🕌 أدبُ التَّعامُلِ معَ خِلافاتِ الصَّحابَةِ وتَنزيهِ الألسُنِ والقُلوبِ عنها
#خطبة_جمعة #خلافات_الصحابة #الفتنة #تنزيه_الصحابة #سلامة_الصدر #أدب_الخلاف #إيمانيات
الحمدُ للهِ الحَكيمِ في قَضائِه، العَليمِ بابتِلاءِ عِبادِه، الذي جَعَلَ قُلوبَ المُؤمِنينَ مُتآلِفَةً مُتَراحِمَة، وعَصَمَ ألسِنَةَ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ عنِ الخَوضِ في فِتنَةِ دِماءِ الصَّحابَةِ بغَيرِ عِلمٍ ولا هُدى، ونَزَّهَ بَواطِنَهُم عنِ الغِلِّ والحِقدِ والهَوى، يَبتَلي مَن يَشاءُ لِيَرفَعَ الدَّرَجات، ويَغفِرُ لِمَن يَشاءُ بمَغافِرِ الحَسَنات، لا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وهُم يُسأَلون. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادَةَ مَن طَهَّرَ قَلبَهُ لِخِيارِ هذهِ الأُمَّة، وعَقَدَ لِواءَ الوَلاءِ لِمَن نَصَروا الدِّينَ وأقاموا المِلَّة. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الأتقياء، وسَيِّدُ الهُداةِ الأصفِياء، حَذَّرَ أُمَّتَهُ مِن مُضِلَّاتِ الفِتَن، وأرسى قَواعِدَ العَدلِ والإنصافِ في السِّرِّ والعَلَن، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ المُهاجِرينَ والأنصار، وسَلَّمَ تسليماً كثيراً مَديداً إلى يومِ الميعاد.
أمَّا بعد:
أيُّها المؤمنون، تَأمَّلوا مَعي في مَشهَدٍ يَخلَعُ القُلوب، وتَرتَعِدُ مِنهُ الأركان؛ مَشهَدِ جِيلٍ اختارَهُ اللهُ سُبحانَهُ بعِلمِهِ على عِلمِ العالَمين، لِيَكونوا حَمَلَةَ الوَحي، وأوعِيَةَ النُّور، وجُنودَ الحَقّ. هُمُ الذينَ شَهِدوا التَّنزيل، وخاضوا المَعارِك، وبَذَلوا الأموالَ والمُهَج، وتَرَكوا الدِّيارَ والأوطانَ في سَبيلِ «لا إلهَ إلا الله». ثمَّ دارَت رَحى القَدَرِ المَحتوم، ونَزَلَتِ الفِتنَةُ الكُبرى كقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِم، فالْتَقَتِ الجُيوش، وسالَتِ الدِّماءُ الطَّاهِرة، ومَضى أولئك الكِرامُ إلى رَبٍّ غَفورٍ رَحيم، قد سَبَقَت لَهُم مِنهُ الحُسنى!
وهُنا — يا عِبادَ الله — يَقِفُ العَقلُ المُسلِمُ اليومَ على مَفرِقِ طَريقَين؛ طَريقٍ مُظلِمٍ يَسلُكُهُ أهلُ الأهواءِ والطَّوائفِ الحاقِدة، وأدعياءُ العَلمَنَةِ والمُستَشرِقون، يَنبُشونَ في قُبورِ التَّاريخ، ويَقتَطِعونَ النُّصوص، ويَستَدعونَ مَآسي الجَمَلِ وصِفِّين لِيُشغِلوا بها شَبابَ الأُمَّةِ اليوم، ويَجعَلوا مِن مَواقِفِ الاجتهادِ سِلاحاً لتَمزيقِ حَاضِرِنا، وتَكفيرِ صَفْوَتِنا، وإسقاطِ ثِقَتِنا في دِينِنا ونَقَلَةِ قُرآنِنا! وطَريقٍ نَيِّرٍ راشِد، هُوَ مَنهَجُ أئمَّةِ الهُدى وأهلِ السُّنَّةِ والجَماعَة؛ مَنهَجِ التَّنزيهِ والعَدل، وسَلامَةِ الصُّدور، وطَهارَةِ الألسُن، واليَقينِ بأنَّ ما جَرى بينَ الصَّحابَةِ الكِرامِ إنَّما كانَ فِتنَةً مَحَّصَهُمُ اللهُ بها، وكانَ قِتالُهُم فيها عن اجتِهادٍ شَرعيٍّ مَأجور، يَبتَغِي فيهِ كُلُّ طَرَفٍ نُصرَةَ الحَقِّ ورِعايَةَ مَصلَحَةِ الإسلام!
