من مكتبة مِداد الخطيب

شُبهَةُ تَعارُضِ العَقلِ والنَّقلِ والرَّدُّ المُحكَمُ عليها

مشاركة
🕌 شُبهَةُ تَعارُضِ العَقلِ والنَّقلِ والرَّدُّ المُحكَمُ عليها #خطبة_جمعة #العقل_والنقل #درء_التعارض #ابن_تيمية #العقلانية_المؤمنة #رد_الشبهات #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الإنسانَ وعَلَّمَهُ البَيان، وفَطَرَهُ على إدراكِ الحُجَّةِ والبُرهان، وأكرَمَهُ بنُورِ العَقلِ لِيَكونَ أهلاً للتَّكليفِ وخِلافَةِ الأكوان، وجَعَلَ العَقلَ الصَّريحَ شاهِداً بصِدقِ النَّقلِ الصَّحيحِ بغيرِ امتِراءٍ ولا كُفران. نَزَّهَ شَريعَتَهُ الغَرَّاءَ عنِ التَّناقُضِ والعَوَج، وفَتَحَ لأهلِ البَصائِرِ مِن نُورِ وَحيِهِ أعظَمَ مَخرَج، فلا يَضِلُّ مَنِ اتَّبَعَ هُداهُ ولا يُرَدّ، ولا يَخيبُ مَن جَعَلَ الوَحيَ إمامَهُ ورَكنَهُ الأشَدّ. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادَةَ مَن أخلَصَ للهِ عَقلَهُ وقَلبَه، وأسلَمَ لِجَلالِ رَبِّهِ كُلَّهُ وأيقَنَ أنَّ الحَقَّ ما أثبَتَهُ الشَّرعُ ورَضِيَه. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أرسَلَهُ رَبُّهُ بالهُدى ودِينِ الحَقِّ شاهِداً ومُبَشِّراً ونَذيراً، وداعِياً إلى اللهِ بإذنِهِ وسِراجاً مُنيراً، فخاطَبَ العُقولَ بالحِكمَةِ البالِغَة، ودَحَضَ شُبُهاتِ أهلِ الزَّيغِ بالحُجَّةِ القاطِعَةِ الدَّامِغَة، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهَار، وصَحابَتِهِ الأبرار، وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً مَديداً إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بعد: فيا عِبادَ الله، اتَّقوا اللهَ حَقَّ التَّقوى، وتَمَسَّكوا مِنَ الإيمانِ بالعُروَةِ الوُثقى، واعلَموا أنَّ أَشرَفَ نِعمَةٍ امتنَّ اللهُ بها على ابنِ آدَمَ بَعدَ الإيمانِ هيَ نِعمَةُ العَقل؛ هذا المِصباحُ الذي أودَعَهُ اللهُ في صُدورِنا لِتُمَيِّزَ بهِ النَّفسُ بَينَ الضُّرِّ والنَّفع، والحَقِّ والباطِل، والنُّورِ والظُّلُمات. غيرَ أنَّ مِن أعظَمِ الفِتَنِ التي ابتُلِيَت بها البَشَرِيَّةُ قَديماً وحَديثاً، فِتنَةَ تَقديسِ هذا العَقلِ حتَّى يُصَيَّرَ إلهاً يُحاكَمُ إليهِ خَالِقُه! وفِتنَةَ جَعلِ أفهامِ البَشَرِ المَحدودَةِ ميزاناً يَقضي على نُصوصِ الوَحيِ الإلهيِّ المَعصوم! تَأمَّلوا مَعي رَحِمَكُمُ اللهُ في هذهِ الدَّعوى الباطِلَةِ التي يُرَدِّدُها المُتَشَكِّكون، ويَنفُخُ في كِيرِها الحَداثِيُّونَ والمَفتونون: «إذا تَعارَضَ العَقلُ والنَّقل، قَدَّمنا العَقلَ على النَّقل»! هكذا يَقولونَ بكُلِّ جُرأَةٍ وغُرور، زاعِمينَ أنَّ العَقلَ هُوَ الأَصلُ وأنَّ الشَّرعَ تابِعٌ له! أفَلا تَعجَبونَ مِن هذا التَّناقُضِ المَنطِقيِّ المَكشوف؟ أفَلا يَرى هؤلاءِ أنَّهُم يُسقِطونَ البُرهانَ بالبُرهان، ويَهدِمونَ البِناءَ مِن أساسِه؟ اسألوا هذا الذي يَزعُمُ تَقديمَ عَقلِهِ على النَّقلِ الصَّحيح: كيفَ عَرَفتَ أنَّ مُحمَّداً ﷺ رَسولُ اللهِ وأنَّ كلامَهُ حَقّ؟ ألَيسَ عَقلُكَ هُوَ الذي نَظَرَ في دَلائلِ نُبُوَّتِه، وتَأمَّلَ في إعجازِ قُرآنِه، وفَحَصَ صِدقَ دَعوتِه، وشَهِدَ بجَزَمٍ ويَقينٍ أنَّهُ رَسولٌ مَعصومٌ لا يَنطِقُ عنِ الهَوى، وأنَّ ما يُخبِرُ بهِ هُوَ الحَقُّ الصِّدقُ مِن عندِ عَلَّامِ الغُيوب؟! فإذا كانَ العَقلُ هُوَ الذي شَهِدَ للمَعصومِ بالعِصمَةِ والرِّسالَة، ثمَّ جاءَ هذا العَقلُ بَعدَ ذلكَ لِيَقول: «لا أقبَلُ هذا الخَبَرَ لأنَّهُ لم يَدخُل في مِزاجي، وأُقَدِّمُ حُكمي وظَنِّي على نَصِّ رَسولِ الله»؛ فقَد نَقَضَ هذا العَقلُ شَهادَتَهُ الأُولى بنَفسِه! وصَارَ مَثَلُهُ كمَثَلِ رَجُلٍ عامِّيٍّ أخذَ بيَدِ مَريضٍ فدَلَّهُ على طَبيبٍ حاذِقٍ شَهِدَ لهُ بكَمالِ الخِبرَةِ والمَعرِفَة، فلمَّا جَلَسَ المَريضُ بينَ يَدَي الطَّبيبِ ووَصَفَ لهُ الدَّواء، قامَ ذلكَ العامِّيُّ الجاهِلُ وقال: «أنا أعرَفُ مِنَ الطَّبيب، ولا تَأخُذ دَواءَهُ إلَّا بما يُوافِقُ رَأيي»! فأَيُّ جُنونٍ بعدَ هذا الجُنون، وأيُّ سَفَهٍ أقبَحُ مِن جَعلِ النَّاقِصِ حاكِماً على الكامِل، والمَخلوقِ قاضِياً على الخالِق؟ يقولُ ربُّكم جلَّ وعلا في مُحكَمِ كِتابِه، داعِياً الألبابَ إلى التَّفَكُّرِ الصَّادِقِ الذي يَقودُ إلى الإذعان: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ • الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190-191]. هذا هوَ وَصفُ أولي الألبابِ في القُرآن؛ عُقولُهُم تَقودُهُم إلى التَّسبيح، وأفكارُهُم تَنتَهي بهِم إلى الخُضوعِ لجَلالِ الله، لا إلى الاستِعلاءِ على شَريعَتِه! ويَكشِفُ القُرآنُ حَقيقَةَ أهلِ النَّارِ يَومَ القِيامَة، وكيفَ أنَّ ضَلالَهُم كانَ بِسَبَبِ تَعطيلِ العَقلِ الفِطريِّ الصَّحيحِ عنِ الانقِيادِ للسَّمع، فيَقولُ سُبحانَه: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ • فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10-11]. قَرَنوا بينَ السَّمعِ والعَقل؛ لأنَّ العَقلَ الصَّحيحَ يَدعو إلى السَّمع، والسَّمعَ الصَّادِقَ يُخاطِبُ العَقل، ولا يَنفَصِلانِ في دِينِ اللهِ إلَّا في رُؤوسِ أهلِ الأهواء! ويُقَرِّرُ الحَقُّ تبارَكَ وتَعالى عَجْزَ العُقولِ البَشَرِيَّةِ عنِ الإحاطَةِ بكَمالِ عِلمِهِ وغَيبِه، فيَقولُ جَلَّ في عُلاه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]، ويَقولُ سُبحانَه: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. وقد سَطَّرَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيمِيَةَ رحمه اللهُ تعالى في مَوسوعَتِهِ الخالِدَةِ «دَرءُ تَعارُضِ العَقلِ والنَّقل» القاعِدَةَ الذَّهَبِيَّةَ الكُلِّيَّةَ التي أفلَسَت أمامَها شُبُهاتُ الفَلاسِفَةِ والمُتَكلِّمينَ على مَرِّ العُصور، فقالَ رَحِمَهُ الله: "إنَّ العَقلَ الصَّريحَ لا يُعارِضُ النَّقلَ الصَّحيحَ أصلاً، وما يَدَّعي الناسُ أنَّهُ مُعارَضَةٌ بَينَهُما: فإمَّا أن يَكونَ النَّقلُ ليسَ بصَحيحٍ — كالأحاديثِ الضَّعيفَةِ والمَوضوعَة — وإمَّا أن يَكونَ العَقلُ ليسَ بصَريح — بل هُوَ شُبُهاتٌ ووَهمٌ وسَرابٌ سَمَّاهُ صاحِبُهُ عَقلاً وليسَ بعَقل — وإمَّا أن يَكونَ المَوضِعُ مِن مَغيباتِ الوَحيِ التي تَحارُ فيها العُقولُ ولا تُحيلُها، فحاشا للهِ أن يَكونَ في كِتابِهِ أو سُنَّةِ نَبيِّهِ شَيءٌ يُناقِضُ حَقائقَ العُقولِ الفِطرِيَّةِ الصَّحيحَة". وقالَ تِلميذُهُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ في كِتابِهِ «الصَّواعِقُ المُرسَلَة»: "العَقلُ مَعَ الوَحيِ كالعَينِ مَعَ الضَّوء؛ فهل تَستَغني العَينُ عنِ الضَّوءِ لتُبصِر؟ لو أغمَضَ الإنسانُ عَيناهُ في الظَّلامِ لم يَنفَعْهُ بَصَرُه، ولو أطلَقَ بَصَرَهُ بلا ضَوءِ شَمسٍ تَبَدَّدَ في التِّيه. فالشَّرعُ نُورُ الشَّمس، والعَقلُ هُوَ البَصَر، فإذا اجتَمَعا أَبصَرَ العَبدُ طَريقَ الجَنَّة، وإذا انفَصَلا عَمِيَ وسَقَطَ في الهَلاك". وقالَ الإمامُ أبو المُظَفَّرِ السَّمعانيُّ رحمه الله في «قَواطِعِ الأَدِلَّة»: "العَقلُ لا يُوجِبُ شَيئاً ولا يُحَرِّمُه، ولكِنَّهُ يُمَيِّزُ ويَقبَل، فمَن قَدَّمَ حَدْسَهُ وعَقلَهُ على سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ضَلَّ ضَلالاً بَعيداً ورَدَّ الشَّريعَةَ مِن حَيثُ لا يَشعُر". عِبادَ الله، دَعُونا نَقِفُ مَعَ مَشهَدٍ إبستِمولوجيٍّ إيمانيٍّ عظيم، وقَفَهُ الصِّدِّيقُ الأكبَرُ أبو بَكرٍ رضي اللهُ عنه، يَومَ الإسراءِ والمِعراج؛ جاءَ كُفَّارُ قُرَيشٍ يَسعَونَ إليه، وقَد مَلأَهُمُ الفَرَحُ والزَّهْو، وظَنُّوا أنَّهُم وَجَدوا القاصِمَةَ التي ستَهدِمُ دَعوَةَ الإسْلامِ في قُلوبِ أتباعِه. قالوا لهُ مُتَهَكِّمين: "يا أبا بَكر، هل لكَ في صاحِبِك؟ يَزعُمُ أنَّهُ أُسريَ بهِ اللَّيلَةَ إلى بَيتِ المَقدِس، وصَلَّى فيه، ورَجَعَ قَبلَ أن يُصبِح، ونَحنُ نَضرِبُ إليها أكبادَ الإبِلِ شَهراً ذَهاباً وشَهراً إياباً؟!". تَصَوَّروا هذا المَوقِفَ بمَقاييسِ العَقلِ المادِّيِّ المُجَرَّد؛ رَجُلٌ يَقطَعُ مَسافَةَ شَهرَينِ في لَيلَةٍ واحِدَةٍ على دابَّةٍ بَينَ السَّماءِ والأرض! هل تَرَدَّدَ أبو بَكر؟ هل قالَ: "عَقلي لا يَستَوعِبُ هذا"؟ هل قالَ: "دَعوني أُؤَوِّلُ القِصَّةَ بأنَّها كانَت رُؤيا مَنامِيَّةً رَمزِيَّة" كمَا يَفعَلُ عَصريُّونا اليوم؟! كَلَّا والله! بل سَألَهُم سُؤالَ الواثِقِ المُثَبَّت: "أوَقالَ ذلك؟" قالوا: نعم. فقالَ كَلِمَتَهُ الخالِدَةَ التي حُفِرَت في سِجلِّ الخُلود: «لَئِن كانَ قالَ ذلكَ لقد صَدَق! إنِّي لَأُصَدِّقُهُ في خَبَرِ السَّماءِ يَنزِلُ إليهِ في لَحظَةٍ مِن لَيلٍ أو نَهار، أفَلا أُصَدِّقُهُ في مَسيرِ لَيلَةٍ إلى بَيتِ المَقدِس؟!». اللهُ أكبر! ما أعظَمَ هذا العَقلَ الصِّدِّيقيَّ الرَّاشِد! أبو بَكرٍ لم يُلْغِ عَقلَه، بل استَعمَلَ قِمَّةَ المَنطِق؛ إذا كانَ هذا الرَّجُلُ مُتَّصِلاً بخالِقِ الأكوانِ الذي يَقولُ للشَّيءِ كُن فيَكون، فإنَّ قَوانينَ المادَّةِ والزَّمانِ والمَكانِ تَتَلاشى أمامَ قُدرَةِ مَن خَلَقَ الزَّمانَ والمَكان! العَقلُ الذي يُؤمِنُ بأنَّ اللهَ خَلَقَ الكَونَ مِنَ العَدَم، لا يَصعُبُ عليهِ أبداً أن يُؤمِنَ بأنَّ اللهَ أسرى بعَبدِهِ لَيلاً وعَرَجَ بهِ إلى السَّمواتِ العُلى. وهُنا نَصِلُ إلى التَّفريقِ المَنطِقيِّ الحَاسِمِ الذي قَعَّدَهُ عُلَماءُ أُمَّتِنا، وهوَ الفَارِقُ بَينَ: «مَحاراتِ العُقول» و«مُحالاتِ العُقول»! انتبِهُوا لهذا جَيِّداً رَحِمَكُمُ الله؛ الشَّريعَةُ الإسلامِيَّةُ ومَغيباتُ الوَحيِ قد تَأتي بـ «مَحاراتِ العُقول»، أي: بأُمورٍ تَقِفُ العُقولُ أمامَها حائِرَةً مُتَعَجِّبَةً لِعَجْزِها عن إدراكِ كَيفِيَّتِها؛ كمَسألَةِ نُزولِ المَلائِكَة، وعَذابِ القَبرِ ونَعيمِه، وسُرعَةِ الإسراء، وتَقليبِ القُلوب، ونَعيمِ الجَنَّةِ الذي فيهِ ما لا عَينٌ رَأَت ولا أُذُنٌ سَمِعَت ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَر! لكنَّ الشَّريعَةَ لا تَأتي أَبداً بـ «مُحالاتِ العُقول»، أي: بالمُمتَنِعاتِ الذَّاتِيَّةِ التي يَجزِمُ صَريحُ العَقلِ باستِحالَتِها؛ كاجتِماعِ النَّقيضَينِ في لَحظَةٍ واحِدَة (كأن يَكونَ الشَّيءُ مَوجوداً مَعدوماً معاً)، أو أن يَكونَ الجُزءُ أكبَرَ مِنَ الكُلّ، أو أن يَكونَ المَخلوقُ خَالِقاً لنَفسِه! فالشَّرعُ يُخبِرُ بما تَحارُ فيهِ العُقول، ولا يُخبِرُ بما تُحيلُهُ العُقول! ومَن لم يُفَرِّق بينَ الأَمرَين، رَدَّ نُصوصَ الغَيبِ كُلَّها، وظَنَّ أنَّ ما لا يُحيطُ بهِ عَقلُهُ الصَّغيرُ فهوَ باطِل! وانظُروا إلى واقِعِنا المُعاصِرِ يا مَعاشِرَ المُصلِّين؛ تَرى شَابّاً قَرَأَ كِتابَينِ في الفَلسَفَةِ الغَربِيَّة، أو اطَّلَعَ على بَعضِ الشُّبُهاتِ في المَنصَّات، فيَخرُجُ لِيَقولَ بكُلِّ جَفاء: "أنا عقلي لا يَتَقَبَّلُ أحاديثَ عذابِ القبر! عقلي لا يَستَوعِبُ مَسألَةَ الميزانِ والصِّراط! عقلي يَرفُضُ قَضِيَّةَ رَجمِ الزَّاني أو أحكامَ المَواريث!". سُبحانَ الله! ومَن أنتَ حتَّى يَكونَ عَقلُكَ مِعياراً للوُجودِ كُلِّه؟! العَقلُ البَشَريُّ حاسَّةٌ مَحدودَة، لهُ مَدىً