَدلَ في الغَضَبِ والرِّضا، وارزُقنا القَصدَ في الفَقرِ والغِنى. اللَّهمَّ مَن ظَلَمَنا مِنَ المُسلِمينَ فَاغفِر لَهُ واهدِهِ رُشدَه، ومَن ظَلَمناهُ فَهَب لَنا مِنهُ عَفواً وارزُقنا سَدادَ حَقِّهِ قَبلَ يَومِ الحِساب. اللَّهمَّ اجعَلنا مِنَ الكاظِمينَ الغَيظ، العافينَ عَنِ النَّاس، المُرتقينَ إلى مَقامِ الإحسان. اللَّهمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، واحفَظ دِماءَهُم وأعراضَهُم وأموالَهُم، وانصُرِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِنهُم بِرَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرَّاحِمين. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.