من مكتبة مِداد الخطيب

فلسفةُ الأُضحِيَّة... دِماءٌ تُراقُ لِتَحيا القُلوب

مشاركة
🕌 فلسفةُ الأُضحِيَّة... دِماءٌ تُراقُ لِتَحيا القُلوب #خطبة_جمعة #الأضحية #عيد_الأضحى #التسليم_لله #إبراهيم_عليه_السلام #مقاصد_الشريعة #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الابتلاءَ مِحَكَّاً لِصِدقِ اليَقين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ التَّضحِيَةَ سَبيلَ المُتَّقين، وفَدى إِسماعيلَ بِذِبحٍ عَظيمٍ لِيَبقى مَنهَجاً لِلمُوَحِّدين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الحُنَفاءِ وقُدوَةُ المُسَلِّمين، الذي عَظَّمَ شَعائِرَ اللهِ وأراقَ الدِّماءَ طُهرَةً لِلقُلوبِ وقُربَةً لِرَبِّ العالَمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: تَتَكَرَّرُ المَشاهِدُ في كُلِّ عام... نَشتَري البَهائِم، ونُهريقُ الدِّماء، ونُوَزِّعُ اللُّحوم. لكن، هل سَألتُم أنفُسَكُم يَوماً: ما الذي يُريدُهُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ مِن هَذِهِ الدِّماء؟ ولِماذا جَعَلَ إزهاقَ رُوحِ بَهيمَةٍ شَعيرَةً مِن أعظَمِ شَعائِرِ دِينِه؟ هُناكَ مَعنًى عَميقٌ، وفَلسَفَةٌ رَبَّانيَّةٌ غابَت عَن كَثيرٍ مِمَّن حَوَّلوا الأُضحِيَّةَ إلى مُجَرَّدِ عادَةٍ أو مَوسِمٍ لِلَّحم. إجابَةٌ، لَو أدرَكناها، لَتَغَيَّرَت نَظرَتُنا إلى كُلِّ قَطرَةِ دَمٍ تُراقُ صَبيحَةَ العِيد... وهَذا ما سَنَقِفُ عَلَيهِ الآن. أيُّها الإخوَةُ المُؤمِنون، تَخَيَّلوا مَعي مَشهَداً مِن أهْيَبِ مَشاهِدِ التَّاريخِ البَشَريّ. شَيخٌ طاعِنٌ في السِّن، بَلَغَ مِن الكِبَرِ عِتيّاً، اشتَعَلَ رَأسُهُ شَيباً، ورُزِقَ بَعدَ شَوقٍ طَويلٍ ودُعاءٍ مَريرٍ بِوَلَدٍ صارَ قُرَّةَ عَينِه. يَكبَرُ الوَلَد، ويَبلُغُ مَعَهُ السَّعي، ويُصبِحُ سَنَدَهُ في الدُّنيا. وفي ذُروَةِ تَعَلُّقِ قَلبِ الأَبِ بِهَذا الِابن... يَأتيهِ النِّداءُ مِنَ السَّماء. لَيسَ نِداءً لِبِناءِ مَسجِد، ولا نِداءً لِهِجرَة... بَل نِداءٌ بِالذَّبح! ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾. أيُّ ابتِلاءٍ هَذا؟ وأيُّ قَلبٍ يَحتَمِلُ هَذا التَّكليف؟ هل تَأمَّلتُم يَوماً لماذا اختارَ اللهُ جَلَّ وعَلا هَذا الابتِلاءَ التَّحديد؟ يُجيبُنا الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ في تَحليلٍ يَهزُّ الوِجدان، إذ يُقَرِّرُ أنَّ إبراهيمَ الخَليلَ أخلَصَ قَلبَهُ لله، فَلَمَّا رُزِقَ بِإسماعيل، شَغَلَ حُبُّ الوَلَدِ شُعبَةً مِن قَلبِ الخَليل، والخُلَّةُ (وهي أعلَى دَرَجاتِ المَحَبَّة) مَنصِبٌ لا يَقبَلُ الشَّراكَة. فأرادَ اللهُ أن يُمَتحِنَ قَلبَ خَليلِه: هل يُقَدِّمُ حُبَّ رَبِّهِ أم حُبَّ وَلَدِه؟ لَم يَكُنِ المَطلوبُ إزهاقَ رُوحِ إسماعيل... كَلَّا، بَل كانَ المَطلوبُ إزهاقَ التَّعَلُّقِ بِغَيرِ اللهِ مِن قَلبِ إبراهيم. فَلَمَّا استَسْلَمَ الأَبُ، ورَضِيَ الِابنُ العَظيمُ قائِلاً: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، فَلَمَّا أسلَما... ارتَفَعَ الِامتحان، وجاءَ الفِداء: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. ومِن تِلكَ اللَّحظَة، ومِن ذَلِكَ الوادي المُقَدَّس، صُنِعَت فَلسَفَةُ الأُضحِيَّةِ في الإسلام. هي لَيسَت سُنَّةً نَحرِيَّةً فَحَسْب، بَل هي إعلانٌ سَنَويٌّ بِمُنازَعَةِ قَلبِكَ لِكُلِّ ما يُبعِدُكَ عَن الله. كُلُّ واحِدٍ مِنَّا عِندَهُ "إسماعيلُ" في حَياتِه... مَنصِبٌ يَتَعَلَّقُ بِه، مالٌ يَخافُ فُقدانَه، شَهوَةٌ لا يَستَطيعُ التَّخَلِّي عَنها، عَلاقَةٌ مُحَرَّمَةٌ تَأسِرُه. وسُؤالُ الأُضحِيَّةِ الجَوهَريّ: هل أنتَ مُستَعِدٌّ أن تَذبَحَ "إسماعيلَك" حُبَّاً لِرَبِّك وتَكبيراً لِأمرِه؟ عِبادَ الله، إنَّ الأُضحِيَّةَ شَعيرَةٌ ضارِبَةٌ في عُمقِ التَّاريخ، مُنذُ فَجرِ البَشَريَّة. واسمَعوا إلى أوَّلِ قُربانٍ قُدِّمَ عَلى وَجهِ الأرض، لِنَفهَمَ الدَّوافِعَ المَشروعَةَ لِهَذِهِ الشَّعيرَة. يَقولُ اللهُ تَعالى في سُورَةِ المائِدَة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾. قابيلُ وهابيل. قَدَّمَ هابيلُ أفضَلَ ما يَملِكُ مِن غَنَمِه، سَمينَةً حَسَنَة، لأنَّهُ يَعلَمُ لِمَن يُقَدِّم. بَينَما قَدَّمَ قابيلُ حُثالَةَ زَرعِه، ورَديءَ حَصادِه! فَكانَتِ النَّتيجَةُ القاطِعَة: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وهَذا الذي يُفَسِّرُ لَنا الآيَةَ العَظيمَةَ التي تَحكُمُ فَلسَفَةَ الأُضحِيَّةِ بأسرِها. قالَ سُبحانَهُ في سُورَةِ الحَجّ: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾. تَأمَّلوا هَذِهِ الكَلِمات! اللهُ الغَنيُّ الحَميد، خَالِقُ الكَونِ، لا يَحتاجُ إلى لُحومِ بَهائِمِكُم ولا إلى دِمائِها المَسفوحَة. إِذَن، ما الذي يَصعَدُ إلَيه؟ الذي يَصعَدُ إلَيهِ هو "التَّقوى". هو ذَلِكَ الشُّعورُ الذي يَملَأُ قَلبَكَ وأنتَ تَدْفَعُ مالَكَ، وأنتَ تَنتَقي الأُضحِيَّة، وأنتَ تَضَعُ السِّكِّينَ وتُكَبِّر. التَّقوى هي الَّتي تُتَرجِمُ الدَّمَ المَراقَ إلى دَرَجاتٍ تُرفَعُ في الجَنَّة. يَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ في كَلِمَةٍ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "لَيسَ الشَّأنُ أن تُهريقَ الدَّم، بَل الشَّأنُ أن تُهريقَ مَعَ الدَّمِ كُلَّ شَهوَةٍ تُغضِبُ الله". أينَ نَحنُ مِن هَذا المَعنى العَميق؟ لَقَد حَوَّلَ بَعضُ النَّاسِ في زَمانِنا الأُضحِيَّةَ إلى مُجَرَّدِ مَوسِمٍ لِلشِّواءِ والمُفاخَرَة، أو إلى عِبيءٍ اقتِصاديٍّ يَئِنُّونَ مِنه! يُجادِلُ أحَدُهُم في ثَمَنِ الأُضحِيَّة، ويَستَكثِرُ دَفعَ المِئاتِ في قُربَةٍ لله، وفي المُقابِل، يَدْفَعُ الآلافَ في هاتفٍ جَديدٍ أو سَفَرَةٍ لِلتَّرفيه! أيُعقَلُ هَذا يا أمَّةَ الإسلام؟ أيُعقَلُ أن يَبخَلَ العَبدُ عَلى رَبِّهِ الذي رَزَقَهُ مِن العَدَم، ثُمَّ يَتَبَرَّمَ مِن شَعيرَةٍ هي مِن أعظَمِ رُموزِ التَّوحيد؟ يَقولُ النَّبيُّ ﷺ فيما صَحَّ عَنه: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلاً أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، وَإِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا». واسمَعوا لِهَذا الحَديثِ العَظيمِ يا عِبادَ الله! "فَطِيبُوا بِها نَفساً". كَيفَ تَطيبُ نَفسُكَ بِمَبلَغٍ كَبيرٍ تَدفَعُه؟ تَطيبُ عِندَما تَعلَمُ أنَّكَ لا تَشتَري لَحماً، بَل تَشتَري مَغفِرَةً ورِضواناً، تَشتَري إِحياءً لِسُنَّةِ أبيكَ إبراهيم، وسُنَّةِ نَبيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ. ولِذَلِكَ كانَتِ الأُضحِيَّةُ عِندَ العُلَماءِ ذاتَ شَأنٍ عَظيم. فَقَد قَرَّرَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ وُجوبَها عَلى المُقتَدِر، وذَهَبَ الجُمهورُ مِن الشَّافِعيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلَةِ إلى أنَّها سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ تَكرَهُ تارِكُها لِلقادِرِ عَلَيها. بَل إنَّ النَّبيَّ ﷺ شَدَّدَ فيها فَقال: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (رواهُ ابنُ ماجَه وحَسَّنَه). ألا تَتَفَكَّرونَ في هَذا التَّحذيرِ الشَّديد؟ مَن وَجَدَ سَعَةً وبَخِلَ عَلى رَبِّهِ بِهَذِهِ الشَّعيرَة، فَلا قُرَّةَ عَينٍ لهُ في حُضورِ صَلاةِ العِيد! وإذا تَأمَّلنا في كِتابِ الله، نَجِدُ القُرآنَ يَقرِنُ بَينَ الصَّلاةِ والنَّحرِ في مَواضِعَ كُثر، كَما في قَولِهِ تَعالى لِنَبِيِّه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وقَولِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فما السِّرُّ في هَذا الِاقتران؟ الصَّلاةُ هي أعظَمُ العِباداتِ البَدَنيَّةِ والقَلبيَّة، والنَّحرُ هو أعظَمُ العِباداتِ المالِيَّةِ التي تَتَضَمَّنُ بَذلَ النَّفسِ والمُهجَة. فَكأنَّ اللهَ يَقولُ لَك: كَما أسْلَمتَ وَجهَكَ وجَسَدَكَ لي في الصَّلاة، فَأسْلِم مالَكَ وهَواكَ لي في النَّحر. إنَّها حالَةٌ مِن التَّسليمِ المُطلَق. واسمَعوا لِهَذا المَشهَدِ المَهيبِ مِن حَياةِ نَبِيِّكُم ﷺ. كانَ ﷺ إذا أرادَ أن يُضَحِّي، لا يُنيبُ عَنهُ أحَداً وهو قادِر، بَل كانَ يَذبَحُ بِيَدِهِ الشَّريفَة. خَرَجَ يَوماً إلى المُصَلَّى بِكَبشَينِ أملَحَينِ أقرَنَين، فَوَضَعَ رِجلَهُ عَلى صِفاحِهِما، وسَمَّى وكَبَّر، ثُمَّ ذَبَحَهُما بِيَدِه، وقال: «بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ». "اللَّهُمَّ هَذَا مِنكَ وَلَكَ". هَذِهِ هي الفَلسَفَةُ بِاختِصار. المالُ الذي اشتَرَيتُ بِهِ هَذِهِ الأُضحِيَّةَ هو مِنكَ يا رَبّ، ورِزقُكَ الذي سُقتَهُ إلَيّ... والآن، أنا أرُدُّهُ لَك، تَقَرُّباً وطاعَة. فَمِنكَ البِدايَة، وإلَيكَ النِّهايَة.
