🕌 لماذا تراجع إيماني؟.. رحلةُ البحث عن القَلبِ المفقود
#خطبة_جمعة #تراجع_الإيمان #الفتور #تزكية_النفس #قسوة_القلب #الرقائق #إيمانيات
الحمدُ للهِ مُقَلِّبِ القُلوبِ والأبصار، الذي جَعَلَ الإيمانَ في القُلوبِ نُورًا يَزيدُ بالطَّاعة، ويَنقُصُ بالغَفلةِ والإصرار. الحمدُ لله الذي لا يَخفى عليهِ ما أُسِرَّ في الصُّدور، وما أُعلِنَ بالجَوارح، يَدعو عِبادَهُ إلى بابِهِ ليُحييَ قُلوبَهُم بَعدَ مَواتِها. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادةً تُنيرُ بَصائرَنا وتُثَبِّتُ على الحَقِّ أقدامَنا، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، أرقُّ النَّاسِ قَلبًا، وأصدَقُهُم إيمانًا، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد:
عبادَ الله، هل سَألتُم أنفسَكم يَومًا: لماذا نَفقِدُ أشياءَنا الثَّمينَةَ فَنَقلِبُ الدُّنيا بَحثًا عنها، ونَفقِدُ "قُلوبَنا" فلا نُكَلِّفُ أنفسَنا حتَّى عَناءَ البَحث؟ يَقِفُ أحدُنا في صَلاتِهِ، يَقومُ ويَركَعُ ويَسجُد، وجَسَدُهُ في المسجِد، لكنَّ قَلبَهُ يَطوفُ في أودِيَةِ الدُّنيا. نَقرأُ الآيَةَ الَّتي كانَت تُبكِينا بالأمس، فَتَمُرُّ على قُلوبِنا اليومَ كأنَّها صَخرَةٌ صَمَّاء. ما الَّذي تَغَيَّر؟ وما السِّرُّ وَراءَ هذا البُطءِ في مَسيرِنا إلى الله؟ الجَوابُ عَن هذا اللُّغزِ هو ما سَنَقِفُ مَعَهُ في دَقائقِنا هذه.
أيُّها المؤمنون، لِنَعتَرِف بِصِدقٍ ومُكاشَفَة: كَثيرٌ مِنَّا يَعيشُ أزمَةً صامِتَةً يَتَأَلَّمُ مِنها في خَلوَتِه، ولا يَكادُ يَبوحُ بها لأحَد. أزمَةٌ اسمُها: "تَراجُعُ الإيمان".
كُنتَ في الماضي تَجِدُ لِلصَّلاةِ لَذَّة، وتَجِدُ لِقِراءةِ القُرآنِ حَلاوة، وكُنتَ تَستَوحِشُ مِنَ الذَّنبِ الصَّغيرِ كأنَّهُ جَبَلٌ يَكادُ يَسقُطُ عَلَيك. أمَّا اليَوم، فَقد أصبَحَتِ الطَّاعاتُ ثَقيلَة، والمَعاصي هَيِّنَة، والقُرآنُ مَهجورًا، والصَّلاةُ مُجَرَّدَ حَرَكاتٍ نُؤَدِّيها لِنُسقِطَ العُهدَة، لا لِنُقيمَ العَهد!
تَأمَّلوا مَعي — يا مَعاشِرَ المُصَلِّين — هَل يَعقِلُ أن نَجوعَ فَنَهلَع، ونَظمَأَ فَنَجزَع، وتَجوعَ قُلوبُنا وتَظمَأَ أرواحُنا وتَحتَضِرَ إيمانيَّاتُنا، ونَحنُ لا نُبالي؟
إنَّ هذا الشُّعورَ بِتَراجُعِ الإيمان، وَهذا الفُتورَ الَّذي يَضرِبُ القُلوب، ليسَ مَرَضًا عَجيبًا لم يَعرِفهُ البَشَر، بل هو سُنَّةٌ قَرَّرَها النَّبيُّ ﷺ قَبلَ أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا، حينَ وَصَفَ القَلبَ بِوَصفٍ عَبقَرِيٍّ دَقيق. اسمعوا لِهذا الحَديثِ الَّذي يُشَخِّصُ حالَنا. يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ الإيمانَ لَيَخلَقُ في جَوفِ أحَدِكُم كَما يَخلَقُ الثَّوب، فاسأَلوا اللهَ أن يُجَدِّدَ الإيمانَ في قُلوبِكُم» (صَحَّحَهُ الألباني).