لا يَتَجاوَزُه، تَماماً كحاسَّةِ البَصَر! أنتَ ببَصَرِكَ تَرى لِمَسافَةِ كِيلومِترٍ أو كِيلومِترَين، لكنَّكَ لا تَرى ما وَراءَ هذا الجِدار، ولا تَرى المِيكروباتِ الدَّقيقَةَ التي تَسبَحُ في الهَواءِ أمامَ أنفِك؛ فهل تَجرُؤُ أن تَقول: "هذهِ المِيكروباتُ غَيرُ مَوجودَةٍ لأنَّ عَيني لا تَراها"؟! لو قُلتَ ذلكَ لضَحِكَ مِنكَ صِغارُ الأطِبَّاء! فكذلكَ العَقلُ لهُ أُفُقٌ مَحصورٌ في عالَمِ الشَّهادَةِ والمادَّة، فإذا اقتَحَمَ عالَمَ الغَيبِ المُطلَقِ بغَيرِ ضَوءِ الوَحي، تَخَبَّطَ في الظُّلمات، وضَلَّ سَواءَ السَّبيل. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ كَمالَ العَقلِ في كَمالِ التَّسليمِ لمَن خَلَقَ العَقل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمين، حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، الصَّادِقُ الأمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ والتَّابعين. أمَّا بعد: عِبادَ الله، وقَفنا في خُطبَتِنا الأولى معَ أصلٍ مِن أعظَمِ أصولِ حِمايَةِ الفِكرِ والإيمان؛ بَيَّنَّا فيهِ التَّوافُقَ التَّامَّ بينَ العَقلِ الصَّريحِ والنَّقلِ الصَّحيح، وكَشَفنا عوارَ الشُّبهَةِ التي تَدَّعي تَقديمَ العَقلِ على النَّص، وتَأمَّلنا مَوقِفَ الصِّدِّيقِ أبي بَكرٍ رضي الله عنه يومَ الإسراء، وأدرَكنا الفَرقَ الجَوهريَّ بينَ ما تَحارُ فيهِ العُقولُ وما تُحيلُهُ العُقول، وعَلِمنا أنَّ العَقلَ البَشَريَّ لهُ حُدودٌ وأُفُقٌ يَقِفُ عِندَه. والآنَ يَبقى التَّساؤُلُ المَنهَجي: كيفَ نُحَصِّنُ أنفُسَنا وشَبابَنا في زَمَنِ الشُّبُهاتِ الفَلسَفِيَّةِ والإلحادِيَّةِ التي تَتَستَّرُ برِداءِ "العَقلانِيَّة"؟ أُوصيكُم بخَمسِ وَصايا راسِخَة: الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): تَجذيرُ التَّواضُعِ المَعرِفيِّ في القَلب؛ اعلَم أَيُّها المُؤمِنُ أنَّ مَعلوماتِكَ ومَدارِكَكَ لَيسَت سِوى قَطرَةٍ في مُحيطِ عِلمِ اللهِ الذي وَسِعَ كُلَّ شَيء، فاطرَح كِبرَ العَقل، وقُل بكُلِّ ذُلٍّ وافتقار: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): كَفُّ اللِّسانِ عن رَدِّ الأحاديثِ الصَّحيحَةِ بمُجَرَّدِ الاستِغراب؛ إذا صَحَّ الحَديثُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ، فإيَّاكَ أن تَقول: "هذا لا يَدخُلُ في عقلي!"