شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن سِيرَتِهِ العِلمِيَّةِ وَالجِهَادِيَّةِ وَشَهَادَةِ الأَئِمَّةِ وَالخُصُومِ بِفَضلِهِ وَآثَارِهِ الخَالِدَةِ وَالدِّفَاعِ عَنهُ
الحَمدُ للهِ الَّذِي رَفَعَ أَهلَ العِلمِ وَالإِيمَانِ دَرَجَاتٍ، وَجَعَلَ العُلَمَاءَ الرَّبَّانِيِّينَ هُدَاةً لِلخَلقِ فِي حَالِكَاتِ الفِتَنِ وَالظُّلُمَاتِ، يَبعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَن يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا، فَيَنفِي عَن شَرِيعَتِهَا تَحرِيفَ الغَالِينَ، وَانتِحَالَ المُبطِلِينَ، وَتَأوِيلَ الجَاهِلِينَ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى مَا حَفِظَ بِهِ هَذَا الدِّينَ مِن جَهَابِذَةِ الأَئِمَّةِ المُحَقِّقِينَ، وَأَسأَلُهُ أَن يَرزُقَنَا مَحَبَّتَهُم وَتَوقِيرَهُم وَالاقتِدَاءَ بِهَديِهِم فِي نُصرَةِ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ سَيِّدِ المُرسَلِينَ.
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهِدَ لِنَفسِهِ بِالوَحدَانِيَّةِ وَقَرنَ شَهَادَةَ أُولِي العِلمِ بِشَهَادَتِهِ وَشَهَادَةِ مَلَائِكَتِهِ قَائِلًا بِالقِسطِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي جَعَلَ العُلَمَاءَ وَرَثَةَ الأَنبِيَاءِ؛ لَم يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا العِلمَ فَمَن أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ، وَعَلَى أَئِمَّةِ الهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ؛ فَبِالتَّقوَى وَالعِلمِ النَّافِعِ تَرتَفِعُ الأَقدَارُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ المُجَادَلَةِ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ تَارِيخَ الأُمَّةِ الإِسلَامِيَّةِ قَد أَنجَبَ عَبرَ قُرُونِهِ المُمْتَدَّةِ كَوْكَبَةً عَظِيمَةً مِنَ الأَئِمَّةِ الأَعلَامِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَينَ رُسُوخِ العِلمِ، وَصَفَاءِ التَّوحِيدِ، وَحَرَارَةِ التَّعَبُّدِ، وَشَجَاعَةِ الصَّدعِ بِالحَقِّ، وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ بِالسِّنَانِ وَاللِّسَانِ وَالبَيَانِ؛ وَفِي ذُروَةِ هَؤُلَاءِ الأَفذَاذِ العِظَامِ يَنتَصِبُ عَلَمٌ شَامِخٌ، وَبَحرٌ زَاخِرٌ، وَمُجَدِّدٌ رَبَّانِيٌّ مَلَأَ الدُّنيَا عِلمًا وَتَحقِيقًا، وَبَقِيَت آثَارُهُ بَعدَ سَبعَةِ قُرُونٍ مِن وَفَاتِهِ غَضَّةً طَرِيَّةً تُحيِي القُلُوبَ وَتُرشِدُ الحَائِرِينَ؛ إِنَّهُ شَيخُ الإِسلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو العَبَّاسِ أَحمَدُ بنُ عَبدِ الحَلِيمِ بنِ عَبدِ السَّلَامِ بنِ تَيمِيَّةَ الحَرَّانِيُّ ثُمَّ الدِّمَشقِيُّ، طَيَّبَ اللهُ ثَرَاهُ وَجَعَلَ الفِردَوسَ الأَعلَى مَأوَاهُ!
مَن هُوَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ يَا عِبَادَ اللهِ؟ وَكَيفَ تَكَوَّنَت هَذِهِ الشَّخصِيَّةُ العِلمِيَّةُ الفَذَّةُ الَّتِي عَزَّ فِي التَّارِيخِ نَظِيرُهَا؟
وُلِدَ رَحِمَهُ اللهُ بَمَدِينَةِ حَرَّانَ فِي العَاشِرِ مِن شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ إِحدَى وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ لِلهِجرَةِ (بَعدَ سُقُوطِ بَغدَادَ بِثَلَاثِ سِنِينَ فَقَط)، فِي بَيتٍ عَرِيقٍ فِي العِلمِ وَالفِقهِ وَالحَدِيثِ؛ فَجَدُّهُ هُوَ الإِمَامُ مَجدُ الدِّينِ أَبُو البَرَكَاتِ صَاحِبُ كِتَابِ «المُنتَقَى مِن أَخبَارِ المُصطَفَى»، وَأَبُوهُ هُوَ الشَّيخُ شِهَابُ الدِّينِ عَبدُ الحَلِيمِ إِمَامُ الفِقهِ وَالأُصُولِ. وَلَمَّا بَلَغَ أَحمَدُ السَّادِسَةَ مِن عُمُرِهِ، زَحَفَ التَّتَارُ عَلَى بِلَادِ الجَزِيرَةِ وَحَرَّانَ، فَهَاجَرَت أُسرَتُهُ بِهِ لَيلًا إِلَى دِمَشقَ الشَّامِ، وَحَمَلُوا مَعَهُم خِزَانَةَ كُتُبِهِم عَلَى عَجَلَةٍ يَجُرُّونَهَا بِأَيدِيهِم خَوفًا عَلَى العِلمِ مِنَ الضَّيَاعِ!
