من مكتبة مِداد الخطيب

شَرحُ حَدِيثِ «ذَهَبَ أَهلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ» وَالتَّنبِيهُ عَلَى التَّقصِيرِ فِي سُنَّةِ الأَذكَارِ بَعدَ الصَّلَاةِ لِعَظِيمِ أَجرِهَا

مشاركة
شَرحُ حَدِيثِ «ذَهَبَ أَهلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ» وَالتَّنبِيهُ عَلَى التَّقصِيرِ فِي سُنَّةِ الأَذكَارِ بَعدَ الصَّلَاةِ لِعَظِيمِ أَجرِهَا الحَمدُ للهِ الَّذِي فَتَحَ لِعِبَادِهِ أَبوَابَ الخَيرَاتِ وَالأُجُورْ، وَعَوَّضَ الفُقَرَاءَ الصَّابِرِينَ عَن قَنَاطِيرِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ بِالبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ فِي الغُدُوِّ وَالآصَالِ وَالبُكُورْ، وَجَعَلَ ذِكرَهُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكتُوبَاتِ كَنزًا مَذخُورًا وَتِجَارَةً لَن تَبُورْ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى فَضلِهِ العَمِيمِ وَعَطَائِهِ المَوفُورْ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيمُ بِمَا فِي الصُّدُورْ، يُضَاعِفُ الحَسَنَةَ بِعَشرِ أَمثَالِهَا إِلَى سَبعِمِائَةِ ضِعفٍ وَهُوَ الغَفُورُ الشَّكُورْ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الذَّاكِرِينَ وَقُدوَةُ الشَّاكِرِينَ وَرَحمَةُ اللهِ لِلعَالَمِينْ، كَانَ إِذَا سَلَّمَ مِن صَلَاتِهِ استَغفَرَ ثَلَاثًا وَعَظَّمَ رَبَّهُ وَمَجَّدَهُ وَأَرشَدَ أُمَّتَهُ إِلَى مَفَاتِيحِ الفِردَوسِ وَالنَّعِيمِ المُقِيمْ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينْ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ الَّذِينَ تَنَافَسُوا فِي مَرَاضِي رَبِّهِم فَفَازُوا بِالدَّرَجَاتِ العُلَى فِي عِلِّيِّينْ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينْ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ وَالأَخَوَاتُ المُؤمِنَاتُ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالإِكثَارِ مِن ذِكرِهِ فِي كُلِّ وَقتٍ وَحِينٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي أَدبَارِ الصَّلَوَاتِ المَكتُوبَاتِ؛ فَإِنَّ ذِكرَ اللهِ هُوَ حَيَاةُ القُلُوبِ، وَجَلَاءُ الهُمُومِ، وَمِثقَالُ المَوَازِينِ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. أَيُّهَا الأَحِبَّةُ فِي اللهِ: تَعَالَوا بِنَا فِي هَذِهِ المَوعِظَةِ الإِيمَانِيَّةِ نَفتَحُ نَافِذَةً عَلَى مَجلِسٍ مِن مَجَالِسِ النُّبُوَّةِ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ؛ لِنَرَى عَلَى أَيِّ شَيءٍ كَانَ أَصحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَتَنَافَسُونَ، وَعَلَى أَيِّ شَيءٍ كَانُوا يَحزَنُونَ وَيَغتَمُّونَ! فِي دُنيَا النَّاسِ اليَومَ، إِذَا جَلَسَ الفَقِيرُ مَعَ أَقرَانِهِ أَو نَظَرَ إِلَى الأَغنِيَاءِ، فَعَلَى مَاذَا يَتحَسَّرُ؟ يَتحَسَّرُ عَلَى القُصُورِ الفَارِهَةِ الَّتِي سَكَنُوهَا، وَالمَرَاكِبِ الوَثِيرَةِ الَّتِي رَكِبُوهَا، وَالأَموَالِ الطَّائِلَةِ الَّتِي جَمَعُوهَا! أَمَّا فِي مَدرَسَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَد كَانَ المِيزَانُ مُختَلِفًا تَمَامًا! كَانَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ يَنظُرُونَ إِلَى إِخوَانِهِمُ الأَغنِيَاءِ كَعُثمَانَ بنِ عَفَّانَ وَعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ وَطَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، فَلَا يَحزَنُونَ أَبَدًا عَلَى أَنَّ الأَغنِيَاءَ يَأكُلُونَ طَيِّبًا أَو يَلبَسُونَ جَدِيدًا، بَل يَحزَنُونَ شَوقًا وَغِبطَةً حِينَ يَرَونَ الأَغنِيَاءَ يَتَصَدَّقُونَ بِأَموَالِهِم، وَيُعتِقُونَ الرِّقَابَ، وَيُجَهِّزُونَ الغُزَاةَ، وَيَحُجُّونَ وَيَعتَمِرُونَ، فَيَسبِقُونَهُم إِلَى الدَّرَجَاتِ العُلَى فِي الجَنَّةِ! استَمِعُوا إِلَى هَذَا الحَدِيثِ الجَلِيلِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامَانِ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَرَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ أَيضًا مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا بِلَهفَةِ المُحبِّ المَشُوقِ إِلَى الآخِرَةِ: «يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، وَالدَّرَجَاتِ العُلَى، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ!»، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالُوا: «يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعتِقُونَ وَلَا نُعتِقُ!»، وَفِي رِوَايَةٍ: «وَلَهُم فَضلٌ مِن أَموَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ»! فَنَظَرَ إِلَيهِمُ النَّبِيُّ الرَّحِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَظرَةَ البِشَارَةِ وَالجَبرِ، وَقَالَ لَهُم: «أَفَلَا أُعَلِّمُكُم شَيئًا تُدرِكُونَ بِهِ مَن سَبَقَكُم، وَتَسبِقُونَ بِهِ مَن بَعدَكُم، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفضَلَ مِنكُم إِلَّا مَن صَنَعَ مِثلَ مَا صَنَعتُم؟»، قَالُوا بِشَوقٍ عَظِيمٍ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً»! وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ قَالَ لَهُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَوَلَيسَ قَد جَعَلَ اللهُ لَكُم مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمرٌ بِالمَعرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيٌ عَن مُنكَرٍ صَدَقَةٌ»! قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي تَمَامِ الحَدِيثِ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: «سَمِعَ إِخوَانُنَا أَهلُ الأَموَالِ بِمَا فَعَلنَا فَفَعَلُوا مِثلَهُ!»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ»! اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ اللهِ! قِفُوا مَعِي عِندَ دُرَرِ هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ وَأَسرَارِهِ الإِيمَانِيَّةِ وَالتَّربَوِيَّةِ: الوَقفَةُ الأُولَى: تَأَمَّلُوا قَولَهُم: «ذَهَبَ أَهلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، وَالدَّرَجَاتِ العُلَى، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ»! «الدُّثُورُ» جَمعُ دَثرٍ، وَهُوَ المَالُ الكَثِيرُ الوَافِرُ؛ وَانظُرُوا إِلَى طَهَارَةِ قُلُوبِ الصَّحَابَةِ وَعُلُوِّ هِمَّتِهِم: لَم يَقُولُوا: ذَهَبَ أَهلُ الدُّثُورِ بِالقُصُورِ وَالبَسَاتِينِ وَالدُّنيَا؛ بَل قَالُوا: «ذَهَبَ أَهلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ»! لَم يَكُن ذَلِكَ مِنهُم حَسَدًا مَذمُومًا يتَمَنَّونَ فِيهِ زَوَالَ النِّعمَةِ عَن إِخوَانِهِم حَاشَاهُم، بَل كَانَ «غِبطَةً إِيمَانِيَّةً مَحمُودَةً» وَتَنَافُسًا شَرِيفًا فِي الآخِرَةِ؛ كَمَا أَمَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ المُطَفِّفِينَ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، وَقَالَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾! وَهُوَ عَينُ مَا مَدَحَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «لَا حَسَدَ أَي لَا غِبطَةَ إِلَّا فِي اثنَتَينِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكمَةَ فَهُوَ يَقضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا»! الوَقفَةُ الثَّانِيَةُ: تَأَمَّلُوا عَظَمَةَ العِوَضِ الرَّبَّانِيِّ وَالجائِزَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَفَلَا أُعَلِّمُكُم شَيئًا تُدرِكُونَ بِهِ مَن سَبَقَكُم، وَتَسبِقُونَ بِهِ مَن بَعدَكُم، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفضَلَ مِنكُم إِلَّا مَن صَنَعَ مِثلَ مَا صَنَعتُم؟ تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً»! سبحَانَ اللهِ! ثَلَاثُ جَوائِزَ كُبرَى رَتَّبَهَا الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الكَلِمَاتِ اليَسِيرَةِ الَّتِي تُقَالُ فِي ثَلَاثِ دَقَائِقَ بَعدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكتُوبَةٍ: الأُولَى: «تُدرِكُونَ بِهِ مَن سَبَقَكُم» مِن أَهلِ الأَموَالِ وَالصَّدَقَاتِ وَالعِتقِ وَالحَجِّ التَّطَوُّعِيِّ! الثَّانِيَةُ: «وَتَسبِقُونَ بِهِ مَن بَعدَكُم» مِمَّن فَرَّطَ فِي هَذَا الكَنزِ وَتَهَاوَنَ بِهِ! الثَّالِثَةُ: «وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفضَلَ مِنكُم إِلَّا مَن صَنَعَ مِثلَ مَا صَنَعتُم»! لِمَاذَا بَلَغَت هَذِهِ الأَذكَارُ بَعدَ الصَّلَاةِ هَذِهِ المَنزِلَةَ العُظمَى حَتَّى عَادَلَتِ الصَّدَقَاتِ المَالِيَّةَ وَعِتقَ الرِّقَابِ؟ لِأَنَّ الغَنِيَّ يَتَصَدَّقُ بِمَالِهِ فَيَنفَعُ الخَلقَ تَعظِيمًا للهِ، وَالفَقِيرَ الذَّاكِرَ يَتَصَدَّقُ بِلِسَانِهِ وَقَلبِهِ فَيُثنِي عَلَى رَبِّهِ بِالتَّنزِيهِ «سُبحَانَ اللهِ»، وَبِالثَّنَاءِ وَالشُّكرِ «الحَمدُ للهِ»، وَبِالإِجلَالِ وَالتَّعظِيمِ «اللهُ أَكبَرُ»، وَبِالتَّوحِيدِ الخَالِصِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ عِندَ اللهِ مِن كُلِّ شَيءٍ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ العَنكَبُوتِ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَلَا أُنَبِّئُكُم بِخَيرِ أَعمَالِكُم، وَأَزكَاهَا عِندَ مَلِيكِكُم، وَأَرفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُم، وَخَيرٍ لَكُم مِن إِنفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيرٍ لَكُم مِن أَن تَلقَوا عَدُوَّكُم فَتَضرِبُوا أَعنَاقَهُم وَيَضرِبُوا أَعنَاقَكُم؟»، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «ذِكرُ اللهِ تَعَالَى»! الوَقفَةُ الثَّالِثَةُ مَعَ الحَدِيثِ: تَأَمَّلُوا يَقَظَةَ أَغنِيَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم! فَلَمَّا سَمِعَ أَغنِيَاءُ المهاجرينَ وَالأَنصَارِ بِهَذَا الكَنزِ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِلفُقَرَاءِ، لَم يَقُولُوا: «نَحنُ أَغنِيَاءُ نتَصَدَّقُ بِأَموَالِنَا فَلَا نَحتَاجُ إِلَى التَّسبِيحِ دُبُرَ الصَّلَاةِ»! بَل زَاحَمُوا الفُقَرَاءَ فِي التَّسبِيحِ وَالتَّحمِيدِ وَالتَّكبِيرِ عقبَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَجَمَعُوا بَينَ فَضِيلَةِ البَذلِ المَالِيِّ وَفَضِيلَةِ الذِّكرِ اللِّسَانِيِّ وَالقَلبِيِّ! فَلَمَّا عَادَ الفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَشتَكُونَ تِلكَ المُزَاحَمَةَ المَحمُودَةَ قَالَ لَهُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ»، مُقتَبِسًا مِن قَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الجُمُعَةِ وَسُورَةِ الحَدِيدِ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۝ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾! أَيُّهَا الإِخوَةُ وَالأَخَوَاتُ: لِنَنتَقِلِ الآنَ مِن شَرحِ هَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ إِلَى القَضِيَّةِ الكُبرَى وَالجُرحِ المُؤلِمِ الَّذِي نَشكُوهُ فِي مَسَاجِدِنَا وَبُيُوتِنَا اليَومَ، أَلَا وَهُوَ: «التَّقصِيرُ وَالتَّفرِيطُ الفَادِحُ فِي سُنَّةِ الأَذكَارِ بَعدَ الصَّلَاةِ مَعَ عَظِيمِ أَجرِهَا وَيسيرِ وَقتِهَا»! ادخُلْ أَيَّ مَسجِدٍ مِن مَسَاجِدِ المُسلِمِينَ اليَومَ، وَانظُرْ مَاذَا يَحدُثُ فِي اللَّحظَةِ الَّتِي يَفرُغُ فِيهَا الإِمَامُ مِن قَولِهِ: «السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ»! مَا إِن يَفرُغَ الإِمَامُ مِنَ التَّسلِيمَةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى تَرَى عَشَرَاتِ المُصَلِّينَ يَثِبُونَ مِن أَمَاكِنِهِم وَثبًا، وَيَنفِرُونَ نُفُورًا، وَيتَدَافَعُونَ عِندَ أَبوَابِ المَسجِدِ كَأَنَّهُم كَانُوا فِي سِجنٍ ضَيِّقٍ فَطُلِقَ سَرَاحُهُم، أَو كَأَنَّ النَّارَ قَد شَبَّت تَحتَ أَقدَامِهِم! وَتَرَى صِنفًا آخَرَ يَبقَى جَالِسًا فِي مَكَانِهِ، لَكِنَّ يَدَهُ تَسبِقُ لِسَانَهُ؛ فَبَدَلَ أَن يَعقِدَ التَّسبِيحَ بِأَنَامِلِهِ، يَمُدُّ يَدَهُ فَوْرَ التَّسلِيمِ إِلَى جَيبِهِ لِيُخرِجَ هَاتِفَهُ الذَّكِيَّ، فَيَشرَعُ فِي تَصَفُّحِ الرَّسَائِلِ وَالأَخبَارِ وَهُوَ عَلَى سَجَّادَةِ الصَّلَاةِ! وَتَرَى صِنفًا ثَالِثًا يَمُرُّ عَلَى الأَذكَارِ مُرُورَ البَرقِ الخَاطِفِ وَهُوَ يَمشِي وَيَلبَسُ حِذَاءَهُ، يَهذُّهَا هَذًّا بِلا عَدٍّ وَلَا حُضُورِ قَلبٍ وَلَا تَدَبُّرٍ! يَا عَبدَ اللهِ، يَا مَن تَستَعجِلُ الفِرَارَ مِن مَجلِسِ ذِكرِ اللهِ عقبَ الصَّلَاةِ، وَلَا تَصبِرُ ثَلَاثَ دَقَائِقَ أَو خَمسَ دَقَائِقَ فِي مَصَلَّاكَ: هَل تَعلَمُ مَاذَا ضَيَّعتَ عَلَى نَفسِكَ بِهَذِهِ العَجَلَةِ؟ هَل تَدرِي أَيَّ كُنُوزٍ وَمَغَانِمَ رَفَستَهَا بِقَدَمِكَ وَخَرَجتَ مِن بَيتِ اللهِ صِفرَ اليَدَينِ مِنهَا؟ تَعَالَ أَعرِضْ عَلَيكَ سِتَّةَ كُنُوزٍ نَبَوِيَّةٍ صَحِيحَةٍ ثَابِتَةٍ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تُعطَى لِمَن جَلَسَ يَذكُرُ اللهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكتُوبَةٍ: الكَنزُ الأَوَّلُ: غُفرَانُ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا وَإِن كَانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلكَ تِسعَةٌ وَتِسعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ المِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَت خَطَايَاهُ وَإِن كَانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ»! تَصَوَّرْ يَا أَخِي: زَبَدُ البَحرِ هُوَ الرَّغوَةُ البَيضَاءُ الَّتِي تَغطِّي سَطحَ البِحَارِ وَالمُحِيطَاتِ عِندَ هَيَجَانِ الأَموَاجِ عَلَى امتِدَادِ آلافِ الأَميَالِ؛ لَو كَانَت ذُنُوبُكَ وَخطَايَاكَ فِي الكَثرَةِ مِثلَ ذَلِكَ الزَّبَدِ، فَإِنَّ هَذِهِ المِائَةَ الَّتِي لَا تَستَغرِقُ دَقِيقَتَينِ دُبُرَ الصَّلَاةِ تَمحُوهَا كُلَّهَا بِفَضلِ اللهِ! الكَنزُ الثَّانِي: ضَمَانُ عَدَمِ الخَيبَةِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن كَعبِ بنِ عُجرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ أَو فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكتُوبَةٍ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحمِيدَةً، وَأَربَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكبِيرَةً»! سَمَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «مُعَقِّبَاتٍ» لِأَنَّهَا تَأتِي عَقِبَ الصَّلَاةِ وَيَعقُبُ بَعضُهَا بَعضًا، وَأَخبَرَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ أَنَّ قَائِلَهَا «لَا يَخِيبُ» أَبَدًا؛ فَلَا يَخِيبُ رَجَاؤُهُ، وَلَا يَخِيبُ دُعَاؤُهُ، وَلَا يَخِيبُ سَعيُهُ يَومَ يَلقَى رَبَّهُ! الكَنزُ الثَّالِثُ: أَلفٌ وَخَمسُمِائَةِ حَسَنَةٍ إِلَى خَمسَةِ آلافِ حَسَنَةٍ فِي كُلِّ يَومٍ، مَعَ الإِقرارِ النَّبَوِيِّ بِأَنَّهُ «يَسِيرٌ وَمَن يَعمَلُ بِهِ قَلِيلٌ»! فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابنِ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَصلَتَانِ أَو خَلَّتَانِ لَا يُحَافِظُ عَلَيهِمَا عَبدٌ مُسلِمٌ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ، هُمَا يَسِيرٌ وَمَن يَعمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ: يُسَبِّحُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشرًا، وَيَحمَدُ عَشرًا، وَيُكَبِّرُ عَشرًا، فَتِلكَ خَمسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلفٌ وَخَمسُمِائَةٍ فِي المِيزَانِ؛ وَيُكَبِّرُ أَربَعًا وَثَلَاثِينَ إِذَا أَخَذَ مَضجَعَهُ، وَيَحمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلفٌ فِي المِيزَانِ!»