🕌 لُصُوصُ الأعمار... وَقفَةٌ مع شاشاتِ الوَهم والتَّفاهَة
#خطبة_جمعة #حفظ_الوقت #مواقع_التواصل #التيك_توك #الأسرة #التفاهة #رقائق #تربية
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ اللَّيلَ والنَّهارَ خِلفَةً لِمَن أرادَ أن يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكُورًا، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ العُمُرَ مَيدانًا لِلتَّنافُسِ في الطَّاعات، ومَزرَعَةً لِحَصادِ الحَسَنات، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُه، أحرَصُ النَّاسِ على وَقتِه، وأعظَمُهم اغتِنامًا لِعُمُرِه، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعدُ:
تَخَيَّلوا معي رَجُلًا يَقفُ على حافَّةِ نَهر، ويَمسِكُ بكيسٍ مَليءٍ بالجَواهِر النَّادِرَة، ثم يَقومُ بإلقاءِ جَوهَرَةٍ تِلوَ الأُخرى في الماءِ دونَ مُبالاة... حتَّى يَفرَغَ الكيسُ كُلُّه! لَو رَأيناهُ لَحَكَمنا على عَقلِهِ بالضَّياع. لكن، ماذا لو قُلتُ لكم إنَّ هُناكَ مَن يَفعَلُ أشنَعَ مِن هذا كُلَّ يَوم؟ سِرٌّ خَطيرٌ وبَلاءٌ عَظيمٌ اقتَحَمَ بُيوتَنا، وسَرَقَ عُقولَنا وعُقولَ أبنائنا، ولصٌّ نُدخِلُهُ بأنفُسِنا إلى غُرَفِ نَومِنا... سَنَعرِفُهُ ونَقِفُ على خَطَرِهِ بَعدَ قَليل.
أيُّها المُسلِمون، أغلَى ما يَملِكُهُ الإنسانُ في هذه الدُّنيا لَيسَ الذَّهَبَ ولا الفِضَّة، ولا العَقاراتِ ولا الأرصِدَة... أغلَى ما تَملِكُهُ هو "أنت". وأنتَ لَستَ إلَّا مَجموعَةً مِنَ الأيَّامِ واللَّيالي. إذا ذَهَبَ يَومُكَ ذَهَبَ جُزءٌ مِنك. ولذلكَ، أرسَلَ اللهُ رِسالاتِهِ، وأنزَلَ كُتُبَهُ، ليُخاطِبَ هذا الإنسانَ ويُنَبِّهَهُ إلى قِيمَةِ رَأسِ مالِه.
واسمَعوا لِهذه الآيةِ القَصيرةِ التي نَحفَظُها جَميعًا، والتي قالَ عنها الإمامُ الشَّافِعيُّ رَحِمَهُ الله: "لَو لم يُنزِلِ اللهُ حُجَّةً على خَلقِهِ إلَّا هذه السُّورَةَ لَكَفَتهُم". يَقولُ المَولى جَلَّ وعَلا مُقسِمًا بأعظَمِ مَخلوقاتِه: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر: 1-3].
يُقسِمُ اللهُ بالزَّمان، ليُخبِرَكَ أنَّكَ في خَسارَةٍ حَتميَّةٍ مُؤَكَّدَة، إلَّا إذا استَثمَرتَ هذا الزَّمانَ في الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالِح.
ولاحِظوا التَّعبيرَ النَّبَويَّ الدَّقيقَ حِينَ يَصِفُ حالَنا معَ أوقاتِنا. قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (رواه البخاري).
لِماذا اختارَ النَّبيُّ ﷺ كَلِمَةَ "مَغبون"؟ الغَبنُ في لُغَةِ التِّجارَةِ هو أن تَبيعَ سِلعَةً غاليَةً جِدًّا بِثَمَنٍ بَخسٍ تافِه. فَمَن باعَ عُمُرَهُ الذي يُمكِنُهُ أن يَشتَريَ بهِ الفِردَوسَ الأعلَى، بَلَذَّةٍ عابِرَةٍ أو مَقطَعٍ تافِه، فَهوَ المَغبونُ حَقًّا!