اللهُ أكبَر! الإيمانُ يَبلَى! يَتَمَزَّق! يَبزُلُ كَما يَبلَى القَميصُ الجَديدُ مَع كَثرَةِ الاستِعمالِ والغَسيل، حَتَّى يَفقِدَ لَونَهُ ورَونَقَه. كَذَلِكَ الإيمان، يَبدأُ في القَلبِ ساطِعًا مُتَوَهِّجًا، ثُمَّ مَعَ زِحامِ الدُّنيا، ورَكَضِ الأيَّام، وغُبارِ المَعاصي، يَبهَتُ وَيَبلَى.
لَكِن، لِماذا يَبلَى إيمانُنا بِهَذِهِ السُّرعَةِ في زَمانِنا هَذا تَحديدًا؟ لِماذا نَشعُرُ أنَّنا نَرتَجِعُ إلى الخَلفِ بَدَلًا مِن أن نَتَقَدَّمَ إلى الله؟ هُناكَ أسبابٌ خَفيَّةٌ وأُخرى ظاهِرَة، تَنخَرُ في جَسَدِ إيمانِنا كَما يَنخَرُ السُّوسُ في العَصا.
السَّبَبُ الأوَّلُ وَالأخطر: تَراكُمُ الذُّنوبِ والصَّغائِر.
نَحنُ في زَمانٍ كَثُرَت فيهِ المُغريات، وتَساهَلنا فيهِ بِالمَعاصي الصَّغيرَة. نُطلِقُ أبصارَنا في الحَرامِ عِبرَ شاشاتِ هَواتِفِنا، ونُطلِقُ ألسِنَتَنا في الغِيبَةِ واللَّغوِ والانتقاصِ مِنَ النَّاس، ونَتَساهَلُ في أكلِ حُقوقِ الغَير، ونَظُنُّ أنَّ هَذِهِ صَغائِرُ لا تَضُرّ.
ولَكِن، واسمَعوا لِهَذا الحَديثِ الَّذي يَجعَلُ القَلبَ يَرتَجِف، يَقولُ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخطَأَ خَطيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلبِهِ نُكتَةٌ سَودَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاستَغفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾».
ذَنبٌ، ثُمَّ ذَنب، ثُمَّ ذَنب، كُلُّ ذَنبٍ نُقطَةٌ سَوداء، حَتَّى يَتَغَلَّفَ القَلبُ كُلُّهُ بِالسَّواد، فَيُصبِحُ كَالكُوزِ المُجَخِّيًا (أي كَالكَأسِ المَقلوبَة)، لا يَعرِفُ مَعروفًا، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، وَلا تَنفُذُ إلَيهِ مَوعِظَة، وَلا تُؤَثِّرُ فيهِ آيَة.
ولِذَلِكَ أنشَدَ الإمامُ ابنُ المُبارَكِ رَحِمَهُ اللهُ شِعرًا يَصِفُ فيهِ هذا الدَّاءَ العُضال:
رَأيتُ الذُّنوبَ تُميتُ القُلوبَ ... وَقَد يُورِثُ الذُّلَّ إدمانُها
وَتَركُ الذُّنوبِ حَياةُ القُلوبِ ... وَخَيرٌ لِنَفسِكَ
عِصيانُها
السَّبَبُ الثَّاني مِن أسبابِ تَراجُعِ الإيمان: مُزاحَمَةُ الدُّنيا والغَفلَةُ التَّامَّة.
يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، انظُروا إلى حالِنا اليَوم. نَستَيقِظُ فَأوَّلُ ما تَقَعُ عليهِ أعيُنُنا هِيَ الشَّاشَة، ونَنامُ وآخِرُ ما تُطالِعُهُ أعيُنُنا هِيَ الشَّاشَة. نَتَصَفَّحُ حَياةَ النَّاس، ونُتابِعُ الأخبارَ التَّافِهَة، ونَغرَقُ في وُحولِ (السُّوشيال ميديا) لِتِسعِ وعَشرِ ساعاتٍ في اليَوم!
أيُعقَلُ أن يُحافِظَ قَلبٌ على رِقَّتِهِ وَإيمانِهِ وهُوَ يُقَصَفُ كُلَّ يَومٍ بِآلافِ المَقاطِعِ الَّتي تَزرَعُ فيهِ الشَّهوة، وتُثيرُ فيهِ الشُّبهَة، وتَجعَلُهُ يَلهَثُ وَراءَ الدُّنيا؟
يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 124]. والضَّنكُ لَيسَ ضيقَ الرِّزقِ في المال، بل هو ضيقُ القَلبِ واختِناقُ الرُّوح، الشُّعورُ بِالوِحدَةِ وَالتَّيَهانِ وَالاكتِئابِ رُغمَ زِحامِ النَّاسِ حَولَنا. إنَّ القَلبَ وِعاء، إن لم تَملَأهُ بِذِكرِ الله، مُلِئَ قَهرًا بِذِكرِ سِواه.
السَّبَبُ الثَّالِثُ والأشَدُّ ألَمًا: هَجرُ كِتابِ اللهِ تَعالى.
يا عِبادَ الله، كَيفَ نَرجو حَياةَ قُلوبِنا ونَحنُ قَد قَطَعنا عَنها ماءَ الحَياة؟ القُرآنُ هُوَ الرُّوح، كَما سَمَّاهُ اللهُ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]. الجَسَدُ بِلا قُرآنٍ جَسَدٌ بِلَا رُوح.
واللهِ، إنَّهُ لَمَشهَدٌ يُبكي العُيون: بَعضُنا لا يَعرِفُ طَريقَ المُصحَفِ إلَّا مِنَ الجُمُعَةِ إلى الجُمُعَة، أو مِن رَمَضانَ إلى رَمَضان. نَشتَكي مِن قَسوةِ قُلوبِنا والقُرآنُ مَركونٌ عَلى الرُّفوفِ يَعلوهُ الغُبار!
قالَ أميرُ المُؤمِنينَ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَلِمَةً تَكتُبُ بِماءِ الذَّهَب: «لَو طَهُرَت قُلوبُنا، ما شَبِعَت مِن كَلامِ الله».
إنَّ القَلبَ المُتَّسِخَ بِذُنوبِ الدُّنيا يَستَثقِلُ القُرآن، لا يَستَطيعُ أن يَقرَأَ صَفحَتَينِ دونَ أن يَتَمَلمَل، بَينَما يَستَطيعُ أن يُمضي السَّاعاتِ أمامَ شاشَةِ هاتِفِهِ دونَ أن يَشعُرَ بِالمَلَل. فَأيُّ مُصيبَةٍ نَحنُ فيها؟
يَقولُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى واصِفًا هَذا الهَجر: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30].
إخوَتي في الله، هَل تَظُنُّونَ أنَّ الشُّعورَ بِهَذا التَّراجُعِ هُوَ أمٌر مَخصوصٌ بِنا؟
تَعالَوا نَنتَقِلِ الآنَ ألفًا وأربَعَمائَةِ سَنَةٍ لِلخَلف، لِنَرى رَجُلًا مِن خِيرَةِ صَحابَةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، اسمُهُ "حَنظَلَةُ بنُ الرَّبيع" رَضِيَ اللهُ عَنه.
خَرَجَ حَنظَلَةُ مِن بَيتِهِ يَومًا يَبكي صائِحًا بأعلى صَوتِه: «نافَقَ حَنظَلَة! نافَقَ حَنظَلَة!». لَقِيَهُ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنه، فاستَوقَفَهُ مَذعورًا: «سُبحانَ الله! ما تَقول؟».
قالَ حَنظَلَةُ كَلِماتٍ تَصِفُ حالَنا اليَومَ بِدِقَّة: «نَكونُ عِندَ رَسولِ اللهِ ﷺ، يُذَكِّرُنا بِالنَّارِ والجَنَّةِ حَتَّى كَأنَّا رَأيَ عَين، فَإذا خَرَجنا مِن عِندِ رَسولِ اللهِ ﷺ، عافَسنا الأزواجَ والأولادَ والضَّيَعات، نَسينا كَثيرًا!».
