🕌 كمال الأدب مع رب العالمين جَلَّ في عُلاه
#خطبة_جمعة #الأدب_مع_الله #الخشية #المراقبة #الإخلاص #إيمانيات #رقائق
الحمد لله الذي خضعت لعظمته الرقاب، وذلت لجبروته الصعاب، الخبير بما تخفي الضمائر وما يواريه الحجاب. يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا بربوبيته، وإذعانًا لألوهيته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أشد الأمة لله خشية، وأكملهم معه أدبًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد:
أيها الإخوة الأفاضل، لو أن أحدنا دُعي لمقابلة ملك من ملوك الدنيا، أو مسؤول من كبرائها، لرأيته يهتم بهندامه، ويزن كلماته، ويخفض صوته، ويقف أمامه بكل وقار واحترام، خائفًا من زلة لسان، أو حركة طائشة تسقط هيبته وتغضب المسؤول عليه. هذا أدبنا مع مخلوق ضعيف، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فكيف هو أدبنا مع ملك الملوك، وجبار السماوات والأرض؟ هل سألنا أنفسنا يومًا: كيف نقف بين يدي الله؟ وكيف نستحي منه؟ وكيف نتأدب مع من بيده مقاليد كل شيء؟
يقول الله جل جلاله في كتابه الكريم معاتبًا من غفل عن هذا المعنى العظيم: > ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13]. أي ما لكم لا تعاملون الله بما يليق بعظمته من التعظيم والإجلال والأدب؟
عباد الله، إن الأدب مع الله ليس مجرد كلمات ننطقها باللسان، بل هو حقيقة الدين كله. الأدب مع الله هو أن يجدك حيث أمرك، ويفقدك حيث نهاك. هو أن يستحيي قلبك من نظر الله إليك وأنت على معصية. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "الأدب مع الله هو حقيقة الدين، ولا يستقيم الدين إلا بالأدب، فمن ضيع الأدب فهو مطرود من باب الله، ومحروم من قربه".
وللأدب مع الله تعالى مقامات ومجالات، لا يكتمل إيمان العبد إلا بها. وأول هذه المقامات: الأدب مع الله في العبادة.
كم منا اليوم يأتي إلى الصلاة، فيكبر ويركع ويسجد، ولكن قلبه يطوف في أودية الدنيا ومشاغلها؟ يقف بين يدي ربه، ويفكر في تجارته ووظيفته وهمومه، بل وربما ينشغل بهاتفه حتى لحظة تكبيرة الإحرام! هل هذا من الأدب مع الله؟ تخيل أنك تتحدث مع إنسان، وهو يلتفت عنك يمينًا ويسارًا ويعبث بأشيائه، ألا تعد ذلك سوء أدب؟ فكيف بمن يناجي ربه وخالقه؟
يقول الله تعالى مبينًا صفات المفلحين: > ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]. الخشوع هو روح الصلاة وهو قمة الأدب مع الله. واسمعوا إلى هذا الحديث العظيم الذي يزلزل القلوب، حيث يقول النبي ﷺ: «إن الرجل لينصرف وما كُتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» (رواه أبو داود). لماذا؟ لأن الأجر على قدر حضور القلب والأدب في الوقوف بين يدي الجبار.
وثاني مقامات الأدب: الأدب مع الله في الخلوات، وحفظ السرائر.
وهنا المحك الحقيقي، وهنا تُختبر المعادن. في هذا الزمان، زمان الهواتف الذكية والشاشات المغلقة والغرف المنعزلة، أصبح من السهل جدًا أن يختلي الإنسان بمعصية الله. يغلق بابه، ويسدل ستائره، ويظن أنه وحيد، وينسى أن عين الله لا تنام.
يقول الله تعالى في وصف المنافقين وضعاف الإيمان: > ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: 108]. يستحي من طفل صغير أن يراه على معصية، ولا يستحي من خالق الطفل!
