🕌 مَرَضُ القَلبِ بالكِبْر: كيف نَعرِف ما نُخفيه عن أنفُسِنا؟
#خطبة_جمعة #الكبر #أمراض_القلوب #تزكية_النفس #الأخلاق #رقائق #التواضع
الحمدُ للهِ الكَبيرِ المُتَعال، ذي العَظَمةِ والجَلالِ والكَمال، الذي تَفَرَّدَ بالكِبرياءِ رِداءً، وبالعَظَمةِ إزارًا، فمَن نازَعَهُ فيهما قَصَمَه ولا يُبالي. الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ التَّواضُعَ بابًا إلى رِفعَةِ الدَّرجات، وجَعَلَ ذُلَّ العُبوديَّةِ له أعلى مَقاماتِ العِزَّة، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادةَ مُقِرٍّ برُبوبيَّتِه، خاضعٍ لعَظَمَتِه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَواضِعين، وسَيِّدُ المُخبِتين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعد:
أيُّها الإخوةُ الأحبَّة، هل سَألتُم أنفسَكم يومًا عن المَرَض الذي لا يُرى في الأشِعَّة، ولا تَكشِفُه التَّحاليلُ الطبيَّة، ولا يَشعُرُ به المريضُ أصلاً، لكنَّه يُهلك العمل، ويَعمي البصيرة، ويُعَرِّضُ صاحِبَهُ لِوَعيدٍ شَديدٍ مِنَ النَّارِ إن لم يَتُب؟
مَرَضٌ... ليس كالسَّرقة التي يَعرفُ السارقُ أنَّه يَسرق حين يَفعلها. وليس كالزِّنا الذي يَعلمُ الزاني أنَّه يَعصي حين يَرتكبه. بل هو مَرَضٌ خَفِيٌّ، يتسلَّل إلى القلوبِ كما يَتسلَّل النَّملُ الأسودُ على الصَّخرةِ الصَّمَّاءِ في الليلةِ الظَّلماء. تَعِيشُ به سَنواتٍ وأنتَ تَظُنُّ أنَّكَ من الصَّالحين، وتُصَلِّي في الصَّفِّ الأوَّل وأنتَ تَحسَبُ أنَّكَ مُهتَدٍ، بينما قَلبُك في ميزانِ السَّماءِ مَريضٌ مَردود!
إنَّه مَرَضُ "الكِبر".. داءُ إبليسَ الأوَّل، وخطيئةُ العالَمِ القَديمة.
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العظيم، الذي ارتَعَدَت لِسَماعِه قُلوبُ الصَّحابة. يَقولُ الصَّادقُ المَصدوق ﷺ: «لا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن كان في قَلبِهِ مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ».
تَأمَّلوا يا عِبادَ الله! لَم يَقُل "مِثقالُ جَبَل"، ولا "مِثقالُ صَخرَة"، بل "ذَرَّة"! ذَرَّةٌ واحدةٌ لا تُرى بالعَينِ المُجَرَّدة، إذا استَقَرَّت في عُمقِ القَلب، كانَت كافيةً لِحِرمانِ العَبدِ من دُخولِ الجَنَّة. فكيفَ بِمَن في قَلبِهِ جِبالٌ من الكِبرِ والخيلاء؟
ولعلَّ سائلًا يَسأل في نَفسِه الآن: كيف لي أن أعرِفَ أنّي مُصابٌ بهذا الدَّاءِ المَخفي؟ كيف نَعرِفُ ما نُخفيهِ عن أنفُسِنا، وما نُبَرِّرُهُ بِحُجَجِ "عِزَّةِ النَّفس" أو "الثِّقَةِ بالذَّات" أو "المَكانَةِ الاجتِماعيَّة"؟
يُجيبُنا نَبيُّنا ﷺ في نَفسِ المَجلسِ بإجابةٍ قاطعةٍ كالسَّيف، تَفصِلُ الحَقَّ عن الباطل. لمَّا سَمِعَ الصَّحابةُ حديثَ الذَّرَّة، خافوا، وقال رَجُلٌ: يا رسولَ الله، إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أن يَكونَ ثَوبُه حَسَنًا، ونَعلُه حَسَنَةً (يَظُنُّ أنَّ الأناقةَ من الكِبر). فَقالَ ﷺ بِصَوتِ الرَّحمَةِ والبيان: «إنَّ اللهَ جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ... الكِبرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ» [رواه مسلم].
