من مكتبة مِداد الخطيب

شَهرُ رَجَبٍ الحَرَامُ: دَرسٌ إِيمَانِيٌّ وَعِلمِيٌّ مُؤَثِّرٌ فِي تَعظِيمِ حُرُمَاتِ اللهِ وَالإِعدَادِ لِرَمَضَانَ وَالتَّحذِيرِ مِنَ البِدَعِ المُحدَثَةِ

مشاركة
شَهرُ رَجَبٍ الحَرَامُ: دَرسٌ إِيمَانِيٌّ وَعِلمِيٌّ مُؤَثِّرٌ فِي تَعظِيمِ حُرُمَاتِ اللهِ وَالإِعدَادِ لِرَمَضَانَ وَالتَّحذِيرِ مِنَ البِدَعِ المُحدَثَةِ الحَمدُ للهِ الَّذِي يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارْ، وَيُفَضِّلُ بَعضَ الأَزمِنَةِ وَالأَمكِنَةِ عَلَى بَعضٍ بِحِكمَتِهِ البَالِغَةِ لِيَتَزَوَّدَ فِيهَا الأَبرَارْ، وَجَعَلَ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَهُ اثنَي عَشَرَ شَهرًا مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ عَظِيمَةُ المِقدَارْ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى تَعَاقُبِ الشُّهُورِ وَالأَعوَامِ وَكَرِّ اللَّيلِ وَالنَّهَارْ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الوَاحِدُ القَهَّارْ، حَرَّمَ الظُّلمَ فِي كُلِّ حِينٍ وَضَاعَفَ حُرمَتَهُ فِي الأَشهُرِ الحُرُمِ إِعذَارًا وَإِنذَارْ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى المُختَارْ، تَرَكَنَا عَلَى المَحَجَّةِ البَيضَاءِ لَيلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنهَا إِلَّا هَالِكٌ مِمَّنِ اتَّبَعَ الأَهوَاءَ وَالأَوزَارْ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارْ، وَعَلَى أَصحَابِهِ المَهدِيِّينَ الأَخيَارْ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ القَرَارْ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ وَالأَخَوَاتُ المُؤمِنَاتُ، وَيَا رُوَّادَ مَجَالِسِ العِلمِ وَالإِيمَانِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاليَقَظَةِ لِمَوَاسِمِ العُمرِ قَبلَ فَوَاتِهَا؛ فَإِنَّ الأَيَّامَ وَالشُّهُورَ خَزَائِنُ الأَعمَالِ، وَمَرَاحِلُ الأَعمَارِ، وَكُلُّ يَومٍ يَمضِي يُدنِينَا مِنَ الآخِرَةِ وَيُبَاعِدُنَا عَنِ الدُّنيَا، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الفُرقَانِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. أَيُّهَا الأَحِبَّةُ الكِرَامُ: إِنَّنَا نَستَقبِلُ وَنَعِيشُ أَيَّامَ شَهرٍ عَظِيمٍ مِن شُهُورِ اللهِ المُحَرَّمَةِ، جَعَلَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَوَّابَةً زَمَنِيَّةً مَهِيبَةً يَدخُلُ مِنهَا المُؤمِنُونَ إِلَى مَوسِمِ الخَيرَاتِ الأَكبَرِ فِي شَعبَانَ وَرَمَضَانَ؛ إِنَّهُ «شَهرُ رَجَبٍ الحَرَامُ»! وَإِنَّ الحَدِيثَ عَن شَهرِ رَجَبٍ فِي مِيزَانِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَفَهمِ سَلَفِ الأُمَّةِ يَنتَظِمُ فِي خَمسَةِ مَبَاحِثَ إِيمَانِيَّةٍ وَعِلمِيَّةٍ لَا غِنَى لِكُلِّ مُسلِمٍ عَن فِقهِهَا وَالوَعْيِ بِهَا: المَبحَثُ الأَوَّلُ: مَكَانَةُ شَهرِ رَجَبٍ بَينَ الأَشهُرِ الحُرُمِ الأَربَعَةِ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ. وَالمَبحَثُ الثَّانِي: الوَاجِبُ الأَعظَمُ فِي شَهرِ رَجَبٍ: «فَلَا تَظلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُم» وَتَعظِيمُ حُرُمَاتِ اللهِ. وَالمَبحَثُ الثَّالِثُ: شَهرُ رَجَبٍ شَهرُ البَذرِ وَالزَّرعِ وَالتَّهيِئَةِ الإِيمَانِيَّةِ لِشَهرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ. وَالمَبحَثُ الرَّابِعُ: المِيزَانُ السُّنِّيُّ الصَّافِي فِي تَمحِيصِ مَا يَصِحُّ وَمَا لَا يَصِحُّ فِي رَجَبٍ وَالتَّحذِيرِ مِنَ البِدَعِ المُحدَثَةِ فِيهِ. وَالمَبحَثُ الخَامِسُ: ذِكرَيَاتُ العِزَّةِ وَالجِهَادِ فِي شَهرِ رَجَبٍ وَالبَرنَامَجُ العَمَلِيُّ لِاغتِنَامِهِ. فَلْنَبدَأْ بِالمَبحَثِ الأَوَّلِ: مَا هِيَ مَكَانَةُ شَهرِ رَجَبٍ فِي التَّقوِيمِ الإِلَهِيِّ؟ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِحِكمَتِهِ البَالِغَةِ يَصطَفِي مِنَ المَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ، وَيَصطَفِي مِنَ الأَمكنَةِ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ وَبَيتَ المَقدِسِ، وَيَصطَفِي مِنَ الشُّهُورِ الاثنَي عَشَرَ أَربَعَةَ أَشهُرٍ جَعَلَهَا «حُرُمًا» مُنذُ اليَومِ الَّذِي خَلَقَ فِيهِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ! كَمَا قَالَ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ القَصَصِ: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي الآيَةِ العَظِيمَةِ مِن سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۝ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾! وَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أَبِي بَكرَةَ نُفَيعِ بنِ الحَارِثِ الثَّقَفِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ يَومَ النَّحرِ بِمِنًى فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ استَدَارَ كَهَيئَتِهِ يَومَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ؛ السَّنَةُ اثنَا عَشَرَ شَهرًا، مِنهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَينَ جُمَادَى وَشَعبَانَ»! تَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ أَسمَاءَ هَذَا الشَّهرِ الحَرَامِ وَأَسرَارَهَا اللُّغَوِيَّةَ وَالتَّارِيخِيَّةَ: أَوَّلًا: سُمِّيَ «رَجَبًا» مِنَ «التَّرجِيبِ»، وَالتَّرجِيبُ فِي لُغَةِ العَرَبِ هُوَ التَّعظِيمُ وَالتَّوقِيرُ وَالإِجلَالُ؛ يَقُولُ العَرَبُ: رَجَّبتُ الرَّجُلَ أَي عَظَّمتُهُ وَهَبْتُهُ؛ فَسُمِّيَ رَجَبًا لِأَنَّ اللهَ عَظَّمَ حُرمَتَهُ وَأَمَرَ العِبَادَ بِتَوقِيرِهِ. ثَانِيًا: سُمِّيَ «رَجَبَ الفَردَ»؛ لِأَنَّ الأَشهُرَ الحُرُمَ ثَلَاثَةٌ سَردٌ مُتَتَابِعَةٌ لِأَجلِ مَنَاسِكِ الحَجِّ وَهِيَ ذُو القَعدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَجَاءَ رَجَبٌ مُنفَرِدًا فِي وَسَطِ العَامِ الهِجرِيِّ لِأَجلِ العُمرَةِ وَتَجدِيدِ العَهدِ بِتَعظِيمِ حُرُمَاتِ اللهِ! ثَالِثًا: سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «رَجَبَ مُضَرَ الَّذِي بَينَ جُمَادَى وَشَعبَانَ»؛ لِأَنَّ قَبِيلَةَ مُضَرَ كَانَت أَشدَّ العَرَبِ تَمَسُّكًا بِحُرمَةِ رَجَبٍ فِي