فأيْنَ نَحنُ مِن هذا الميزانِ العَدل؟ وكَيفَ نُحَصِّنُ عُقولَ أجيالِنا الصَّاعِدَةِ حينَ تَقرَأُ تلكَ الأحداث، أو حِينَ تُفتَنُ بمَسلسلاتٍ ورِواياتٍ ودَعواتٍ مَسمومَةٍ تُريدُ أن تَجعَلَ خِيارَ البَشَرِيَّةِ مَحَلَّ شَكٍّ وتَجريح؟
استَمِعوا إلى ما رَسَمَهُ اللهُ جلَّ وعلا في كِتابِهِ الخالِدِ مِن مَنهَجٍ أَبَدِيٍّ في التَّعامُلِ معَ أولئكَ السَّادَةِ الأبرار؛ يقولُ الحَقُّ سُبحانَهُ في سُورَةِ الحَشر، واصِفاً مَوقِفَ الأُمَّةِ الصَّادِقَةِ إلى قيامِ السَّاعة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]. تَأمَّلوا يا مَعاشِرَ المُصلِّين في هذا التَّأصيلِ الإلهيِّ البَديع؛ لم يَجعَلِ اللهُ تَعالى لِمَن جاءَ بَعدَ الصَّحابَةِ وظِيفَةً في تَفتيشِ نَواياهُم، ولا في الحُكمِ على مَصائِرِهم، ولا في تَقسيمِهِم إلى فِرَقٍ وجَماعات، بل حَصَرَ واجِبَهُم في أَمرَينِ اثنَين: الأوَّل: الاستِغفارُ والدُّعاءُ لَهُم بالرَّحمَةِ والمَغفِرَة. والثَّاني: سُؤالُ اللهِ أن يُنَزِّهَ القَلبَ مِن أيِّ ذَرَّةِ غِلٍّ أو ضَغينَةٍ تِجاهَ مَن سَبَقَ بالإيمان! فمَن امتلأَ قَلبُهُ حِقداً على صَحابيٍّ، أو أطلَقَ لِسانَهُ بلَعنٍ أو تَفريق، فقد خَرَجَ عن وَصفِ هذهِ الآيَة، وضَلَّ سَواءَ السَّبيل.
ويَقولُ رَبُّكم سُبحانَهُ قاطِعاً دابِرَ الفُضولِ التَّاريخيِّ الباطِل: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 134]. إنَّك لن تُسأَلَ في قَبرِك، ولا في عَرَصاتِ القيامة: لِماذا قاتَلَ فُلانٌ فُلاناً؟ ولِمَ اجتَهَدَ هذا وقَعَدَ ذاك؟ وإنَّما تُسأَلُ عن نَفسِك، وعن إيمانِك، وعن طاعَتِكَ لرَبِّك، وعن صِيانَةِ لِسانِكَ عن أعراضِ أولياءِ الله!