ورحم الله عبد الله بن المبارك حين قال كلمته الموجعة: "لا تكن وليًا لله في العلانية، وعدوًا له في السر".
واسمعوا لهذه القصة العظيمة التي تسطر بحروف من نور حقيقة الأدب مع الله والمراقبة. خرج عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في سفر، فلقي راعي غنم صغيرًا في الصحراء، فأراد ابن عمر أن يمتحن أمانته ومراقبته لله، فقال له: بعني شاة من هذه الغنم. فقال الراعي: إنها ليست لي، إنها لسيدي. فقال ابن عمر مختبرًا: قل لسيدك أكلها الذئب، وخذ ثمنها لك. فنظر الراعي الصغير إلى السماء، وقال بكلمة تزلزل الجبال: "فأين الله؟ فأين الله؟".
بكى ابن عمر رضي الله عنهما، وصار يرددها: "الراعي يقول فأين الله!". فلما عاد إلى المدينة، اشترى الغنم واشترى الراعي، فأعتق الراعي ووهب له الغنم.
أيها الشاب، أيتها الأخت الكريمة، حين تمسك بهاتفك في ظلام الليل، وتغريك الشياطين بضغطة زر تنقلك إلى مستنقعات الحرام، تذكر كلمة هذا الراعي وقل لنفسك: "فأين الله؟". فإن الله يقول: > ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: 12].
وثالث مقامات الأدب: الأدب مع الله في البلاء والأقدار.
من الأدب أن ترضى بما قسم الله لك، وألا تتسخط على أقدار الله، وألا تشكو الخالق للمخلوق. إذا أصابك مرض أو فقر أو فقد حبيب، فمن قلة الأدب أن تصرخ معترضًا: "لماذا يا رب فعلت بي هذا؟ ماذا فعلت لأستحق هذا؟". هذا سوء أدب مع الحكيم الخبير.
انظروا إلى أدب الأنبياء في البلاء. هذا نبي الله أيوب عليه السلام، يمرض سنوات طويلة، يفقد ماله وولده وصحته، فلا يشتكي لأحد، وحين يدعو ربه يتأدب غاية الأدب، لا يطالب ولا يعترض، بل يقول بلسان المنكسر: > ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. لم يقل اشفني، بل اكتفى بوصف حاله ووصف ربه بالرحمة.
وهذا يعقوب عليه السلام، يفقد يوسف، ثم يفقد أخاه، وتبيض عيناه من الحزن، فلا يشتكي للخلق، بل يقول: > ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
وهذا يونس عليه السلام، يبتلعه الحوت، في ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. ماذا يقول؟ هل يندب حظه؟ هل ييأس؟ لا، بل يناجي ربه بأرقى كلمات الأدب والاعتراف بالتقصير: > ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. يعترف بظلمه لنفسه، وينزه ربه عن كل نقص. فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾.
ورابع مقامات الأدب: الأدب مع كلام الله (القرآن).
كيف يكون أدبنا مع رسالة ربنا إلينا؟ هل من الأدب أن نهجر القرآن شهورًا لا نفتحه إلا في رمضان؟ هل من الأدب أن نقرأه بألسنتنا دون أن تتدبره عقولنا أو تخشع له قلوبنا؟ هل من الأدب أن نسمع أمر الله فيه فلا نأتمر، ونسمع نهيه فلا ننزجر؟
قال تعالى: > ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: 67]. ومن تقدير الله حق قدره، توقير كلامه وتدبره والعمل به. قال الحسن البصري رحمه الله: "إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، وينفذونها بالنهار". فهل نرى نحن القرآن رسائل من ربنا؟
إخوتي الأفاضل، إن ثمرة الأدب مع الله هي معيته وتوفيقه في الدنيا، وجنته ورضوانه في الآخرة. ومن أساء الأدب مع الله، عاقبه الله بحرمانه من حلاوة الإيمان، ووحشة في الصدر لا تبددها كل ملذات الأرض.