، بل قُل: "آمَنتُ باللهِ وبما جاءَ عنِ الله، وآمَنتُ برَسولِ اللهِ وبما جاءَ عن رَسولِ الله"، واتَّهِم عَقلَكَ وفَهمَكَ ولا تَتَّهِم كَلامَ المَعصومِ ﷺ. الثالثة (وَصيَّةٌ عِلميَّةٌ فِعليَّة): تَعَلُّمُ أصولِ الاستِدلالِ وقَواعِدِ التَّلَقِّي عِندَ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعَة؛ تَدَرَّب على التَّمييزِ بينَ الحَقائقِ البُرهانِيَّةِ والشُّبُهاتِ السَّفسَطائِيَّة، واقرَأ في كُتُبِ العُلَماءِ الذينَ رَدُّوا على الشُّبُهاتِ بالعَقلِ والنَّقلِ معاً، ككُتُبِ ابنِ تيمِيَةَ وابنِ القَيِّمِ والسَّمعاني. الرابعة (وَصيَّةٌ تِربَوِيَّةٌ أُسَريَّة): مُحاوَرَةُ الأبناءِ والشَّبابِ بالحُجَّةِ والإقناعِ الهادِئ؛ إذا طَرَحَ ابنُكَ أو ابنتُكَ سُؤالاً أو شُبهَةً عَقليَّةً حَولَ حُكمٍ شَرعيٍّ أو قَضِيَّةٍ غَيبيَّة، فلا تَقمَعهُ ولا تُعَنِّفه، بل بَيِّن لهُ الحِكمَةَ الشَّرعِيَّة، وألزِمهُ بالقَواعِدِ العَقلِيَّةِ السَّليمَة، ودُلَّهُ على مَن يَثِقُ بدِينِهِ وعِلمِه. الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): التَّفريقُ الدَّائِمُ بينَ "العَقلانِيَّةِ المُؤمِنَة" التي تَتَّخِذُ العَقلَ أداةَ فَهمٍ وتَدَبُّرٍ وتَسليم، وبينَ "العَقلانِيَّةِ الإلحادِيَّةِ المادِّيَّة" التي تَجعَلُ العَقلَ إلهاً بَديلاً عنِ الوَحي، وتَرفُضُ الغَيبَ وتُحَوِّلُ الإنسانَ إلى حَيَوانٍ مادِّيٍّ بِلا رُوحٍ ولا مَعنى. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العَقلَ الحُرَّ هُوَ الذي تَنَوَّرَ بنُورِ الوَحيِ واهتَدى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: 19]. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على المَبعوثِ رَحمَةً للعالَمين، سيِّدِ الخَلقِ وأكمَلِهِم عَقلاً وخُلُقاً ودِيناً؛ فقَد قالَ رَبُّكم جَلَّ جَلالُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِكْ على سيِّدِنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ الأبرار، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ القرار. اللَّهُمَّ أرِنا الحَقَّ حَقّاً وارزُقنا اتِّباعَه، وأرِنا الباطِلَ باطِلاً وارزُقنا اجتِنابَه. اللَّهُمَّ نَوِّر بصائرَنا بنُورِ الوَحي، وعَمِّر قُلوبَنا بطُمأنينَةِ اليَقين، وسَلِّم عُقولَنا مِن شُبُهاتِ الزَّائِغين، وضَلالاتِ المَفتونين. اللَّهُمَّ ثَبِّت شَبابَنا وبَناتِنا على الصِّراطِ المُستَقيم، واحمِهِم مِن فِتَنِ الشُّبُهاتِ ومُضِلَّاتِ الشَّهَوات. اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمُسلِمين، وأَذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكين، ودمِّر أعداءَك أعداءَ الدِّين. اللَّهُمَّ انصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في فِلَسطينَ وفي كُلِّ بِقاعِ الأرض، واربُط على قُلوبِهم، وثَبِّت أقدامَهُم، وكُن لهُم عَوْناً ونَصيراً. اللَّهُمَّ اغفِر للمُسلمينَ والمُسلِمات، والمُؤمِنينَ والمُؤمِنات، الأحياءِ مِنهُم والأموات. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ________________ ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.