🕌 إصلاحُ ذاتِ البَينِ بَعدَ المِيراث: لا تَجعَلِ المالَ يَقطَعُ الأُسرَة
#خطبة_جمعة #إصلاح_ذات_البين #الميراث #صلة_الرحم #الأسرة #المال #أخلاق #رقائق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ صِلَةَ الأرحامِ مِن أعظَمِ القُربات، وحَرَّمَ القَطيعَةَ والشَّحناءَ وجَعَلَها مِن كبائرِ السَّيِّئات، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُعطي الدُّنيا لمَن يُحِبُّ ومَن لا يُحِب، ولا يُعطي الدِّينَ والأخلاقَ إلا لِمَن أَحَب، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، مُحَذِّرُ الأمَّةِ مِن فِتنَةِ الأموالِ ومَفسَدَةِ ذاتِ البَين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخَيَّلوا معي بيتًا دافئًا، كان يَجمَعُ إخوةً وأخواتٍ على مائدةٍ واحدة، يَضحَكون معًا، ويَتَساندون في الشَّدائد، ويَتَقاسَمون اللُّقمةَ الواحدة. ثمَّ يَموتُ الأبُ أو تَموتُ الأم... وفي لَحظةٍ واحدة، تَتَحَوَّلُ تلك المائدةُ إلى ساحةِ مَعركة، وتِلك الضحكاتُ إلى قضايا وخصوماتٍ في المحاكم، وذلك السَّنَدُ إلى قَطيعةٍ تَمتَدُّ لِسَنوات، بل لأجيال! كلُّ هذا مِن أجلِ أوراقٍ نقديَّة، أو شِبرٍ مِن الأرض، أو مِيراثٍ سيُترَكُ يَوماً كما تَرَكَه مَن قَبلَهم. كيفَ يَتَحَوَّلُ الدَّمُ إلى ماء؟ وكيفَ يُباعُ الأخُ بثَمَنٍ بَخس؟ وكيف يَهون الرَّحِمُ الذي خَلَقه الله مِنِ اسمِهِ الرَّحمن؟ هذا ما سَنَقِفُ عليه في خُطبَتِنا اليوم.
يا عبادَ الله، هل سَألتُم أنفُسَكم يومًا: ما الذي يُفرِحُ الشَّيطانَ أكثرَ مِنِ ارتِكابِ الإنسانِ لمعصيةٍ فَرديَّة؟ إنَّهُ هَدمُ البُيوتِ، وتَقطيعُ الأرحام، وإشعالُ نيرانِ العَداوةِ بَينَ الإخوَة! إنَّنا اليومَ نَعيشُ أزمةً صامِتةً تَئِنُّ منها البُيوت، وتَكتَظُّ بها مَحاكمُ القَضاء؛ أزمَةَ "الميراث"، وما يَعقُبُه مِن تَمزيقٍ لشَملِ الأُسرَةِ وتَقطيعٍ لأواصِرِ القُربى.
اسمعوا إلى هذا التَّشخيصِ الإلهيِّ الدَّقيقِ لِطَبيعَةِ النَّفسِ البَشريَّةِ حينَ تَضعُفُ أمامَ بريقِ المال. يَقولُ ربُّنا تَبارَكَ وتَعالى كاشِفاً غَورَ هذه النُّفوس: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 19-20]. التُّراثُ هو الميراث، والأكلُ اللَّمُّ هو الأكلُ الشَّرِهُ الذي لا يُبقي ولا يَذَر، يَأكُلُ حَقَّهُ وحَقَّ غَيرِه، حَقَّ القَويِّ وحَقَّ الضَّعيف، حَقَّ الأخِ وحَقَّ الأُخت. لماذا؟ لأنَّ القَلبَ أُشرِبَ هذا الدَّاء: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾.
ويُحَذِّرُنا الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ مِن هذه الفِتنَةِ العَمياءِ التي تَعمي القُلوبَ والأبصار، فيَقولُ في حديثٍ تَرتَجِفُ له القُلوبُ الحيَّة: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). تَأمَّلوا الصُّورة! ذِئبانِ جائعانِ في زَريبَةِ غَنَم، ماذا سَيَفعلان؟ سيُمَزِّقانِ الغَنَمَ تَمزيقًا! هكذا يَفعَلُ الحِرصُ على الميراثِ والأموالِ في دِينِ المُسلِمِ وأخلاقِه، يُمَزِّقُ دِينَهُ ويُمَزِّقُ أُسرَتَه!