هذا هو مِقياسُ الفَحص، وهذا هو المِجهَرُ الذي نَكشِفُ به قُلوبَنا. رُكنانِ اثنانِ للكِبر، إذا وَجَدتَ فيهما ضَعفًا في نَفسِك، فاعلَم أنَّ جُرثومَةَ الكِبرِ قد بَدَأَت تَنخَرُ في صَدرِك.
الرُّكنُ الأوَّل: (بَطَرُ الحَقّ).. أي رَدُّهُ ودَفعُهُ وعَدَمُ قَبولِه.
أينَ أنتَ مِن قَبولِ الحَقِّ إذا جاءَكَ مِمَّن هو أصغَرُ مِنك سِنًّا؟ ماذا لو نَصَحَكَ ابنُك، أو زَوجَتُك، أو مُوَظَّفٌ يَعمَلُ تَحتَ إدارَتِك، وبيَّنَ لكَ أنَّكَ مُخطِئ؟ هل تَتَواضَعُ وتَقول: "صَدَقتَ، جَزاكَ اللهُ خَيرًا"؟ أم أنَّ الدَّمَ يَغلي في عُروقِك، وتَأخُذُكَ العِزَّةُ بالإثم، وتَقولُ في نَفسِك: "مَن هذا لِيُعَلِّمَني؟ أنا أعرَفُ مِنه، أنا أقدَمُ مِنه، أنا أحمَلُ شَهادةً أعلى مِنه"؟
إذا وَجَدتَ نَفسَكَ تَغضَبُ مِنَ النَّصيحَةِ وتَرُدُّ الحَقَّ لِأنَّ قائِلَهُ أقَلُّ مِنكَ شَأنًا، فاعلَم أنَّ "ذَرَّةَ الكِبرِ" حاضِرة. قال اللهُ تعالى واصفًا هذا الحالَ المُهلِك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [سورة البقرة: 206].
الرُّكنُ الثَّاني: (غَمْطُ النَّاس).. أيِ احتِقارُهم وازدِراؤُهم.
كيفَ تَنظُرُ إلى عامِلِ النَّظافةِ الذي تَكادُ تَدهَسُهُ بسَيَّارَتِك في الشَّارع؟ كيفَ تَتَعامَلُ مَعَ النَّادِلِ في المَطعَم، أو الحارِسِ على الباب، أو الخادِمِ في البَيت؟ هل تَنظُرُ إلَيهِم كَبَشَرٍ كَرَّمَهُم الله، أم كَآلاتٍ خُلِقَت لِخِدمَتِك؟
بَعضُ النَّاسِ — يا عِبادَ الله — تَتَغَيَّرُ نَبرَةُ صَوتِهِ، وتَعبيراتُ وَجهِه، حَسَبَ رَصيدِ مَن يُخاطِبُهُ في البَنك، أو حَسَبَ مَنصِبِهِ ووظيفَتِه! يَبتَسِمُ ويَتَواضَعُ لِلمُدير، ويَستَأسِدُ ويَعبِسُ في وَجهِ العامِلِ البَسيط.
يقولُ ابنُ عَطاءِ اللهِ السَّكَندَريُّ رَحِمَهُ الله: «أصلُ كُلِّ مَعصيَةٍ وغَفلَةٍ وشَهوَةٍ الرِّضا عَنِ النَّفسِ، وأصلُ كُلِّ طاعَةٍ ويَقَظَةٍ وعِفَّةٍ عَدَمُ الرِّضا مِنك عَنها». الرَّاضي عَن نَفسِه، المُعجَبُ بِرَأيِه، المُنصَرِفُ بِوَجهِهِ عَنِ النَّاس، هذا واقِعٌ في قَولِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [سورة لقمان: 18].
لا تُصَعِّر خَدَّك: أي لا تَمِل بِوَجهِكَ عَنِ النَّاسِ استِكبارًا واحتِقارًا!
عِبادَ الله، إنَّ للكِبرِ صُوَرًا مُعاصِرَةً نَعيشُها كُلَّ يَوم.
هُناكَ كِبرُ النِّعمَةِ والثَّروَة. كِبرُ قارونَ الذي لَمَّا ذُكِّرَ بِفَضلِ اللهِ عَلَيهِ قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [سورة القصص: 78]. فَكانَ الجَزاءُ مِن جِنسِ العَمَل: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾.
اليَومَ، نَرى مِن شَبابِنا ورِجالِنا ونِسائِنا مَن يَتَباهى بِمَلابِسِه، ومَراكِبِه، وصُوَرِهِ في مَواقِعِ التَّواصُلِ، مُستَعرِضًا نِعَمَ اللهِ لِيَكسِرَ بِها قُلوبَ الفُقَراء، ولِيَجمَعَ الإعجابات، مُتَوَهِّمًا أنَّهُ أفضَلُ مِن غَيرِه. وقَد قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» [رواه مسلم]. يَعني: يَكفيكَ مِنَ الإثمِ والمُصيبَةِ مُجَرَّدُ احتِقارِكَ لِأخيك، حتى لو لَم تَفعَل شَرًّا غَيرَهُ قَط!
وهُناكَ النَّوعُ الأخطَر: وهو كِبرُ الطَّاعَةِ والعِلم!
نَعَم.. قَد يَتَكَبَّرُ الإنسانُ بِدينِه! قَد تُصَلِّي، وتَصوم، وتَقرَأُ القُرآن، ثُمَّ تَنظُرُ إلى رَجُلٍ مُبتَلًى بِمَعصيةٍ فَتَقولُ في نَفسِك: "أنا خَيرٌ مِنه، هَذا مِن أهلِ النَّار، وأنا مِن أهلِ الجَنَّة".
وهُنا الطَّامَّةُ الكُبرى! نَسيتَ أنَّ العَملَ بِيَدِ الله، وأنَّ الخَواتيمَ بِيَدِ الله، وأنَّ هذا العاصيَ قَد يَبكي في سُجودِهِ لَيلَةً فَيَتوبُ اللهُ عَلَيهِ ويُبَدِّلُ سَيِّئاتِهِ حَسَنات، وأنتَ بِإعجابِكَ بِنَفسِكَ وكِبرِكَ تُحبِطُ عَمَلَك!
وقَد ذَكَرَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ مَعنًى عَجيبًا حينَ قال: "مَن رَأى أنَّ لَهُ فَضلًا على غَيرِهِ فَقَدِ استَكبَر... التَّواضُعُ أن تَخرُجَ مِن مَنزِلِكَ فلا تَلقى مُسلِمًا إلَّا رَأيتَ لَهُ الفَضلَ عَلَيك".
فإن رَأيتَ عاصيًا قُلتَ: "أذنَبَ بِجَهل، وقَد يَتوبُ فَيَغفِرُ اللهُ له، وأنا أعصي بِعِلم فَقَد لا يُغفَرُ لي". وإن رَأيتَ صَغيرًا قُلتَ: "هذا لَم يَعصِ اللهَ وأنا عَصَيتُه فهو خَيرٌ مِنّي". وإن رَأيتَ كَبيرًا قُلتَ: "هذا سَبَقَني بالإسلامِ والعَمَلِ الصَّالِح فهو خَيرٌ مِنِّي".
إخوَتي الأكارِم، لِنَرجِع إلى السِّيرَةِ النَّبَويَّةِ العَطِرَة، لِنَرى كَيفَ رَبَّى النَّبيُّ ﷺ أصحابَهُ على ذَبحِ هذا الدَّاءِ المَخفي.
حَدَثَ خِلافٌ ذاتَ يَومٍ بَينَ الصَّحابيِّ الجَليلِ أبي ذَرٍّ الغِفاريِّ ورَجُلٍ آخَر. اشتَدَّ الخِلاف، وفي لَحظَةِ غَضَب، انزَلَقَت مِن فَمِ أبي ذَرٍّ كَلِمَةٌ عَيَّرَ بِها الرَّجُلَ بِأُمِّه. كَلِمةٌ مُوجِعَة.. كَلِمةٌ فيها ريحُ الكِبرِ وتَصنيفِ النَّاسِ. بَلَغَ الأَمرُ النَّبيَّ ﷺ فَغَضِبَ غَضَبًا شَديدًا! لَم يُحابِ أبا ذَرٍّ رَغمَ فَضلِهِ ومَكانَتِه ومُسارَعَتِهِ في الإسلام. لَم يَقُل: مُجَرَّدُ كَلِمَةٍ عابِرَة. بَل واجَهَهُ وَجهًا لِوَجه وقال لَه كَلِمةً تَهُزُّ الجِبال: «يا أبا ذَرّ، أعَيَّرتَهُ بِأُمِّه؟ إنَّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليَّة!» [متفق عليه].