مَوعِدِهِ الصَّحِيحِ بَينَ جُمَادَى وَشَعبَانَ دُونَ تَلاعُبٍ بِالنَّسِيءِ، بِخِلَافِ قَبِيلَةِ رَبِيعَةَ الَّتِي كَانَت تَظُنُّ أَنَّ رَجَبًا هُوَ شَهرُ رَمَضَانَ؛ فَحَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الأَمرَ وَصَحَّحَ التَّقوِيمَ الإِلَهِيَّ! رَابِعًا: كَانُوا يُسَمُّونَهُ «رَجَبَ الأَصَمَّ»؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَدخُلُ فَتَغمَدُ السُّيُوفُ فِي أَغمَادِهَا، وَتُوضَعُ أَسلَّةُ الرِّمَاحِ، فَلَا يُسمَعُ فِيهِ قَعقَعَةُ سِلَاحٍ، وَلَا صَهِيلُ خَيلِ غَارَةٍ، وَلَا صُراخُ مُستَغِيثٍ، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ فِي الجَاهِلِيَّةِ يَلقَى قَاتِلَ أَبِيهِ أَو أَخِيهِ فِي شَهرِ رَجَبٍ فَلَا يَهِيجُهُ وَلَا يَمسُّهُ بِسُوءٍ تَعظِيمًا لِلشَّهرِ الحَرَامِ! وَهَذَا يَقُودُنَا إِلَى المَبحَثِ الثَّانِي وَهُوَ الأَهَمُّ وَالأَخطَرُ: مَا هُوَ الوَاجِبُ الشَّرعِيُّ الأَعظَمُ عَلَينَا حِينَ يَهلُّ هِلَالُ شَهرِ رَجَبٍ الحَرَامِ؟ اقرَؤُوا الآيَةَ الكَرِيمَةَ مَرَّةً أُخرَى بِقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ؛ بَعدَ أَن ذَكَرَ اللهُ الأَشهُرَ الحُرُمَ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾! يَا سُبحَانَ اللهِ! أَلَيسَ الظُّلمُ مُحَرَّمًا فِي جَمِيعِ شُهُورِ السَّنَةِ؟ أَلَم يَقُلِ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدسِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي وَجَعَلتُهُ بَينَكُم مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»؟ فَلِمَاذَا خَصَّ اللهُ الأَشهُرَ الحُرُمَ وَمِنهَا رَجَبٌ بِقَولِهِ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾؟ أَجَابَ عَن ذَلِكَ تَرجُمَانُ القُرآنِ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَتِلمِيذُهُ قَتَادَةُ بنُ دِعَامَةَ السَّدُوسِيُّ كَمَا رَوَى الطَّبَرِيُّ وَابنُ كَثِيرٍ فِي تَفسِيرَيهِمَا؛ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «فَلَا تَظلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُم فِي كُلِّهِنَّ، ثُمَّ اختَصَّ مِن ذَلِكَ أَربَعَةَ أَشهُرٍ فَجَعَلَهُنَّ حَرَامًا، وَعَظَّمَ حُرُمَاتِهِنَّ، وَجَعَلَ الذَّنبَ فِيهِنَّ أَعظَمَ، وَالعَمَلَ الصَّالِحَ وَالأَجرَ أَعظَمَ»! وَقَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَتَهُ المَشهُورَةَ: «إِنَّ الظُّلمَ فِي الأَشهُرِ الحُرُمِ أَعظَمُ خَطِيئَةً وَوِزرًا مِنَ الظُّلمِ فِيمَا سِوَاهَا، وَإِن كَانَ الظُّلمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا، وَلَكِنَّ اللهَ يُعَظِّمُ مِن أَمرِهِ مَا يَشَاءُ»! افْهَمُوا هَذِهِ القَاعِدَةَ الجَلِيلَةَ يَا عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الذُّنُوبَ وَالسَّيِّئَاتِ، وَإِن كَانَت لَا تَتَضَاعَفُ بِالعَدَدِ وَالكَمِّيَّةِ، فَإِنَّهَا تَتَضَاعَفُ وَتَعظُمُ بِـ «الكَيفِيَّةِ وَشَرَفِ الزَّمَانِ أَوِ المَكَانِ»! فَالذَّنبُ فِي البَلَدِ الحَرَامِ أَعظَمُ مِنهُ فِي غَيرِهِ، وَالذَّنبُ فِي الشَّهرِ الحَرَامِ كَشَهرِ رَجَبٍ أَغلَظُ إِثمًا وَأَشَدُّ قُبحًا عِندَ اللهِ مِنهُ فِي الشُّهُورِ الأُخرَى؛ لِأَنَّ العَاصِيَ فِيهِ قَد جَمَعَ بَينَ جَرِيمَةِ المَعصِيَةِ وَجَرِيمَةِ انتِهَاكِ حُرمَةِ الزَّمَانِ الَّذِي عَظَّمَهُ اللهُ! وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. فَحَاسِبْ نَفسَكَ أَيُّهَا المُسلِمُ فِي شَهرِ رَجَبٍ الحَرَامِ عَلَى صُوَرِ ظُلمِ النَّفسِ الثَّلَاثِ: إِيَّاكَ أَن تَظلِمَ نَفسَكَ فِيهِ بِـ «الشِّركِ أَوِ الرِّيَاءِ أَوِ البِدعَةِ»؛ فَإِنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٌ. وَإِيَّاكَ أَن تَظلِمَ نَفسَكَ فِيهِ بِـ «المَعَاصِي وَالذُّنُوبِ»؛ فَمَن كَانَ مُصِرًّا عَلَى تَركِ صَلَاةٍ، أَو نَظَرٍ إِلَى حَرَامٍ، أَو سَمَاعِ مَعَازِفَ، أَو أَكلِ رِبًا، أَو عُقُوقِ وَالِدَينِ، أَو قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فَلْيَستَحِ مِنَ اللهِ أَن يَدخُلَ عَلَيهِ الشَّهرُ الحَرَامُ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعصِيَةِ المَلِكِ العَلَّامِ! وَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَن تَظلِمَ نَفسَكَ فِيهِ بِـ «ظُلمِ العِبَادِ» فِي دِمَائِهِم أَو أَموَالِهِم أَو أَعرَاضِهِم! كَيفَ كَانَ مُشرِكُو الجَاهِلِيَّةِ يَكُفُّونَ أَيدِيَهُم عَنِ العُدوَانِ فِي شَهرِ رَجَبٍ، ثُمَّ يَأتِي بَعضُ المُنتَسِبِينَ إِلَى الإِسلَامِ فَيَأكُلُ مَالَ أَخِيهِ، أَو يَغتَابُ عِرضَهُ، أَو يَشهَدُ عَلَيهِ بِالزُّورِ وَالبُهتَانِ فِي شَهرِ اللهِ الحَرَامِ؟! أَيُّهَا الإِخوَةُ وَالأَخَوَاتُ: وَالمَبحَثُ الثَّالِثُ فِي دَرسِنَا هُوَ: كَيفَ نَجعَلُ مِن شَهرِ رَجَبٍ مِفتَاحًا وَمُعَسكَرًا إِيمَانِيًّا لِاستِقبَالِ شَهرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ؟ إِنَّ بَينَ شَهرِ رَجَبٍ وَشَهرِ رَمَضَانَ شَهرًا وَاحِدًا هُوَ شَهرُ شَعبَانَ؛ وَالغَافِلُ الخَاسِرُ هُوَ الَّذِي يَظَلُّ غَارقًا فِي الكَسَلِ وَالغَفلَةِ وَالهَجرِ لِلقُرآنِ وَالطَّاعَةِ طِيلَةَ رَجَبٍ وَشَعبَانَ، حَتَّى إِذَا دَخَلَت لَيلَةُ الأَوَّلِ مِن رَمَضَانَ أَرَادَ فَجأَةً أَن يَقُومَ اللَّيلَ وَيَختِمَ القُرآنَ وَيَصُومَ النَّهَارَ، فَيَثقُلُ ذَلِكَ عَلَى نَفسِهِ فَيَفتُرُ بَعدَ يَومَينِ أَو ثَلَاثَةٍ! أَمَّا المُؤمِنُ الكَيِّسُ الفَطِنُ فَيَعلَمُ أَنَّ الفَوزَ فِي مِضمَارِ رَمَضَانَ يَحتَاجُ إِلَى إِحمَاءٍ وَإِعدَادٍ مُبَكِّرٍ يَبدَأُ مِن أَوَّلِ يَومٍ فِي شَهرِ رَجَبٍ! كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾! وَاستَمِعُوا إِلَى هَذَا التَّصوِيرِ البَدِيعِ الَّذِي نَقَلَهُ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ النَّفِيسِ «لَطَائِفِ المَعَارِفِ» عَنِ الإِمَامِ أَبِي بَكرٍ الوَرَّاقِ البَلخِيِّ رَحِمَهُ اللهُ حَيثُ قَالَ: «شَهرُ رَجَبٍ شَهرُ الزَّرعِ، وَشَهرُ شَعبَانَ شَهرُ سَقيِ الزَّرعِ، وَشَهرُ رَمَضَانَ شَهرُ حَصَادِ الزَّرعِ!»