من مكتبة مِداد الخطيب

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ... حِينَ نَسِينَا لِمَاذَا نَعِيش!

مشاركة
⚡️ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ... حِينَ نَسِينَا لِمَاذَا نَعِيش! #موعظة_شباب #سورة_التكاثر #تدبر_القرآن #الغفلة #واقع_الأمة #الشباب #صناعة_الوعي الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مَرْحَلَةَ الشَّبَابِ مَيْدَانًا لِلْبِنَاءِ، وَجَعَلَ الْقُوَّةَ فِيهَا أَمَانَةً لِلْعَطَاءِ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي أَيْقَظَ هِمَمَ الشَّبَابِ فَقَادُوا بِهِ الدُّنْيَا، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: إِخْوَتِي الْأَحِبَّةَ، سَأَبْدَأُ مَعَكُمْ الْيَوْمَ بِسُؤَالٍ وَاحِدٍ، وَأُرِيدُكُمْ أَنْ تُفَكِّرُوا فِيهِ بِصِدْقٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَنْفُسِكُمْ: لَوْ أَنَّ شَاشَةً عِمْلَاقَةً عُرِضَتْ فِيهَا تَفَاصِيلُ حَيَاتِكَ فِي الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ الْمَاضِيَةِ... السَّاعَاتُ الَّتِي قَضَيْتَهَا عَلَى هَاتِفِكَ، الْمَقَاطِعُ الَّتِي شَاهَدْتَهَا، الْمُقَارَنَاتُ الَّتِي عَقَدْتَهَا فِي عَقْلِكَ بَيْنَ حَيَاتِكَ وَحَيَاةِ الْآخَرِينَ، الْأَشْيَاءُ الَّتِي حَزِنْتَ لِأَنَّكَ لَا تَمْلِكُهَا... لَوْ عُرِضَتْ كُلُّهَا أَمَامَكَ الْآنَ، ثُمَّ قِيلَ لَكَ: "هَذِهِ هِيَ قِصَّةُ حَيَاتِكَ!"... فَهَلْ هَذِهِ هِيَ الْقِصَّةُ الَّتِي خُلِقْتَ مِنْ أَجْلِهَا؟ إِخْوَتِي، نَحْنُ نَعِيشُ فِي أَغْنَى عَصْرٍ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْلُومَاتِ وَالرَّفَاهِيَةِ، لَكِنَّهُ أَكْثَرُ عَصْرٍ يَعِيشُ فِيهِ الشَّبَابُ حِيرَةً وَقَلَقًا وَتَشَتُّتًا وَاكْتِئَابًا. نَمْلِكُ كُلَّ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، وَنَشْعُرُ بِأَقْصَى دَرَجَاتِ الْوَحْدَةِ. نَمْلِكُ خِيَارَاتٍ لَا تَنْتَهِي لِلتَّرْفِيهِ، وَنَشْعُرُ بِمَلَلٍ لَا يَنْقَضِي. هُنَاكَ شَيْءٌ خَطَأٌ... هُنَاكَ شَيْءٌ عَمِيقٌ لَا يَسْتَقِيمُ فِي طَرِيقَةِ عَيْشِنَا! وَالْجَوَابُ — يَا شَبَابُ — لَيْسَ مَوْجُودًا فِي كُتُبِ التَّنْمِيَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَا فِي نَصَائِحِ مُؤَثِّرِي شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ. الْجَوَابُ مَوْجُودٌ فِي سُورَةٍ قَصِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، سُورَةٍ نَحْفَظُهَا جَمِيعًا مُنْذُ الصِّغَرِ، نَقْرَؤُهَا فِي صَلَوَاتِنَا بِسُرْعَةٍ خَاطِفَةٍ، لَكِنَّنَا لَوْ وَقَفْنَا عِنْدَهَا لَوَجَدْنَا فِيهَا التَّشْخِيصَ الدَّقِيقَ لِمَرَضِ هَذَا الْعَاصِرِ بِأَكْمَلِهِ. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ۝ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ۝ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ۝ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ۝ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ۝ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [سُورَةُ التَّكَاثُرِ: 1-8]. تَأَمَّلُوا مَعِي الْكَلِمَةَ الْأُولَى: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾. اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَقُلْ: "شَغَلَكُمْ التَّكَاثُرُ". هُنَاكَ فَرْقٌ هَائِلٌ فِي لُغَتِنَا الْعَرَبِيَّةِ بَيْنَ (الشُّغْلِ) وَ(اللَّهْوِ). قَدْ تَكُونُ مَشْغُولًا بِدِرَاسَتِكَ أَوْ بِعَمَلِكَ الشَّاقِّ، لَكِنَّ عَقْلَكَ حَاضِرٌ وَأَنْتَ تَعْرِفُ هَدَفَكَ. أَمَّا اللَّهْوُ... فَهُوَ أَنْ تَنْشَغِلَ بِشَيْءٍ مُسَلٍّ أَوْ مُسْتَهْلِكٍ لِلْوَقْتِ، بَيْنَمَا هُنَاكَ هَدَفٌ أَكْبَرُ وَأَخْطَرُ قَدْ نَسِيتَهُ تَمَامًا! اللَّهْوُ هُوَ غَفْلَةُ الْقَلْبِ مَعَ انْشِغَالِ الْجَوَارِحِ. أَلَسْنَا كَذَلِكَ الْيَوْمَ؟ نَحْنُ نَلْهُو وَنَنْشَغِلُ بِمَلَايِينِ التَّفَاصِيلِ التَّافِهَةِ، بَيْنَمَا الْغَايَةُ الَّتِي خُلِقْنَا لِأَجْلِهَا مَنْسِيَّةٌ عَلَى رَفٍّ بَعِيدٍ. وَمَا هُوَ هَذَا الشَّيْءُ الَّذِي أَلْهَانَا؟ يُجِيبُ الْقُرْآنُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ خَطِيرَةٍ: ﴿التَّكَاثُرُ﴾. مَا هُوَ التَّكَاثُرُ يَا إِخْوَتِي؟ التَّكَاثُرُ لَيْسَ مُجَرَّدَ (الْكَثْرَةِ). التَّكَاثُرُ هُوَ (التَّنَافُسُ فِي الْكَثْرَةِ). هُوَ أَنْ تُرِيدَ أَنْ يَكُونَ لَدَيْكَ (أَكْثَرُ) مِمَّا لَدَى غَيْرِكَ. لَيْسَ لِأَنَّكَ تَحْتَاجُ هَذَا الشَّيْءَ، بَلْ فَقَطْ لِتَتَفَوَّقَ عَلَى غَيْرِكَ وَتَتَبَاهَى بِهِ!
إِخْوَتِي، انْظُرُوا إِلَى الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِنَا الْيَوْمَ. النِّظَامُ الْعَالَمِيُّ بِأَكْمَلِهِ، النِّظَامُ الرَّأْسُمَالِيُّ وَمَا أَفْرَزَهُ مِنْ حَيَاةٍ اسْتِهْلَاكِيَّةٍ شَرِهَةٍ، هُوَ تَرْجَمَةٌ حَرْفِيَّةٌ لِكَلِمَةِ (التَّكَاثُرِ). نَحْنُ مَحْصُورُونَ فِي عِصَابَةٍ تُوهِمُنَا أَنَّ قِيمَتَنَا كَبَشَرٍ مَرْبُوطَةٌ بِمَا نَمْلِكُهُ، وَبِمَا نَسْتَهْلِكُهُ، وَبِالْأَرْقَامِ الَّتِي تَظْهَرُ عَلَى شَاشَاتِنَا! أَلَيْسَتْ شَبَكَاتُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ الْيَوْمَ هِيَ "مِنَصَّاتِ التَّكَاثُرِ" الْأَعْظَمِ فِي التَّارِيخِ؟ شَابٌّ يَتَفَاخَرُ بِعَدَدِ مُتَابِعِيهِ، وَفَتَاةٌ تَتَفَاخَرُ بِعَدَدِ "الْإِعْجَابَاتِ" عَلَى صُورَتِهَا، وَآخَرُ يَتَفَاخَرُ بِمَارْكَةِ حِذَائِهِ أَوِ سَيَّارَتِهِ. أَصْبَحْنَا نَشْتَرِي أَشْيَاءَ لَا نَحْتَاجُهَا، بِأَمْوَالٍ لَا نَمْلِكُهَا، لِنُثْبِتَ قِيمَتَنَا لِأَشْخَاصٍ لَا يَهْتَمُّونَ بِنَا أَصْلًا! هَذَا هُوَ (التَّكَاثُرُ) الَّذِي شَلَّ عُقُولَ جِيلٍ بِأَكْمَلِهِ. لَقَدْ حَوَّلُونَا مِنْ خُلَفَاءَ للهِ فِي الْأَرْضِ ذَوِي رِسَالَةٍ عَظِيمَةٍ، إِلَى مُجَرَّدِ "مُسْتَهْلِكِينَ" تَتَلَخَّصُ أَحْلَامُهُمْ فِي قِطْعَةِ قُمَاشٍ أَوْ جِهَازٍ إلكترُونِيٍّ جَدِيدٍ. دَعُونِي أَسْأَلُكُمْ بِصِدْقٍ: مَتَى كَانَتْ آخِرُ مَرَّةٍ شَعَرْتَ فِيهَا بِالرِّضَا التَّامِّ عَنْ نَفْسِكَ دُونَ أَنْ تُقَارِنَهَا بِأَحَدٍ فِي (إِنْسْتَغْرَام) أَوْ (تِيكْ تُوك)؟ الْمُقَارَنَةُ هِيَ لِصُّ الْفَرَحِ، وَالتَّكَاثُرُ هُوَ مَطْحَنَةُ السَّكِينَةِ. وَإِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَعْرِفُوا تَفَاهَةَ هَذَا (التَّكَاثُرِ) الْعَالَمِيِّ، فَانْظُرُوا إِلَى وَاقِعِ أُمَّتِنَا الْإِسْلَامِيَّةِ الْيَوْمَ. انْظُرُوا إِلَى غَزَّةَ الْمُبَارَكَةِ... انْظُرُوا إِلَى السُّودَانِ، وَإِلَى كُلِّ بِقَاعِ الْأَرْضِ الَّتِي يَنْزِفُ فِيهَا الْمُسْتَضْعَفُونَ. هُنَاكَ — حَيْثُ الدِّمَاءُ تَسِيلُ وَالْأَرْوَاحُ تَصْعَدُ إِلَى بَارِئِهَا — سَقَطَتْ كُلُّ أَوْهَامِ (التَّكَاثُرِ). هُنَاكَ لَا أَحَدَ يَهْتَمُّ بِمَارْكَةِ الْحِذَاءِ وَهُوَ يُنَقِّبُ بَيْنَ الرُّكَامِ عَنْ طِفْلِهِ! هُنَاكَ لَا أَحَدَ يَهْتَمُّ بِعَدَدِ الْمُتَابِعِينَ وَهُوَ يَرْفَعُ السَّبَّابَةَ يَنْطِقُ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَقِيَ لِرَبِّهِ! لَقَدْ صَفَعَتْنَا غَزَّةُ، وَأَيْقَظَتْنَا مِنْ سُبَاتِنَا. كَشَفَتْ لَنَا حَقِيقَةَ أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ الْمُتَحَضِّرَ الَّذِي شَغَلَنَا بِرَفَاهِيَتِهِ وَاسْتِهْلَاكِهِ، هُوَ عَالَمٌ مَيِّتُ الضَّمِيرِ، يَعْبُدُ الْمَادَّةَ وَيَدُوسُ عَلَى الْجَمَاجِمِ. لَقَدْ عَلَّمَنَا أُولَئِكَ الْأَبْطَالُ — الشَّبَابُ مِنْهُمْ وَالشَّابَّاتُ — مَعْنَى (الْيَقِينِ) بِالْآخِرَةِ! حِينَ تَرَى شَابًّا مَقْطُوعَ السَّاقِ يَبْتَسِمُ وَيَحْمَدُ اللهَ، فَأَنْتَ تَرَى إِنْسَانًا تَحَرَّرَ مِنْ قُيُودِ التَّكَاثُرِ الْأَرْضِيِّ إِلَى سَعَةِ الْيَقِينِ السَّمَاوِيِّ. بَيْنَمَا نَجِدُ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا شَبَابًا أَصِحَّاءَ، مُعَافَيْنَ، يَدْخُلُونَ فِي حَالَاتِ اكْتِئَابٍ مُرْعِبَةٍ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا شِرَاءَ الْإِصْدَارِ الْأَخِيرِ مِنْ هَاتِفٍ مَحْمُولٍ! أَيُّ مُفَارَقَةٍ حَزِينَةٍ هَذِهِ؟ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ حَقًّا! ثُمَّ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، كَأَنَّهُ يَصْفَعُ هَذَا السُّبَاتَ: ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. تَوَقَّفُوا هُنَا إِخْوَتِي!... لَمْ يَقُلِ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: (حَتَّى سَكَنْتُمُ الْمَقَابِرَ)، بَلْ قَالَ: ﴿زُرْتُمُ﴾! هَلْ تُدْرِكُونَ عُمْقَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ؟ الزَّائِرُ — فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ — هُوَ ضَيْفٌ يَمْكُثُ قَلِيلًا ثُمَّ يَرْحَلُ. الْقُبُورُ الَّتِي نَظُنُّهَا النِّهَايَةَ الْمُرْعِبَةَ... هِيَ فِي حِسَابِ اللهِ وَالْقُرْآنِ مُجَرَّدُ (زِيَارَةٍ) خَاطِفَةٍ، مَحَطَّةِ انْتِظَارٍ، صَالَةِ تَرَانْزِيتٍ قَبْلَ الِانْتِقَالِ إِلَى الْمُسْتَقَرِّ الْأَبَدِيِّ — إِمَّا إِلَى جَنَّةٍ أَبَدِيَّةٍ أَوْ إِلَى نَارٍ مُخَلَّدَةٍ! إِذَا كَانَ الْقَبْرُ نَفْسُهُ — الَّذِي يَمْكُثُ فِيهِ الْبَشَرُ آلافَ السِّنِينَ — مُجَرَّدَ (زِيَارَةٍ)، فَمَا حَجْمُ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي لَا تَتَجَاوَزُ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً فِي أَعْمَارِنَا؟! إِنَّهَا أَقَلُّ مِنْ سَاعَةٍ فِي عُمُرِ الزَّمَنِ! فَهَلْ يَعْقِلُ لِإِنْسَانٍ عَاقِلٍ — لِشَابٍّ يَمْلِكُ ذَكَاءً وَطَاقَةً — أَنْ يُلْهِيَهُ لَعِبُ سَاعَةٍ عَنْ نَعِيمِ أَبَدٍ كَامِلٍ؟! هَلْ نَبِيعُ الْخُلُودَ مِنْ أَجْلِ (لَايْك) أَوِ انْتِبَاهٍ مُزَيَّفٍ فِي عَالَمٍ افْتِرَاضِيٍّ؟!
إِخْوَتِي الأَحِبَّةَ، دَعُونِي أَسْتَحْضِرُ لَكُمْ شَابًّا كَانَ يَعِيشُ قِمَّةَ (التَّكَاثُرِ) الدُّنْيَوِيِّ بِمَعَايِيرِ زَمَانِهِ، ثُمَّ أَدْرَكَ الْحَقِيقَةَ. إِنَّهُ الْبَطَلُ الشَّابُّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ — رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. كَانَ مُصْعَبٌ شَابًّا فِي رَيْعَانِ عُمُرِهِ، كَانَ "فَتَى مَكَّةَ الْمُدَلَّلَ". كَانَ يَمْلِكُ أَفْضَلَ الثِّيَابِ الْمُسْتَوْرَدَةِ مِنَ الشَّامِ وَالْيَمَنِ، وَكَانَ يَتَعَطَّرُ بِأَغْلَى الْعُطُورِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ مُصْعَبًا مَرَّ مِنْ هَذَا الشَّارِعِ مِنْ بَقَاءِ رَائِحَةِ عِطْرِهِ فِيهِ! هَذَا هُوَ (التَّكَاثُرُ) التَّامُّ. لَكِنَّ هَذَا الشَّابَّ الدَّكِيَّ، حِينَ سَمِعَ آيَاتِ الْقُرْآنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حِينَ سَمِعَ عَنِ اللهِ وَعَنِ الدَّارِ الْآخِرَةِ، أَدْرَكَ فَوْرًا بِعَقْلِهِ النَّيِّرِ أَنَّ كُلَّ هَذَا النَّعِيمِ الْمَادِّيِّ مُجَرَّدُ أَوْهَامٍ زَائِلَةٍ. أَسْلَمَ مُصْعَبٌ. وَمَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ؟ حَرَمَتْهُ أُمُّهُ مِنْ كُلِّ ثَرَوَاتِهِ، وَطَرَدَتْهُ، فَتَرَكَ الثِّيَابَ الْحَرِيرِيَّةَ، وَتَرَكَ الْعُطُورَ وَالرَّفَاهِيَةَ، وَاخْتَارَ طَرِيقَ اللهِ. أَرْسَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَأَوَّلِ دَاعِيَةٍ، سَفِيرًا إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ... وَهُوَ شَابٌّ فِي مُقْتَبَلِ الْعُمْرِ لَمْ يَتَجَاوَزْ الثَّلَاثِينَ! هَذَا الشَّابُّ الْوَاحِدُ — بِيَقِينِهِ لَا بِأَمْوَالِهِ — أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ سَادَةُ الْمَدِينَةِ؛ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَغُيِّرَ مَجْرَى