عبادَ الله، لَقَدِ ابتُلينا في هذا الزَّمانِ بِبليَّةٍ لم يَعرِفها أجدادُنا، فتنةٍ صامِتَةٍ تَدخُلُ البُيوتَ بِلا استِئذان، وتَسرِقُ الأيَّامَ والسِّنينَ بابتِسامَة. إنَّها فِتنَةُ "مَواقِع التَّواصُلِ الاجتِماعي"، وبِالأَخَصِّ تِلكَ التَّطبيقاتُ المُصَمَّمَةُ لِتَدميرِ التَّركيز، وبَثِّ التَّفاهَة، كَما يُسَمَّى بِـ (التِّيك توك) وما شابَهَه مِن مَنَصَّاتِ المَقاطِعِ القَصيرَة.
هَل سَألتَ نَفسَكَ يَومًا: لِماذا تَدخُلُ إلى هذه التَّطبيقاتِ لِدَقيقَةٍ واحِدَة، لِتَتَفَقَّدَ شَيئًا، ثُمَّ تَكتَشِفُ بَعدَها أنَّ ساعَتَينِ أو ثَلاثًا قَد طارَت مِن عُمُرِك؟ هَل تَظُنُّ أنَّ هذا حَدَثَ صُدفَة؟
لا وَالله. هُناكَ آلافُ المُهَندِسينَ وعُلَماءِ النَّفسِ خَلفَ هذه الشَّاشات، يَدرُسونَ كَيفَ يُبقونَ عَينَكَ مَربوطَةً بالشَّاشَةِ أطوَلَ فَترَةٍ مُمكِنَة. تُمَرِّرُ إصبَعَكَ لِلأعلَى.. مَقطَعٌ يُضحِكُك.. ثُمَّ تُمَرِّر.. مَقطَعٌ يُثيرُ غَريزَتَك.. ثُمَّ تُمَرِّر.. شُبْهَةٌ تَضرِبُ دِينَك.. ثُمَّ تُمَرِّر.. كَذِبٌ وتَفاهَة.. والسَّاعاتُ تَمضي، والعُمُرُ يُسرَق!
يَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تَهُزُّ القُلوبَ الحَيَّة: "يا ابنَ آدَم، إنَّما أنتَ أيَّام، فإذا ذَهَبَ يَومُكَ، ذَهَبَ بَعضُك".
فَكَم مِن بَعضِكَ ذَهَبَ في تَصفُّحِ مَقاطِعَ لا تَنفَعُكَ في دِينٍ ولا دُنيا؟
أيُّها المُؤمِنون، القَضيَّةُ لَيسَت مُجَرَّدَ تَضييعِ وَقت، بَل هي أعمَقُ وأخطَر. إنَّها مَسألَةُ "صِناعَةِ التَّفاهَة" و"إماتَةِ القُلوب".
في هذه التَّطبيقات، تَتِمُّ بَرمَجَةُ عُقولِ الشَّبابِ والفَتياتِ على أنَّ القِيمَةَ في هذا الزَّمانِ لِمَن يُقَدِّمُ أسمَجَ مُحتَوَى، ولِمَن تَتَخَلَّى عن حَيائِها أكثَر، ولِمَن يَصرُخُ ويَرقُصُ ويَتَمايَل! هَل يَرضيكَ أن يَتَرَبَّى ابنُكَ أو بِنتُكَ على اتِّخاذِ هؤلاءِ النَّكراتِ قُدُوات؟
واسمَعوا إلى هذا التَّحذيرِ الإلهيِّ المُرعِب: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة المؤمنون: 115].
لَم نُخلَق لِنُقَلِّبَ الشَّاشاتِ لَيلَ نَهار. لَم نُخلَق لِنَبحَثَ عَنِ الضَّحِكِ في كُلِّ ثانيَة.
بَل إنَّ الخَطَرَ العَظيمَ الكامِنَ في هذهِ التَّطبيقاتِ هو انطِماسُ الفِطرَةِ، وضَياعُ العِفَّةِ، واعتِيادُ المَعصِيَة. يَجلِسُ الشَّابُّ أوِ الفَتاة، وفي غُرفَةٍ مُغلَقَة، يَرى مِنَ العَوراتِ المُحَرَّمَةِ في نِصفِ ساعَة، ما لَم يَكُن يَرَهُ أهلُ الجاهِليَّةِ في سَنوات!