واسمَعوا إلى نِداءِ النُّبُوَّةِ المُحَذِّر، حينَ قالَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسِكوا، وإذا ذُكِرَتِ النُّجومُ فأمسِكوا، وإذا ذُكِرَ القَدَرُ فأمسِكوا» [رواهُ الطَّبرانيُّ وصَحَّحَهُ الألباني]. «فأمسِكوا»! أمرٌ نَبويٌّ جازِم؛ أمسِكوا ألسِنَتَكُم عنِ التَّنَقُّص، وأمسِكوا قُلوبَكُم عنِ الظُّنون، وأمسِكوا عُقولَكُم عنِ الخَوضِ السَّقيم؛ لأنَّ الخَوضَ في تلكَ المَضائقِ بغيرِ عِلمٍ رَاسِخٍ مَهلَكَةٌ للدِّين، ومَزَلَّةٌ للأقدام.
عِبادَ الله، إنَّ القاعِدَةَ الشَّرعيَّةَ الكُبرى التي يَجبُ أن تُحفَظَ وتُغْرَسَ في صُدورِ الشَّباب، هيَ أنَّ ما جَرى بينَ الصَّحابَةِ الكِرامِ كانَ دائرًا بينَ الأجرَينِ والأجرِ الواحِد! روى البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صَحيحَيهِما، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قال: «إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فلهُ أجران، وإذا حَكَمَ فاجتَهَدَ ثُمَّ أخطَأَ فلهُ أجر». وهل في تاريخِ البَشَرِيَّةِ حُكَّامٌ وقادَةٌ أصلَحُ قُلوباً، ولا أعمَقُ فِقهاً، ولا أعظَمُ نِيَّةً مِن عليٍّ وطَلحَةَ والزُّبَيرِ ومُعاوِيَةَ وعائشَةَ رضيَ اللهُ عنهم أجمَعين؟! كَلَّا والله! فالمُصِيبُ مِنهُم لهُ أجران: أجرُ الاجتهادِ وأجرُ الإصابة، والمُخطِئُ مِنهُم لهُ أجرُ اجتهادِهِ في طَلَبِ الحَقّ، وخَطَؤُهُ مَغفورٌ ومَغمورٌ في بِحارِ حَسَناتِه، وفي سَوابِقِ بَدرٍ وأُحُدٍ وبَيعَةِ الرِّضوان!
وحينَ نَسمَعُ حَديثَ النبيِّ ﷺ لعَمَّارِ بنِ ياسِرٍ رضي الله عنه: «تَقتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَة»، فإنَّ أهلَ السُّنَّةِ والتَّحقيقِ يُقَرِّرونَ بعِلمٍ وعَدل: أنَّ لَفظَ «البَغي» في لِسانِ الشَّرعِ هُوَ الخُروجُ بتَأويلٍ واجتِهاد، ولا يَعني الكُفرَ بحَال، ولا يَعني سُقوطَ العَدالَة؛ واسمَعوا إلى الحَكَمِ العَدلِ في القُرآنِ حينَ يقولُ جلَّ جَلالُه: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ • إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 9-10]! سَمَّاهُمُ اللهُ جَميعاً: «مُؤمِنين»، وسَمَّاهُم: «إِخوَة»، معَ وُجودِ القِتالِ والبَغيِ بتَأويل! فإذا كانَ خالِقُهُم ورَبُّهُم قد أَثبَتَ لَهُم الإيمانَ والأُخُوَّةَ في حَالِ القِتال، فمَن ذا الذي يَتَجَرَّأُ بعدَ ذلكَ على نَزعِ الإيمانِ عنهُم، أو تَخوينِ نِيَّاتِهم إلَّا ضَالٌّ مَفتون؟!
