من مكتبة مِداد الخطيب

أُمَّةٌ تَأبَى الغُروب.. أسبابُ الهَيمَنَةِ وسَبيلُ العِزَّة

مشاركة
🎯 أُمَّةٌ تَأبَى الغُروب.. أسبابُ الهَيمَنَةِ وسَبيلُ العِزَّة #كلمة_مناسبة #نهضة_الأمة #الواقع_المعاصر #العزة #إيمانيات #دعوة الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ العِزَّةَ للمؤمنين، وأذَلَّ مَن حادَّهُ وعَصاهُ إلى يومِ الدِّين. الحمدُ لله الذي لا يُبدِّلُ سُنَنَهُ مُحاباةً لأحد، فمَن أخَذَ بأسبابِ النُّهوضِ نَهَض، ومَن رَكَنَ إلى الغَفلَةِ تراجَعَ وسَقَط. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، القائلُ في مُحكَمِ التنزيل: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة المنافقون: 8]. وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُصلِحين، وقائدُ الغُرِّ المُحَجَّلين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: أيُّها الإخوةُ الأكارم، أُحَيِّيكم بتحيَّةِ الإسلام، السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه. نجتمعُ اليومَ لِنَقِفَ أمامَ جُرحٍ غائرٍ يَسكنُ في صَدرِ كلِّ مسلمٍ غَيور. جُرحٍ نَشعُرُ به حين نُقَلِّبُ صَفَحاتِ التاريخ فنقرأُ كيف كُنَّا سادةَ الدُّنيا، وقادةَ الحضارة، ومَشاعلَ النُّور... ثم نَرفعُ رُؤوسَنا لنَنظُرَ في واقعِنا اليوم، فَنَرى أُمَّتَنا تتذيَّلُ الأُمَم، والغربَ يُهَيمِنُ على مَفاصلِ قُوَّتِنا، وثَقافَتِنا، واقتصادِنا، بل وفي كثيرٍ من الأحيان، على قَرارِنا. هل سألتم أنفسَكم يوماً وأنتُم تَنظرون إلى هذا التناقض المُؤلم: كيف ارتفعوا وكيف نَزلنا؟ هل الخَلَلُ في دينِنا؟ حاشا وكَلَّا، فدينُنا هو دينُ الحقِّ المحفوظ. هل نَحنُ قِلَّة؟ أبداً، نحنُ نَتجاوزُ المِليارَ ونصفَ المليارِ إنسان، ونَمتلكُ أفضَلَ مَواقعِ الأرضِ وأغناها. إذن، أين الخَلَل؟ ولماذا صارَت الكلمةُ العُليا في عالمِ اليومِ لغيرِ المسلمين؟ وكيف نَستردُّ عزَّتَنا المسلوبة؟ هذا هو حَديثُنا اليوم. ليس حديثاً لِجَلدِ الذَّاتِ أو بَثِّ اليأس، بل هو تشخيصٌ لِطبيبٍ يُريدُ أن يَضعَ يَدَهُ على مَوطنِ الدَّاءِ لِيَصِفَ الدَّواء. إخوتي في الله، إنَّ اللهَ جلَّ جلالُه قد أَرسى في هذا الكَونِ قَوانينَ وسُنَناً لا تُحابي أحداً، لا مُسلماً ولا كافراً. يقولُ ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: 140]. الغربُ لم يَنتصرْ علينا اليومَ بمُعجزة، بل انتَصَرَ لأنَّه أخَذَ بِسُنَنِ اللهِ الكونيَّةِ في النُّهوضِ المادِّي. أتقَنوا العُلوم، بَنَوا المؤسَّسات، اتَّحَدوا رُغمَ اختِلافِ لُغاتِهم وتَاريخِهِم الدَّموي، وأخَذوا بأسبابِ القُوَّةِ. وفي المقابل، تَرَكنا نحنُ سُنَنَ اللهِ الشرعيَّةَ والكونيَّةَ معاً! وقد لَخَّصَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمهُ اللهُ هذه الحقيقةَ المُرَّةَ بجُملةٍ كُتِبَت بماءِ الذَّهب، حيث ذَكَرَ أنَّ اللهَ يُقيمُ الدَّولةَ العادلةَ وإن كانت كافرة، ولا يُقيمُ الدَّولةَ الظَّالمةَ وإن كانت مسلمة. إنَّها سُنَنُ اللهِ يا عبادَ الله! ولكن، لِنَدخُل إلى عُمقِ الجُرح. ما هي الأسبابُ الحقيقيَّةُ والداخليَّةُ لِهذه الهَيمَنةِ الغربيَّةِ على أُمَّةِ الإسلام؟ أولاً: الوَهَنُ وحُبُّ الدُّنيا (الأصلُ الرُّوحيُّ للانهيار) اسمعوا لهذا الحديثِ العظيم، الذي وكأنَّ النبيَّ ﷺ ينظرُ فيه إلى زمانِنا هذا نظرةَ رَأيِ العَين. عن ثوبانَ رضي الله عنه، قال رسولُ الله ﷺ: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمِنْ قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ فِي قُلُوبِكُمْ، وَيُنْزَعُ الرُّعْبُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ لِحُبِّكُمُ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَتِكُمُ الْمَوْتَ» (رواه أبو داود). تأمَّلوا... "غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيل"! هل رأيتُم الزَّبَدَ الذي يَطفو فوقَ ماءِ السَّيل؟ هو كثيرٌ، ومُنتفخٌ، ويَملأُ العَين، لكنَّه خفيفٌ، لا وَزنَ له، ولا جُذور، وتَتلاعبُ به الأمواجُ كيفما شاءت. هذا هو التوصيفُ النبويُّ الدقيقُ لِحالِنا. كَثرةٌ عدديَّةٌ بلا فاعليَّةٍ حَضاريَّة. وما سَببُ هذا الغُثائيَّة؟ إنَّه "الوَهَن". وما الوَهَن؟ إنَّه حُبُّ الدُّنيا وكراهيَةُ الموت. حينما صارَ هَمُّ المُسلمِ مُنحصراً في راتبِهِ، وسَيَّارَتِهِ، ولذَّاتِهِ الشَّخصيَّة، واستهلاكِ ما يُنتجُهُ الآخَرون، فَقَدَ روحَ الرِّسالةِ التي تَجعَلُ منه إنساناً بَنَّاءً. الأُمَّةُ التي تَغرقُ في الاستهلاكِ وتَتنافَسُ في المَظاهِر، هي أُمَّةٌ تُقَدِّمُ رَقَبَتَها طَواعيَةً لِمَن يَصنَعُ لها غِذاءَها ودَواءَها وسِلاحَها. ثانياً: الهزيمةُ النفسيَّةُ والذَّوَبانُ الثَّقافي وهذه أخطرُ من الهزيمةِ العسكريَّة. الجيوشُ الغربيَّةُ قد تَحتلُّ أرضاً ثم تَخرجُ منها، لكنَّ الاحتلالَ الثقافيَّ يُكَبِّلُ العُقول. لقد شَعَرَ كثيرٌ من أبناءِ الأُمَّةِ بالدُّونيَّةِ والنَّقصِ أمامَ تَقدُّمِ الغربِ المادِّي. وبدلاً من أن نَقتبِسَ مِنهم عُلومَ الصِّناعَةِ والتِّكنُولوجيا وإتقانَ العَمَل — وهو ما يَدعونا إليه دينُنا أصلاً — ذهبنا نُقَلِّدُهم في قُشورِ حَضارَتِهِم، في لِباسِهم، في أعيادِهم المبتدعة، في لُغَتِهم التي نُقحِمُها في حَديثِنا لِنَبدوَ مُثقَّفين! يقولُ العَلَّامةُ ابنُ خَلدون في مُقَدِّمَتِه: "المَغلوبُ مُولَعٌ أبداً بالاقتداءِ بالغالبِ في شِعارِه وزِيِّه ونِحلَتِه وسائرِ أحوالِه وعَوائِدِه". هذه الهزيمةُ النفسيَّةُ جَعلت الشَّابَّ المُسلمَ يَنظُرُ إلى تُراثِهِ باستِحياء، ويَنظُرُ إلى القِيَمِ الغربيَّةِ — حتى الفاسدِ منها كَتدميرِ الأُسرةِ والشُّذوذِ والانحلال — على أنَّها رُموزُ التَّقدُّم! قال تعالى مُحَذِّراً مِن هذا الانزلاق: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [سورة النساء: 139]. مَن بَحَثَ عن العِزَّةِ في التَّقَلُّدِ الأعمى لِلغَرب، زادَهُ اللهُ ذُلّاً، لأنَّ العِزَّةَ مَصدَرُها واحدٌ لا شريكَ له. ثالثاً: الفُرقَةُ والتَّنازُعُ الدَّاخِلي أيُّها المصلون، انظُروا إلى خَريطةِ الغربِ اليوم. دُوَلٌ تَقاتَلَت في الحَربَين العالميتَين، وسَفَكَت دِماءَ الملايين مِن بَعضِها البعض، وتَختلِفُ لُغاتُها وتَاريخُها... ومع ذلك، وَضَعوا حَقائِبَ الأحقادِ جانباً، وصَنَعوا اتِّحاداً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً لا يُقهر. ثم انظُروا إلينا... أُمَّةٌ لها إلهٌ واحد، ونبيٌّ واحد، وقِبلةٌ واحدة، وكتابٌ واحد... ومع ذلك نَحنُ مُمَزَّقون إلى عُشَراتِ الدُّوَل، تُفَرِّقُنا الحُدودُ التي رَسَمَها المُستَعمِر، وتُمَزِّقُنا العَصَبيَّاتُ القوميَّة، وتَنخَرُ فينا الخِلافاتُ الداخليَّةُ حتى صارَ بَأسُنا بيننا شديداً. وقد حَذَّرَنا اللهُ مِن هذه النتيجةِ الحَتميَّةِ في آيةٍ واضحةٍ قاطعة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الأنفال: 46]. ذَهابُ الرِّيحِ هو ذَهابُ القُوَّةِ والهَيبَة. ومادُمنا نَتَقاتَلُ داخلياً، سَيَبقى الغربُ هو الحَكَمَ السَّيِّدَ الذي يَلعَبُ على أوتارِ خِلافاتِنا لِيَنهَبَ ثَرَواتِنا. رابعاً: هَجرُ الأخذِ بالأسبابِ الماديَّةِ والعلميَّة دينُنا العظيمُ لم يَفصِل يوماً بين المسجدِ والمُختَبَر. الكِتابُ الذي بَدَأَ بِـ ﴿اقْرَأْ﴾، لا يُمكِنُ أن يَنصُرَ أُمَّةً جاهِلة. يقولُ ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [سورة الأنفال: 60]. وكلمةُ (قُوَّة) هنا جاءت نَكِرةً لِتَشمَلَ كلَّ أنواعِ القُوَّة: القُوَّةَ العسكريَّة، والاقتصاديَّة، والتقنيَّة، والإعلاميَّة، والطبِّيَّة. لقد أسَسَّ أجدادُنا عُلومَ الطبِّ والجَبرِ والفَلَكِ حين كان الغربُ يَعيشُ في عُصورِ الظَّلام. أمَّا اليوم، فكم نِسبةُ الأبحاثِ العِلميَّةِ التي نُصدِرُها مُقارنةً بهم؟ إنَّ الأُمَّةَ التي تَستورِدُ إبرَتَها وقَمحَها مِن أعدائِها، لا تِملِكُ قَرارَها السياسيَّ أبداً. إنَّ اعتِمادَنا على الغربِ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ هو شَكلٌ مِن أشكالِ العُبوديَّةِ الحَديثة. ... وهنا لعلَّ قائلاً يَقول: يا خطيب، لقد أدمَيتَ قُلوبَنا بهذه الحقائق! هل انتَهى الأمر؟ هل قُضِيَ علينا أن نَبقى في ذَيلِ الأُمَم إلى يومِ القيامة؟ واسمعوا لهذا الجواب... واسمعوهُ جيِّداً... لا، والله! إنَّ أُمَّةَ محمَّدٍ ﷺ تَمرَضُ، نَعَم. تَضعُفُ، نَعَم. تَنامُ طَويلاً، نَعَم. لَكِنَّها لا تَموت! تعالوا نَنتقِل بذاكِرَتِنا مئاتِ السنين إلى الوراء. وتحديداً إلى عام 656 للهجرة. هل تَعرِفون ماذا حَدَثَ في ذلك العام؟ لقد اجتاحَ التَّتارُ (المغول) حواضِرَ العالمِ الإسلامي. دَمَّروا المكاتب، وأحرَقوا الكُتُب، وسَفَكوا دِماءَ الملايين في بَغداد، عاصمةِ الخِلافة. دَخَلوا بَغدادَ وقتَلوا الخليفة، وبَكى المُسلمون حتى قال المؤرِّخون في ذلك الزمان: "مَن قال لكَ إنَّ أُمَّةَ الإسلامِ سَتَقومُ لها قائِمَةٌ بعد اليومِ فكَذِّبه!". لقد ظَنُّوا أنَّ يَومَ القيامةِ قد قام. الأُمَّةُ مُمَزَّقة، والمُلوكُ مُنخَرطون في صِراعاتٍ تافِهة، واليأسُ يُمَزِّقُ القلوب. ولكن، ماذا حَدَث؟ هل مَاتَت الأُمَّة؟ من رحمِ هذا الرَّماد، قامَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدوا اللهَ عليه. قامَ العُلماءُ الرَّبانيُّون كالعِزِّ بنِ عبدِ السَّلامِ يَصدَعون بالحَق، وقامَ قائدٌ مُخلِصٌ هو سيفُ الدِّينِ قُطُز. لم يَكتفِ بالبُكاء، بل أوقَفَ النِّزاعَ الدَّاخلي، وجَمَعَ شَتاتَ الأُمَّة، ووَحَّدَ الجيوش، وطَبَّقَ شَرعَ الله، ووَقَفَ بجيشِهِ في مَعركةِ (عَينِ جالوت). وهُناك، رَمى خُوذَتَهُ على الأرضِ وصَرَخَ صَرخَتَهُ المُدَوِّيَة: "وا إسلاماه!". فما هي إلَّا سَويعات، حتى سَحَقَ اللهُ جيشَ التَّتارِ الذي قيلَ إنَّه لا يُقهَر، وعادَت لِلأُمَّةِ هَيبَتُها وعِزَّتُها، وحُفِظَ الإسلامُ إلى يومِنا هذا. تأمَّلوا يا كرام! سُنَّةُ اللهِ ماضيَة. نحنُ لم نُقهَر لِقوَّةِ الغَربِ الذَّاتيَّة، بَل لِضَعفِنا نحن! ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى: 30]. إذن، ما هو سَبيلُ الخَلاص؟ كيفَ نَستردُّ عِزَّتَنا؟ الطريقُ واضِحٌ كالشَّمس، ولا يَحتاجُ إلى فلسفة، بَل يَحتاجُ إلى صِدقٍ وتَطبيق: أولاً: البِدايةُ مِن قَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. لا تَنتَظِر حَلّاً سِحرياً يَهبِطُ مِن السَّماء، ولا تَنتظِر صَلاحَ الدينِ الأيوبي لِيَخرُجَ فجأة. صَلاحُ الدِّينِ لم يأتِ مِن فَراغ، بل جاءَ بَعدَ جيلٍ كامِلٍ من العُلماءِ والمُرَبِّين الذين أصلَحوا الفَردَ والمجتمع. النَّهضَةُ تَبدأُ مِن نَفسِك، مِن بَيتِك، مِن صَلاتِك التي تُؤَدِّيها بخشوع، مِن غَضِّكَ لِبَصَرِك، مِن أكلِكَ لِلحَلال وتَركِكَ لِلحَرام. الرُّجوعُ إلى اللهِ هو المُحَرِّكُ الأوَّلُ لِعَجلةِ النَّهضة. يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مالك في الموطأ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ». القُرآنُ يا عبادَ الله ليس كتاباً يُقرأُ في المآتمِ فقط، بل هو دُستورٌ لِصناعةِ الأَحياء! ثانياً: استعادةُ الاعتزازِ بالهُويَّةِ الإسلاميَّة. قِف شامِخاً! أنتَ تَنتَمي لِأعظَمِ حَضارةٍ عَرَفَتها البشريَّة. قال الفاروقُ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي اللهُ عنه كلمتَهُ الخالدة: "نحنُ قومٌ أعَزَّنا اللهُ بالإسلام، فمَهما ابتَغَينا العِزَّةَ في غيرِهِ أذَلَّنا الله". رُبُّوا أبناءَكم على الفَخرِ بلُغَتِهِم العَرَبيَّة، وبِتاريخِهم، وبأبطالِهم. لا تَجعَلوا أبطالَهم مُجرَّدَ لاعِبي كُرةٍ أو مُمَثِّلين بائسين مِن الغرب. احكُوا لهم قِصَصَ أبي بكرٍ وعُمَرَ وخالدٍ وطارقِ بنِ زياد. الجيلُ الذي يَجهَلُ تاريخَهُ يَسهُلُ استِعبادُه. ثالثاً: إتقانُ العَمَلِ والتَّفوُّقُ المادِّي. الغربُ يَهيمِنُ لأنَّه يُتقِنُ عَمَلَه. الإسلامُ يَدعونا لِلإتقانِ كَعِبادَة! قال النبي ﷺ: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ» (رواه مسلم). القُوَّةُ هنا هي في التَّخَصُّص. إذا كُنتَ طالباً فَكُن الأوَّلَ في دِراسَتِك بِنِيَّةِ خِدمةِ الأُمَّة. إذا كُنتَ مُهندِساً، طبيباً، أو عامِلاً، فإتقانُكَ لِعَمَلِكَ هو جُزءٌ مِن سَدِّ ثُغورِ الأُمَّة. الأمَّةُ لا تَقومُ بالخُطَباءِ وحدَهم، بل بِالعُلماءِ في المُختَبَرات، والمُهندِسين في المَصانِع، والأُمَّهاتِ الصَّالِحاتِ في البُيوت. رابعاً: التَّوحُّدُ النَّفسيُّ والشُّعوري. وإن مَزَّقَتنا الحُدودُ السياسيَّة، فلا يَجِبُ أن تَتَمَزَّقَ قُلوبُنا. المُسلمُ في ماليزيا والمُسلمُ في المغرب، إخوةٌ تَجمَعُهم عَقيدةٌ أصلَبُ مِن الصَّخر. اهتَمَّ بِقضايا أُمَّتك، ادعُ للمُستضعَفين في فِلسطين وفي كُلِّ مَكان، شارِك بالمقاطعةِ الاقتصاديةِ لِكلِّ مَن يَدعَمُ أعداءَ الأمَّة، علِّم أولادَكَ أنَّ جَسَدَ الأمَّةِ واحد. قال ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ...» (متفق عليه). [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: عبادَ الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن حقيقةِ الهيمنةِ الغربية، ووقفنا مع الأسبابِ الداخليةِ من وهنٍ، وتنازعٍ، وذوبانٍ ثقافي، ثم تدبرنا كيف أنَّ الأمةَ تمرضُ ولا تموت من خلالِ قصصِ التاريخ كواقعةِ عينِ جالوت. والآن، نحن أمام السؤال الأهم: ماذا نصنع بما سمعنا؟ كيف نترجم هذه المعاني إلى واقع في حياتنا اليومية؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن نُغادِرَ مَجْلِسَنا هذا: الأولى (قلبية): جَدِّدِ اليَقينَ في قَلبِك بِأنَّ المُستقبَلَ لِهذا الدِّين. لا يَتَطَرَّقْ إليكَ اليأسُ مَهما رَأيتَ مِن هَيمَنَةِ الباطِل، فإنَّ العاقِبَةَ للمُتَّقين، واللهُ مُتِمٌّ نورَهُ ولو كَرِهَ الكافرون. اجعَل هَمَّكَ: ما هو دَوري في هذا النَّصر، لا مَتى سيَأتي النَّصر. الثانية (لسانية): حافِظ عَلى هُويَّتِكَ في مَنطِقِكَ وكَلامِك. افتَخِر بِلُغَتِكَ العَربيَّةِ لُغَةِ القُرآن، وادعُ لإخوانِكَ المُستضعفينَ في كُلِّ صلاة. ولا تَكُن مِعوَلاً لِنَشرِ الإحباطِ والشَّائعاتِ في صُفوفِ الأمَّةِ عَبرَ مَواقِعِ التَّواصُل. الثالثة (عملية فعلية): أتقِن عَمَلَكَ وادعَم اقتصادَ أُمَّتِك. ابدأ مُقاطَعَةً صارِمةً لِكُلِّ ما يَدعَمُ أعداءَ الإسلام، واجعَل هذا سُلوكاً ثابِتاً لا رَدَّةَ فِعلٍ عابِرة. الرابعة (اجتماعية): رَبِّ أبناءَكَ رِعايةً واعيَة. اجمَع أُسرَتَكَ الليلة، واقرأ مَعهم سِيرةَ بَطَلٍ مِن أبطالِ الإسلام. اغرِس في الجيلِ الجَديدِ أنَّه جيلُ النَّصرِ والتَّمكين. الخامسة (موضوعية مرتبطة): عُد إلى القُرآن. لا نَهضةَ لِأُمَّةٍ تَقرأُ دُستورَها في صَلاةِ الجِنازةِ فَقط! خُصِّص ورداً يومياً للتلاوةِ والتدبر، فَفيه شِفاءُ الصُّدورِ ومَفاتيحُ العِزَّة. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على التغيير الإيجابي، وهي السلاح الذي لا يُقهر، والدرع الذي لا يُكسر. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، عملاً بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. 🤲 الدعاء اللَّهمَّ إنَّا نَسألُكَ عِزّاً يُعَزُّ بِه الإسلامُ وأهلُه، وذُلّاً يُذَلُّ بِه الشِّركُ وأهلُه. اللَّهمَّ أيقِظ قُلوبَنا مِن غَفلتِها، ورُدَّنا إلى دينِكَ رَدّاً جَميلاً. اللَّهمَّ انزَعِ الوَهَنَ وحُبَّ الدُّنيا مِن قُلوبِنا، واغرِس فيها حُبَّكَ وحُبَّ رَسولِكَ وحُبَّ العَمَلِ لِنُصرَةِ دينِك. اللَّهمَّ أصلِح أحوالَ المُسلمينَ عامَّة، في ماليزيا وفي كلِّ بُقعةٍ مِن بِقاعِ الأرض. اللَّهمَّ كُن لإخوانِنا المُستضعَفينَ والمُضطَهَدينَ في فِلسطين وفي كُلِّ مَكان. اللَّهمَّ اربُط على قُلوبِهم، واحقِن دِماءَهم، وانصُرهُم على مَن بَغى عليهم. اللَّهمَّ اجعَلنا مفاتيحَ للخير، مَغاليقَ للشَّر، واستَخدِمنا في نُصرَةِ أُمَّتِنا ولا تَستبدِلنا. اللَّهمَّ حَبِّب إلَينا الإيمانَ وزَيِّنهُ في قُلوبِنا، وكَرِّه إلَينا الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيان، واجعَلنا مِن الرَّاشدين. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.