وقَد حَذَّرَنا النَّبيُّ ﷺ مِن زِنا الحَواسِّ، فَقال: «الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ... وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ» (متفق عليه).
ويُقَرِّرُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ حَقيقَةً نَفسيَّةً وإيمانيَّةً دَقيقَةً حِينَ يَقول: "والنَّظَرُ أصلُ عامَّةِ الحَوادِثِ التي تُصيبُ الإنسان، فَإنَّ النَّظرَةَ تُولِدُ خَطرَة، ثُمَّ تُولِدُ الخَطرَةُ فِكرَة، ثُمَّ تُولِدُ الفِكرَةُ شَهوَة، ثُمَّ تَتَوَلَّدُ الشَّهوَةُ فَتَصيرُ إرادَةً جازِمَة، فَيَقَعُ الفِعلُ لا مَحالَة".
هذا التِّيك توك وغَيرُه، هُوَ آلةٌ مَفتوحَةٌ لِضَخِّ هذهِ الخَطَراتِ والمَشاهِدِ المُحَرَّمَةِ إلى أعمق نُقطَةٍ في القَلب.
وما هِيَ النَّتيجَة؟ قَسوَةٌ في القَلب، ظُلمَةٌ في الوَجه، ثِقَلٌ عِندَ سَماعِ الأذان.
كَم مِن شابٍّ كانَ يُحافِظُ على وِردِهِ مِنَ القُرآن، فَلَمَّا أدمَنَ هذه الشَّاشاتِ، صارَت قِراءَةُ صَفحَةٍ واحِدَةٍ مِن كِتابِ اللهِ أثقَلَ عليهِ مِن جَبَل، لِأنَّ دِماغَهُ اعتادَ على المُحَفِّزاتِ السَّريعَة والمَقاطِعِ التي لا تَتَجاوَزُ الثَّواني.
كَم مِن فَتاةٍ كانَت زِينَتُها حَياؤُها، فَلَمَّا أدمَنَت مُتابَعَةَ التَّافِهاتِ والمُتَبَرِّجات، بَدَأَت تُقارِنُ نَفسَها بِهِنَّ، وضاقَت بِعِيشَتِها، وتَمَرَّدَت على حِجابِها؟
...
تَأَمَّلوا هذا المَشهَدَ المأساويَّ الذي نَعيشُهُ في بُيوتِنا.
غُرفَةُ الجُلوسِ تَجمَعُ الأبَ والأُمَّ والأبناء. المَكانُ واحِد، والأجسادُ مُتَقارِبَة. لَكِن.. لا أحَدَ يُكَلِّمُ أحَدًا. الصَّمتُ سَيِّدُ المَوقِف. الجَميعُ مُطأطِئُ الرَّأس، العُيونُ مُسَمَّرَةٌ في إشعاعِ الشَّاشات، والأصابِعُ تَتَحَرَّكُ آليًّا. كُلُّ واحِدٍ مِنهُم في عالَمٍ آخَر، يَفصِلُهُ عنِ الجالِسِ بِجانِبِهِ آلافُ الأميالِ الوَهميَّة.
ضاعَتِ السَّكينَة. ماتَتِ الحِواراتُ الأُسَريَّة. اختَفَت تِلكَ النَّظَراتُ الدَّافِئَةُ بَينَ أفرادِ الأُسرَة.
ألَم يَقُلِ اللهُ تَعالى لَنا مُحَذِّرًا ومُكَلِّفًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سورة التحريم: 6]؟
كَيفَ تَقيهِم مِنَ النَّار وأنتَ تَترُكُهُم أمامَ نَوافِذَ مَفتوحَةٍ على كُلِّ مَزبَلَةٍ أخلاقيَّةٍ وفِكريَّةٍ في العالَم؟ كَيفَ تَقيهِم وأنتَ مُنقَمِسٌ في شاشَتِكَ مِثلَهُم؟
يُروَى أنَّ بَعضَ السَّلَفِ دَخَلَ على رَجُلٍ وهوَ يَجودُ بِنَفسِهِ في سَكَراتِ المَوت، فَجَعَلَ يَبكي ويَنتَحِب. فَقالوا له: على ما تَبكي؟ قال: "أبكي على يَومٍ مَضى لَم أصُمه، ولَيلَةٍ مَضَت لَم أقُمها، وساعَةٍ ضَيَّعتُها في غَيرِ ذِكرِ الله".
