🕌 أدب الاختلاف في زمن الاستقطاب
#خطبة_جمعة #أدب_الاختلاف #الاستقطاب #حفظ_اللسان #الأخلاق #الأخوة
الحمدُ للهِ الذي أمَرَ بالعَدلِ والإحسانِ، ونهى عن البَغيِ والعُدوانِ، وألَّفَ بينَ قلوبِ المؤمنينَ فجَعَلَهُم بنعمتِهِ إخوانًا. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، شَرَعَ لنا أدَبَ الكلمةِ، وحَرَّمَ علينا الظَّنَّ والغِيبَةَ والقطيعة. وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، أرسَلَهُ اللهُ رحمةً للعالمين، ومُؤَلِّفًا لقلوبِ المُتَنازعين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ، وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد:
تَفتَحُ هاتِفَك اليوم، فتَجِدُ العالَمَ خَندقَين، والنَّاسَ فُسطاطَين. شاشاتٌ تَضِجُّ بالغَضب، وكلماتٌ تُرمى كأنَّها رَصاص. في كلِّ قضيَّةٍ هناكَ خائنٌ وبَطَل، وفي كلِّ رأيٍ هناكَ مُبتَدِعٌ وكافر. كيف تَحَوَّلَت خِلافاتُنا من رَحمةٍ للعُقولِ إلى ساحاتٍ لحَربِ القُلوب؟ وكيفَ تَربَحُ "الخَوارزميَّاتُ" من غَضَبِنا بَينما نَخسَرُ نحنُ دِينَنا وحَسَناتِنا؟ إجابةٌ عميقةٌ تَستَحِقُّ الإنصاتَ في خُطبتنا اليوم.
عبادَ الله، هل سألتُم أنفُسَكم يومًا: لماذا يَشعُرُ الإنسانُ اليومَ أنَّه في مَعركةٍ دائمة؟ لماذا نَفقِدُ أصدقاءَنا وأقاربَنا، بل وإخوتَنا في الدِّين، من أجلِ رأيٍ عابر، أو تحليلٍ سياسي، أو وِجهةِ نَظرٍ في قضيَّةٍ مُعاصِرة؟
إنَّنا نَعيشُ في زَمَنٍ يُسَمِّيهِ العُقلاءُ اليوم: "زَمَنَ الاستقطاب". حتَّى إنَّ تقريرَ المخاطرِ العالميَّةِ لعام ألفَين وسِتَّةٍ وعِشرين، الصَّادرَ عن المنتدى الاقتصادي العالمي، حَذَّرَ من أنَّ "الاستقطابَ المجتمعيَّ والتَّضليل" هما من أشدِّ المَخاطرِ التي تُهَدِّدُ البَشَريَّةَ في السَّنواتِ المُقبِلة. يُحَذِّرُ الغَربُ من هذا بِلُغةِ الأرقام والاقتصاد.. ولكنَّنا نحنُ المُسلمين، حُذِّرنا من هذا قَبلَ أربعةَ عَشَرَ قَرنًا بِلُغةِ الوَحي والقرآن!
واسمَعوا لهذه الآيةِ العظيمة، التي تَضَعُ يَدَها على أصلِ الدَّاءِ قبلَ أن يُدرِكَهُ عُلَماءُ العَصر. يقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [سورة الإسراء: 53].
تَأمَّلوا! لم يَقُل "يقولوا الحَسَن"، بل قال: ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. لأنَّ الكلمةَ إذا خَرَجَت قاسيةً، تَلَقَّفَها الشَّيطانُ ليُشعِلَ بها مَعركةً. واليوم، الشَّيطانُ لَهُ جُنودٌ من "خَوارزميَّاتٍ" صَنَعَها البَشَر، تَتَغَذَّى على الغَضَب. هذه البَرامجُ في هَواتِفكم صُمِّمَت لِتُظهِرَ لكم ما يَستَفِزُّكم، وما يُغضِبُكم، وما يُناقِضُ أفكارَكم بقَسوة، لأنَّ الإنسانَ الغاضِبَ يَتَفاعَلُ أكثر، ويَكتُبُ أكثر، ويَبقى أمامَ الشَّاشةِ أكثر. هم يَربَحونَ المالَ من غَضبِكم وانقسامِكم، وأنتم تَخسَرونَ دِينَكم وأُخُوَّتَكم!
يقول النبيُّ ﷺ في الحديث العظيم: «إِنَّ الشَّيْطانَ قد يَئِسَ أن يَعبُدَهُ المُصَلُّونَ في جَزيرَةِ العَرَبِ، ولَكِنْ في التَّحريشِ بَينَهُم» (رواه مسلم). والتَّحريشُ هو إيقاعُ الفِتنةِ والخُصومة!
أينَ نحنُ من أخلاقِ محمَّدٍ ﷺ في الخِلاف؟ كيف يُعقَل أن نَهدِمَ أُخُوَّةَ الإسلامِ بكلمةٍ تُكتَبُ في لَحظَةِ انفعال؟
يا عبادَ الله، الخِلافُ في وِجهاتِ النَّظرِ سُنَّةٌ كَونيَّة. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [سورة هود: 118]. الصَّحابةُ اختَلَفوا، والعُلَماءُ اختَلَفوا. لكنَّ الفَرقَ بينَنا وبينَهم؛ أنَّهم كانوا يَختَلِفون في الرَّأي وتَبقى القُلوبُ مُجتَمِعة، ونحنُ نَختَلِفُ في قضيَّةٍ فَرَعيَّة فَنَتَمَزَّقُ إلى طَوائفَ مُتَناحِرة!
ولْنتأمَّل معًا هذا المَوقِفَ العظيم. اختَلَفَ الإمامُ الشَّافعيُّ رضي الله عنه مع تِلميذِهِ يُونُس بن عَبدِ الأعلى في مَسألةٍ فِقهيَّة، واشتَدَّ النِّقاش، حتَّى غَضِبَ يُونُس وقامَ من المَجلسِ وذَهَبَ إلى بَيتِه. بَعدَ أن أرخى اللَّيلُ سُدولَه، سَمِعَ يُونُسُ طرقًا على بابِه. سأل: مَن بالباب؟ فجاءَ الصَّوت: محمَّد بن إدريس. يقول يُونُس: فتَفَكَّرتُ في كلِّ مَنِ اسمُه محمَّد بن إدريس إلا الشَّافعي! فلمَّا فَتَحتُ، وَجَدتُ الإمامَ الشَّافعيَّ عِندَ بابي. فماذا قال له؟ هل جاءَ ليَشتُمَه؟ هل جاء ليُصادِرَ رأيَه؟
أمْسَكَ الإمامُ الشَّافعيُّ بيَدِ تلميذهِ وقال كلمَتَهُ الخالدة: "يا يُونُس، ألا يَستَقيمُ أن نَكونَ إخوانًا وإن لم نَتَّفِق في مَسألة؟".
يا لَعَظَمَةِ هذا الفِقه! ألا يَستَقيمُ أن نَكونَ إخوانًا وإن لم نَتَّفِق في تَحليلٍ سياسي؟ ألا يَستَقيمُ أن نَكونَ إخوانًا وإن اختَلَفنا في تَقييمِ حَدَثٍ أو شَخصيَّة؟ لماذا أصبحنا نَستَسهِلُ إخراجَ النَّاسِ من المِلَّة أو السُّنَّة بكَبسَةِ زِر؟
وهنا نَصِلُ إلى الأمرِ الأخطَر. الطَّامَّةُ الكُبرى في زَمَنِ الاستقطاب: استباحةُ الدِّماءِ والأعراض، والتَّساهُلُ في التَّكفيرِ والتَّبديعِ والتَّفسيق.
يا عبادَ الله، أصبَحَ العامِّيُّ الذي لا يَحفَظُ جُزءَ عَمَّ، يَدخُلُ إلى مَواقِعِ التَّواصُل، فيُكَفِّرُ هذا، ويُبَدِّعُ ذاك، ويَخوِّنُ عالِمًا، ويَشتِمُ مُفَكِّرًا، ويَطعَنُ في نِيَّةِ مُسلِم! ألا يَعلَمُ هؤلاءِ أنَّ الكَلِمةَ ميزانٌ يومَ القيامة؟
اسمعوا لهذا التحذير النبوي الذي يَرتَجِفُ له قلبُ المُؤمن. قال رسولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» (متفق عليه). كلمةٌ واحدةٌ تَقولُها في تَعليقٍ على الشَّاشة، قد تَرجِعُ إليكَ فتَسلُبَكَ إيمانَك وأنتَ لا تَشعُر!
ماذا لو وقَفتَ بينَ يَدَي الله، وطالبَكَ مَن شَتَمتَهُ أو خَوَّنتَهُ بحَقِّه؟ يقولُ النبيُّ ﷺ: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (رواه مسلم). واليومَ، الدِّماءُ تُستَباحُ، والأعراضُ تُهتَكُ بالتَّخوينِ والشَّتم!
ويُقَرِّرُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ مَبدأً عَظيمًا في أدَبِ الخِلافِ قائِلًا: "أهلُ السُّنَّةِ نَقاوَةُ المُسلمين، وهُم خَيرُ النَّاسِ للنَّاس". خَيرُ النَّاسِ للنَّاسِ لا يُمكِنُ أن يَكونوا شَتَّامين، ولا لَعَّانين، ولا خَوَّاضينَ في الأعراض.
ولعلَّكم تَسألون: أليسَ من حقِّنا أن نَنتَقِدَ الخَطأ؟ أليسَ من حقِّنا أن نَردَّ الباطل؟
بلى، الرَّدُّ على الباطلِ واجِب، وبيانُ الخَطأِ دِين. لكنَّ الفَرقَ شاسِعٌ بينَ "نَقدِ الخَطأ" وبينَ "سَبِّ المُخطيء". الإسلامُ يَأمُرُنا أن نَكرَهَ المَعصية، وأن نَرحَمَ العاصي، أن نَرُدَّ الفِكرةَ الباطلة، وأن نَعدِلَ مع قائِلِها.
واسمعوا لهذا الدرس العَمَلي من أصحاب النبي ﷺ. مَرَّ أبو الدَّرداءِ رضي الله عنه على جَماعةٍ من النَّاسِ يَشتُمونَ رَجلًا أذنَبَ ذَنبًا، فوَقَفَ أمامَهم وقال: "أرأيتُم لو وَجَدتُموهُ في قَليبٍ (أي في بئر)، ألم تَكونوا مُستَخرِجيه؟". قالوا: بلى. قال: "فلا تَسُبُّوا أخاكُم، واحمَدوا اللهَ الذي عافاكُم". قالوا له: أفلا تُبغِضُه؟ فأجابَ إجابةَ الخبير العارف: "إنَّما أُبغِضُ عَمَلَه، فإذا تَرَكَهُ فهو أخي".
هذا هو ميزانُ الإسلام! النَّقدُ بِعِلم، والإنصافُ مع المُخالِف، حتَّى لو كانَ عاصيًا أو مُخطِئًا. يقولُ ربُّنا جلَّ وعلا آمِرًا بالعَدلِ حتَّى مع الأعداء: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [سورة المائدة: 8]. فإن كانَ العَدلُ واجِبًا مع مَن تَكرَهُ مِنَ الأعداء، فكيفَ مَعَ أخيكَ المُسلِمِ الذي اختَلَفتَ مَعَهُ في رَأي؟ يقول الإمام الذهبي رحمه الله مبينًا هذا المنهج: "ولو أنَّا كلَّما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل... بدَّعناه وهجرناه، لم يَسلم معنا لا ابن نصر ولا ابن مندة ولا من هو أكبر منهما، واللّه هو الهادي إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ باللّه من الهوى والفظاظة".
أينَ تَذهَبُ هذه الكَلِماتُ التي نَكتُبُها في لَحظَةِ غَضَبٍ واستقطاب؟
﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق: 18]. كلُّ شَتيمة، كلُّ اتِّهام، كلُّ تَخوين، مَكتوبٌ في صَحيفَتِك، وستَقرَؤهُ يومَ تَطايُرِ الصُّحُف.
فيا مَن غَرَّتْهُ الشَّاشاتُ، ويا مَن جَرَّتْهُ مَوجاتُ الغَضَبِ المُصطَنَع، احفَظْ لِسانَك، وصُن قَلبَك، ولا تَجعَل دِينَكَ وقودًا لِمَعارِكَ مُفتَعَلَة. المُسلِمُ لا يَكونُ حَطَبًا لنيرانِ الفِتنة، بل يَكونُ مِفتاحًا للخَير، مِغلاقًا للشَّر.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
م
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمَّا بعد:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عن مَرَضِ الاستقطابِ الذي يُمَزِّقُ مُجتَمَعاتِنا، ووَقَفنا مع فخِّ الخَوارزميَّاتِ التي تَتَغَذَّى على غَضَبِنا، ثمَّ تَدَبَّرنا حُرمَةَ الدِّماءِ والأعراضِ وخُطورَةَ التَّساهُلِ في التَّخوينِ والتَّكفير، وخَتَمنا بِأدَبِ السَّلَفِ في العَدلِ مع المُخالِف. والآن، إخوتي، بَقِيَ السُّؤالُ الأهمُّ الذي سيُحَدِّدُ إن كانت هذه الخُطبةُ سَتَمُرُّ مُرورَ الرِّيح أم سَتُثمِرُ في حياتِنا: ماذا نَصنَعُ بِما سَمِعنا اليوم؟
أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): طَهِّر قَلبَكَ من كُلِّ غِلٍّ وحِقدٍ على إخوانِكَ المُسلمين. إذا آوَيتَ إلى فِراشِك اللَّيلة، فاعفُ وتَجاوَز، وقُل: اللَّهمَّ إنِّي تَصَدَّقتُ بعِرضي على مَن أساءَ إليَّ. سَلامَةُ الصَّدرِ نَعيمٌ مُعَجَّلٌ في الدُّنيا قَبلَ الآخِرة.