وقد صَاغَ أئمَّةُ السَّلَفِ قَواعِدَ مِن ذَهَب، تَكفي مَن أرادَ النَّجاةَ في دِينِه؛ سُئِلَ أميرُ المُؤمِنينَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمهُ اللهُ تعالى عن قِتالِ صِفِّين، فقالَ كَلِمَتَهُ الخالِدَةَ التي كَتَبَها أهلُ العِلمِ نُوراً في القُلوب: «تِلكَ دِماءٌ طَهَّرَ اللهُ مِنها أيدينا، فلا نُخَضِّبْ بها ألسِنَتَنا!». وقالَ الإمامُ الجَليلُ الحَسَنُ البَصريُّ رحمه الله، في تَصويرٍ دَقيقٍ يَسحَقُ كِبرَ المُتَفَلسِفِين: «قِتالٌ شَهِدَهُ أصحابُ مُحمَّدٍ ﷺ وغِبْنا، وعَلِموا وجَهِلْنا، واجتَمَعوا فاتَّبَعْنا، واختَلَفوا فوَقَفْنا!». ويُقَرِّرُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَةَ رحمه الله في «مِنهاجِ السُّنَّةِ النَّبَويَّة»، والحافِظُ ابنُ حَجَرٍ في «فَتحِ الباري»: «أنَّ أهلَ السُّنَّةِ يُمسِكونَ عَمَّا شَجَرَ بينَ الصَّحابَة، ويَعلَمونَ أنَّ كَثيراً مِن الرِّواياتِ التي نُقِلَت في ذلكَ كَذِبٌ مَوضوع، وما صَحَّ مِنهُ فَهُم فيهِ مَعذورون، إمَّا مُجتَهِدونَ مُصيبون، وإمَّا مُجتَهِدونَ مَعذورون، وما كانَ مِنهُم مِن ذَنبٍ فلَهُم مِنَ السَّوابِقِ والجِهادِ والشَّفاعَةِ ما يُكفِّرُ جَميعَ ذلك».
عِبادَ الله، دَعونا نَنظُرْ إلى صَفَحاتِ التَّاريخِ الصَّادِقَة، لنَرى كَيفَ كانت قُلوبُ أولئكَ الرِّجالِ تَفيضُ بالحُبِّ والتَّعظيمِ لِبَعضِهم، حتَّى في حَالِ الخِلافِ والمَعرَكة؛ انظُروا إلى أميرِ المُؤمِنينَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، بَطَلِ الإسلام، وأقضى الصَّحابَة؛ لَمَّا انقَضَت مَعرَكَةُ الجَمَل، نَزَلَ يَمشي في المَيدان، فوَقَفَ على طَلحَةَ بنِ عُبيدِ اللهِ رضي الله عنه — حَوارِيِّ رَسولِ اللهِ ﷺ، وأحَدِ العَشَرَةِ المَبشَّرينَ بالجَنَّة — وهو مَقتولٌ في التُّراب. فماذا فَعَلَ عليّ؟! هل شَمِتَ بمَقتَلِه؟! هل قالَ: «ظَفِرتُ بعَدوِّي»؟! كَلَّا ورَبِّ الكَعبَة! بل جَثا على رُكبَتَيه، واحتَضَنَهُ ودُموعُهُ تَتَساقَطُ على لِحيَتِه، وجَعَلَ يَمسَحُ التُّرابَ عن وَجهِ طَلحَةَ بثَوبِه، وهو يَبكي بحُرقَةٍ ويَقول: «يَعِزُّ عَلَيَّ يا أبا مُحمَّدٍ أن أراكَ مُجَدَّلاً تحتَ نُجومِ السَّماء! إلى اللهِ أشكُو عُجَرِي وبُجَرِي! لَيْتَنِي مِتُّ قبلَ هذا اليومِ بعِشرينَ سَنَة!». ثمَّ نادى عليٌّ في أصحابِه: «مَن وَجَدَ سِلاحاً أو مالاً لقَتلى عائشَةَ فليَرُدَّهُ إلى أهلِه، ولا يُجهَزَنَّ على جَريح، ولا يُتبَعَنَّ مُدبِر!»، ثمَّ جَهَّزَ أُمَّ المُؤمِنينَ عائشَةَ رضيَ اللهُ عنها بأعظَمِ جِهاز، وسَيَّرَ مَعها أربعينَ امرَأةً مِن نِساءِ البَصرَةِ يَخدُمنَها، وخَرَجَ يَمشي في رِكابِ هَودَجِها مُوَدِّعاً لها بفَراسِخ، ويَقولُ للنَّاس: «واللهِ إنَّها لَزَوجَةُ نَبيِّكُم في الدُّنيا والآخِرة، وما كانَ بيني وبَينَها إلَّا ما يَكونُ بينَ المَرأةِ وحَمِيها!». أرَأيتُم نُبلاً كَهذا النُّبل؟! أرَأيتُم طَهارَةَ قَلبٍ كهذهِ الطَّهارة؟!