هذا يَبكي على ساعَةٍ لَم يَذكُرِ اللهَ فيها... فَماذا نَقولُ نَحنُ عَن سَنواتٍ طِوالٍ قَضَيناها في سَحبِ الشَّاشاتِ بَحثًا عَن لا شَيء؟
قال النَّبيُّ ﷺ: «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح).
عُمرُك... فيما أفنَيتَه؟ شبابُك... فيما أبليتَه؟
أَيُعقَلُ أن نَقِفَ بَينَ يَدَيِ اللهِ غَدًا، فَتُفتَحَ صَحائِفُنا، فَإذا بِها مَليئَةٌ بآلافِ السَّاعاتِ مِن مُتابَعَةِ (التِّيك توك) وغَيرِه، بَينَما حَظُّ القُرآنِ في صَحائِفِنا دَقائِقُ مَعدودَة؟ هَل هذا ما نُقابِلُ بِهِ رَبَّنا؟
ماذا لَو قُبِضَت رُوحُكَ وأنتَ تُمَرِّرُ إصبَعَكَ على مَقطَعٍ فيهِ مُجاهَرَةٌ بِمَعصيَةٍ أو رَقصٌ أو خَلاعَة؟
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة المؤمنون: 99-100].
والله، إنَّ العُمُرَ أقَلُّ وأعَزُّ مِن أن يُبدَّدَ في هذهِ السَّخافات.
يَقولُ الإمامُ ابنُ الجَوزيِّ رَحِمَهُ الله، وهو يَصِفُ حالَ مَن يَقتُلُونَ أوقاتَهُم: "يَنبَغي لِلإنسانِ أن يَعرِفَ شَرَفَ زَمانِهِ وقَدرَ وَقتِه، فَلا يُضَيِّعَ مِنهُ لَحظَةً في غَيرِ قُربَة، ويُقَدِّمَ فيهِ الأفضَلَ فَالْأفضَلَ مِنَ القَولِ والعَمَل".
إِخوَتي، نَحنُ نَعيشُ في غَفلَة، وهذه الشَّاشاتُ تُعَمِّقُ هذا النَّوم.
أيُّها الآباء، أيَّتُها الأُمَّهات، أيُّها الشَّباب... الأمرُ خَطير، ولا يَحتَمِلُ المُجامَلَة. إنَّنا نَفقِدُ عُقولَنا، ونَفقِدُ حَياءَنا، ونَفقِدُ دِينَنا قَطرَةً قَطرَة. فَهل مِن وَقفَةٍ صادِقَة؟ هَل مِن تَوبَةٍ نَصوح؟
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ، إنَّهُ هوَ الغَفُورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُه، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بعدُ:
عِبادَ الله، وقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَع حَقيقَةِ هذا الزَّمانِ المَهدور، وتِلكَ السَّاعاتِ المَسرُوقَةِ في شاشاتِ الهَواتِف وتَطبيقاتِ التَّفاهَةِ كالتِّيك توك وغَيرِه. وتَأمَّلنا كَيفَ أنَّها تُفسِدُ القُلوب، وتُميتُ الهِمَم، وتَنزَعُ الحَياء، وتَقطَعُ الحِوارَ في بُيوتِنا. والآن، بَعدَ أن عَرَفنا الدَّاء، كَيفَ نُعالجُ أنفُسَنا قَبلَ أن يَنقَضيَ العُمُر؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لَعَلَّ اللهَ أن يَنفَعَني وإيَّاكُم بِها:
الأُولى (قَلبيَّة): راقِبِ اللهَ في خَلَواتِك، وتُبْ إلَيهِ مِمَّا سَلَف.
إذا أغلَقتَ بابَكَ، وأضاءَت شاشَتُكَ في الظَّلام، وتَيَسَّرَت لَكَ المَعصِيَةُ بِنَقرَةِ إصبَع، فَتَذَكَّر أنَّ اللهَ يَرى. ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [سورة غافر: 19]. اجعَل رَهبَةَ اللهِ في قَلبِكَ أعظَمَ مِن لَذَّةِ النَّظَر.
