صَدَقَةٌ تَحفَظُ كَرَامَةَ المُحتَاجِ: آدَابُ الإِنفَاقِ بِلَا مَنٍّ وَلَا أَذًى وَتَحرِيمُ التَّصوِيرِ المُهِينِ لِلفُقَرَاءِ
الحَمدُ للهِ الغَنِيِّ الحَمِيدِ، الجَوَادِ الكَرِيمِ المَجِيدِ، الَّذِي جَعَلَ الأَموَالَ فِي أَيدِي العِبَادِ عَوَارِيَ وَوَدَائِعَ لِيَبتَلِيَ غَنِيَّهُم بِفَقِيرِهِم، وَأَمَرَ بِالبَذلِ وَالإِحسَانِ مَقرُونًا بِالسِّترِ وَالرَّحمَةِ وَالتَّوقِيرِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَهُوَ الَّذِي يَقبَلُ التَّوبَةَ عَن عِبَادِهِ وَيَأخُذُ الصَّدَقَاتِ بِيَمِينِهِ فَيُربِيهَا لِأَهلِ الإِخلَاصِ وَالصِّدقِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَرَّمَ بَنِي آدَمَ وَحَرَّمَ إِذلَالَهُم أَو كَسرَ قُلُوبِهِم بِالمَنِّ وَالأَذَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، أَجوَدُ النَّاسِ كَفًّا، وَأَرحَمُهُم قَلبًا، وَأَصوَنُهُم لِمَاءِ وُجُوهِ المُحتَاجِينَ وَالمُتَعَفِّفِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ السَّابِقِينَ إِلَى الخَيرَاتِ فِي ظُلَمِ اللَّيَالِي، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي صَدَقَاتِكُم وَنَفَقَاتِكُم، وَاحفَظُوا أُجُورَهَا مِن مُحبِطَاتِ الرِّيَاءِ وَالتَّسمِيعِ وَإِيذَاءِ الخَلقِ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ مُرَسِّخًا قَانُونَ القَبُولِ فِي بَابِ العَطَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ لِلفَقرِ وَالحَاجَةِ مَرَارَةً فِي الحُلُوقِ، وَانكِسَارًا فِي النُّفُوسِ، لَا يَعرِفُ لَوعَتَهُ إِلَّا مَن دَارَت عَلَيهِ دَوَائِرُ الأَيَّامِ، فَعَجَزَ عَن قُوتِ صِبيَتِهِ، أَو دَوَاءِ مَرِيضِهِ، أَو أُجرَةِ مَسكَنِهِ، واضطَرَّتهُ الضَّرُورَةُ إِلَى أَن يَقبَلَ عَطَاءَ النَّاسِ بَعدَ أَن كَانَ عَزِيزًا مُستَغنِيًا! وَالشَّرِيعَةُ الإِسلَامِيَّةُ الغَرَّاءُ حِينَ أَوجَبَتِ الزَّكَاةَ وَنَدَبَت إِلَى الصَّدَقَةِ وَالإِغَاثَةِ، لَم تَنظُر إِلَى المُحتَاجِ عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ «بَطنٍ جَائِعٍ» يَحتَاجُ إِلَى كِسرَةِ خُبزٍ، أَو «جَسَدٍ عَارٍ» يَحتَاجُ إِلَى ثَوبٍ؛ بَل نَظَرَت إِلَيهِ قَبلَ ذَلِكَ وَفَوقَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ «إِنسَانٌ مُكَرَّمٌ»، لَهُ عِرضٌ مَصُونٌ، وَكَرامَةٌ مَحفُوظَةٌ، وَقَلبٌ رَقِيقٌ يَجرَحُهُ النَّظَرُ شَزرًا قَبلَ أَن تَجرَحَهُ الكَلِمَةُ القَاسِيَةُ!