أيُّها المسلمون، إنَّ "فَسادَ ذاتِ البَينِ" هو المَرَضُ العُضالُ الذي يَأكُلُ حَسَناتِ الإنسانِ كما تَأكُلُ النَّارُ الحَطَب. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قالوا: بلى يا رسولَ الله. قال: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» (رواه أبو داود والترمذي).
سُبحانَ الله! الحالِقةُ التي تَحلِقُ الدِّين! قد تَكونُ في الصَّفِّ الأوَّلِ في المَسجد، وقد تَصومُ الإثنين والخميس، وقد تَحُجُّ وتَعتَمِر... لكنَّكَ مُقاطِعٌ لأخيك، هاجِرٌ لأُختِك، تَمكُرُ بابنِ عَمِّكَ في المحاكمِ مِن أجلِ شِقَّةٍ أو قِطعَةِ أرضٍ تَرَكَها الوَالِد! فَيَأتي فَسادُ ذاتِ البَينِ هذا لِيَحلِقَ دِينَكَ كُلَّه! قال الإمامُ الغزاليُّ رَحِمَهُ اللهُ في 'الإحياء': "إنَّ الحِقدَ والحَسَدَ والعداوَةَ إذا استَحكَمَت في القَلب، أفسَدَت على العَبدِ أعمالَهُ، وحالَت بَينَهُ وبَينَ رَحمَةِ الله". فأيُّ عقلٍ هذا الذي يَبيعُ جَنَّةً عَرضُها السَّماواتُ والأرضُ بِشِبرٍ مِن تُرابِ الدُّنيا الدَّنيَّة؟!
ولنتأمَّل معاً، لِماذا يَشتَدُّ الخِلافُ وتَقَعُ القَطيعةُ غَالِباً بَعدَ وَفاةِ الوالِدَين؟
الوالِدانِ كانا الخَيمَةَ التي تَجمَع، والعَصَبَ الذي يَربِط. فَإذا رَحَلا، سَقَطتِ الخَيمة، وظَهَرَت حَقيقَةُ النُّفوسِ أمامَ بَريقِ الدِّرهَمِ والدِّينار. ومِن هُنا نَرى العَجَبَ العُجاب! نَرى الأخَ يُزَوِّرُ الأوراقَ لِيَحرِمَ أخَواتِه، ونَرى العَمَّ يَأكُلُ مِيراثَ بَناتِ أخيهِ اليَتامى بحُجَّةِ أنَّ "المالَ لا يَخرُجُ للغَريب"، نَاسياً أو مُتَناسياً قَولَ الجَبَّارِ جَلَّ جَلالُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10].
واللهِ يا إخوَة، إنَّ هذا الذي يَأكُلُ حَقَّ أخيهِ أو أختِه في الميراثِ إنَّما يُدْخِلُ إلى بَيتِه وعلى عِيالِه نَاراً مُستَعِرة! قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "مَنِ استَحلَّ أموالَ النَّاسِ بالباطِل، أورَثَهُ اللهُ الفَقرَ مِن حَيثُ لا يَحتَسِب، ومَحَقَ بَرَكَةَ عُمرِه وعَمَلِه".
واسمَعوا لهذه القِصَّةِ العَجيبَةِ التي وَقَعَت فيمَن كانَ قَبلَنا، لِتَرَوا كيفَ كانَ الخِلافُ بَينَ الرِّجالِ، وكيفَ أصبَحَ اليوم!
قالَ النَّبيُّ ﷺ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، اشْتَرَى عَقَارًا مِنْ رَجُلٍ، فَوَجَدَ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ!»
ماذا فَعَل؟ هل أخفاها؟ هل هَرَبَ بها؟ لا! ذَهَبَ إلى البائِعِ وقالَ له: "خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ، وَلَمْ أَشْتَرِ مِنْكَ الذَّهَبَ".
فماذا رَدَّ البائِع؟ هل طارَ فَرَحاً وطَمَعاً؟ رَدَّ البائِعُ المؤمنُ التَّقيُّ قائلاً: "إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا!".
تَخاصَما في الذَّهَب، هذا يَرفُضُ أخْذَهُ وَرَعاً، وهذا يَرفُضُ قَبولَهُ وَرَعاً وعِفَّة! فَتَحاكَما إلى رَجُلٍ، فقال القاضي: "أَلَكُمَا وَلَدٌ؟" قال أحَدُهما: لي غُلام. وقال الآخَر: لي جارية (بِنت). قال: "أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِمَا مِنْهُ، وَتَصَدَّقَا" (متفق عليه).
يا سُبحانَ الله! يَتَخاصَمانِ فيمَن يَترُكُ الذَّهَبَ خَوفاً مِن شُبهَةِ الحَرام! ونحنُ اليوم، الإخوَةُ مِن أبٍ وأُم، أشقَّاءُ بَطنٍ واحد، يَتَقاطَعونَ، ويَتَدابَرونَ، ويَتَشاتَمونَ، ويُقاطِعُ الأخُ زِفافَ ابنِ أخيه، وتُقاطِعُ الأختُ جَنازَةَ أخيها، مِن أجلِ ماذا؟ مِن أجلِ دُنيا زائِلَة، وأموالٍ فاتِنَة! أينَ عُقولُنا حينَ نَرى الكَفَنَ بِلا جُيوب، ثمَّ نَتَقاتَلُ على ما تَرَكناهُ خارِجَ الكَفَن؟
قال الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "مِن عَلامَةِ المُؤمِنِ الموقِنِ أن تَكونَ دُنياهُ أهوَنَ عليهِ مِن التُّرابِ الذي يَمشي عليه، ومِن عَلامَةِ المُنافِقِ أن يَبيعَ دينَهُ ورَحِمَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا قَليل".
أَيُّهَا الإخوَةُ الأَحِبَّة، ضَعوا أنفُسَكم لَحَظَةً واحِدَةً مَكانَ الأبِ المَيِّتِ أو الأُمِّ المَيِّتة.
ذلك الأبُ الذي شَقيَ أربَعينَ عاماً، يَكدَحُ في النَّهارِ ويَسهَرُ في اللَّيل، يَحرِمُ نَفسَهُ اللِّباسَ والطَّعامَ لِيَبنيَ لَكُم هذا البَيت، ولِيَجمَعَ لكم هذا المال، لِكَي لا تَحتاجوا لِأحَدٍ بَعدَه. وهو الآنَ في قَبرِه، وَحيدًا مُرتَهَنًا بِعَمَلِه، يَنتَظِرُ مِنكُم نَسَمَةَ دُعاء، أو صَدَقةً جاريةً تَرفَعُ دَرَجَتَه، أو صِلَةَ رَحِمٍ تُسَرُّ بِها رُوحُه.
فَماذا يَصِلُ إليه مِنكُم؟ تَصِلُ إليه أخبارُ الخُصومات! تَصِلُ إليه الدَّعواتُ التي يَدعوها بَعضُكُم على بَعض! يَصِلُ إليه قَطيعَتُكم وتَمَزُّقُ أُسرَتِه التي بَناها بِعَرَقِ جَبينِه! واللهِ إنَّها لَحَسرَةٌ تَتَفَطَّرُ لها قُلوبُ الآباءِ والأُمَّهاتِ في قُبورِهم.
يقولُ الحَقُّ تَبارَكَ وتَعالى مُذَكِّراً بِهذا المَشهَدِ المَهيب: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. أينَ السَّلامةُ في قَلبٍ مَشحونٍ بالبَغضاءِ لأخيهِ على لُعاعَةٍ مِنَ الدُّنيا؟
يا مَن قاطَعتَ أخاك، يا مَن ظَلَمتِ أُختَكِ، يا مَن أكلتُم حُقوقَ العَصَباتِ والأرحام.. اقرَؤوا هذا الوَعيدَ الإلهيَّ المُخيف، واجعَلوا هذه الآيةَ تَدقُّ أبوابَ قُلوبِكم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23]. اللَّعنَة! الطَّردُ مِن رَحمَةِ الله، والعَمى والصَّمَمُ في البَصيرة. ومُصَدِّقُ ذلك في السُّنَّةِ ما رَواهُ الشَّيخانِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال قَولاً فاصِلاً حاسِماً لا مَوارَبَةَ فيه: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» (متفق عليه). أي قاطِعُ رَحِم!
فَهَل يَستَحِقُّ هذا الشِّبرُ مِنَ الأرض، وهل تَستَحِقُّ هذه العُملَةُ الزَّائِفَةُ أن تُحرَمَ مِنَ الجَنَّة؟ هل يَستَحِقُّ الميراثُ أن تَقِفَ يَومَ القيامَةِ مَطْروداً ملعوناً لأنَّك جَرَحتَ قَلبَ أُختِكَ وضَيَّعتَ حَقَّ أخيك؟
ألا فليَعْلَم كُلُّ مُسلِمٍ أنَّ "التَّنازُل" مِن أجلِ بقاءِ العائلَةِ ليسَ ضَعفاً، بَل هو أعلَى دَرَجاتِ القُوَّةِ والشَّرَفِ والعِزَّة. إذا شَعَرتَ أنَّ الخِلافَ على قِطعَةِ أثاث، أو مَبلَغٍ مِنَ المال، سيُشعلُ النَّارَ بينكَ وبينَ إخوَتِك، فكُن أنتَ الأكبَرَ عَقلاً، والأوسَعَ صَدراً، وتَنازَل، واشتَرِ أخاك.
قال النَّبيُّ ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» (رواه مسلم). العِزُّ الحَقيقيُّ ليسَ في الانتِصارِ في المَحاكِم، بَل في صِيانَةِ الدَّم، وحِفظِ الرَّحِم.
وتَأمَّلوا مَوقِفَ الصِّدِّيقِ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، حينَ تَكَلَّمَ ابنُ خالَتِه "مِسطَح" في حادِثَةِ الإفك، وخاضَ في عِرضِ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها! وكانَ أبو بَكرٍ يُنفِقُ على مِسطَح لِفَقرِهِ وقَرابَتِه، فَحَلَفَ أبو بَكرٍ ألا يُنفِقَ عليهِ بَعدَ ما قالَهُ في ابنَتِه الطَّاهِرَة. فماذا نَزَلَ مِنَ السَّماء؟ نَزَلَ قَولُهُ تَعالى يُعاتِبُ أبَا بَكر: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. فَبَكى أبو بَكر وقال: "بَلَى وَاللَّهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي"، ورَجَعَ يُنفِقُ على مِسطَح.
إذا كانَ أبو بَكرٍ قَد عَفا وصَفَحَ عَمَّن خاضَ في عِرضِهِ استِجابَةً لِنِداءِ الله، أفَلا نَعفو نَحنُ ونَصفَحُ عن إخوَتِنا وأخَواتِنا مِن أجلِ مَتاعٍ مِنَ الدُّنيا زائل؟
المالُ يا عبادَ اللهِ يُعَوَّض، والأخُ لا يُعَوَّض. والميراثُ يُقسَم، والرَّحِمُ لا تُقسَم!
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ له، يَأمرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، المَبعوثُ رَحمَةً لِلعالَمين، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبَارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن فِتنَةِ الميراث، وكيفَ أنَّ فَسادَ ذاتِ البَينِ المَبنيَّ على الطَّمَعِ يَحلِقُ الدِّينَ مِن جُذورِه، ووَقَفنا مع عُقوبَةِ قاطِعِ الرَّحِم، وكيفَ أنَّ التَّنازُلَ والعَفوَ بَينَ الإخوَةِ هُوَ عِزٌّ وكرامَةٌ لا ضَعفٌ ومَهانة. والآن، والسُّؤالُ الذي يَجِبُ أن نَطرَحَهُ على أنفُسِنا: كيفَ نُصلِحُ ما أفسَدَهُ المال؟ وكيفَ نَرأَبُ الصَّدعَ في عائلاتِنا ونَستَرجِعُ سَكينَةَ بُيوتِنا؟
أُوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري هذا، تَكونُ مِفتاحاً لِلصُّلحِ والوِفاق:
الأولى (قَلبيَّة): طَهِّر قَلبَكَ مِنَ الشُّحِّ وحُبِّ الاستِئثار. رَدِّد دائمًا قَولَ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: 16]. الشُّحُّ أُسُّ البَلاء. اعلَم يَقينًا أنَّ ما كانَ لكَ سَيَأتيكَ ولَو أجمَعَ مَن في الأرضِ على مَنعِه، وما لم يَكُن لكَ لَن تَنالَهُ ولَو بَذَلتَ روحَك. فسلِّمِ الأمرَ لله، واملأ قَلبَكَ بالرِّضا يورثكَ الله الغِنى في نَفسِك.
الثانية (لِسانيَّة): اضبِط لِسانَكَ والكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ عِندَ القِسمَة. الخِلافاتُ غالِباً ما تَبدَأُ بِكَلِمَةٍ جارِحة، أو استِهزاء، أو شَكوى للزَّوجَةِ وللأصدِقاء تُؤَجِّجُ النِّيران. قال تَعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]. إن جَلَستُم في مَجلِسِ القِسمَة، فليَكُن حَديثُكُم بالدُّعاءِ للمَيِّت، والتَّذلُّلِ بَينَ الإخوَة، فالكَلِمَةُ الرَّفيقَةُ تُطفِئُ غَضَبَ القُلوب.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): بَادِر أنتَ بالصُّلحِ والسَّلام، ولا تَقُل "هو مَن أخطَأَ فلْيَبدَأ هُو". اليَومَ وبَعْدَ هذه الخُطبَة، التَقِط هاتِفَك، واتَّصِل بِأخيكَ الذي قاطَعتَه، أو أُختِكَ التي غاضَبتَها في مَسألَةِ إرث. قال النَّبيُّ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (متفق عليه). كُن أنتَ الخَير! كُن أنتَ الأقرَبَ إلى الله!