وفي صِفِّين؛ سَألَ رَجُلٌ عَلِيّاً رضي الله عنه عن أهلِ الشَّامِ الذينَ يُقاتِلونَه: «يا أميرَ المُؤمِنين، أمُشرِكونَ هُم؟ قال: مِنَ الشِّركِ فَرُّوا! قيل: أمُنافِقونَ هُم؟ قال: إنَّ المُنَافِقينَ لا يَذكُرونَ اللهَ إلَّا قَليلاً، وهؤلاءِ يَذكُرونَ اللهَ كَثيراً! قيل: فما هُم يا أميرَ المُؤمِنين؟ قالَ كَلِمَةَ الحَقِّ التي تَشُقُّ هاماتِ الطَّائفيِّين: «إخوَانُنا بَغَوا عَلَينا! قَاتَلْناهُم لِيَفيئوا إلى أمرِ الله!». لم يُكَفِّرهُم، ولم يُفَسِّقْهُم، ولم يَنزِعْ عنهُم وَصفَ «الأُخُوَّة»!
ثمَّ انظُروا إلى الطَّرَفِ الآخَر، إلى مُعاوِيَةَ بنِ أبي سُفيانَ رضي الله عنه؛ لَمَّا اشتَدَّ الخِلافُ بينَهُ وبينَ عليّ، وظَنَّ قَيصَرُ الرُّومِ مَلِكُ الإمبِراطورِيَّةِ البِيزَنطِيَّةِ أنَّ الفرصَةَ قد سَنَحَت لاجتياحِ حُدودِ المُسلمينَ وتَدميرِ دَولَتِهم، كَتَبَ قَيصَرُ إلى مُعاوِيَةَ كِتاباً يُغْرِيهِ فيهِ بحِلْفٍ عَسْكَريٍّ، ويَقولُ له: «إن شِئتَ بَعَثنا لكَ جَيشاً يُعِينُكَ على صاحِبِكَ في الكوفَة!». فماذا كانَ جَوابُ مُعاوِيَةَ رضي الله عنه؟! كَتَبَ كِتاباً سَطَّرَهُ التَّاريخُ بعِزَّةِ المُؤمِنِ الصَّادِقِ فقال: «مِن مُعاوِيَةَ إلى كَلْبِ الرُّوم! واللهِ لَئِن لم تَنتَهِ وتَرجِعْ إلى بِلادِك، لأَصطَلِحَنَّ أنا وابنُ عَمِّي عليك، ولَأُخرِجَنَّكَ مِن مَلَكوتِكَ كُلِّه، ولَأَجعَلَنَّ أوَّلَ جَيشٍ يَدخُلُ قُسطَنطِينِيَّتَكَ هُوَ عليٌّ في الكوفَة، وآخِرَهُ أنا في الشَّام!». اللهُ أكبر! ما أشرَفَ هذه النُّفوس! يَختَلِفونَ في الاجتهادِ السِّياسيِّ والشَّرعيّ، ولكنَّهُم بُنيانٌ واحِدٌ مَرصوصٌ في وَجهِ أعداءِ الدِّين! أينَ هذا الخُلُقُ العَظيمُ مِن تُجَّارِ الفِتَنِ اليوم، الذينَ يَستَنصِرونَ بأعداءِ الإسلامِ على إخوانِهِم، ويَجعَلونَ مِن خِلافاتِ التَّاريخِ ذَريعَةً لاستِباحَةِ الدِّماءِ والأوطان؟!