عِبادَ الله، إنَّ تَعظيمَ هَذِهِ الأُضحِيَّةِ واستِسمانَها واستِحسانَها لَيسَ إِسرافاً كَما يَدَّعي بَعضُ المَخذولينَ المُتَفَلسِفينَ في زَمانِنا، الَّذينَ يَخرُجونَ عَلَينا كُلَّ عامٍ بِدَعواتٍ ماكِرَةٍ يَقولونَ فيها: "تَصَدَّقوا بِثَمَنِ الأُضحِيَّةِ لِلفُقَراءِ خَيرٌ مِن إراقَةِ الدِّماء!". وهَذا جَهلٌ بِمَقاصِدِ الشَّريعَة ومُخالَفَةٌ صَريحَةٌ لِهَديِ السُّنَّة! لَقَد كانَ الفُقَراءُ مَوجودينَ بِكَثرَةٍ في عَهدِ النَّبيِّ ﷺ، ولَم يَقُل لِأصحابِهِ مَرَّةً واحِدَة: اتْرُكوا الأُضحِيَّةَ وَتَصَدَّقوا بِثَمَنِها! لِماذا؟ لأنَّ المَقصِدَ لَيسَ مُجَرَّدَ سَدِّ الجُوع، المَقصِدُ هو "إقامَةُ الشَّعيرَةِ وتَعظيمُها". يَقولُ اللهُ تَعالى رادّاً عَلى هَذِهِ الأوهام: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. فالتَّضحيَةُ بِعَينِها، وإسالَةُ الدَّمِ قُربَةً لله، هو المَقصودُ الأعظَم، ويَتبَعُهُ إطعامُ الفَقيرِ كَثَمَرَةٍ مِن ثِمارِ هَذِهِ العِبادَة. فيا مَن تُعِدُّونَ العُدَّةَ لِشِراءِ أضاحيكُم هَذِهِ الأيَّام... اختاروها سَليمَةً مِنَ العُيوب، طَيِّبَةً بِها نُفوسُكُم. لا تَستَرخِصوا ما تُقَدِّمونَهُ لله! وتَذَكَّروا قَولَ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُما حينَ كانَ يَقول: "يُهدون لِرَبِّهِم ما لا يَرضَونَهُ لِأنفُسِهِم! واللهِ لَو قُدِّمَ هذا لِأحَدِهِم هَديَّةً لَما قَبِلَه، فاللهُ أحَقُّ أن يُختارَ لَه". أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهَدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ عَلى نَهجِه إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بعد: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَع المَعنى العَميقِ لِلأُضحِيَّة، وكَيفَ أنَّها لَيسَت مُجَرَّدَ دَمٍ يُراق، بَل هي إِعلانٌ لِلتَّسليمِ المُطلَق، وَتَجريدٌ لِلتَّوحيد، وتَأسٍّ بِخَليلِ الرَّحمَنِ في تَقديمِ مَحَبَّةِ اللهِ عَلى كُلِّ مَحبوب، وكَيفَ أنَّ التَّقوى هي المِعيارُ الذي تَصعَدُ بِهِ الأُجورُ إلى السَّماء. والآن، ونَحنُ نَستَقبِلُ هَذِهِ العَشْرَ المُبارَكاتِ ونَستَعِدُّ لِيَومِ النَّحر، كَيفَ نُتَرجِمُ هَذِهِ الفَلسَفَةَ إلى واقِعٍ نَعيشُه؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِتَكونَ أضاحيكُم مَقبولَةً وأيَّامُكُم مُبارَكَة: الأُولى (قَلبيَّة): أخلِصوا النِّيَّةَ للهِ وَحدَهُ اليَومَ قَبلَ أن تَدفَعوا دِرهَماً في أُضحِيَّتِكُم. لا تَذبَحوا مُفاخَرَةً أمامَ الجيران، ولا خَجَلاً مِن عادَةِ المُجتَمَع، بَل قُولوا في قُلوبِكُم قَبلَ ألسِنَتِكُم: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فواللهِ إنَّ العادَةَ تَنقَلِبُ إِلى عِبادَةٍ عَظيمَةٍ بِمُجَرَّدِ تَصحِيحِ النِّيَّة. الثَّانِيَة (لِسانيَّة): أحيوا سُنَّةَ التَّكبيرِ في بُيوتِكُم وطُرُقاتِكُم وأسواقِكُم. نَحنُ في أيَّامٍ قالَ عَنها النَّبيُّ ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ». لا تَخجَلوا مِن التَّكبير، فَبِهِ تَطْمَئِنُّ القُلوبُ وتُطرَدُ الشَّياطينُ وتُعَظَّمُ الشَّعائِر. الثَّالِثَة (عَمَليَّة): اختاروا أُضحِيَّتَكُم بِعِنايَة، واستَسمِنوها واستَحسِنوها. لا تُماكِسوا وتُجادِلوا كَثيراً لِلحُصولِ عَلى الأَرخَصِ إن كانَ لَدَيكُم سَعَة! بَل ادفَعوا بِطيبِ نَفس. فهَذِهِ المَطِيَّةُ هي التي تَحْمِلُكُم عَلى الصِّراط، وهي التي تُقَدَّمُ قُرباناً لِمَلِكِ المُلوك. الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): اجعَلوا لِلفُقَراءِ والأرحامِ نَصيباً وافِراً مِنها. فَرِّحوا جاراً مُحتاجاً، وأطعِموا يَتِيماً، وصِلوا رَحِماً قاطَعتُموه. كَثيرٌ مِن العائِلاتِ المُتَعَفِّفَةِ لا تَذوقُ اللَّحمَ إلَّا في هَذا المَوسِم. وكَما قالَ ﷺ: «أيَّامُ التَّشريقِ أيَّامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكرٍ لله»، فاجعَلوا الأَكلَ مَقروناً بِسُرورٍ تُدخِلونَهُ عَلى بَيتِ مُسلِم.
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): اذبَحوا "إسماعيلَكُم" الخَفِيّ! كُلُّ واحِدٍ مِنكُم يَعْرِفُ مَرَضَ قَلبِه، والمَعصِيَةَ التي تَتَحَكَّمُ فيه، أو الشَّاشَةَ التي تَسرِقُ دينَه، أو العَلاقَةَ التي تُغضِبُ رَبَّه. خُذوا قَراراً صَارِماً اليَوم: كَما سَأُريقُ دَمَ الأُضحِيَّةِ في العِيد، سَأُريقُ هَذِهِ الخَطيئَةَ مِن حَياتي تَوبَةً لله! هَذِهِ هي التَّضحيَةُ الكُبرى. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمرَ قَصير، وأنَّ المَواسِمَ تَأتي وتَمضي، والفائِزُ مَنِ اغتَنَمَها قَبلَ فَواتِ الأوان. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيهِ، عَمَلاً بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا أُعطِيَ شَكَر، وإذا ابتُلِيَ صَبَر، وإذا أَنعَمتَ عَلَيهِ بِمالٍ بَذَلَهُ في مَراضيك. اللَّهُمَّ تَقَبَّل مِنَّا نُسُكَنا وأضاحِيَنا، واجعَلها خالِصَةً لِوَجهِكَ الكَريم، صائِبَةً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ الأَمين. اللَّهُمَّ كَما سَنَذبَحُ هَذِهِ الأنعامَ قُربَةً لَك، فاجعَلنا مِمَّن يَذبَحونَ أَهواءَهُم ونُفوسَهُم الأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ طاعَةً لَك. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِنَ الغافِلينَ في هَذِهِ الأَيَّامِ المُبارَكات، وأَعِنَّا فيها عَلى ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عِبادَتِك. اللَّهُمَّ اربُط عَلى قُلوبِ إِخوانِنا المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لِأهلِ فِلَسطينَ عوناً ونَصيراً ومُؤَيِّداً وظَهيرا، اللَّهُمَّ فَرِّج هَمَّهُم، واحقِن دِماءَهُم، واقبَل شُهَداءَهُم يا أرحَمَ الرَّاحِمين. اللَّهُمَّ اجعَل هَذا البَلَدَ آمِناً مُطمَئِنّاً، وسائِرَ بِلادِ المُسلِمين، واصرِف عَنَّا الفِتَنَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن. عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللَّهِ أكبَرُ، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.