التَّارِيخِ! وَفِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، يَسْقُطُ مُصْعَبٌ شَهِيدًا مُضَرَّجًا بِدِمَائِهِ الدَّافِئَةِ. وَيَقِفُ النَّبِيُّ ﷺ يَبْكِي عِنْدَ رَأْسِهِ، يَقِفُ أَصْحَابُهُ لِيُكَفِّنُوهُ، فَلَا يَجِدُونَ مَعَهُ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا يَلِيقُ بِهِ! لَمْ يَجِدُوا سِوَى بُرْدَةٍ صَغِيرَةٍ (قِطْعَةِ قُمَاشٍ قَصِيرَةٍ)، إِذَا غَطَّوْا بِهَا رَأْسَهُ انْكَشَفَتْ قَدَمَاهُ، وَإِذَا غَطَّوْا قَدَمَيْهِ انْكَشَفَ رَأْسُهُ! فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَأَنْ يَضَعُوا عَلَى قَدَمَيْهِ حَشِيشَ الْإِذْخِرِ (نَبَاتًا مِنَ الْأَرْضِ)! تَخَيَّلُوا!! أَنْعَمُ شَبَابِ مَكَّةَ، يُكْفَنُ فِي نَبَاتٍ مِنَ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قُمَاشًا يَسْتُرُهُ! هَلْ خَسِرَ مُصْعَبٌ؟ هَلْ ضَاعَ مُسْتَقْبَلُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ (التَّكَاثُرَ)؟ وَاللهِ، لَقَدْ رَبِحَ الْبَيْعَ! لَقَدْ تَرَكَ عِطْرَ مَكَّةَ لِيَنَالَ رَائِحَةَ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى، وَتَرَكَ حَرِيرَ الدُّنْيَا لِيَلْبَسَ حَرِيرَ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. يَا إِخْوَتِي، ثُمَّ يَقُولُ رَبُّنَا فِي السُّورَةِ لِيُوقِظَنَا صَدْمَةً بَعْدَ صَدْمَةٍ: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ۝ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ۝ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. مَا هُوَ (عِلْمُ الْيَقِينِ)؟ كُلُّنَا هُنَا — فِي هَذَا الْمَجْلِسِ — نَعْرِفُ أَنَّنَا سَنَمُوتُ، نُؤْمِنُ أَنَّ هُنَاكَ جَنَّةً وَنَارًا، وَأَنَّ هُنَاكَ حِسَابًا. لَكِنْ لِمَاذَا لَا يُؤَثِّرُ هَذَا الْإِيمَانُ فِي تَبَرُّجِ بَعْضِنَا، وَفِي تَفْرِيطِ بَعْضِنَا فِي صَلَوَاتِهِ، وَفِي اسْتِغْرَاقِنَا فِي الْمُحَرَّمَاتِ؟ لِأَنَّهُ (مَعْلُومَةٌ) فِي الرَّأْسِ، وَلَيْسَ (يَقِينًا) فِي الْقَلْبِ! كُلُّ الْمُدَخِّنِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ التَّدْخِينَ يَقْتُلُ، لَكِنَّهُمْ يُدَخِّنُونَ! الْمَعْلُومَةُ وَحْدَهَا لَا تُغَيِّرُ الْإِنْسَانَ... (الْيَقِينُ) هُوَ الَّذِي يُغَيِّرُ. اللهُ يُخْبِرُنَا أَنَّ هَذَا السِّتَارَ الدُّنْيَوِيَّ سَيَنْقَشِعُ غَدًا... سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ حِينَ تَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ! حِينَهَا لَنْ يَنْفَعَكَ أَلْفُ صَدِيقٍ عَلَى فَيْسْبُوك، وَلَنْ يُغْنِيَ عَنْكَ لُعْبَةٌ تَحَدَّيْتَ فِيهَا أَصْدِقَاءَكَ، وَلَنْ تَسْتُرَكِ مَارْكَةُ حَقِيبَةٍ تَبَاهَيْتِ بِهَا! هُنَاكَ... ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ كِفَاحًا بِأَعْيُنِكُمْ... هُنَاكَ نَنْتَقِلُ مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى (عَيْنِ الْيَقِينِ)!