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَنهَجَ السَّلامَةِ هوَ أن تَلقى اللهَ سُبحانَهُ ولَيسَ في قَلبِكَ مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن غِلٍّ لأحَدٍ مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وأن تَكُفَّ لِسانَكَ وقَلَمَكَ وشاشَتَكَ عنِ الطَّعنِ في أولئكَ الأخيار.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ كَفى، وحَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكيل، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُهُ الصَّادِقُ الأمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهَار، وصَحابَتِهِ الأخيار، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعد:
عِبادَ الله، لقد وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى على أصلٍ جَليلٍ مِن أُصولِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعَة: «أدَبِ التَّعامُلِ مَعَ خِلافاتِ الصَّحابَةِ وتَنزيهِ الألسُنِ والقُلوبِ عنها». ورَأينا كيفَ أنَّ اللهَ سُبحانَهُ حَصَرَ واجِبَنا في الاستِغفارِ لَهُم وسَلامَةِ الصَّدرِ نَحوَهم، وتَبَيَّنَ لنا بالحُجَّةِ الشَّرعيَّةِ أنَّ خِلافَهُم كانَ دائرًا بينَ الأجرَينِ والأجرِ الواحِد، وأنَّ قُلوبَهُم كانت مَملوءَةً بالمَحَبَّةِ والإجلال، كما تَجَلَّى في بُكاءِ عليٍّ على طَلحَة، وشَهادَتِهِ لإخوانِهِ بالإيمان، وصُمودِ مُعاوِيَةَ في وَجهِ قَيصَرِ الرُّوم. واليوم، ونَحنُ نَعيشُ في زَمَنِ السُّيولَةِ الرَّقمِيَّة، حيثُ تُبَثُّ الشُّبُهاتُ وتُثارُ الفِتَنُ الطَّائفيَّةُ والتَّاريخيَّةُ بضَغطَةِ زِرّ، يَبقى الواجِبُ العَمَليُّ مُتَعَيِّناً على كُلِّ مُسلِمٍ يَغارُ على دِينِه.
لذا، فإنِّي أُوصيكُم بخَمسِ وَصايا جامِعَة، تَعقِدونَ عليها الخَناصِر:
الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): طَهِّروا قُلوبَكُم تماماً مِن أيِّ شُعورٍ بالبُغضِ أو النُّفرَةِ تِجاهَ أيِّ صَحابيٍّ كائناً مَن كان؛ واجعَلوا دَيدَنَكُم كُلَّ يَومٍ دُعاءَ القُرآن: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾. سلامَةُ الصَّدرِ للصَّحابَةِ شَرطٌ لِدُخولِ الجَنَّةِ بسَلام.
الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): الْتَزِموا قاعِدَةَ الإمساكِ النَّبَويَّة: «إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسِكوا»، ولا تَجعَلوا مَجالِسَكُم ولا حِساباتِكُم في وسائِلِ التَّواصُلِ مَيداناً للمُهاتَراتِ في الفِتنَة؛ ومَن سَألَكُم فقُولوا لهُ قَولَ ابنِ عبدِ العزيز: «تِلكَ دِماءٌ طَهَّرَ اللهُ مِنها أيدينا، فلا نُخَضِّبْ بها ألسِنَتَنا!».
الثالثة (وَصيَّةٌ عِلميَّةٌ وتَوثيقيَّة): إذا قَرَأتُم التَّاريخ، فاقرَؤوهُ مِنَ المَصادِرِ المَوثوقَةِ التي حَقَّقَها عُلَماءُ الحَديث (ككِتابِ «العَواصِمِ مِنَ القَواصِم» للقاضي أبي بَكرِ بنِ العَرَبي، و«البِدايَةِ والنِّهايَة» لابنِ كَثير)، واحذَروا الرِّواياتِ المُنقَطِعَةَ والمَوضوعَةَ التي دَسَّها الكَذَّابونَ وأهلُ التَّشَيُّعِ في كُتُبِ الأدَبِ والأخبار.
الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّةٌ أُسَريَّة): حَصِّنوا شَبابَكُم وبَناتِكُم مِنَ الأعمالِ الدِّرامِيَّةِ والمُسَلسَلاتِ المَشبوهَةِ التي تُصَوِّرُ الصَّحابَةَ كأنَّهُم طُلَّابُ سُلطَةٍ ومُلك؛ بَيِّنوا لَهُم عَظَمَةَ ذلكَ الجِيل، واغرِسوا في نُفوسِهم أنَّ الصَّحابَةَ هُم خَيرُ قُرونِ الأرضِ بنَصِّ النَّبيِّ ﷺ.
الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ فِكرِيَّة): اعلَموا أنَّ أعداءَ الأُمَّةِ يُريدونَ إحياءَ مَعارِكِ صِفِّينَ والجَمَلِ اليومَ ليَصرِفونا عن مَعارِكِنا الحَقيقيَّة! يُريدونَ إشعالَ الحُروبِ الطَّائفيَّةِ بينَ المُسلمينَ لتَبقى الأُمَّةُ مُمَزَّقَةً ضَعيفَة، بيْنَما يَستَفيدُ الغُزاةُ والمُحتَلُّون. فكُونوا دُعاةَ وَحدَةٍ وتَوحيد، واجمَعوا الكَلِمَةَ على الكِتابِ والسُّنَّة.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وتَزَوَّدوا مِن تَقواهُ خَيرَ زاد: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على المَبعوثِ رَحمَةً للعالَمين، ورَسولِ رَبِّ النَّاسِ أجمَعين، فقد أمَرَكُم بذلكَ رَبُّكُم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّد، كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيد، وبارِكْ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّد، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالَمينَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيد. وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلَفائِهِ الرَّاشِدين، الأئمَّةِ المَهدِيِّين: أبي بَكرٍ الصِّدِّيق، وعُمَرَ الفاروق، وعُثمانَ ذي النُّورَين، وعليٍّ أبي السِّبطَين، وعن سائرِ الصَّحابَةِ والتَّابِعين، وعنَّا مَعهُم بجُودِكَ وكَرَمِكَ يا أكرَمَ الأكرَمين.
اللَّهُمَّ اغفِرْ للمُسلمينَ والمُسلِمات، المُؤمِنينَ والمُؤمِنات، الأحياءِ مِنهُم والأموات. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلوبَنا مِنَ الغِلِّ والحِقدِ والحَسَد، واجعَلنا إخواناً على سُرُرٍ مُتَقابِلين. اللَّهُمَّ احقِن دِماءَ المُسلمينَ في كُلِّ مَكان، وألِّف بينَ قُلوبِهم، واجمَع شَملَهُم على الحَقِّ والهُدى. اللَّهُمَّ انصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمُجاهِدينَ في غَزَّةَ وفِلَسطين، وثَبِّت أقدامَهُم، وفُكَّ حِصارَهُم، وارحَم شُهَداءَهُم، واشفِ جَرحاهُم، ورُدَّ المَسجِدَ الأقصى إلى رِحابِ الإسلامِ عَزيزاً مُكَرَّماً يا قَويُّ يا عَزيز. اللَّهُمَّ احفَظْ شَبابَنا مِنَ الفِتَن، ومِن كُلِّ شُبهَةٍ تُضِلُّ، ومِن كُلِّ شَهوَةٍ تُزلّ، وحَبِّب إليهِمُ الإيمانَ وزَيِّنْهُ في قُلوبِهم، وكَرِّه إليهِمُ الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيان.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
________________
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
أدبُ التَّعامُلِ معَ خِلافاتِ الصَّحابَةِ وتَنزيهِ الألسُنِ والقُلوبِ عنها
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.