، وَقَالَ أَيضًا: «مَثَلُ شَهرِ رَجَبٍ كَالرِّيحِ، وَمَثَلُ شَعبَانَ كَالغَيمِ، وَمَثَلُ رَمَضَانَ كَالمَطَرِ؛ وَمَن لَم يَزرَعْ وَيَغرِسْ فِي رَجَبٍ، وَلَم يَسقِ فِي شَعبَانَ، فَكَيَّفَ يُرِيدُ أَن يَحصُدَ فِي رَمَضَانَ؟»! نَعَم وَاللهِ! الفَلَّاحُ النَّاجِحُ يَحرُثُ أَرضَ قَلبِهِ بِالتَّوبَةِ وَالِاستِغفَارِ فِي رَجَبٍ، وَيَبذُرُ فِيهَا بُذُورَ الطَّاعَاتِ وَالوِردِ القُرآنِيِّ وَقِيَامِ اللَّيلِ وَالصَّدَقَةِ، ثُمَّ يَسقِيهَا بِالمُدَاوَمَةِ وَالدُّمُوعِ فِي شَعبَانَ، حَتَّى إِذَا أَقبَلَ رَمَضَانُ حَصَدَ ثِمَارَ القَبُولِ وَالعِتقِ مِنَ النِّيرَانِ! قَالَ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللهُ يعظُ القُلُوبَ عِندَ دُخُولِ رَجَبٍ: «مَفتَاحُ أَشهُرِ الخَيرِ وَالبَرَكَةِ شَهرُ رَجَبٍ؛ فَيَا مَنِ اسوَدَّت صَحِيفَتُهُ بِالذُّنُوبِ وَالأَوزَارِ، بَيِّضْهَا بِالتَّوبَةِ فِي هَذَا الشَّهرِ الحَرَامِ! وَيَا مَن ضَيَّعَ عُمرَهُ فِي البَطَالَةِ وَالتَّفرِيطِ، اغتَنِمْ فِيهِ مَا بَقِيَ مِنَ الأَعمَارِ»! أَيُّهَا الحَاضِرُونَ الكِرَامُ: نَصِلُ هُنَا إِلَى المَبحَثِ الرَّابِعِ وَهُوَ مَبحَثٌ عِلمِيٌّ وَمَنهَجِيٌّ فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ: «المِيزَانُ السُّنِّيُّ الصَّافِي فِي تَمحِيصِ مَا يَصِحُّ وَمَا لَا يَصِحُّ فِي شَهرِ رَجَبٍ، وَالتَّحذِيرِ مِنَ البِدَعِ المُحدَثَةِ فِيهِ»! إِنَّ قَاعِدَةَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ الكُبرَى أَنَّ اللهَ لَا يُعبَدُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَا نَغلُو وَلَا نَجفُو، وَلَا نَبتَدِعُ فِي الدِّينِ مَا لَيسَ مِنهُ؛ فَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا مَا لَيسَ مِنهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وَفِي رِوَايَةِ مُسلِمٍ: «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أَي مَردُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ غَيرُ مَقبُولٍ! وَقَد حَرَّرَ أَئِمَّةُ الحَدِيثِ وَالفِقهِ كَشَيخِ الإِسلَامِ ابنِ تَيمِيَّةَ، وَالإِمَامِ النَّوَوِيِّ، وَابنِ القَيِّمِ، وَالحَافِظِ ابنِ رَجَبٍ، وَأَفْرَدَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي ذَلِكَ كِتَابًا مُستَقِلًّا سَمَّاهُ «تَبيِينُ العَجَبِ بِمَا وَرَدَ فِي فَضلِ رَجَبَ»؛ قَرَّرُوا جَمِيعًا قَاعِدَةً حَاسِمَةً نَصُّهَا: «أَنَّهُ لَم يَصِحَّ فِي فَضلِ شَهرِ رَجَبٍ بِخُصُوصِهِ، وَلَا فِي صِيَامِهِ، وَلَا فِي صِيَامِ شَيءٍ مِنهُ مُعَيَّنٍ، وَلَا فِي قِيَامِ لَيلَةٍ مَخصُوصَةٍ فِيهِ، حَدِيثٌ صَحِيحٌ يَصلُحُ لِلحُجَّةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»! وَإِنَّمَا يَدخُلُ شَهرُ رَجَبٍ فِي الفَضلِ العَامِّ لِلأَشهُرِ الحُرُمِ الأَربَعَةِ الَّتِي يُستَحَبُّ فِيهَا الإِكثَارُ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ وَالصِّيَامِ وَالتَّقوَى عُمُومًا دُونَ تَخصِيصٍ بَدعِيٍّ. وَمِن هُنَا يَجِبُ التَّنبِيهُ عَلَى خَمسِ مَسَائِلَ يَكثُرُ السُّؤَالُ عَنهَا وَالِالتِبَاسُ فِيهَا كُلَّمَا دَخَلَ شَهرُ رَجَبٍ: المَسأَلَةُ الأُولَى: مَا يَتَدَاوَلُهُ النَّاسُ مِن حَدِيثِ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَشَعبَانَ وَبَلِّغنَا رَمَضَانَ»: قَالَ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ وَالنَّوَوِيُّ وَابنُ حَجَرٍ وَالأَلبَانِيُّ رَحِمَهُمُ اللهُ: إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ ضَعِيفُ الإِسنَادِ لَا يَثبُتُ مَرفُوعًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ فِي إِسنَادِهِ زَائِدَةَ بنَ أَبِي الرُّقَادِ وَهُوَ مُنكَرُ الحَدِيثِ عَن زِيَادٍ النُّمَيرِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ فَلَا يَجُوزُ الجَزمُ بِنِسبَتِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَلَا اعتِقَادُهُ سُنَّةً نَبَوِيَّةً مَأثُورَةً عِندَ رُؤيَةِ هِلَالِ رَجَبٍ؛ وَأَمَّا مِن حَيثُ المَعنَى العامُّ فَإِنَّ دُعَاءَ المُسلِمِ رَبَّهُ أَن يُبَارِكَ لَهُ فِي شَهرِهِ وَعُمرِهِ وَأَن يُبلِّغَهُ رَمَضَانَ مَعنًى صَحِيحٌ دَرجَ عَلَيهِ السَّلَفُ كَمَا قَالَ مُعَلَّى بنُ الفَضلِ: «كَانُوا يَدعُونَ اللهَ سِتَّةَ أَشهُرٍ أَن يُبَلِّغَهُم رَمَضَانَ». المَسأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حُكمُ الصِّيَامِ فِي شَهرِ رَجَبٍ: الأَحَادِيثُ الَّتِي تَذكُرُ أَنَّ مَن صَامَ اليَومَ الأَوَّلَ مِن رَجَبٍ فَلَهُ كَذَا، وَمَن صَامَ سَبعَةَ أَيَّامٍ غُلِّقَت عَنهُ أَبوَابُ جَهَنَّمَ، كُلُّهَا أَحَادِيثُ مَوضُوعَةٌ مَكذُوبَةٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِاتِّفَاقِ المُحَدِّثِينَ! وَكَانَ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وَابنُهُ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وَعَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو بَكرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم يَكرَهُونَ أَن يُفرِدَ النَّاسُ شَهرَ رَجَبٍ كُلَّهُ بِالصَّومِ أَو يَجعَلُوهُ عِيدًا؛ لِئَلَّا يُشَبَّهَ بِفَرِيضَةِ رَمَضَانَ! وَأَمَّا مَن صَامَ مِن رَجَبٍ أَيَّامًا دُونَ اعتِقَادِ تَخصِيصٍ مُبتدَعٍ، كَمَن يَصُومُ الاثنَينِ وَالخَمِيسَ، أَوِ الأَيَّامَ البِيضَ، أَو يَستَكثِرُ مِنَ الصَّومِ فِي الأَشهُرِ الحُرُمِ الأَربَعَةِ جَمِيعًا كَمَا كَانَ يَفعَلُ ابنُ عُمَرَ وَالحَسَنُ البَصرِيُّ وَسُفيَانُ الثَّورِيُّ، فَهَذَا عَمَلٌ صَالِحٌ مَشرُوعٌ لَا غُبَارَ عَلَيهِ. المَسأَلَةُ الثَّالِثَةُ: بِدعَةُ «صَلَاةِ الرَّغَائِبِ» فِي أَوَّلِ لَيلَةِ جُمُعَةٍ مِن رَجَبٍ: وَهِيَ صَلَاةٌ مُخترَعَةٌ بِصِفَةٍ غَرِيبَةٍ فِي أَوَّلِ لَيلَةِ جُمُعَةٍ مِن رَجَبٍ؛ قَالَ فِيهَا الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي شَرحِ مُسلِمٍ: «قَاتَلَ اللهُ وَاضِعَهَا وَمُختَرِعَهَا؛ فَإِنَّهَا بِدعَةٌ مُنكَرَةٌ مِنَ البِدَعِ الَّتِي هِيَ ضَلَالَةٌ وَجَهَالَةٌ، وَفِيهَا مُنكَرَاتٌ ظَاهِرَةٌ، وَقَد صَنَّفَ جَمَاعَةٌ مِنَ الأَئِمَّةِ مُصَنَّفَاتٍ نَفِيسَةً فِي تَقبِيحِهَا وَتَضلِيلِ مُصَلِّيهَا وَمُبتَدِعِيهَا»، وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ: «أُحدِثَت بَعدَ المِائَةِ الرَّابِعَةِ، وَلَم يَكُن يَعرِفُهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ»! المَسأَلَةُ الرَّابِعَةُ: تَخصِيصُ لَيلَةِ السَّابِعِ وَالعِشرِينَ مِن رَجَبٍ بِقِيَامٍ أَوِ احتِفَالٍ أَو صِيَامِ يَومِهَا بِدَعوَى أَنَّهَا لَيلَةُ الإِسرَاءِ وَالمِعرَاجِ: لَا شَكَّ أَنَّ مُعجِزَةَ الإِسرَاءِ وَالمِعرَاجِ مِن أَعظَمِ آيَاتِ اللهِ الكُبرَى وَمَنَاقِبِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتَةِ بِالقُرآنِ وَالسُّنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ؛ وَلَكِن قَرَّرَ المُحَقِّقُونَ مِن أَهلِ العِلمِ كَابنِ تَيمِيَّةَ وَابنِ القَيِّمِ وَأَبِي شَامَةَ وَابنِ رَجَبٍ وَابنِ حَجَرٍ أَمرَينِ حَاسِمَينِ: الأَوَّلُ: أَنَّهُ لَم يَثبُتْ بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ تَعيِينُ السَّنَةِ وَلَا الشَّهرِ وَلَا اللَّيلَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الإِسرَاءُ وَالمِعرَاجُ، بَلِ اختَلَفَ العلماءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَكثَرَ مِن عَشرَةِ أَقوَالٍ، وَقَالَ أَبُو شَامَةَ وَابنُ تَيمِيَّةَ: إِنَّ دَعوَى أَنَّهَا فِي لَيلَةِ السَّابِعِ وَالعِشرِينَ مِن رَجَبٍ لَا أَصلَ لَهَا عِندَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَو فُرِضَ ثُبُوتُ تَعيِينِ تِلكَ اللَّيلَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَاشَ بَعدَ الإِسرَاءِ وَالمِعرَاجِ سِنِينَ عَدِيدَةً، وَعَاشَ بَعدَهُ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ وَالصَّحَابَةُ أَجمَعُونَ، فَلَم يَحتَفِلْ أَحَدٌ مِنهُم بِتِلكَ اللَّيلَةِ، وَلَم يَخُصُّوهَا بِقِيَامٍ وَلَا صِيَامٍ؛ وَالخَيرُ كُلُّ الخَيرِ فِي اتِّبَاعِ مَن سَلَفَ، وَالتَّعظِيمُ الحَقِيقِيُّ لِمُعجِزَةِ الإِسرَاءِ وَالمِعرَاجِ يَكُونُ بِإِقَامَةِ «الصَّلَاةِ» الَّتِي فُرِضَت فِي تِلكَ اللَّيلَةِ المُبَارَكَةِ! المَسأَلَةُ الخَامِسَةُ: مَا كَانَ يُسمَّى «العَتِيرَةَ» أَو «الرَّجَبِيَّةَ» مِنَ الذَّبَائِحِ، وَتَخصِيصُ رَجَبٍ بِالعُمرَةِ: فَقَد أَبطَلَ الإِسلَامُ ذَبِيحَةَ الجَاهِلِيَّةِ فِي رَجَبٍ بِقَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ»؛ وَأَمَّا العُمرَةُ فَهِيَ مَشرُوعَةٌ فِي جَمِيعِ شُهُورِ السَّنَةِ، لَكِن لَم يَعتَمِرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي رَجَبٍ قَطُّ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، وَأَفضَلُ زَمَانٍ لِلعُمرَةِ هُوَ شَهرُ رَمَضَانَ وَأَشهُرُ الحَجِّ اللذانِ اعتَمَرَ فِيهِمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: نَختِمُ دَرسَنَا بِالمَبحَثِ الخَامِسِ: ذِكرَيَاتُ العِزَّةِ فِي شَهرِ رَجَبٍ، وَالبَرنَامَجُ العَمَلِيُّ لِاغتِنَامِهِ! لَقَد كَانَ شَهرُ رَجَبٍ فِي تَارِيخِ أُمَّتِنَا الإِسلَامِيَّةِ شَهرَ جِدٍّ وَعَزِيمَةٍ وَفُتُوحَاتٍ عُظمَى؛ فَفِي شَهرِ رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلهِجرَةِ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابُهُ فِي غَزوَةِ تَبُوكَ فِي شِدَّةِ الحَرِّ وَالعُسرَةِ فَرهَبَ الرُّومُ وَدَانَت جَزِيرَةُ العَرَبِ لِلإِسلَامِ؛ وَفِي شَهرِ رَجَبٍ سَنَةَ خَمسَ عَشرَةَ لِلهِجرَةِ كَانَت مَعرَكَةُ اليَرمُوكِ الفَاصِلَةُ بَينَ المُسلِمِينَ وَالرُّومِ؛ وَفِي يَومِ الجُمُعَةِ السَّابِعِ وَالعِشرِينَ مِن شَهرِ رَجَبٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَخَمسِمِائَةٍ لِلهِجرَةِ دَخَلَ السُّلطَانُ المُجَاهِدُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ الأَيُّوبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ بَيتَ المَقدِسِ فَاتِحًا مُحَرِّرًا لِلمَسجِدِ الأَقصَى المُبَارَكِ بَعدَ أَحَدَ عَشَرَ وَتِسعِينَ عَامًا مِنَ الاحتِلَالِ الصَّلِيبِيِّ، وَارتَفَعَ الأَذَانُ وَأُقِيمَت صَلَاةُ الجُمُعَةِ فِي قِبلَةِ المُسلِمِينَ الأُولَى وَمَسرَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! فَكَيفَ نَغتَنِمُ شَهرَ رَجَبٍ الحَرَامَ اغتِنَامًا عَمَلِيًّا يَرفَعُ دَرَجَاتِنَا عِندَ اللهِ؟ ١. تَوبَةٌ نَصُوحٌ صَادِقَةٌ مِن جَمِيعِ الذُّنُوبِ وَالمَظَالِمِ تعظيمًا لِحُرمَةِ الشَّهرِ الحَرَامِ وَامتِثَالًا لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. ٢. تَثبِيتُ وِردٍ يَومِيٍّ مِن تِلَاوَةِ القُرآنِ الكَرِيمِ وَأَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ وَأَدبَارِ الصَّلَوَاتِ. ٣. تَدرِيبُ النَّفسِ عَلَى صِيَامِ النَّوَافِلِ المَشرُوعَةِ كَالاثنَينِ وَالخَمِيسِ وَالأَيَّامِ البِيضِ، وَعَلَى رَكَعَاتٍ فِي جَوفِ اللَّيلِ، وَإِخرَاجِ الصَّدَقَاتِ لِلفُقَرَاءِ وَالمَكرُوبِينَ. ٤. التَّمسُّكُ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَنَشرُ البَصِيرَةِ العِلمِيَّةِ بَينَ الأَهلِ وَالإِخوَانِ بِرِفقٍ وَحِكمَةٍ. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ يُوقِظُ الهِمَمَ عِندَ إِقبَالِ شَهرِ رَجَبٍ: أَقبِلْ عَلَى اللهِ فِي شَهرٍ لَهُ حُرَمُ ... فَالذَّنبُ فِيهِ عَظِيمٌ وَالأُجُورُ دِيَمُ فَازرَعْ بِهِ بَذرَةَ التَّقوَى لِتَحصُدَهَا ... فِي شَهرِ صَومِكَ فَالغَفلَانُ يَنهَزِمُ وَالزَمْ سَبِيلَ الهُدَى وَاحذَرْ مُحَدَّثَةً ... مَا سَنَّهَا المُصطَفَى الهَادِي وَلَا العَلَمُ! اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. اللَّهُمَّ وَفِّقنَا لِتَعظِيمِ حُرُمَاتِكَ وَشَعَائِرِكَ، وَاعصِمنَا مِن ظُلمِ أَنفُسِنَا وَظُلمِ عِبَادِكَ فِي الأَشهُرِ الحُرُمِ وَفِي سَائِرِ الشُّهُورِ وَالأَعوَامِ. اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي أَعمَارِنَا وَأَعمَالِنَا، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، وَسَلِّمنَا إِلَى رَمَضَانَ وَسَلِّم رَمَضَانَ لَنَا وَتَسَلَّمهُ مِنَّا مُتَقَبَّلًا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ طَهِّرِ المَسجِدَ الأَقصَى مِن دَنَسِ الغَاصِبِينَ المُعتَدِينَ، وَانصُر إِخوَانَنَا المُستَضعَفِينَ فِي فِلَسطِينَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.