حَنظَلَةُ — رَضِيَ اللهُ عَنهُ — اعَتَبَرَ أنَّ تَقَلُّبَ قَلبِهِ بَينَ خُشوعِ المَسجِدِ وانشِغالِ البَيتِ "نِفاقًا"! فَماذا نَقولُ نَحنُ الَّذينَ نَقسو في المَسجِدِ وخارِجَه؟
فَانطَلَقَ أبو بَكرٍ وحَنظَلَةُ إلى النَّبيِّ ﷺ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبيُّ ﷺ شَكواهُم، قالَ كَلِمَةً تَحسِمُ هَذا الأمر: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ.. سَاعَةً وَسَاعَة».
المَسألَةُ هُنا — يا عِبادَ الله — أنَّ الشُّعورَ بِتَراجُعِ الإيمانِ لَيسَ هُوَ نِهايَةَ العالَم، بَل هُوَ دَليلٌ على وُجودِ حَياةٍ في القَلب!
نَعَم، القَلبُ المَيِّتُ لا يَتَألَّم. الَّذينَ لا يُصَلُّونَ وَلا يَركَعونَ ويَأكُلونَ الحَرام، قُلوبُهُم مَيِّتَة، والمَيِّتُ لو قَطَّعتَهُ لا يَشعُر. أمَّا أنتَ، حِينَمَا تَشعُرُ أنَّ إيمانَكَ ضَعُف، وحِينَمَا تَتَألَّمُ لأنَّكَ فَوَّتَّ صَلاةَ الفَجر، وحِينَمَا تَبكي عَلى خُشوعٍ فَقَدتَهُ في صَلاتِك... فاعلَم أنَّ في قَلبِكَ إيمانًا يَصرُخ، يَطلُبُ الإنقاذ.
ولَكِن، إيَّاكُم ثُمَّ إيَّاكُم أن تَستَسلِموا لِهَذا التَّراجُع! الخَطَرُ الحَقيقيُّ لَيسَ في وُقوعِ الفُتور، بَل في الاستِسلامِ لَه والرِّضا بِه.
إنَّ اللهَ حَذَّرَنا مِن حالَةٍ خَطيرَةٍ جِدًّا تُصيبُ القُلوبَ المُهمَلَة، يَقولُ تَعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ
فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: 16].
تَأمَّلوا هَذِهِ المُعادَلَةَ القُرآنِيَّة: (طالَ عَلَيهِمُ الأمَدُ) = (فَقَسَت قُلوبُهُم).
عِندَما يَطولُ بُعدُكَ عَن الله، عِندَما يَطولُ هَجرُكَ لِلقُرآن، عِندَما يَطولُ انقِطاعُكَ عَن صَلاةِ اللَّيل وعَن دَمعَةِ الخَلوَة، تَتَصَلَّبُ جُدرانُ القَلب، فَتُصبِحُ الصَّخرَةُ أليَنَ مِنه!
وَهَذِهِ الآيَةُ نَفسُها، كانَت هِيَ المِفتاحَ الَّذي قَلَبَ حَياةَ الفُضَيلِ بنِ عِياضٍ رَحِمَهُ الله. كانَ الفُضَيلُ قاطِعَ طَريق، لِصًّا يُخيفُ النَّاسَ في اللَّيل. وفي لَيلَةٍ مِنَ اللَّيالي، بَينَما هُوَ يَتَسَلَّقُ جِدارًا لِمَعصيَة، سَمِعَ قَارِئًا في جَوفِ اللَّيلِ يَقرَأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. فَوَقَعَتِ الآيَةُ في قَلبِهِ مَوقِعَ السَّهم، فَبَكى، وانطَلَقَ يَصرُخُ في ظَلامِ اللَّيل: "بَلَى يَا رَبِّ.. قَد آن! بَلَى يَا رَبِّ.. قَد آن!". فَنَزَلَ، وتابَ، وعادَ إلى الله، حَتَّى أصبَحَ عابِدَ الحَرَمَين، وإمامًا مِن أئِمَّةِ الهُدى!
