من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

عشر ذي الحجة للعامل المشغول: اغتنام الوقت المتاح

مشاركة
🕌 عشر ذي الحجة للعامل المشغول: اغتنام الوقت المتاح #خطبة_جمعة #عشر_ذي_الحجة #العمل_والعبادة #اغتنام_الأوقات #النية #إيمانيات #فضل_الأعمال الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ في تَوالِي الأيَّامِ والمَواسِمِ مَتجَرًا للرَّابحين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَرَعَ العِبادةَ في كُلِّ حالٍ لِيَرحَمَ العامِلين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَّقينَ وقُدوَةُ السَّاعينَ في مَناكبِ الأرضِ والمُتَوَكِّلين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: أيها الإخوة الأحبَّة، تَسمَعون في هذه الأيَّامِ خُطَباءَ المَنابر، ومَواعظَ النَّاصحين، يَتَحَدَّثونَ عن عَظَمَةِ عَشرِ ذي الحِجَّة. يَتَحَدَّثونَ عن صِيامِ نَهارِها، وقِيامِ لَيلِها، والخَلوَةِ بالقرآن، والانقِطاعِ في المَساجد. ثمَّ يَعودُ أحَدُنا إلى نَفسِه، يَنظُرُ في جَدولِ يَومِه، فيَجِدُ نفسَهُ يَخرُجُ من بَيتِه قَبلَ طُلوعِ الشَّمس، يَقضي السَّاعاتِ الطِّوالَ في زِحامِ الطُّرُقات، ويَقِفُ ثَمانيَ أو عَشرَ ساعاتٍ في مَقرِّ عَمَلِه، بينَ ضُغوطِ المُديرينَ ومَطالبِ المُراجِعين. يَعودُ إلى بَيتِه مَساءً مَكدودَ الجَسَد، مُرهَقَ العَقل، لا يَكادُ يَسنِدُ ظَهرَهُ حتَّى يَغلِبَهُ النَّوم. في هذه اللَّحظَة، قد يَتَسَلَّلُ الشَّيطانُ إلى قَلبِ هذا العامِلِ المَشغول، ليَهمِسَ في أُذُنِه: "هذه المَواسِمُ العَظيمَةُ لَيسَت لَك! هذه لِلمُتَفَرِّغين، للمُتَقاعِدين، لأهلِ الفَراغ. أمَّا أنتَ، فقد ضاعَ مِنكَ الأجر، وحُرِمتَ الفَضل". فهل هذا صَحيح؟ هل دِينُنا دِينُ المُتَفَرِّغينَ فقط؟ هل جَعَلَ اللهُ أبوابَ رَحمَتِه حِكراً على مَن جَلَسَ في المَسجدِ وتركَ السَّعيَ في الأرض؟ يا عبادَ الله، واسمَعوها بقلوبكم: إنَّ ربَّكم أرحَمُ بكُم من أن يَفرِضَ عليكُم واقِعاً، ثمَّ يَحرِمَكُم الأجرَ بسَبَبِه. يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى في مُحكَمِ التَّنزيل مُقسِماً بهذه الأيَّام: ﴿وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]. أَقسَمَ بها لِعَظَمَتِها، ولم يَشتَرِطْ لِلفَوزِ فيها أن تَترُكَ عَمَلَك وتَعتَزِلَ النَّاس. بل قالَ في آيةٍ أُخرى تُبَيِّنُ مَنهَجَ الإسلامِ في الرَّبطِ بينَ الدُّنيا والآخِرة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]. تأمَّلوا! الانتشَارُ في الأرضِ لِطَلَبِ الرِّزقِ مَقرونٌ بِذِكرِ الله. هذا هو المُسلِمُ الحقيقيّ؛ قَلبُهُ في السَّماء، ويَداهُ تَعمَلانِ في طِينِ الأرض. واسمَعوا لِهذا الحديثِ العَظيمِ الذي يَحفَظُهُ كَثيرٌ مِنكُم، وفيهِ مِفتاحُ الفَهم. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «ما مِن أيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فيها أحَبُّ إلى اللهِ مِن هذه الأيَّام» يَعني أيَّامَ العَشر. قالوا: يا رسولَ الله، ولا الجِهادُ في سَبيلِ الله؟ قال: «ولا الجِهادُ في سَبيلِ الله، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بنَفسِه ومالِه، فَلَم يَرجِعْ مِن ذلك بشَيء» (رواه البخاري). قِفوا هُنا لَحَظَة. النَّبيُّ ﷺ قال: "العَمَلُ الصَّالِح". كَلِمَةٌ عامَّةٌ مُطلَقَة. لم يَقُل "الصِّيامُ فيها أحَبُّ إلى الله"، ولم يَقُل "القِيامُ فيها أحَبُّ إلى الله"، بل قال "العَمَلُ الصَّالِح". فهل عَمَلُكَ الذي تَكدَحُ فيهِ لِتُطعِمَ أولادَك لَيسَ عَمَلاً صالِحاً؟ هل سَعيُكَ لِقَضاءِ حَوائِجِ النَّاسِ لَيسَ عَمَلاً صالِحاً؟ يُقَرِّرُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ مَعنىً عَظيماً في مَدارِجِ السَّالكين، يَقولُ رَحِمَهُ الله: "إنَّ العارِفَ يَسيرُ إلى اللهِ وهو نائمٌ على فِراشِه، والجَاهِلَ مَقطوعٌ عَنِ اللهِ وهو قائمٌ في صَلاتِه". كيف ذلك؟ إنَّهُ السِّرُّ الذي يُحَوِّلُ التُّرابَ إلى ذَهَب.. إنَّها "كيمياءُ النِّيَّة". يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات، وإنَّما لِكُلِّ امرئٍ ما نَوى» (متفق عليه). بهذه النِّيَّة، تَستَطيعُ أيُّها الموظَّف، وأيُّها العامِل، وأيُّها التَّاجر، أن تُحَوِّلَ ساعاتِ عَمَلِكَ الثَّمانيَ إلى ثَماني ساعاتٍ منَ العِبادَةِ الخالِصَةِ المُضاعَفَةِ في أيَّامِ العَشر. حينَ تَخرُجُ من بَيتِك، قُل في نَفسِك: "يا رَبّ، أنا أخرُجُ لِأَعِفَّ نَفسي عَنِ السُّؤال، ولِأُطعِمَ زَوجَتي وأبنائي حَلالاً، ولِأَخدِمَ مُجتَمَعي، ولِأَقضي حَوائِجَ عِبادِك". إذا قُلتَ هذا بصدق، فكلُّ خُطوَةٍ تَخطوها هي في سَبيلِ الله. ألا تَذكُرونَ قِصَّةَ ذلكَ الرَّجُلِ الذي رآهُ الصَّحابَةُ؟ رَأَوا شَابّاً جَلْداً قَوِيّاً يُسرِعُ إلى عَمَلِه، فَقالوا: "يا رَسولَ الله، لو كانَ هذا في سَبيلِ الله!" (أي: لو أنَّ شَبابَهُ وقُوَّتَهُ في الجِهاد). فماذا أَجابَهُمُ المُعَلِّمُ الأوَّلُ ﷺ؟ صَحَّحَ لَهُمُ المَفهومَ الضَّيِّقَ لِلعِبادَة، وقال: «إن كانَ خَرَجَ يَسعى على وَلَدِهِ صِغاراً فَهُوَ في سَبيلِ الله، وإن كانَ خَرَجَ يَسعى على أبَوَينِ شَيخَينِ كَبيرَينِ فَهُوَ في سَبيلِ الله، وإن كانَ خَرَجَ يَسعى على نَفسِهِ يَعِفُّها فَهُوَ في سَبيلِ الله...» (رواه الطبراني بإسناد صحيح). أرأيتُم يا عبادَ الله؟ سَعيُكَ على أولادِكَ في هذه الأيَّامِ العَشرِ هو أعظَمُ عِبادَةٍ تَتَقَرَّبُ بها إلى الله، إذا صَلَحَتِ النِّيَّة، واتَّقَيتَ اللهَ في عَمَلِك. قالَ تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]. ولَعَلَّكُم تَسأَلون: إذا كانَ العَمَلُ عِبادَةً بالنِّيَّة، فَكَيفَ نَحصُلُ على الفَضلِ الخاصِّ بِذِكرِ اللهِ في هذه الأيَّام؟ كيفَ نُنافِسُ المُتَفَرِّغينَ للقُرآنِ والمَساجِد؟ الجَوابُ عِندَ اللهِ في قَولِه: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 37]. تَأمَّلوا هذه الآيَة! اللهُ سُبحانَهُ لم يَمدَح أقواماً جالِسينَ في المَسجِدِ تارِكينَ للتِّجارَة. بَل مَدَحَ "رِجالاً" عِندَهُم "تِجارَةٌ وبَيعٌ"، أي أنَّهُم في الأسواقِ وأماكِنِ العَمَل، تَمُرُّ الأموالُ بَينَ أيديهِم، والنَّاسُ مِن حَولِهِم، ومع ذلك... قُلوبُهُم وألسِنَتُهُم لا تَغفُلُ عن ذِكرِ الله. هذا هو الفَرقُ بَينَ العادِيِّ والمُتَمَيِّز! بَينَما أنتَ تَقودُ سَيَّارَتَكَ في زِحامِ الصَّباح، وهُوَ وَقتٌ مَهدورٌ لَدى الكَثيرين، يُمكِنُكَ أن تَجعَلَهُ وَقتَ حَصادٍ لا يُقَدَّرُ بِثَمَن. قُل: "اللهُ أكبَر، اللهُ أكبَر، لا إلهَ إلَّا الله، اللهُ أكبَر، اللهُ أكبَر، وللهِ الحَمد". التَّكبيرُ المُطلَقُ هو شِعارُ هذه الأيَّام، وهو عِبادَةُ "المُفَرِّدين". قالَ النَّبيُّ ﷺ: «سَبَقَ المُفَرِّدُونَ». قالوا: وما المُفَرِّدُونَ يا رسولَ الله؟ قال: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثيرًا والذَّاكِرات» (رواه مسلم). والمُفَرِّدُ هُنا هُوَ الذي حَرَّكَ لِسانَهُ بِذِكرِ اللهِ بَينَما النَّاسُ في غَفلَة، في السُّوق، في العَمَل، في الطَّريق. قالَ أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ عنه: "إنِّي لَأُجَهِّزُ جَيشي وأنا في الصَّلاة". هكذا يَكونُ المُسلِم! الجَسَدُ يَعمَلُ ويُخَطِّط، والقَلبُ مُعَلَّقٌ بِرَبِّ العالَمين. وأعظَمُ مِثالٍ في التَّاريخِ لِرَجُلٍ حَبَسَتْهُ أعذارُهُ وواجِباتُهُ عن لُقيا النَّبيِّ ﷺ، ومع ذلكَ بَلَغَ مَبلَغاً لم يَبلُغْهُ كِبارُ التَّابِعين. إنَّهُ أُوَيسٌ القَرَنِيّ. رَجُلٌ أدرَكَ زَمَنَ النَّبيِّ ﷺ في اليَمَن، وكانَ يَحَرِقُهُ الشَّوقُ لِرُؤيَتِه والهجرَةِ إلَيه، ولَكِن كانَت لَهُ أُمٌّ عَجوزٌ تَحتاجُ لِرِعايَتِه وكَسْبِه. مَنَعَهُ "واجِبُ العَمَلِ والبِرّ" مِن أن يَنالَ شَرَفَ الصُّحبَة. فَهَل خَسِر؟ هل قال: ضاعَ مِنِّي الأجرُ لِأنِّي مَشغول؟ لا والله! بَل قامَ بِواجِبِ وَقتِه، ورَضِيَ بِمُقامِهِ الذي أقامَهُ اللهُ فيه، وأخلَصَ النِّيَّة. فماذا كانَتِ النَّتيجَة؟ أخبرَ النَّبيُّ ﷺ أصحابَهُ عنه، وقال لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ — وهو مَن هُوَ —: «إنَّ خَيرَ التَّابِعينَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ أُوَيس... لَهُ والِدَةٌ هُوَ بِها بَرٌّ، لَو أَقسَمَ على اللهِ لَأَبَرَّه، فَإنِ استَطَعتَ أن يَستَغفِرَ لَكَ فَافعَل» (رواه مسلم). تَخيَّلوا! عُمَرُ بنُ الخَطَّاب، مُبَشَّرٌ بالجَنَّةِ وفاروقُ الأُمَّة، يَطلُبُ الاستِغفارَ مِن رَجُلٍ مَشغولٍ بِخِدمَةِ أُمِّه في أقاصي اليَمَن. لِماذا؟ لأنَّ العِبادَةَ لَيسَت كَثرَةَ الفَراغ، بَل هيَ صِدقُ التَّوَجُّهِ إلى اللهِ في المَكانِ الذي أقامَكَ فيه. أيُّها الموظَّفُ الكَريم، وأيُّها العامِلُ المُبارَك... إنَّ حُسنَ خُلُقِكَ في عَمَلِك، وتَبَسُّمَكَ في وَجهِ مُراجِعٍ غاضِب، وإتقانَكَ لِمُهِمَّتِك، كُلُّهُ مَكتوبٌ لَكَ في هذه الأيَّامِ العَشرِ مُضاعَفاً. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «تَبَسُّمُكَ في وَجهِ أخيكَ لَكَ صَدَقَة» (رواه الترمذي). وَيَقول: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذا عَمِلَ أحَدُكُم عَمَلاً أن يُتقِنَه» (رواه البيهقي وهو حسن). كيفَ تَتَحَسَّرُ على أنَّكَ لم تَستَطِع أن تَصومَ وتَقرَأَ أجزاءً مِنَ القُرآن، وأنتَ يُمكِنُكَ أن تَبتَسِمَ، وأن تُتقِن، وأن تَذكُرَ الله، وأن تَغُضَّ بَصَرَك، وأن تَحفَظَ لِسانَكَ عن الغِيبَةِ في مَجلِسِ العَمَل؟ أَلَيسَ كُلُّ هذا مِن صَميمِ الدِّين؟ قالَ الإمامُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "إنَّ قَوماً لَهاهُمُ الأَمَلُ والمُنى حتَّى خَرَجوا مِنَ الدُّنيا ولا عَمَلَ لَهُم... إنَّما الإيمانُ ما وَقَرَ في القَلبِ وصَدَّقَهُ العَمَل". فيا مَن تُرهِقُهُ الحَياة... لا تَظُنَّ أنَّ أبوابَ الجَنَّةِ مُوصَدَةٌ أمامَك. إذا قُمتَ في صَبيحَةِ هذه الأيَّام، فَجَدِّد نيَّتَك. اجعَل نَفَسَكَ كُلَّهُ لله. وإذا جَلَستَ خَلفَ مَكتَبِك، أو وراءَ عِجلَةِ قِيادَتِك، أو في مَتجَرِك، فَليَكُن لِسانُكَ رَطباً بِذِكرِ الله. ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. ألَا إنَّ القَليلَ مَعَ صِدقِ النِّيَّةِ والذِّكرِ الخَفِيِّ، قَد يَسبِقُ الكَثيرَ مَعَ الغَفلَة. فاستَعينوا باللهِ ولا تَعجِزوا. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عن كَيفِيَّةِ اغتِنامِ الأيَّامِ العَشرِ للمَشغولينَ في أعمالِهِم، ووَقَفنا على أهَمِّيَّةِ النِّيَّةِ التي تُحَوِّلُ العادَةَ إلى عِبادَة، وتَأمَّلنا كَيفَ أنَّ ذِكرَ اللهِ وحُسنَ الخُلُقِ في العَمَلِ أبوابٌ عَظيمَةٌ لِلأجرِ لا تَحتاجُ إلى تَفَرُّغ. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ في أيَّامِنا هذه؟ أوصيكم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نيَّتَكَ كُلَّ صَباحٍ قَبلَ أن تُديرَ مُحَرِّكَ سَيَّارَتِك، أو تَخطُوَ خارِجَ بابِك. قُل: "اللهمَّ إنِّي أخرُجُ طَلَباً لِحَلالِك، وإعفافاً لِنَفسي وأهلي، فَاكتُبهُ لي جِهاداً وعِبادَةً في هذه الأيَّامِ المُبارَكة". النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ تُبارِكُ لَكَ في تَعبِك. الثانية (لِسانيَّة): استَثمِرِ "الوَقتَ المَيِّت". وَقتُ استِعدادِك، وَقتُ قِيادَتِكَ لِلسَّيَّارة، وَقتُ انتِظارِك. اجعَلها خَصيصاً لِلتَّكبير: "اللهُ أكبَر، اللهُ أكبَر، لا إلهَ إلَّا الله، اللهُ أكبَر، اللهُ أكبَر، وللهِ الحَمد". الذِّكرُ لا يَحتاجُ إلى وُضوءٍ ولا إلى قِبلَة، وهُوَ أثقَلُ ما يُوضَعُ في الميزان. الثالثة (عَمَليَّة): صُم يَومَ عَرَفَة، حتَّى وإن كُنتَ في عَمَلِك. هُوَ يَومٌ واحِدٌ فَقَط في السَّنَة، قالَ عَنهُ النَّبيُّ ﷺ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ والباقِيَة» (رواه مسلم). اصبِر عَلى ظَمَئِه وتَعَبِه، فَإنَّ الأجرَ على قَدرِ المَشَقَّة. الرابعة (اجتماعيَّة): عُد إلى بَيتِكَ حامِلاً الفَرَحَ رَغمَ الإرهاق. لا تَجعَل زَوجَتَكَ وأولادَكَ يَدفعونَ ضَريبَةَ تَعَبِك. سَلامٌ حارٌّ، وكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ تُلقيها على أهلِكَ وأنتَ مُتعب، هي مِن أعظَمِ القُرُباتِ في هذه العَشر، فـ«خيرُكم خيرُكم لأهلِه». الخامسة (موضوعيَّة): استَقطِع جُزءاً يَسيراً مِن راتِبِكَ أو مالِكَ، واجعَلهُ صَدَقَةَ سِرٍّ في هذه الأيَّام. حَوِّل مَبلَغاً صَغيراً إلى جِهَةٍ مَوثوقَة، أو تَبَرَّع لِمُحتاجٍ في طَريقِك. ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ [النساء: 147]. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على اغتنام الأوقات وإن ضاقت، وإخلاص النيات وإن تشعبت. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهمَّ صلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهمَّ بارِك لَنا في أوقاتِنا، وبارِك لَنا في أعمالِنا، وبارِك لَنا في أرزاقِنا. اللَّهمَّ اجعَل كَدَّنا في الحَلالِ رِفعَةً لِدرجاتِنا، وكَفَّارَةً لِسَيِّئاتِنا. اللَّهمَّ أعِنَّا في هذه الأيَّامِ العَشرِ على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عِبادَتِك، ولا تَجعَلنا من الغافِلين. اللَّهمَّ رُبَّ أشعَثَ أغبَرَ يَسعى في الأرضِ، قَلبُهُ مُعَلَّقٌ بِك.. اللَّهمَّ فَلا تَحرِمهُ أجرَ المُتَفَرِّغين، ولا فَضلَ القائِمينَ الصَّائِمين. اللَّهمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ عامَّة، واجعَل لِلمُستَضعَفينَ والمَظلومينَ والمَكروبينَ مِنَ المُؤمِنينَ فَرَجاً ومَخرَجاً، اللَّهمَّ كُن لِإخوانِنا في فِلَسطين ولِلمُستَضعَفينَ في كُلِّ مَكانٍ ناصِراً ومُعيناً. اللَّهمَّ ارزُقنا حُسنَ الخاتِمَة، وتَوَفَّنا وأنتَ راضٍ عنَّا غَيرَ غَضبان. عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.