وَلَكِنَّنَا فِي زَمَنِ الشَّاشَاتِ وَالكَامِيرَاتِ وَسُعَارِ المَشَاهَدَاتِ، أَصبَحنَا نَرَى مَشَاهِدَ تُدمِي قَلبَ كُلِّ مُؤمِنٍ غَيُورٍ! تَرَى رَجُلًا أَو مُبَادَرَةً يَحمِلُ كِيسًا مِنَ الدَّقِيقِ أَو سَلَّةً غِذَائِيَّةً أَو دَرَاهِمَ مَعدُودَةً، وَلَكِنَّهُ لَا يَطرُقُ بَابَ الفَقِيرِ إِلَّا وَمَعَهُ عَدَسَةُ التَّصوِيرِ مُشتَعِلَةً! فَيُوقِفُ الأَرمَلَةَ الكَسِيرَةَ، أَوِ الشَّيخَ المُسِنَّ الَّذِي ابيضَّت شَيبتُهُ فِي الإِسلَامِ، أَوِ اليَتِيمَ الصَّغِيرَ الَّذِي يَدرُسُ بَينَ أَقرَانِهِ فِي المَدرَسَةِ، فَيُصَوِّرُ وُجُوهَهُمُ المُنكَسِرَةَ وَهُم يَمدُّونَ أَيدِيَهُم لِأَخذِ الكَرتُونَةِ أَوِ الظَّرفِ المَالِيِّ، ثُمَّ يَنشُرُ تِلكَ الصُّوَرَ وَالمَقَاطِعَ عَلَى مَلَأٍ مِنَ العَالَمِينَ لِيَجمَعَ الإِعجَابَاتِ أَو لِيَستَعطِفَ المُتَبَرِّعِينَ! أَيُّ قَسوَةٍ هَذِهِ يَا عِبَادَ اللهِ؟! أَتُطعِمُ جَسَدَ الفَقِيرِ لَيلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ تَذبَحُ كَرَامَتَهُ وَتَفضَحُ سِترَهُ بَينَ جِيرَانِهِ وَزُمَلَاءِ أَولَادِهِ طُولَ العُمُرِ؟!
أَلَم يَسمَع هَؤُلَاءِ قَولَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ وَهُوَ يُقَرِّرُ أَنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ وَالسِّترَ مَعَ عَدَمِ الإِعطَاءِ خَيرٌ عِندَ اللهِ مِن صَدَقَةٍ يَتبَعُهَا جَرحٌ وَإِيذَاءٌ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾؟! بَل تَأَمَّلُوا التَّمثِيلَ القُرآنِيَّ الرَّهِيبَ الَّذِي ضَرَبَهُ اللهُ سُبحَانَهُ فِي الآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا لِمَن يُنفِقُ مَالَهُ رِيَاءَ النَّاسِ أَو يُتبِعُ صَدَقَتَهُ بِالمَنِّ وَالأَذَى؛ حَيثُ شَبَّهَهُ بِحَجَرٍ أَملَسَ عَلَيهِ غُبَارٌ مِن تُرَابٍ، فَنَزَلَ عَلَيهِ مَطَرٌ شَدِيدٌ فَجَرَفَ التُّرَابَ كُلَّهُ وَتَرَكَهُ صَخرًا أَجرَدَ لَا نَبتَ فِيهِ وَلَا ثَمَرَ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾! يَظُنُّ المَنَّانُ المُؤذِي بِتَصوِيرِهِ وَمَنِّهِ أَنَّ لَهُ عِندَ اللهِ جِبَالًا مِنَ الصَّدَقَاتِ، فَيَأتِي يَومَ القِيَامَةِ فَيَجِدُ صَحِيفَتَهُ صَفوَانًا أَملَسَ قَد مَحَقَ الأَذَى وَالرِّيَاءُ كُلَّ أَجرٍ كَانَ فِيهَا!
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ المَنَّ بِالعَطَاءِ وَإِذلَالَ الآخِذِ كَبِيرَةٌ مِن كَبَائِرِ الذُّنُوبِ الَّتِي تَحرِمُ صَاحِبَهَا مِن نَظَرِ الرَّحمَنِ إِلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِم، وَلَا يُزَكِّيهِم، وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ»، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا! مَن هُم يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «المُسبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنَفِّقُ سِلعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ»! وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ: «المَنَّانُ الَّذِي لَا يُعطِي شَيئًا إِلَّا مَنَّهُ»!
