من مكتبة مِداد الخطيب

إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ... رِحْلَةُ عُبُورٍ لَا نِهَايَةُ وُجُود

مشاركة
🤲 إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ... رِحْلَةُ عُبُورٍ لَا نِهَايَةُ وُجُود #كلمة_عزاء #الصبر_على_البلاء #الابتلاء #الموت #الإيمان_بالقدر #رقائق الحمدُ للهِ الذي كَتَبَ الفَناءَ على كُلِّ مَن في الأرضِ، وأبقى وَجهَهُ الكريمَ ذَا الجلالِ والإكرامِ. الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الموتَ قَنطَرَةً يَعبُرُ بها المُحبُّ إلى حَبيبِهِ، وجَعَلَ الدُّنيا دارَ مَمَرٍّ، والآخرةَ دارَ مَقَرٍّ وقَرار. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، يَقبِضُ ويَبسُطُ، ويُميتُ ويُحيي، وإليهِ المآب. وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، إمامُ الصَّابرين، وقُدوةُ المُحتَسِبين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد. إخوتي الكرام، والأحبَّةَ الأفاضل، السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته. اجتَمَعنا اليومَ في مَجلسٍ ثَقيلٍ على القُلوبِ البشريَّةِ، خفيفٍ في موازينِ الرِّضا بقضاءِ اللهِ. اجتَمَعنا نُواسي أنفُسَنا، ونُواسي أهلَ هذا البيتِ الكريمِ في مُصابٍ هو مُصابُ كُلِّ حَيٍّ يمشي على هذه الأرضِ، قَبلَ أن يَلحَقَ بِمَن سَبَقَهُ إلى بَاطِنها. نَحنُ اليومَ في حَضرةِ جَلالِ الموتِ. والموتُ — يا أحِبَّة — مَوعظةٌ صامتةٌ، لا تَحتاجُ إلى مِئذَنةٍ لِتُرفَع، ولا إلى خَطيبٍ لِيَتَكَلَّم. حُضورُهُ وَحدَهُ يُسكِتُ صَخَبَ الدُّنيا في قُلوبِنا، ويُعيدُ تَرتيبَ مَقاساتِ الأشياءِ في أعيُنِنا. كَم مِن هَمٍّ دُنيويٍّ كانَ يَخنُقُنا بالأمسِ، بَدَا لنا اليومَ — أمامَ رَحيلِ فقيدِنا — صَغيرًا تافِهًا لا يَستَحِقُّ دَمعةً. هكذا يَفعلُ الموتُ، يُوقِظُنا لِنُدرِكَ أنَّنا عابِرونَ، وأنَّ كُلَّ ما نَتَنازَعُ عليهِ هُنا، سَيَبقى هُنا، ولَن يَرحَلَ مَعنا سِوى عَمَلٍ صالحٍ، وقَلبٍ سليم. إخوتي الكرام، إنَّ الموتَ ليسَ حَدَثًا طارِئًا على الحياةِ، ولا هُوَ خَلَلٌ في نِظامِ الكَونِ، بَل هُوَ جُزءٌ أصيلٌ مِن نَسيجِ الخَلقِ. يقولُ اللهُ تبارك وتعالى، حاكِمًا بِهذا القَضاءِ المُبرَمِ على كُلِّ وُجودٍ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ • وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]. وَجْهُ اللهِ وَحدَهُ هُوَ الباقي، وما سِواهُ ذاهِب. فَما ماتَ صاحِبُنا وَحدَهُ، وما فُجِعنا بِهِ وِحَدنا، بَل نَحنُ جَميعًا في طابورٍ واحِدٍ، مُنذُ أن هَبَطَ آدَمُ إلى الأرضِ. يَسبِقُ بَعضُنا بَعضًا بخطَواتٍ، ومَحَطَّتُنا الأخيرةُ واحِدة. ولَكِنَّ الفَرقَ العظيمَ بَينَ المُؤمِنِ وغَيرِ المُؤمِنِ في نَظرَتِهِ لِلموتِ، هو أنَّ غَيرَ المُؤمِنِ يَرى الموتَ "نِهايةً، ووَحشَةً، وفَناءً مُطلَقًا، وعَدَمًا لا رَجعَةَ فيه". أمَّا المُؤمِنُ المُوَحِّدُ، فإنَّهُ يَرى الموتَ "بِدايةً". الموتُ في دينِنا ليسَ عَدَمًا، بل هو نُقلَةٌ من مَرحلةٍ إلى مَرحلة. هو وِلادةٌ جَديدةٌ للرُّوحِ في عالَمِ البَرزَخِ الأوسَعِ والأرحَب. هو خُروجٌ مِن ضِيقِ الدُّنيا، وهُمومِها، وأمراضِها، وأحزانِها، وتَعَبِها، إلى سَعَةِ عَفْوِ اللهِ، ورَحمَتِهِ، وكَرَمِه. تَأمَّلوا معي — يا رعاكُمُ الله — سُنَّةَ اللهِ في الآجالِ. اللهُ جَلَّ جَلالُهُ قَدَّرَ لِكُلِّ نَفْسٍ لَحظَةً لا تَتَقَدَّمُ عَنها ثانيةً، ولا تَتَأخَّرُ جُزءًا مِن الثَّانية. يقولُ الحقُّ جَلَّ وعَلا: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34]. هذه الآيةُ وَحدَها كافيةٌ لِتَمسَحَ عَن قُلوبِ المُصابينَ كُلَّ شُعورٍ باللَّومِ أو النَّدَم. فَكَثيرًا ما يَتَساءَلُ أهلُ المَيِّتِ في لَحظاتِ الصَّدمَةِ الأولى: "لَو أنَّنا أسعَفناهُ مُبَكِّرًا"، "لَو أنَّهُ لَم يَذهَب في ذَلِكَ الطَّريق"، "لَو أنَّ الطَّبيبَ فَعَلَ كَذا". إخوتي، دَعوا كَلِمَةَ "لَو" لِلقَدَر. فواللهِ، لَوِ اجتَمَعَ أطِبَّاءُ الأرضِ كُلُّهُم، ولَو حاطَتهُ كُلُّ أسبابِ الحِفظِ والرِّعايَةِ، وقَد حانَت سَاعَتُهُ التي كَتَبَها اللهُ لَهُ وهُوَ في بَطنِ أُمِّهِ، لَفاضَت رُوحُهُ في نَفسِ اللَّحظة. هذا اليقينُ بِأنَّ القَدَرَ نافِذٌ، يُورِثُ القَلبَ سَكينةً، ويَجعَلُ العَقلَ يَستَسلِمُ لِمَن بِيَدِهِ مَقاليدُ السَّماواتِ والأرض. لَم نُقَصِّر في شَيءٍ، ولَم نَظلِمهُ في شَيءٍ، بَل هي سَاعَتُهُ التي اختارَها أرحَمُ الرَّاحِمينَ لِيَستَرِدَّ فيها أمانَتَه. أَيُّهَا الأهلُ الأفاضِل، ما يَجري في قُلوبِكُم الآنَ مِن ألَمِ الفِراقِ هُوَ أمْرٌ طَبيعيٌّ، وفِطرةٌ بَشَريَّةٌ صِرفَة. الإيمانُ لا يَعني قَسوةَ القَلبِ، ولا جُمودَ العَينِ. الدَّمعةُ التي تَنزِلُ الآنَ مِن عُيونِكُم هي دَمعةُ رَحمةٍ وَضَعَها اللهُ في قُلوبِ بَني آدَم. لَكِنَّ المَطلوبَ مِنَ المُؤمِنِ في هذه اللَّحظاتِ العَصيبَةِ هُوَ "الصَّبرُ الجَميل". والصَّبرُ الجَميلُ هُوَ الذي يَسكُنُ فيهِ القَلبُ مَعَ الألَمِ، فَلا يُطلِقُ اللِّسانَ بِما يُسخِطُ الرَّبَّ، ولا يَفعَلُ بِالجَوارِحِ ما يُنافي التَّسليم. يقولُ نَبيُّنا ﷺ، كما جاءَ في الحديثِ الصَّحيحِ: «إنَّما الصَّبرُ عِندَ الصَّدمَةِ الأُولى». المَعنى العَميقُ هُنا هُوَ أنَّ كُلَّ إنسانٍ سَيَصبِرُ في النِّهايةِ، فالزَّمَنُ كَفيلٌ بِمَسحِ الجِراحِ. لَكِنَّ الصَّبرَ الذي تَنالُ بِهِ الأجرَ العَظيمَ، وتُرفَعُ بِهِ دَرَجاتُكَ في عِلِّيِّين، وتُبنى لَكَ بِهِ قُصورٌ في الجَنَّةِ، هُوَ صَبرُ السَّاعَةِ الأولى. اللَّحظَة التي يَأتيكَ فيها الخَبَرُ القاسي، فَيَعتَصِرُ قَلبُكَ، لَكِنَّكَ تَبتَلِعُ غُصَّتَكَ وتَقولُ مِن صَميمِ رُوحِكَ: "الحَمدُ للهِ، إنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِليهِ راجِعُون". هذه الكَلِمَةُ — إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إليه راجِعونَ — لَيست مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تُقالُ بِاللِّسانِ. هي عَقيدةٌ مُتَكامِلَة. "إنَّا لِلَّه": أي نَحنُ، ومَن نُحِبُّ، ومُمتَلَكاتُنا، وأعمارُنا، كُلُّها مِلكٌ خالِصٌ لِلَّهِ يَتَصَرَّفُ فيها كَيفَ يَشاء. "وإنَّا إِليهِ راجِعُون": أي أنَّ رِحلَتَنا جَميعًا تَتَّجِهُ نَحوَهُ، فَمَن سَبَقَنا فَقَد عادَ إلى مالِكِهِ، ونَحنُ عَلى الأثَرِ عائِدون. ومَنِ استَشعَرَ هذا المَعنى، بَرَدَ قَلبُهُ وهانَت مُصيبَتُه. اسْتَمِعوا إلى هذا الوَعدِ الرَّبَّانيِّ العَظيم، يَقُولُ جَلَّ في عُلاه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ • الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فَما هُوَ الجَزاء؟ ما هي الجائزَة؟ اسمَعوا التَّكريمَ الإلهي: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]. اللهُ العَظيمُ، خالِقُ الأكوانِ، يُصَلِّي عَلى العَبدِ المَكلومِ إذا صَبَر! أَيُّ شَرَفٍ هذا، وأَيُّ ضِمادٍ أرقُّ مِن هذا لِلقُلوبِ المَجروحَة؟ إخوَتي الأفاضِل، إنَّ مَن يَنظُرُ في سِيَرِ الأنبياءِ والصَّالحين، يُدرِكُ أنَّ اللهَ لَم يَستَثْنِ أحَدًا مِن ألَمِ الفِراق. لَو كانَتِ الدُّنيا دارَ خُلودٍ ومُكافَأةٍ، أو لَو كانَ المَوتُ شَرًّا مُطلَقًا دُونَ حِكمَةٍ، لَمَا أذاقَهُ اللهُ لأحَبِّ الخَلقِ إليه. تَأمَّلوا مَعي مَوقِفَ سيِّدِ البَشَرِ، وأكرَمِ الخَلقِ عَلى اللهِ، نَبيِّنا مُحمَّدٍ ﷺ. رَزَقَهُ اللهُ بِوَلَدِهِ إبراهيمَ في كِبَرِهِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ قَلبُهُ، وفَرِحَ بِهِ فَرَحًا عَظيمًا. ولَكِن، ما لَبِثَ أن مَرِضَ الصَّغيرُ وهُوَ ابنُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهرًا. دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ عَليهِ، فَوَجَدَهُ يَجودُ بِنَفسِهِ ويُنازِعُ سَكَراتِ المَوتِ. ماذا فَعَلَ القائِدُ؟ ماذا فَعَلَ النَّبيُّ المَعصوم؟ أُخِذَ نَبيُّ الرَّحمَةِ ﷺ، وحَمَلَ طِفلَهُ الصَّغيرَ بَينَ يَدَيهِ، ونَظَرَ إليهِ وعَيناهُ تَفيضانِ بِالدَّمع. حتَّى قالَ لَهُ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ مُتَعَجِّبًا: "وأنتَ يا رَسولَ الله؟" (أي أنتَ تَبكي وأنتَ مَن تُعَلِّمُنا الصَّبر؟). فَرَدَّ عَليهِ ﷺ، بِتِلكَ العِبارَةِ التي خَلَّدَها التَّاريخُ دُستورًا لِكُلِّ مَكروبٍ: «يا ابْنَ عَوفٍ، إنَّها رَحْمَةٌ». ثُمَّ أتبَعَها بِكَلِماتٍ تُوازِنُ بَينَ عَاطِفَةِ البَشَرِ وتَسليمِ المُؤمِن، قالَ ﷺ: «إنَّ العَينَ تَدمَعُ، والقَلبَ يَحزَنُ، ولا نَقولُ إِلَّا ما يُرضي رَبَّنا، وإِنَّا بِفِراقِكَ يا إبراهيمُ لَمَحزُونون». هذا هُوَ الإِسلامُ يا إخوَتي. دِينٌ واقِعيٌّ، رَحيمٌ، يَتَفَهَّمُ ضَعفَ الإنسانِ وحاجَتَهُ لِلبُكاءِ. فابكُوا فَقيدَكُم رَحمَةً واشتِياقًا، ولَكِنِ احذَروا أن يَخرُجَ مِن حَناجِرِكُم أو قُلوبِكُم ما يَعترِضُ عَلى حِكمَةِ الله. فَمَن رَضِيَ فَلَهُ الرِّضا، ومَن سَخِطَ فَلَهُ السَّخَط. وهُنا، أُذَكِّرُ أنفُسَنا جَميعًا بِحَقيقةٍ تَمسَحُ كُلَّ حُزن. إنَّ الفِراقَ بِالمَوتِ هو فِراقٌ مُؤَقَّتٌ، فِراقُ مَحَطَّةٍ قَصيرَةٍ جِدًّا في رِحلَةِ الخُلود. المُؤمِنُ عِندَما يُوَدِّعُ أهابَهُ ومَن يُحِبُّ، يَعقِدُ مَعَهُم مَوعِدًا لِلِّقاءِ هُناكَ.. عِندَ حَوضِ النَّبيِّ ﷺ، وفي جَنَّاتِ النَّعيمِ التي لا نَصَبَ فيها ولا وَصَب، ولا فِراقَ ولا هَرَم. يَقولُ رَبُّنا الرَّحيمُ الواسِعُ العَطاء: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [الطور: 21]. الكَريمُ سُبحانَهُ يَرفَعُ الأبناءَ إلى مَنزِلَةِ الآباءِ، ويَجمَعُ الأُسرَةَ المُؤمِنَةَ بَعدَ الشَّتاتِ في قُصورِ الجَنَّة، لِيَكتَمِلَ شَملُ المُحِبِّين، ويَتَعانَقوا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلين، ويَضحَكوا عَلى أيَّامِ الدُّنيا القَصيرَةِ وكَيفَ كانت مُجَرَّدَ حُلُمٍ سَريعِ الانقِضاء.
فَلْنَحسِنِ الظَّنَّ بِرَبِّنا في فَقيدِنا. رَحمةُ اللهِ أوسَعُ مِن ذُنوبِنا، وعَفوُهُ أشمَلُ مِن تَقصيرِنا. اللهُ الذي بَرِحَ بِهذا الإنسانِ في بَطنِ أُمِّهِ فَحِفِظَهُ، وحِفِظَهُ في طُفولَتِهِ، وكَساهُ ورَزَقَهُ طِيلَةَ شَبابِهِ وشَيخوخَتِهِ، هُوَ أرحَمُ بِهِ الآنَ مِن أُمِّهِ التي وَلَدَته، ومِن أبنائِهِ الذين يَحملونَهُ عَلى الأعناق. يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]، وفَقيدُنا "شَيءٌ" نَسألُ اللهَ أن تَسعَهُ هذهِ الرَّحمَةُ الواسِعَة، وأن يُقابِلَهُ بِالعَفوِ والرِّضوان. إخوَتي الأحبَّة، إنَّ فَقيدَكُمُ الآنَ، بَعدَ أنِ انقَطَعَ عَمَلُهُ، يَنتَظِرُ مِنكُم شَيئًا واحِدًا لا يَنتَظِرُ غَيرَه. لَن تَنفَعَهُ دُموعُنا التي تَجري، ولَن يَنفَعَهُ وُقوفُنا الصَّامِتُ فَحَسْب. المَيِّتُ في قَبرِهِ يَرتَقِبُ إِمدادًا مِنَ الأحياء، يَرتَقِبُ الهَدايا التي تَنزِلُ عَليهِ نُورًا في ظُلمَةِ اللَّحد. قالَ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ المَشهورِ: «إذا ماتَ ابنُ آدَمَ انقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلاث: صَدَقةٍ جارِيَة، أو عِلمٍ يُنتَفَعُ بِه، أو ولَدٍ صالحٍ يَدعو لَه». فَمَن أحَبَّ فَقيدَهُ حَقًّا، فَلْيُتَرجِم هذا الحُبَّ إلى واقِعٍ. لِيَكُن هُوَ الصَّدَقَةَ الجارِيَة، ولِيَكُن هُوَ الوَلَدَ الصَّالِحَ، أوِ الأخَ المُحِبَّ، أوِ الصَّديقَ الوَفِيَّ الذي يَذكُرُهُ في جَوفِ اللَّيل، حِينَ تَنامُ العُيونُ. دَعوَةٌ صادِقَةٌ في سُجودٍ خَفِيٍّ، رُبَّما تَكشِفُ عَنهُ كُربَةً في قَبرِهِ، أو تَرفَعُ لَهُ دَرَجاتٍ لا يَبلُغُها عَمَلُه. لا تَنسَوهُ مِن دُعائِكُم عِندما يَنفَضُّ المَجلِسُ ويَعودُ كُلُّ واحِدٍ إلى سِربِهِ ومَشاغِلِ حَياتِه. فواللهِ إنَّ أوفى الأوفِياءِ مَن يَتَذَكَّرُ حَبيبَهُ بَعدَ أن يَتَوارَى تَحتَ التُّراب. ونَحنُ نُوَدِّعُ صاحِبَنا، نَتَوَجَّهُ إلى رَبِّنا الرَّحيمِ، بِقُلوبٍ مُوقِنَةٍ، وأيادٍ مَرفوعَةٍ، ضارِعينَ لَهُ سُبحانَهُ أن يَتَوَلَّى فَقيدَنا بِحُسنِ رِعايَتِهِ ومَغفِرَتِه. اللَّهُمَّ يا رَحمنُ يا رَحيم، يا عَفُوُّ يا كَريم، اغفِر لِفَقيدِنا وارحَمه، وعافِهِ واعفُ عَنه، وأكرِم نُزُلَه، ووَسِّع مُدخَلَه، واغسِلهُ بِالماءِ والثَّلجِ والبَرَد، ونَقِّهِ مِنَ الخَطايا كَما يُنَقَّى الثَّوبُ الأبيَضُ مِن الدَّنَس. اللَّهُمَّ إن كانَ مُحسِنًا فَزِد في إِحسانِه، وإن كانَ مُسيئًا فَتَجاوَز عَن سَيِّئاتِه. اللَّهُمَّ أبدِلهُ دارًا خَيرًا مِن دارِه، وأهلًا خَيرًا مِن أهلِه، وأدخِلهُ الجَنَّة، وأَعِذْهُ مِن عَذابِ القَبرِ ومِن عَذابِ النَّار. اللَّهُمَّ آنِس وَحشَتَه، وأَنِر لَحدَه، وارحَم غُربَتَه، واجعَل قَبرَهُ رَوضَةً مِن رِياضِ الجَنَّة، ولا تَجعَلهُ حُفرَةً مِن حُفَرِ النَّار. اللَّهُمَّ امسَح عَلى قُلوبِ أهلِهِ وذَويهِ ومُحِبِّيهِ بِيَمينِكَ الشَّافيَة. اللَّهُمَّ اجبُر مُصابَهُم، وأعظِم أجرَهُم فيه، واخلُف عَليهِم خَيرًا. اللَّهُمَّ ألهِمهُمُ الصَّبرَ والسَّلوان، وارزُقهُمُ الرِّضا بِقَضائِكَ وقَدَرِك، واجعَل هذهِ المُصيبَةَ آخِرَ أحزانِهِم، واربُط عَلى قُلوبِهِم كَما رَبَطتَ عَلى قَلبِ أُمِّ مُوسى. اللَّهُمَّ اغفِر لأمواتِ المُسلمينَ أجمَعين، الذينَ شَهِدوا لَكَ بِالوَحدانِيَّة، ولِنَبيِّكَ بِالرِّسالَة، وماتوا عَلى ذَلِك. اللَّهُمَّ ارحَمهُم واعفُ عَنهُم، واجعَل خَواتيمَ أعمالِنا خَيرَها، وخَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عَظَّمَ اللهُ أجرَكُم، وأحسَنَ عَزاءَكُم، وغَفَرَ لِمَيِّتِكُم، ولا أراكُمُ اللهُ مَكروهًا في عَزيزٍ لَدَيكُم. وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. والسَّلامُ عَلَيكُم ورَحمَةُ اللهِ وبَرَكاتُه. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.