لَم يَقِفِ التَّوجيهُ النَّبَويُّ هُنا، بَل أَرسى قاعِدَةً في التَّواضُعِ وحِفظِ كَرامَةِ النَّاس، فَقالَ مُوَجِّهًا لِلأُمَّةِ كُلِّها في التَّعامُلِ مَعَ الخَدَمِ والضُّعَفاء: «إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ ممَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ ممَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ ما يَغْلِبُهُمْ، فإنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فأعِينُوهُمْ».
كيفَ تَصَرَّفَ أبو ذَرٍّ بَعدَ هَذِهِ الصَّدمة؟ هل أخَذَتهُ العِزَّةُ بالإثم؟ هل قال: أنا أبو ذَرٍّ، سَيِّدُ غِفار، أُعاتَبُ بِهَذا الشَّكل؟ كَلَّا! هَذِهِ قُلوبٌ تَرَبَّت على كِتابِ الله. قَبِلَ النَّصيحَةَ واقتَلَعَ ذَرَّةَ الكِبرِ مِن جُذورِها عَمَلِيًّا؛ حَتَّى إنَّ المَعرورَ بنَ سُوَيدٍ رَآهُ بَعدَ ذَلِكَ بِالرَّبَذَةِ وعَلَيهِ حُلَّةٌ، وعلى غُلامِهِ حُلَّةٌ مِثلُها تَمامًا! لَم يَتَرَفَّع عَلَيهِ حَتَّى في اللِّباس.
تَأمَّلوا هَذا المَشهَدَ المَهيب! صَحابيٌّ مِن ساداتِ العَرَب، يُسَوِّي نَفسَهُ بِغُلامِهِ طاعَةً للهِ ورَسولِه. لماذا؟ لِيَذبَحَ ذَرَّةَ الكِبرِ؛ لِأنَّهُ يَعلمُ أنَّ التَّواضُعَ في الدُّنيا والصُّدوُعَ لِلحَقِّ، أكرَمُ عِندَ اللهِ مِنَ العُلُوِّ الزَّائِفِ.
عِندَما سَمِعَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ — وهو أميرُ المُؤمِنين — وُفودَ الأمصارِ تَمدَحُه، خافَ على نَفسِهِ الكِبر، فَحَمَلَ قِربَةَ ماءٍ قَديمَةً على ظَهرِهِ ومَشى بِها في أسواقِ المَدينَة بَينَ النَّاس. فَلَمَّا قيلَ له: ما يَحمِلُكَ على هَذا يا أميرَ المُؤمِنين؟ قال: "إنَّ نَفسي أعجَبَتني، فأرَدتُ أن أُذِلَّها!".
عِبادَ الله.. مَن نَحنُ أمامَ أبي ذَرٍّ وعُمَر؟ هل نَأمَنُ على أنفُسِنا بَعدَ هذا؟
كيفَ يَتَكَبَّرُ إنسانٌ أوَّلُهُ نُطفَةٌ مَذِرَة، وآخِرُهُ جيفَةٌ قَذِرَة، وهو يَحمِلُ بَينَ جَنبَيهِ العَذِرَة؟! كَيفَ يَتَكَبَّرُ مَن إذا مَنَعَ اللهُ عَنهُ نَفَسًا واحِدًا، أو حَبَسَ في جَسَدِهِ قَطرةَ بَولٍ، أصبَحَ يَتَلَوَّى ألَمًا ويَتَمَنَّى المَوت؟! ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾.
إنَّ اللهَ تَعالى يُحَذِّرُنا تَحذيرًا مُباشِرًا في حَديثٍ قُدسِيٍّ تَهتَزُّ لَهُ الأبدان، يَقولُ رَبُّ العِزَّةِ جَلَّ جَلالُه: «الكِبرياءُ رِدائي، والعَظَمَةُ إزاري، فَمَن نازَعَني واحِدًا مِنهُما، قَذَفتُهُ في النَّار» [رواه أبو داود وصححه الألباني].