وَالمَنُّ وَالأَذَى لَا يَكُونَانِ بِاللِّسَانِ وَحدَهُ حِينَ يَقُولُ المُعطِي لِلفَقِيرِ عِندَ أَوَّلِ خِلَافٍ: «أَلَم أَكسُكَ؟ أَلَم أُطعِمكَ؟ أَلَم أَسُدَّ دَينَكَ؟»؛ بَل يَكُونَانِ أَيضًا بِالإِشَارَةِ، وَبِالتَّعَالِي فِي نَبرَةِ الصَّوتِ، وَبِاستِخدَامِ الفَقِيرِ وَإِذلَالِهِ لِأَجلِ مَا أُعطِيَ، وَبِإِفشَاءِ سِرِّ حَاجَتِهِ فِي المَجَالِسِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ: «وَاللهِ لَقَد دَفَعنَا إِيجَارَ بَيتِ جَارِنَا فُلَانٍ، وَلَولَانَا لَطُرِدَ فِي الشَّارِعِ»! فَيَفضَحُ جَارَهُ أَمَامَ النَّاسِ بَعدَ أَن سَتَرَهُ اللهُ! وَلِذَلِكَ سَمِعَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللهُ رَجُلًا يَقُولُ لِرَجُلٍ: «فَعَلتُ إِلَيكَ وَفَعَلتُ»، فَقَالَ لَهُ ابنُ سِيرِينَ: «اسكُت، فَلَا خَيرَ فِي المَعرُوفِ إِذَا أُحصِيَ»!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لِمَاذَا جَعَلَ الإِسلَامُ «صَدَقَةَ السِّرِّ» فِي الذُّروَةِ العُليَا مِنَ الفَضلِ وَالأَجرِ؟ فَفِي سُورَةِ البَقَرَةِ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي السَّبعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخفَاهَا حَتَّى لَا تَعلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنفِقُ يَمِينُهُ»! إِنَّ السِّرَّ فِي تَفضِيلِ إِخفَاءِ الصَّدَقَةِ يَرجِعُ إِلَى حِكمَتَينِ عَظِيمَتَينِ: الأُولَى حِفظُ قَلبِ المُعطِي مِنَ الرِّيَاءِ وَالعُجبِ، وَالثَّانِيَةُ حِفظُ وَجهِ الآخِذِ مِنَ الخَجَلِ وَالانكِسَارِ أَمَامَ أَعيُنِ النَّاسِ!
وَإِذَا أَرَدتُم أَن تَرَوا كَيفَ فَقِهَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم هَذَا الأَدَبَ الرَّبَّانِيَّ الرَّفِيعَ، فَتَأَمَّلُوا مَا كَانُوا يَصنَعُونَهُ مَعَ الفُقَرَاءِ: لَقَد كَانُوا يَستَحضِرُونَ عِندَ إِخرَاجِ الصَّدَقَةِ قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾، وَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي كَفِّ الرَّحمَنِ قَبلَ أَن تَقَعَ فِي كَفِّ الفَقِيرِ! فَكَانَ المُؤمِنُ مِنهُم يَتَأَدَّبُ مَعَ الفَقِيرِ غَايَةَ الأَدَبِ؛ لِأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّهُ يُعَامِلُ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ!
وَانظُرُوا إِلَى سِيرَةِ الإِمَامِ الجَلِيلِ عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ زَينِ العَابِدِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَمَا رَوَاهَا الذَّهَبِيُّ فِي «سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ» وَأَبُو نُعَيمٍ فِي «الحِليَةِ» عَن مُحَمَّدِ بنِ إِسحَاقَ وَغَيرِهِ: كَانَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ يَخرُجُ فِي سَوَادِ اللَّيلِ البَهِيمِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، فَيَحمِلُ جِرَابَ الخُبزِ وَالدَّقِيقِ عَلَى ظَهرِهِ بِنَفسِهِ، وَيَطُوفُ بِهِ عَلَى بُيُوتِ الأَرَامِلِ وَالفُقَرَاءِ وَالمُتَعَفِّفِينَ فِي المَدِينَةِ، فَيَضَعُ الطَّعَامَ عِندَ أَبوَابِهِم وَيَنصَرِفُ فِي الظُّلمَةِ حَتَّى لَا يَرَوا وَجهَهُ فَيَستَحُوا مِنهُ! قَالَ مُحَمَّدُ بنُ إِسحَاقَ: «كَانَ نَاسٌ مِن أَهلِ المَدِينَةِ يَعِيشُونَ لَا يَدرُونَ مِن أَينَ كَانَ مَعَاشُهُم، فَلَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ فَقَدُوا ذَلِكَ الَّذِي كَانُوا يُؤتَونَ بِاللَّيلِ»، وَلمَّا غَسَّلُوهُ بَعدَ مَوتِهِ وَجَدُوا بِظَهرِهِ آثارًا سَودَاءَ، فَسَأَلُوا عَنهَا فَعَلِمُوا أَنَّهَا مِن حَملِهِ أَكيَاسَ الدَّقِيقِ بِاللَّيلِ إِلَى مَنَازِلِ الأَرَامِلِ وَالأَيتَامِ!