الثَّانيَة (لِسانيَّة): استَبدِل أوقاتَ التَّصَفُّحِ اللَّانهائيِّ بِذِكرِ الله.
إذا شَعَرتَ بالرَّغبَةِ المُلِحَّةِ في فَتْحِ هذه التَّطبيقات لِتَضييعِ الوَقت، دَع هاتِفَكَ من يَدِك، وتَمَتمِ بالباقِياتِ الصَّالِحاتِ مائةَ مَرَّة: سُبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلَّا الله، واللهُ أكبَر. ستَجِدُ سَكينَةً لا يَصنَعُها ألفُ مَقطَعٍ مُضحِك. قال ﷺ: «لا يَزالُ لِسانُكَ رَطبًا مِن ذِكرِ الله» (رواه الترمذي).
الثَّالثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): ضَع حُدودًا صارِمَة، أوِ احذِفِ التَّطبيق!
إذا كُنتَ تَعلَمُ أنَّ هذا التَّطبيقَ (التيك توك أو غيره) يَسرِقُ دينَكَ ويُضيعُ صَلَواتِك.. فماذا تَنتَظِر؟ احذِفهُ اللَّيلَة، ولا تَلتَفِت، فَمَن تَرَكَ شَيئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيرًا مِنه. وإن كُنتَ تَحتاجُ الهاتِفَ لِعَمَلٍ مُهِم، فاستَخدِم التَّطبيقاتِ التي تَضبِطُ وَقتَ الشَّاشَة، ولا تَدخُلْ بِهاتِفِكَ إلى سَريرِ نَومِك أبدًا.
الرَّابعَة (اجتِماعيَّة): أعِيدوا الدِّفءَ إلى بُيوتِكُم.
أيُّها الآباء، ضَعوا سُنَّةً حَسَنَةً في بُيوتِكُم. مَثَلًا: وقتُ الغَداءِ أوِ العَشاء، لا هاتِفَ على المائِدَة. اجلِسوا، تَحَدَّثوا، انظُروا في وُجوهِ بَعضِكُم. استَعيدوا إنسانيَّتَكُم التي سَلَبَتها هذهِ الأجهِزَة. وقَد قالَ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه).
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): عاهِدْ نَفسَكَ أَلَّا تَنظُرَ في هاتِفِكَ كُلَّ يَومٍ إلَّا بَعدَ أن تَنظُرَ في وِردِكَ مِن كِتابِ الله.
واللهِ، لَو أَعطَينا القُرآنَ عُشرَ ما نُعطيهِ لِهذهِ الشَّاشات، لَكُنَّا مِنَ العُلَماءِ الرَّبَّانيِّين!
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمُرَ قَصير، وأنَّ السَّاعاتِ التي تَمضي لا تَعود، وأنَّكم مَوقوفونَ بَينَ يَدَيِ المَلِكِ الحَقِّ لِلسُّؤال.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَليه، عَمَلًا بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ أن تُوقِظَ قُلوبَنا مِن غَفلَتِها، وتَرُدَّنا إليكَ رَدًّا جَميلًا.
اللَّهُمَّ كَما أنعَمتَ عَلَينا بِالأعمار، أعِنَّا على عِمارَتِها بِطاعَتِك، ولا تَجعَلنا مِمَّن بَاعَ آخِرَتَهُ بِلَذَّةِ ساعَة.
اللَّهُمَّ احفَظ شَبابَنا وفَتَياتِنا مِن فِتَنِ الشَّهَواتِ والشُّبُهات، ومِن شُرورِ هذهِ المَواقِعِ وما تَبُثُّهُ مِن ضَلال.
اللَّهُمَّ بَصِّرهُم بِالحَقِّ، وازرَعِ العِفَّةَ والحَياءَ في قُلوبِهِم، وكَرِّه إلَيهِمُ الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيان.
اللَّهُمَّ اجعَل بُيوتَنا آمِنَةً مُطمَئِنَّةً، مَليئَةً بِالسَّكينَةِ والمَوَدَّة، واصرِف عَنَّا شَياطينَ الإنسِ والجِنّ.
اللَّهُمَّ اجعَل خَيرَ أعمارِنا آخِرَها، وخَيرَ أعمالِنا خَواتِيمَها، وخَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فَاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.