إيَّاكَ أن تُنازِعَ اللهَ في ثَوبِه! إيَّاكَ أن تَتَقَمَّصَ صِفَةً لا تَليقُ إلَّا بِالخالِقِ العَظيم! المتكبِّرون يُحشرون يوم القيامة كأمثالِ الذَّرّ (صِغار النَّمل) في صُوَرِ الرِّجال، يَطَؤُهُم النَّاسُ بِأقدامِهِم إهانَةً لَهُم وتَحقيرا، عُقوبَةً لِمَا تَعالَوا بِهِ في الدُّنيا.
يا مَن أنعَمَ اللهُ عَلَيكَ بِمَنصِبٍ رَفيع... تِلكَ أمانَةٌ سَتُسألُ عَنها، فَلِمَ الكِبر؟
ويا مَن أنعَمَ اللهُ عَلَيكَ بِمالٍ وافِر... ذلِكَ استِخلافٌ مُؤَقَّت، فَلِمَ العُجْب؟
ويا مَن أنعَمَ اللهُ عَلَيكَ بِعِلمٍ وحِفظٍ للقُرآن... تِلكَ حُجَّةٌ لَكَ أو عَلَيك، فَلِمَ الغُرور؟
يَقولُ سُفيانُ الثَّوريُّ رَحِمَهُ الله: "أشَدُّ النَّاسِ كِبرًا أشَدُّهُم جَهلًا بِنَفسِه وبِرَبِّه".
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَرفَعُ مَن تَواضَعَ لِعَظَمَتِه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، أكرَمُ الخَلقِ وأشَدُّهُم تَواضُعًا، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعد:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَع حَقيقَةِ هذا الدَّاءِ المَخفيِّ (الكِبر)، وكَيفَ أنَّهُ يَتَسَلَّلُ إلينا مُتَخَفِّيًا خَلفَ أعذارِ الثِّقَةِ والمَكانَة، وكَيفَ أرعَدَتِ النُّصوصُ لِتَحذيرِنا مِنه لِأنَّهُ بَطَرٌ لِلحَقِّ واحتِقارٌ لِلخَلق، ورَأَينا كَيفَ ذَبَحَ الصَّحابَةُ هذا الكِبرَ في نُفوسِهِم بِتَواضُعِهِم الصَّادِق. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهمِّ الذي سَيُحَدِّدُ إن كانَت هَذِهِ الخُطبَةُ سَتَمُرُّ مُرورَ الرِّيح أم سَتُثمِرُ في قُلوبِكُم: كَيفَ نُعالِجُ ما في قُلوبِنا مِن هذا المَرَضِ عَمَليًّا؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مَنبَري هَذا، عِلاجًا ناجِعًا لِلقَلبِ قَبلَ أن يَلقى رَبَّه:
الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): فَتِّش في نِيَّتِكَ دائِمًا، وقارِن ضَعفَكَ بِعَظَمَةِ الله. إذا أحسَستَ في قَلبِكَ بِنَشوةِ الإعجابِ بِنَفسِك، أو مالِك، أو مَركَزِك، فَذَكِّر نَفسَكَ أنَّهُ سَلَبَ هَذِهِ النِّعَمَ مِمَّن هُم أقوى مِنكَ في لَحظَة. قال النَّبيُّ ﷺ: «ومَن تَواضَعَ للهِ رَفَعَهُ الله»؛ فالتَّواضُعُ هو المِصعَدُ الحَقيقيُّ لِلرِّفعَة، أمَّا الكِبرُ فهو سُقوطٌ مُرَوِّعٌ في الآخِرَة.
الثَّانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): رَوِّض لِسانَكَ على كَلِمَةِ "أنا مُخطِئ، وأنتَ مُصيب". اليَوم، إن كانَ بَينَكَ وبَينَ شَخصٍ خِلاف، وكانَ الحَقُّ مَعَه، فاذهَب إلَيهِ وقُل لَهُ: صَدَقتَ و أخطَأتُ أنا. كَسْرُ النَّفسِ بالاعتِرافِ بالخَطَأ هو أعظَمُ عَمليَّةٍ جِراحيَّةٍ لاستِئصالِ الكِبرِ مِنَ اللِّسان.