اللهُ أَكبَرُ! مِائَةُ بَيتٍ مِن بُيُوتِ المَدِينَةِ يَعُولُهُم سِنِينَ طَوِيلَةً، لَا هُم يَعرِفُونَ مَنِ الَّذِي يَطرقُ أَبوَابَهُم بِالخَيرِ، وَلَا أَهلُ المَدِينَةِ يَعلَمُونَ بِمَا يَصنَعُ حَتَّى لَقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ! أَينَ هَذَا الإِخلَاصُ الشَّامِخُ وَالسِّترُ النَّبِيلُ مِمَّن لَا يَتَبَرَّعُ اليَومَ بِدِرهَمٍ إِلَّا أَشهَدَ عَلَيهِ الشَّرقَ وَالغَربَ؟!
إِنَّ أَعظَمَ النَّاسِ حَقًّا فِي الصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ هُم أُولَئِكَ «المُتَعَفِّفُونَ» الَّذِينَ يَمُوتُونَ جُوعًا وَحَاجَةً وَلَا يَسأَلُونَ النَّاسَ إِلحَافًا؛ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ فَقَالَ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، وَقَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَيسَ المِسكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقمَةُ وَاللُّقمَتَانِ، وَالتَّمرَةُ وَالتَّمرَتَانِ، وَلَكِنِ المِسكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغنِيهِ، وَلَا يُفطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسأَلُ النَّاسَ»! هَؤُلَاءِ الأَعِزَّاءُ لَا يَقبَلُونَ أَن يَقِفُوا فِي طَوَابِيرِ التَّصوِيرِ، فَمَن تَفَقَّدَهُم فِي الخَفَاءِ، وَأَوصَلَ إِلَيهِم حَقَّهُم فِي ثَوبِ الهَدِيَّةِ وَالتَّوقِيرِ، فَقَد جَمَعَ بَينَ أَجرِ الصَّدَقَةِ وَأَجرِ جَبرِ الخَوَاطِرِ وَسِترِ المُؤمِنِينَ!
وَلَقَد أَحسَنَ القَائِلُ حِينَ وَصَفَ أَدَبَ الكَرِيمِ إِذَا أَعطَى:
إِذَا أَنتَ أَسدَيتَ الجَمِيلَ إِلَى امرِئٍ ... فَلَا تُتبِعَنَّ الجُودَ مَنًّا وَلَا أَذَى
وَصُنْ وَجهَ مَن وَافَاكَ يَطلُبُ حَاجَةً ... فَإِنَّ كَرِيمَ القَومِ يُعطِي مُعَزِّزَا
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهُدَاهُ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ النَّقِيَّةَ الخَالِصَةَ هِيَ الَّتِي يَخرُجُ مِنهَا المَالُ طَيِّبًا، وَتُؤدَّى بِأَدَبٍ وَإِخلَاصٍ كَمَا قَالَ أَبرَارُ المُؤمِنِينَ فِي سُورَةِ الإِنسَانِ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. وَحَتَّى تَكُونَ صَدَقَاتُنَا وَمُبَادَرَاتُنَا الإِغَاثِيَّةُ مَقبُولَةً عِندَ اللهِ، حَافِظَةً لِكَرامَةِ المُحتَاجِينَ، فَهَذِهِ خَمسُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ:
الأُولَى: الامتِنَاعُ البَاتُّ عَن تَصوِيرِ وُجُوهِ الفُقَرَاءِ وَالأَيتَامِ عِندَ تَسلِيمِ المُسَاعَدَاتِ؛ فَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ لِلجِهَاتِ الخَيرِيَّةِ مِن تَوثِيقِ أَعمَالِهَا لِطمأَنَةِ المُتَبَرِّعِينَ، فَلْيَكُنِ التَّوثِيقُ لِلْمَشَارِيعِ وَالمَوَادِّ العَينِيَّةِ وَالفَوَاتِيرِ الرَّسمِيَّةِ دُونَ إِظهَارِ وُجُوهِ المُستَفِيدِينَ أَو بُيُوتِهِم أَو أَطفَالِهِم فِي مَوقِفِ ذُلٍّ وَانكِسَارٍ، فَكَرامَةُ المُؤمِنِ أَعظَمُ عِندَ اللهِ مِن كُلِّ دِعَايَةٍ إِعلَامِيَّةٍ.