ثُمَّ تَأْتِي الْخَاتِمَةُ الْمُرْعِبَةُ، وَالَّتِي لَطَالَمَا أَبْكَتِ الصَّالِحِينَ مِنَ السَّلَفِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. يَا شَبَابَ الْإِسْلَامِ، عَنْ أَيِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ خَرَجَ يَوْمًا هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ — وَهُمْ جِيَاعٌ قَدْ رَبَطُوا الْحِجَارَةَ عَلَى بُطُونِهِمْ — فَأَطْعَمَهُمْ أَحَدُ الْأَنْصَارِ بَعْضَ الرُّطَبِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ فِي ظِلِّ نَخْلَةٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). إِذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَصَاحِبَاهُ سَيُسْأَلُونَ عَنْ تَمَرَاتٍ وَمَاءٍ بَارِدٍ سَدُّوا بِهِ جُوعَهُمْ... فَبِاللهِ عَلَيْكُمْ، مَاذَا سَنَقُولُ نَحْنُ لِرَبِّنَا؟! عَنْ نَعِيمِ الْأَمْنِ الَّذِي سُلِبَ مِنْ إِخْوَتِنَا وَنَحْنُ نَتَقَلَّبُ فِيهِ؟ عَنْ نَعِيمِ الشَّبَابِ وَالطَّاقَةِ الَّذِي بَذَّرْنَاهُ فِي السَّهَرِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ؟ عَنْ نَعِيمِ الْبَصَرِ الَّذِي أَطْلَقْنَاهُ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ عَلَى شَاشَاتِ الْهَوَاتِفِ؟ عَنْ نَعِيمِ الْوَقْتِ الْفَارِغِ؟ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). سَتَقِفُ أَمَامَ اللهِ — وَحْدَكَ، لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ — وَيَسْأَلُكَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ»... بِمَ سَنُجِيبُ؟ هَلْ سَنَقُولُ أَبْلَيْنَاهُ فِي (التَّكَاثُرِ) الدُّنْيَوِيِّ الْفَارِغِ الْمُزَيَّفِ؟! إِخْوَتِي الْأَحِبَّةَ، إِنَّ دِينَنَا لَا يَقُولُ لَكُمْ: تَرَهْبَنُوا وَلَا تَبْتَسِمُوا وَلَا تَلْبَسُوا جَمِيلًا. أَبَدًا! إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ الطَّيِّبَ وَيَلْبَسُ الْحَسَنَ. لَكِنَّ الْقَضِيَّةَ أَلَّا يَدْخُلَ هَذَا إِلَى (الْقَلْبِ)! أَلَّا يَكُونَ هُوَ (الْهَدَفَ). كُنْ أَنِيقًا، كُنْ طَمُوحًا فِي دِرَاسَتِكَ وَعَمَلِكَ، كُنْ أَغْنَى النَّاسِ إِنْ شِئْتَ مِنْ حَلَالٍ... لَكِنْ إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ عَبْدًا لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ. إِيَّاكَ أَنْ تَنْسَى أَنَّكَ خُلِقْتَ لِمُهِمَّةٍ أَعْلَى، لِعِبَادَةِ اللهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، وَنُصْرَةِ أُمَّتِكَ، وَبِنَاءِ مَقْعَدِكَ فِي فِرْدَوْسِ رَبِّكَ. أَسْمَحُوا لِي أَنْ أَسْأَلَكُمْ سُؤَالًا أَخِيرًا: مَنْ قَالَ لَكُمْ إِنَّكُمْ عَاجِزُونَ؟ مَنْ أَقْنَعَكُمْ أَنَّكُمْ مُجَرَّدُ (أَرْقَامٍ مُسْتَهْلِكَةٍ) لَا قِيمَةَ لَكُمْ إِلَّا بِمَا تَشْتَرُونَهُ أَوْ تَلْبَسُونَهُ؟ هَذَا كَذِبُ الْمَنْظُومَةِ الَّتِي تُرِيدُ تَخْدِيرَكُمْ. أَنْتُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ! أَنْتُمُ الشَّبَابُ الَّذِينَ يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ. فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ...» وَمِنْهُمْ: «وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ». شَابٌّ نَشَأَ فِي وُسْطِ فِتَنِ هَذَا الزَّمَانِ، حَيْثُ الْحَرَامُ مُتَاحٌ بِضَغْطَةِ زِرٍّ، وَالسُّخْرِيَةُ مِنَ الدِّينِ تُحِيطُ بِهِ، لَكِنَّهُ قَبَضَ عَلَى إِيمَانِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، وَقَالَ: يَا رَبِّ، تَرَكْتُ كُلَّ هَذَا مِنْ أَجْلِكَ. هَذَا الشَّابُّ هُوَ بَطَلُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ! هُوَ الَّذِي يَظَلُّهُ اللهُ يَوْمَ تَحْتَرِقُ الرُّؤُوسُ مِنَ الشَّمْسِ. فَأَوْصِيكُمْ — قَبْلَ أَنْ أُنْهِيَ حَدِيثِي هَذَا — بِخُطُوَاتٍ عَمَلِيَّةٍ، بِخَمْسِ وَصَايَا خُذُوهَا مَعَكُمْ اللَّيْلَةَ وَلَا تُؤَجِّلُوهَا لِلْغَدِ: الْأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): جَدِّدْ نِيَّتَكَ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ. قُلْ فِي قَلْبِكَ: يَا رَبِّ، تُبْتُ إِلَيْكَ مِنْ غَفْلَتِي، وَمِنْ لَهْوِي الَّذِي أَبْعَدَنِي عَنْكَ. نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ صَادِقَةٌ قَدْ تَمْحُو جِبَالَ الْغَفْلَةِ الْمَاضِيَةِ، فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الشَّابَّ التَّائِبَ. الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): اجْعَلْ لِنَفْسِكَ وِرْدًا مِنَ الذِّكْرِ لَا تَتْرُكْهُ أَبَدًا. قَبْلَ أَنْ تَنَامَ، اغْسِلْ هُمُومَ (التَّكَاثُرِ) عَنْ عَقْلِكَ بِقَوْلِ "أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ" مِئَةَ مَرَّةٍ، سَتَجِدُ أَثَرَهَا سَكِينَةً فِي قَلْبِكَ لَا تُشْتَرَى بِالْمَالِ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ): افْتَحْ هَاتِفَكَ اللَّيْلَةَ قَبْلَ النَّوْمِ، وَقُمْ بِـ(حَمْلَةِ تَنْظِيفٍ) صَارِمَةٍ. أَلْغِ مُتَابَعَةَ الْحِسَابَاتِ الَّتِي لَا تَزِيدُكَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا (تَكَاثُرًا) وَغَفْلَةً؛ الْحِسَابَاتِ الَّتِي تُشْعِرُكَ بِنَقْصِ مَالِكَ، أَوْ تَدْعُوكَ لِلتَّفَاهَةِ. اسْتَبْدِلْ بِهَا مَا يَبْنِي عَقْلَكَ وَيُقَرِّبُكَ مِنْ رَبِّكَ. الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): ارْحَمْ وَالِدَيْكَ مِنْ هَذَا (التَّكَاثُرِ). لَا تُثْقِلْ كَاهِلَهُمَا بِمَطَالِبَ مُسْتَمِرَّةٍ فَقَطْ لِتُجَارِيَ أَصْدِقَاءَكَ فِي اللِّبَاسِ أَوِ الْأَجْهِزَةِ. اكْتَفِ بِمَا قَسَمَهُ اللهُ، وَقَبِّلْ أَيْدِيَهُمَا عَلَى مَا قَدَّمَاهُ لَكَ، فَبِرُّكَ لَهُمَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ مَلَايِينِ التَّكَاثُرِ. الْخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): كُلَّمَا رَأَيْتَ قَلْبَكَ يَسْتَغْرِقُ فِي الدُّنْيَا، وَيَغْتَمُّ لِفَوَاتِ شَيْءٍ فِيهَا، اقْرَأْ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ۝ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. خُصَّصْ خَمْسَ دَقَائِقَ فَقَطْ تَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي أَنَّكَ زَائِرٌ، وَأَنَّ الزَّائِرَ يَرْحَلُ قَرِيبًا إِلَى دَارِهِ الْأَبَدِيَّةِ، فَلْتَكُنْ حَقِيبَتُكَ מليئة بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لَا بِالْأَوْهَامِ. إِخْوَتِي الْأَحِبَّةَ، أَنْتُمْ أَمَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. أَنْتُمُ الَّذِينَ إِذَا اسْتَيْقَظْتُمْ، اسْتَيْقَظَ النُّورُ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا. لَا تَرْضَوْا أَنْ تَكُونُوا هَامِشًا فِي التَّارِيخِ، وَقَدْ أَرَادَكُمْ اللهُ أَنْ تَكُونُوا رِجَالًا وَنِسَاءً يُعِيدُونَ لِلْأَرْضِ طَهَارَتَهَا وَلِلسَّمَاءِ وَصْلَهَا. اللَّهُمَّ رُدَّ شَبَابَ الْأُمَّةِ إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا. اللَّهُمَّ أَيْقِظْ قُلُوبَنَا مِنْ غَفْلَةِ التَّكَاثُرِ، وَارْزُقْنَا يَقِينَ الْإِيمَانِ الَّذِي نَرَى بِهِ الْحَقَائِقَ قَبْلَ أَنْ نَرَى الْجَحِيمَ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ الضَّعْفَ وَالْفِتَنَ الَّتِي تُحِيطُ بِنَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَثَبِّتْ قُلُوبَنَا، وَاحْفَظْ أَعْيُنَنَا، وَنَقِّ سَرَائِرَنَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْ شَبَابَنَا مُسَخَّرًا فِي طَاعَتِكَ، وَطَاقَاتِنَا مَبْذُولَةً فِي مَرْضَاتِكَ، وَارْزُقْنَا هِمَّةً كَهِمَّةِ مُصْعَبَ وَصَحَابَةِ نَبِيِّكَ الأَخْيَارِ. اللَّهُمَّ كُنْ لِإِخْوَتِنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي غَزَّةَ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، أَنْزِلْ عَلَيْهِمْ سَكِينَتَكَ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَفْرِغْ عَلَيْهِمْ صَبْرًا يَتَعَجَّبُ مِنْهُ أَهْلُ الْأَرْضِ. اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهْوِ الَّذِي يُسْخِطُكَ، وَقَرِّبْنَا مِنْ كُلِّ عَمَلٍ يُدْنِينَا مِنْ حُبِّكَ وَجَنَّتِكَ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. 🌿 هُنَا يَنْتَهِي الْقَلَمُ، وَهُنَا تَبْدَأُ مَسْؤُولِيَّتُكَ أَيُّهَا الْخَطِيبُ. هَذَا نَصٌّ صَاغَهُ نَمُوذَجٌ آلِيٌّ، وَالْآلَةُ تُحْسِنُ وَتُسِيءُ. فَلَا تَأْمَنْ لَهَا إِلَّا بَعْدَ تَحَقُّقٍ — رَاجِعْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَامْزُجْهَا بِقَلْبِكَ وَتَجْرِبَتِكَ، فَالْمِنْبَرُ مِيزَانٌ يَوْمَ الْحِسَابِ. وَإِنْ أَرَدْتَ صَقْلَ هَذِهِ الْخُطْبَةِ فَحَدِّدْ طَلَبَكَ بِدِقَّةٍ، تَنَلْ مَا يُلَائِمُ مِنْبَرَكَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.