الثَّالِثَة (وَصيَّةٌ عَمَليَّة فِعليَّة): قُم بِأعمالِ الخِدمَةِ المُحتَقَرَةِ في بَيتِكَ نِيَّةً لله. كانَ النَّبيُّ ﷺ "في مِهنَةِ أهلِه"؛ يَخصِفُ نَعلَه، ويَرقعُ ثَوبَه. عُد اليَومَ إلى بَيتِك، وقُم بِمُساعَدَةِ زَوجَتِكَ أو أهلِكَ في عَمَلٍ مَنزِليٍّ بَسيط. نَظِّف مَكانَك، رَتِّب سَريرَك. هَذا العَمَلُ البَسيطُ اليَدَويُّ يَقتُلُ كِبرَ الإداريِّ والمُديرِ في داخِلِك.
الرَّابِعَة (وَصيَّةٌ اجتِماعيَّة): بادِر بالسَّلامِ والابتِسامَةِ على مَن هُوَ دونَكَ في السُّلَّمِ الاجتِماعي. غَدًا حينَ تَذهَبُ إلى عَمَلِك، ابحَث عَن حارِسِ البَوَّابَة، أو عامِلِ النَّظافَة، أو الخادِم، وابدَأهُ أنتَ بالسَّلامِ الحارِّ والمُصافَحَةِ والابتِسام. لا تَنتَظِرهُ لِيُسَلِّمَ عَلَيك. هذا الفِعلُ يُذيبُ حَواجِزَ الكِبرِ ويُشعِرُكَ بِأُخُوَّةِ الإسلامِ الحَقيقيَّة.
الخامِسَة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّة): تَطَبَّب بقَبولِ النَّصيحَةِ مِمَّن تَكرَهُ أو مِمَّن هو أصغَرُ مِنك. إذا انتَقَدَكَ شَخصٌ صَغيرٌ أو قَليلُ الخِبرَة، لا تَرُدَّ عَلَيهِ بِغَضَب. اسمَع لَه، فإن كانَ كَلامُهُ حَقًّا فَخُذ بِه واشكُره. فَالحِكمَةُ ضالَّةُ المُؤمِن، والعَظيمُ حَقًّا هُوَ مَن يَأخُذُ الحَقَّ مِن طِفلٍ صَغيرٍ وهو راضٍ يَبتَسِم.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ تَعالى تَحمِلُ العَبدَ على التَّذَلُّلِ لِخالِقِهِ، ولينِ الجانِبِ لِمَخلوقاتِه. ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة القصص: 83].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عَلَيهِ فَقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِن كِبرٍ يَحجُبُنا عَن رَحمَتِك، ومِن غُرورٍ يَمنَعُنا مِن جَنَّتِك.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ النِّفاق، وأعمالَنا مِنَ الرِّياء، وألسِنَتَنا مِنَ الكَذِب، وأعيُنَنا مِنَ الخِيانَة.
اللَّهُمَّ ارزُقنا تَواضُعَ العارِفين، وذُلَّ العابِدين، وخُضوعَ الصَّادِقين. اللَّهُمَّ اجعَلنا في أعيُنِنا صِغارًا، وفي أعيُنِ النَّاسِ كِبارًا، ولا تَجعَل لِلشَّيطانِ في قُلوبِنا مَدخَلًا.
اللَّهُمَّ مَن أرادَ بِالإسلامِ والمُسلِمينَ خَيرًا فَوَفِّقهُ لِكُلِّ خَير، ومَن أرادَ بِهِم غَيرَ ذلِكَ فَرُدَّ كَيدَهُ في نَحرِه.
اللَّهُمَّ كُن لِلمُستَضعَفينَ والمَظلومينَ والمَنكوبينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ ارزُقهُم نَصرًا مُؤَزَّرًا، وفَرَجًا قَريبًا، وأطعِمهُم مِن جوع، وآمِنهُم مِن خَوف.
اللَّهُمَّ اغفِر لِآبائِنا وأُمَّهاتِنا، وارحَمهُم كَما رَبَّونا صِغارًا.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة: 201].
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون.
وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبمرض القلب بالكبر: كيف نعرف ما نخفيه عن أنفسنا؟
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.