الثَّانِيَةُ: ابتِكَارُ الوَسَائِلِ الكَرِيمَةِ الخَفِيَّةِ لِإِيصَالِ الصَّدَقَةِ لِلمُتَعَفِّفِينَ؛ فَبَدَلًا مِن إِحرَاجِ الفَقِيرِ بِالمُوَاجَهَةِ، يُمكِنُ تَحوِيلُ المَبلَغِ إِلَى حِسَابِهِ، أَو سَدَادُ فَوَاتِيرِ كَهرَبَائِهِ وَإِيجَارِهِ وَدُيُونِهِ عِندَ البَقَّالِ وَالصَّيدَلِيَّةِ دُونَ أَن يَعلَمَ مَنِ الَّذِي سَدَّدَ عَنهُ، أَو إِرسَالُ قَسَائِمَ شِرَائِيَّةٍ يَشتَرِي بِهَا كَسَائِرِ النَّاسِ مَا يَحتَاجُهُ بِعِزَّةٍ وَكَرَامَةٍ.
الثَّالِثَةُ: انتِقَاءُ أَطيَبِ المَالِ وَأَحسَنِ الطَّعَامِ وَالكِسوَةِ عِندَ التَّصَدُّقِ؛ فَإِيَّاكَ أَن تَجعَلَ الفَقِيرَ سَلَّةً لِمَا تَافَهَ وَرَدُؤَ وَفَسَدَ مِن طَعَامِكَ أَو لِبَاسِكَ البَالِي الَّذِي تَأنَفُ أَن تَلبَسَهُ، بَل تَذكَّر قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وَأَهدِ لِأَخِيكَ المُحتَاجِ مَا يَسرُّ قَلبَهُ وَيَحفَظُ هَيئَتَهُ.
الرَّابِعَةُ: نِسيَانُ المَعرُوفِ بَعدَ أَدَائِهِ وَعَدَمُ استِتبَاعِهِ بِمَطَالِبَ أَو تَذكِيرٍ؛ فَإِذَا أَعطَيتَ قَرِيبًا أَو جَارًا أَو عَامِلًا صَدَقَةً أَو مَعُونَةً، فَأَخرِجهَا مِن قَلبِكَ وَذاكِرَتِكَ كَمَا أَخرَجتَهَا مِن يَدِكَ، وَلَا تَنتَظِر مِنهُ خِدمَةً زَائِدَةً أَو تَذَلُّلًا لَكَ، وَإِن حَدَثَ بَينَكَ وَبَينَهُ خِلَافٌ يَومًا فَاحذَر كُلَّ الحَذَرِ أَن تَذكُرَ لَهُ أَو لِغَيرِهِ مَا أَحسَنتَ بِهِ إِلَيهِ؛ لِئَلَّا تَحبَطَ صَدَقَتُكَ فِي لَحظَةِ غَضَبٍ.
الخَامِسَةُ: تَربِيَةُ الأَبنَاءِ عَلَى تَوقِيرِ المُحتَاجِ عِندَ إِشرَاكِهِم فِي العَطَاءِ؛ فَمِنَ الحَسَنِ أَن نُعَوِّدَ أَولَادَنَا عَلَى البَذلِ، وَلَكِن يَجِبُ أَن نُعَلِّمَهُم أَن يُقَدِّمُوا العَطَاءَ بِأَدَبٍ وَابتِسَامَةٍ وَتَوَاضُعٍ، وَأَن يَعلَمُوا أَنَّ الفَقِيرَ صَاحِبُ فَضلٍ عَلَينَا لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا فِي قَبُولِ صَدَقَتِنَا وَتَطهيرِ أَموَالِنَا.
اللَّهُمَّ تَقَبَّل مِنَّا صَالِحَ الأَعمَالِ، وَاجعَلهَا خَالِصَةً لِوَجهِكَ الكَرِيمِ، لَا حَظَّ فِيهَا لِنَفسٍ وَلَا رِيَاءٍ وَلَا سُمعَةٍ، اللَّهُمَّ طَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ المَنِّ وَالأَذَى وَالكِبرِ، وَاجعَلنَا مَفَاتِيحَ لِلخَيرِ، سَاتِرِينَ لِلعَوَرَاتِ، جَابِرِينَ لِلكَسِيرِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ أَغنِ كُلَّ فَقِيرٍ، وَاقضِ الدَّينَ عَن كُلِّ مَدِينٍ، وَفرِّج كَربَ المَكرُوبِينَ مِنَ المُسلِمِينَ. اللَّهُمَّ احفَظ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ، وَوَفِّق وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ خَيرُ العِبَادِ وَالبِلَادِ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
صَدَقَةٌ تَحفَظُ كَرَامَةَ المُحتَاجِ: آدَابُ الإِنفَاقِ بِلَا مَنٍّ وَلَا أَذًى وَتَحرِيمُ التَّصوِيرِ المُهِينِ لِلفُقَرَاءِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.