الرابعة (اجتماعيَّة): استَعينوا بالعُقلاءِ وأهلِ الصَّلاحِ مِن كِبارِ العائِلَة لِلتَّدَخُّلِ والمَشورَة. إذا رَأيتُم أخوَينِ قَدِ اشتَدَّ بَينَهُما الخِلاف، فلا تَقِفوا مُتَفَرِّجين، بَل ادخُلوا بِخَير. قال تَعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]. الإصلاحُ مَسؤوليَّةُ المُجتَمَعِ بأسره لِئَلَّا تَتَفَتَّتَ البُيوت.
الخامسة (موضوعيَّة): تَنَازَلوا يَتَنَازَلِ اللهُ لَكم عَن زَلَّاتِكم. عِندَ تَقسيمِ التَّرِكَة، أعطِ أُختَكَ حَقَّها كامِلاً غَيرَ مَنقوصٍ قَبلَ أن تَأخُذَ حَقَّك، وطَيِّب خاطِرَها. وإن رَأيتَ أخاكَ مُتَعَنِّتًا أو مُحتاجًا، فَتَنازَلْ لهُ عَن جُزءٍ مِن حَقِّكَ إبقاءً للوُدّ. واللهِ العَظيمِ إنَّ الألْفَ والألفَين التي تَتَنازَلُ عنها اليَوم، سَيَجعَلُها اللهُ أضعافاً مُضاعَفَةً في رِزقِك، وبَرَكَةً في وُلدِك، وطُمأنينَةً في قَلبِك.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ الميزانُ الذي تَعتَدِلُ بهِ حَياتُكم، وهيَ التي تَحمِلُكُم على إعطاءِ الحُقوقِ لأصحابِها، وكَظمِ الغَيظِ، والعَفوِ عَنِ النَّاس.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلاً بِقَولِ رَبِّكُم في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن تَبِعَهم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ ألِّف بَينَ قُلوبِنا، وأصلِح ذاتَ بَينِنا، واهدِنا سُبُلَ السَّلام، ونَجِّنا مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّور.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا أُعطيَ شَكَر، وإذا ابتُليَ صَبَر، وإذا أذنَبَ استَغفَر.
اللَّهُمَّ نَقِّ قُلوبَنا مِنَ الغِلِّ والحِقدِ والحَسَدِ والبَغضاء، ولا تَجعَل في قُلوبِنا غِلًّا لِلَّذينَ آمَنوا رَبَّنا إنَّكَ رَؤوفٌ رَحيم.
اللَّهُمَّ مَن كانَ بَينَهُ وبَينَ أخيهِ أو ذَوي رَحِمِهِ شَحناءُ أو قَطيعة، اللَّهُمَّ لَيِّن قَلبَه، وأَذهِب غَيظَه، واجمَع شَملَهُ، ورُدَّهم إلى بَعضِهم رَدًّا جَميلاً يامُقَلِّبَ القُلوب.
اللَّهُمَّ اكفِنا بِحَلالِكَ عَن حَرامِك، وأغنِنا بِفَضلِكَ عَمَّن سِواك، ولا تَجعَلِ الدُّنيا أكبَرَ هَمِّنا، ولا مَبلَغَ عِلمِنا، ولا إلى النَّارِ مَصيرَنا.
اللَّهُمَّ ارحَم آباءَنا وأُمَّهاتِنا كما رَبَّونا صِغاراً، اللَّهُمَّ اجعَلنا للمُتَوَفِّينَ مِنهُم صَدقَةً جاريَة، وعَمَلاً صالِحاً يَنفَعُهُم، ولا تَجعَلنا سَبباً لِعَذابِهم وشَقائِهم يا أرحَمَ الرَّاحِمين.
اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، واحفَظ أعراضَهم، واحقِن دِماءَهم، وتَوَلَّ أمرَهم يا أكرمَ الأكرَمين.
عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فَاذكُروا اللَّهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللَّهِ أكبَر، واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُون. وأَقِمِ الصَّلَاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبإصلاح ذات البين بعد الميراث: لا تجعل المال يقطع الأسرة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.