، فَلَقَد رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَعقِدُهَا بِيَدِهِ! قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيفَ هُمَا يَسِيرٌ وَمَن يَعمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَأتِي أَحَدَكُم يَعنِي الشَّيطَانَ فِي مَنَامِهِ فَيُنَوِّمُهُ قَبلَ أَن يَقُولَهُ، وَيَأتِيهِ فِي صَلَاتِهِ فَيُذَكِّرُهُ حَاجَةً قَبلَ أَن يَقُولَهَا»! يَا للهِ! مَا أَصدَقَ وَصفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِحَالِنَا اليَومَ! مَا إِن يُسَلِّمَ المُصَلِّي مِن صَلَاتِهِ حَتَّى يَأتِيَهُ الشَّيطَانُ فَيُذَكِّرَهُ حَاجَةً تَافِهَةً أَو مَوعِدًا غَيرَ عَاجِلٍ أَو رِسَالَةً فِي هَاتِفِهِ، فَيُقِيمَهُ مِن مَصلَّاهُ قَبلَ أَن يَذكُرَ اللهَ! الكَنزُ الرَّابِعُ: قِرَاءَةُ آيَةِ الكُرسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكتُوبَةٍ، الَّتِي لَا يَبقَى بَينَ قَارِئِهَا وَبَينَ الجَنَّةِ إِلَّا المَوتُ! رَوَى الإِمَامُ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبرَى وَالطَّبَرَانِيُّ وَابنُ السُّنِّيِّ وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ وَابنُ القَيِّمِ وَالأَلبَانِيُّ عَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن قَرَأَ آيَةَ الكُرسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكتُوبَةٍ لَم يَمنَعهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ إِلَّا أَن يَمُوتَ»! قَالَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ وَتِلمِيذُهُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ: «بَلَغَنِي عَن شَيخِنَا أَبِي العَبَّاسِ ابنِ تَيمِيَّةَ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا تَرَكتُهَا عَقِبَ كُلِّ صَلَاةٍ قطُّ إِلَّا نِسيَانًا أَو نَحوَهُ»! آيَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ أَعظَمُ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ لَا تَأخُذُ مِن وَقتِكَ ثَلَاثِينَ ثَانِيَةً، تَجعَلُ المَسَافَةَ بَينَكَ وَبَينَ الجَنَّةِ هِيَ لَحظَةَ المَوتِ فَقَط، فَكَيَّفَ يَفرُّ مِنهَا عَاقِلٌ؟ الكَنزُ الخَامِسُ: جَبرُ نَقصِ الصَّلَاةِ وَخَلَلِهَا بِالِاستِغفَارِ وَالذِّكرِ عَقِبَهَا! فَقَد قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن ثَوبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِذَا انصَرَفَ مِن صَلَاتِهِ استَغفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنتَ السَّلَامُ وَمِنكَ السَّلَامُ، تَبَارَكتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ»، وَأَوصَى حِبَّهُ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا عِندَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَن تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ»! قَالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ وَالحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ رَحِمَهُمَا اللهُ: إِنَّمَا شُرِعَ الِاستِغفَارُ وَالذِّكرُ عَقِبَ الصَّلَاةِ مُبَاشَرَةً لِحِكمَتَينِ عَظِيمَتَينِ: الأُولَى تَرقِيعُ مَا وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ مِن غَفلَةٍ وَسَهوٍ وَتَقصِيرٍ، وَالثَّانِيَةُ كَسرُ العُجبِ فِي نَفسِ العَابِدِ حَتَّى يَختِمَ طَاعَتَهُ بِمَقَامِ الِانكِسَارِ وَالِافتِقَارِ بَينَ يَدَيِ اللهِ! الكَنزُ السَّادِسُ: دُعَاءُ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ وَاستِغفَارُهُم لَكَ طِيلَةَ جُلُوسِكَ فِي مَصَلَّاكَ تَذكُرُ اللهَ بَعدَ الصَّلَاةِ! فَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُم مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَم يُحدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارحَمْهُ»! يَا سُبحَانَ اللهِ! أَنتَ جَالِسٌ فِي مَكَانِكَ بَعدَ الصَّلَاةِ هَادِئًا مُطمَئِنًّا تَسَبِّحُ اللهَ، وَمَلَائِكَةُ الرَّحمَنِ الَّذِينَ لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَلَا يُرَدُّ دُعَاؤُهُم يَستَغفِرُونَ لَكَ وَيَستَرحِمُونَ اللهَ لَكَ! فَأَيُّ خَسَارَةٍ أَعظَمُ مِن أَن يَقُومَ المُصَلِّي مُسرِعًا فَيَقطَعَ عَن نَفسِهِ استِغفَارَ المَلَائِكَةِ؟ قالَ ابنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي شَرحِ البُخَارِيِّ: «مَن كَانَ كَثِيرَ الذُّنُوبِ وَأَرَادَ أَن يَحُطَّهَا اللهُ عَنهُ بِغَيرِ تَعَبٍ، فَلْيَغتَنِمْ مُلَازَمَةَ مَكَانِ مُصَلَّاهُ بَعدَ الصَّلَاةِ؛ لِيَستَكثِرَ مِن دُعَاءِ المَلَائِكَةِ وَاستِغفَارِهِم لَهُ»! وَللهِ دَرُّ القَائِلِ يَحُثُّ القُلُوبَ عَلَى اغتِنَامِ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ: إِذَا مَا قَضَيتَ الفَرضَ فَامكُثْ هُنَيهَةً ... تُسَبِّحُ رَبَّ العَرشِ فِي كُلِّ مَسجِدِ بِهَا تُدرِكُ الأَبرَارَ مِن أَهلِ ثَروَةٍ ... وَتَسبِقُ مَن يَأتِي بِأَعظَمِ مَقعَدِ وَفِيهَا صَلَاةُ الطَّاهِرِينَ مَلَائِكٍ ... تَقُولُ إِلَهِي اغفِرْ لِعَبدٍ مُوَحِّدِ فَلَا تَعجَلَنَّ القَومَ عِندَ سَلَامِهِم ... فَذَلِكَ كَنزُ الفَائِزِ المُتَزَوِّدِ! فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ وَالأَخَوَاتُ المُؤمِنَاتُ: عَاهِدُوا اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِن هَذَا اليَومِ عَهدًا صَادِقًا أَلَّا تَقُومُوا مِن مُصَلَّاكُم بَعدَ أَيِّ صَلَاةٍ مَكتُوبَةٍ فِي المَسجِدِ أَو فِي البَيتِ حَتَّى تَستَوفُوا أَذكارهَا النَّبَوِيَّةَ كَامِلَةً بِتَأَنٍّ وَحُضُورِ قَلبٍ، وَاعقِدُوا التَّسبِيحَ بِأَنَامِلِ أَيدِيكُم فَإِنَّهَا مَسؤُولَةٌ مُستَنطَقَةٌ تَشهَدُ لَكُم يَومَ القِيَامَةِ كَمَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِّمُوا أَولَادَكُم وَأَهلِيكُم هَذِهِ السُّنَّةَ العَظِيمَةَ حَتَّى تَنَالُوا أَجرَهُم وَأَجرَ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَومِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ، وَشُكرِكَ، وَحُسنِ عِبَادَتِكَ. اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ، وَأَعِدَّ لَنَا مَغفِرَةً وَأَجرًا عَظِيمًا. اللَّهُمَّ رَطِّب أَلسِنَتَنَا بِذِكرِكَ، وَاعْمُر قُلُوبَنَا بِخَشيَتِكَ وَمَحَبَّتِكَ، وَتَقَبَّل صَلَوَاتِنَا وَأَذكَارَنَا وَصَالِحَ أَعمَالِنَا، وَاغفِر لَنَا خَطَايَانَا وَإِن كَانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ بِفَضلِكَ وَجُودِكَ يَا ذَا الفَضلِ العَظِيمِ. اللَّهُمَّ لَا تَجعَلنَا مِنَ الغَافِلِينَ وَلَا مِنَ المَحرُومِينَ، وَاحشُرنَا فِي زُمرَةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابِهِ السَّابِقِينَ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ. وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.