فَيا مَن غَرَّتهُ الدُّنيا وألهَتهُ الشَّهَوات! يا مَن شَعَرَ بِقَسوَةٍ في قَلبِه، وتَراجُعٍ في إيمانِه، وجَفافٍ في عَينَيه! أمَا آنَ لِقَلبِكَ أن يَخشَع؟ أمَا آنَ لِهَذِهِ الجَفوةِ أن تَزول؟ أمَا آنَ لَكَ أن تَقولَ كَما قالَ الفُضَيل: بَلى يا رَبِّ قَد آن!
لا تُؤَجِّل. لا تَقُل غَدًا.
تَرجو النَّجاةَ ولَم تَسلُك مَسالِكَها ... إنَّ السَّفينَةَ لا تَجري عَلى اليَبَسِ
إذا أردتَ النَّجاةَ والإيمانَ الصَّادِق، فَلا بُدَّ أن تَنفُضَ الغُبارَ عَن قَلبِك، وتَبدَأَ المَسيرَ إلى رَبِّك.
قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله، وهو طَبيبُ القُلوب: «إنَّ في القَلبِ شَعَثًا (أي تَمَزُّقًا وشَتاتًا) لا يَلُمُّهُ إلَّا الإقبالُ على الله، وفيهِ وَحشَةٌ لا يُزيلُها إلَّا الأُنسُ بِه، وفيهِ حُزنٌ لا يُذهِبُهُ إلَّا السُّرورُ بِمَعرِفَتِه».
فَيا رَبِّ، رُدَّنا إلَيكَ رَدًّا جَميلًا، وأحيِ قُلوبَنا بِنورِ الإيمان، واجعَلنا مِنَ الخاشِعين.
أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بعد:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ مَرَضِ القُلوبِ وتَراجُعِ الإيمان، وعَرَفنا كَيفَ أنَّ الذُّنوبَ الصَّغيرَة، والزِّحامَ الشَّديدَ في دُنيانا، وهَجرَ القُرآن، قَد رانَت عَلى قُلوبِنا حَتَّى أظلَمَت وتَراجَعَت.
والآن، ونَحنُ نُوشِكُ أن نَخرُجَ مِن بَيتِ الله.. بَقِيَ السُّؤالُ الأكثَرُ إلحاحًا: كَيفَ العَودَة؟ كَيفَ نُنقِذُ هذا الإيمانَ الَّذي يَحتَضِر؟
أوصيكُم وأُوصي نَفسي بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري هذا، مَن تَمَسَّكَ بِها، كَفَلَ اللهُ لَهُ حَياةَ قَلبِهِ وتَجَدُّدَ إيمانِه:
الأُولى (قَلبيَّة): الافتِقارُ والدُّعاء.
الإيمانُ رِزقٌ مِنَ الله، ومُقَلِّبُ القُلوبِ هُوَ الله. كانَ النَّبيُّ ﷺ يُكثِرُ أن يَقول: «يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّت قَلبي عَلى دينِك». فاسألِ اللهَ اللَّيلَةَ في سُجودِكَ، بِقَلبٍ مُنكَسِر: "يا رَبّ، إيماني يَضعُفُ فَجَدِّدهُ في قَلبي، يا رَبّ، قَلبي يَقسو فَلَيِّنهُ بِذِكرِك". الجَأ إلَيهِ لُجوءَ الغَريقِ الَّذي لا حيلَةَ لَه.
الثَّانيَة (لِسانيَّة): الإكثارُ مِنَ الاستِغفار.
تَذَكَّروا "النُّكتَةَ السَّوداءَ" الَّتي تَتَراكَمُ عَلى القَلب. ما الَّذي يَمحوها ويَجلُوها؟ الاستِغفار! قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّهُ لَيُغانُ على قَلبي، وإنِّي لأستَغفِرُ اللهَ في اليَومِ مائَةَ مَرَّة». إذا كانَ النَّبيُّ ﷺ يَستَغفِرُ مِائَةَ مَرَّة، فَكَم نَحتاجُ نَحنُ لِنَمحُوَ صَدَأ أيَّامِنا؟ اجعَل لِسانَكَ رَطبًا بالاستِغفارِ وأنتَ في سَيَّارَتِك، وأنتَ في طَريقِك، حَتَّى يَتَنَفَّسَ قَلبُك.
الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): العَودَةُ الإجبارِيَّةُ لِلقُرآن.
لا تَنتَظِر حَتَّى يَأتيَكَ شَغَفُ القِراءَة. القَلبُ المَريضُ يَكرَهُ الدَّواء في البِدايَة. أجبِر نَفسَكَ اليَومَ، لا أقُولُ على قِراءَةِ أجزاء، بَل إجباريًّا: اقرَأ "صَفحَةً واحِدَةً" كُلَّ يَومٍ بَعدَ صَلاةِ الفَجرِ أو العِشاء. صَفحَةٌ واحِدَةٌ تَقومُ بِتَدَبُّرِها كَفيلَةٌ بأن تَصنَعَ شَقًّا في صَخرَةِ قَلبِك، يَدخُلُ مِنهُ نُورُ الله.
الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): فِرَّ مِن بيئَةِ الغَفلَة.
المَرءُ عَلى دِينِ خَليلِه. لا يُمكِنُكَ أن تُحيي إيمانَكَ وأنتَ تَجلِسُ
سَاعاتٍ طِوالًا مَعَ أُناسٍ لا يَذكُرونَ الله، وتُتابِعُ في هاتِفِكَ مَن يُفسِدُ دِينَكَ ويَسرِقُ وَقتَك. حَرِّر هاتِفَك! ألغِ مُتابَعَةَ الحِساباتِ الَّتي لا تَزيدُكَ إلَّا غَفلَة، وابحَث عَن صُحبَةٍ صالِحَة، إن رَأوكَ غافِلًا نَبَّهوك، وإن رَأوكَ ذاكِرًا أعانوك.
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): الخَبيئَةُ الصَّالِحَة.
لِكَي تَروي جُذورَ إيمانِك، يَجِبُ أن يَكونَ بَينَكَ وبَينَ اللهِ "سِرٌّ" لا يَعلَمُهُ أحَد. خَبيئَةٌ مِن عَمَلٍ صالِح: دَمعَةٌ في ظَلامِ اللَّيل، أو رَكعَتانِ والنَّاسُ نِيام، أو صَدَقَةٌ لا تَعلَمُ بِها زَوجَتُكَ ولا أبناؤُك، أو كَفالَةُ يَتيمٍ بالسِّر. هذهِ الخَبيئَةُ هي وتَدُ الإيمانِ الَّذي لا تَقتَلِعُهُ رِياحُ الفِتَن.
فَاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمُرَ قَصير، وأنَّ السَّيئَةَ تَجُرُّ السَّيئَة، والحَسَنَةَ تُنادي الحَسَنَة، فَلا تُضيِّعوا ما بَقِيَ مِن أعمارِكُم في الشَّتاتِ والبُعدِ عَن مَولَاكُم.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلاةِ عَلَيه، فَقالَ في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّت قُلوبَنا عَلى دينِك. اللَّهُمَّ يا مُصَرِّفَ القُلوبِ صَرِّف قُلوبَنا عَلى طاعَتِك.
اللَّهُمَّ إنَّا نَشكو إلَيكَ قَسوةً في قُلوبِنا، وجَفافًا في أعيُنِنا، وغَفلَةً في أرواحِنا، فَأحيِ قُلوبَنا بِنورِ مَعرِفَتِك، ورُدَّنا إلَيكَ رَدًّا جَميلًا.
اللَّهُمَّ جَدِّدِ الإيمانَ في قُلوبِنا، وحَبِّب إلَينا الإيمانَ وزَيِّنهُ في قُلوبِنا، وكَرِّه إلَينا الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيان، واجعَلنا مِنَ الرَّاشِدين.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ النِّفاق، وأعمالَنا مِنَ الرِّياء، وألسِنَتَنا مِنَ الكَذِب، وأعيُنَنا مِنَ الخِيانَة، إنَّكَ تَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور.
اللَّهُمَّ ارزُقنا خَشيَتَكَ في الغَيبِ والشَّهادَة، واجعَل قُرَّةَ أعيُنِنا في الصَّلاة، ولا تَجعَلِ الدُّنيا أكبَرَ هَمِّنا ولا مَبلَغَ عِلمِنا.
اللَّهُمَّ آمِن رَوعاتِ المُسلِمين، واحقِن دِماءَهُم، وانصُرِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدير.
عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فَاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.