الثانية (لِسانيَّة): اضبِط لِسانَكَ وأصابِعَكَ على الشَّاشات. قَبلَ أن تَكتُبَ أيَّ تَعليقٍ أو تُعيدَ نَشرَ خَبَر، اسأل نَفسَك لَحظة: "هل يُرضي هذا الله؟ وهل أنا مُتأكِّدٌ منه؟". فقد قال ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (رواه مسلم).
الثالثة (عَمَليَّة): تَسَلَّح بالعِلمِ الشَّرعي. الجَهلُ هو المَرتَعُ الخَصبُ للاستقطاب. مَن عَلِمَ سُنَّةَ اللهِ في الخَلقِ وسَعَةَ شَريعتِه، عَذَرَ النَّاسَ في مَواطِنِ الاجتِهاد، ولَم يُحَوِّل كُلَّ خِلافٍ إلى مَعركةِ كُفرٍ وإيمان.
الرابعة (اجتماعيَّة): كُن جِسرًا لا جِدارًا. إذا رَأيتَ خُصومةً بينَ اثنَين، أو فتنةً تَشتَعِلُ في مَجلس، فكُن أنتَ صَوتَ العَقلِ الذي يُطفيءُ النَّار، لا الحَطَبَ الذي يَزيدُها اشتعالًا. أصلِح ذاتَ البَين، فإنَّ فَسادَ ذاتِ البَينِ هي الحالِقَة للدِّين.
الخامسة (موضوعيَّة): اخرُج من الفَخِّ الخَوارزمي. قَلِّل من ساعاتِ الجُلوسِ في مَواقِعِ التَّواصُلِ التي تُغَذِّي غَضَبَك وتُشَوِّشُ قَلبَك. قاطِع الحِساباتِ التي تَقتاتُ على الفِتَن والتَّحريش بين المُسلمين، ولا تُساهِم في نَشرِ سُمومِها بمُتابَعَتِك لها.
فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هي المِيزانُ الذي يَعصِمُ الإنسانَ من التَّهَوُّرِ في الفِتَن، ويَحمي قَلبَهُ من قَسوةِ الخُصومات.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ محمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
اللَّهمَّ ألِّف بينَ قُلوبِ المُسلمين، وأصلِح ذاتَ بَينِهم، واهدِهِم سُبُلَ السَّلام، ونَجِّهِم من الظُّلُماتِ إلى النُّور.
اللَّهمَّ طَهِّر قُلوبَنا من الغِلِّ والحَسَد، وطَهِّر ألسِنَتَنا من الكَذِبِ والغِيبَةِ والفُحش.
اللَّهمَّ بَصِّرنا بعُيوبِنا، ولا تَشغَلنا بعُيوبِ النَّاسِ عن إصلاحِ أنفُسِنا.
اللَّهمَّ اجعَلنا مَفاتيحَ للخَير، مَغاليقَ للشَّر، ولا تَجعَلنا فتنةً للذينَ كفروا.
اللَّهمَّ احقِن دِماءَ المُسلمينَ في كلِّ مَكان، وعَجِّل بالفَرَجِ للمُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في فِلَسطينَ وفي كُلِّ بُقعَةٍ من بِقاعِ الأرضِ يا ربَّ العالَمين.
اللَّهمَّ ارزُقنا العَدلَ في الغَضَبِ والرِّضا، والقَصدَ في الفَقرِ والغِنى، وكَلِمةَ الحَقِّ في السِّرِّ والعَلَن.
عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكم لَعلَّكم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العظيمَ يَذكُركم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
أدب الاختلاف في زمن الاستقطاب
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.