يقول النبي ﷺ مبينًا أعلى مراتب الأدب والدين، وهو مقام الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (متفق عليه). فمن استحضر رؤية الله له في كل حركاته وسكناته، استقام ظاهره وباطنه، وصار من الذين قال الله فيهم: > ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا كمال الأدب معه، وأن يطهر قلوبنا من الرياء، وأعمالنا من النفاق، وأن يجعلنا ممن يخشاه في الغيب والشهادة.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبده الذي اصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى. أمَّا بعد:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن كمال الأدب مع رب العالمين، ووقفنا مع صور مضيئة من أدب الأنبياء والصالحين في عبادتهم، وفي خلواتهم، وفي صبرهم على أقدار الله، وكيف أن الأدب هو روح الدين وجوهره. والآن، إخواني، بقي السؤال العملي الذي سيحدد إن كانت هذه الخطبة ستثمر في قلوبنا: كيف نترجم هذا الأدب إلى واقع في حياتنا اليومية؟
أوصيكم بخمسٍ قبل أن أغادر مقامي هذا:
الأولى (قلبية): استعظم نظر الله إليك اليوم، وطهر نيتك في كل عمل. لا تنشغل بتلميع ظاهرك للناس بينما قلبك الذي ينظر إليه الله مليء بالحقد أو الحسد أو الرياء. قال ﷺ: «استحيوا من الله حق الحياء» فمن استحيا من الله، حفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى. راجع قلبك الليلة قبل أن تنام وصحح بوصلتك.
الثانية (لسانية): تأدب مع الله في كلامك ودعائك. لا ترفع صوتك بالشكوى للناس من ضيق الرزق أو المرض وكأنك تشكو الخالق للمخلوق. بل بث شكواك له وحده. خصص اليوم خمس دقائق تناجي فيها ربك بصوت خفيض، بانكسار وتذلل، فإنه سبحانه يحب من عبده التضرع والانكسار.
الثالثة (عملية): صلِّ صلاتك القادمة صلاة مودع، صلاة متأدب. اترك هاتفك ومشاغلك خارج المسجد قبل أن تكبر. استحضر أنك تقف بين يدي جبار السماوات والأرض. حرك قلبك مع كل آية تقرؤها، واعلم أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فبث له كل ما في قلبك هناك.
الرابعة (اجتماعية): تأدب مع خلق الله، تأدبًا مع الخالق. من الأدب مع الصانع أن تحترم صنعته. لا تظلم ضعيفًا، ولا تؤذِ جارًا، ولا تقطع رحمًا ظانًا أنك بعيد عن المساءلة. سامح واعفُ اليوم عن شخص أساء إليك، لعل الله أن يعفو عنك، فـالراحمون يرحمهم الرحمن.
الخامسة (موضوعية): اترك معصية سر واحدة هذا اليوم حياءً من الله. تلك المعصية التي لا يعلمها إلا أنت والله، في جهازك المحمول، أو في خلوتك. اقطعها الليلة، وتذكر كلمة الراعي: "فأين الله؟". احذف ذلك التطبيق، أو امسح تلك المراسلات، وقل: ربي تركتها حياءً منك وأدبًا معك، فعوضني حلاوة إيمان أجدها في قلبي.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على كمال الأدب معه في السر والعلن. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، استجابة لأمر ربكم حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم إنا نسألك أن ترزقنا كمال الأدب معك، وخشيتك في الغيب والشهادة. اللهم اجعلنا ممن يستحييك حق الحياء، ويراقبك في السر والعلن.
اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم لا تجعلنا ممن يظهر للناس الصلاح ويبارزك في الخلوات بالقبائح.
اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، وتول أمرنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا.
اللهم انصر المستضعفين والمظلومين من المسلمين في كل مكان، اللهم اربط على قلوبهم، وسدد رميهم، وأنزل عليهم سكينتك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا كما ربونا صغارا، وارحمهم فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.