فِي دِمَشقَ نَشَأَ هَذَا الغُلَامُ النَّابِغَةُ نَشأَةً عَجِيبَةً؛ فَحَفِظَ القُرآنَ الكَرِيمَ مُبَكِّرًا، وَأَقبَلَ عَلَى دَوَاوِينِ السُّنَّةِ (مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ، وَالكُتُبِ السِّتَّةِ، وَمُعجَمِ الطَّبَرَانِيِّ) فَحَفِظَ مُتُونَهَا وَعَرَفَ أَسَانِيدَهَا وَرِجَالَهَا وَعِلَلَهَا، وَتَبَحَّرَ فِي الفِقهِ وَأُصُولِهِ، وَالتَّفسِيرِ، وَاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَالحِسَابِ، وَالتَّارِيخِ، وَالمِلَلِ وَالنِّحَلِ، وَسمِعَ مِن أَكثَرَ مِن مِائَتَي شَيخٍ مِن عُلَمَاءِ عَصرِهِ!
وَآتَاهُ اللهُ حَافِظَةً خَارِقَةً وَذَكَاءً مُتَوَقِّدًا، حَتَّى أُجِيزَ بِالإِفتَاءِ وَالتَّدرِيسِ وَهُوَ ابنُ تِسعَ عَشرَةَ سَنَةً؛ فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَالِدُهُ سَنَةَ اثنَتَينِ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَعُمُرُ ابنِ تَيمِيَّةَ إِحدَى وَعِشرُونَ سَنَةً فَقَط، جَلَسَ مَكَانَ أَبِيهِ عَلَى كُرسِيِّ التَّدرِيسِ بِالجَامِعِ الأُمَوِيِّ وَدَارِ الحَدِيثِ السُّكَّرِيَّةِ بحُضُورِ كِبَارِ قُضَاةِ الشَّامِ وَعُلَمَائِهَا؛ فَتَكَلَّمَ فِي التَّفسِيرِ وَالفِقهِ وَالحَدِيثِ مِن حِفظِهِ دُونَ كِتَابٍ كَلَامًا بَهَرَ العُقُولَ وَأَدهَشَ الشُّيُوخَ!
وَلَم يَكُن عِلمُهُ رَحِمَهُ اللهُ عِلمًا جَافًّا مَعزُولًا عَنِ العِبَادَةِ وَالعَمَلِ؛ بَل كَانَ آيَةً فِي التَّأَلُّهِ وَالإِخبَاتِ وَالذِّكرِ وَالبُكَاءِ مِن خَشيَةِ اللهِ! يَقُولُ تِلمِيذُهُ المُلَازِمُ لَهُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ مَدَارِجِ السَّالِكِينَ: «حَضَرتُ شَيخَ الإِسلَامِ ابنَ تَيمِيَّةَ مَرَّةً صَلَّى الفَجرَ، ثُمَّ جَلَسَ يَذكُرُ اللهَ تَعَالَى إِلَى قَرِيبٍ مِن انتِصَافِ النَّهَارِ، ثُمَّ التَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: هَذِهِ غَدْوَتِي، وَلَو لَم أَتَغَدَّ الغَدَاءَ سَقَطَت قُوَّتِي!»؛ أَي إِنَّ وِردَهُ مِن ذِكرِ اللهِ صَبَاحًا هُوَ الغِذَاءُ الَّذِي يَستَمِدُّ مِنهُ قُوَّةَ قَلبِهِ وَعَقلِهِ وَبَدَنِهِ طَوَالَ يَومِهِ!
وَحِينَ دَقَّت سَاعَةُ الجِهَادِ وَزَحَفَ غَازَانُ ملكُ التَّتَارِ بِجُيُوشِهِ الجَرَّارَةِ عَلَى دِمَشقَ وَالشَّامِ سَنَةَ تِسعٍ وَتِسعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ ثُمَّ سَنَةَ اثنَتَينِ وَسَبعِمِائَةٍ لِلهِجرَةِ فِي مَعرَكَةِ «شَقحَبَ (مَرجِ الصُّفَّرِ)» فِي شَهرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ، وَفَرَّ كَثِيرٌ مِنَ المُنَظِّرِينَ وَالمُتَكَلمِينَ؛ مَنِ الَّذِي تَقَدَّمَ الصُّفُوفَ؟ إِنَّهُ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ! خَرَجَ بِنَفسِهِ إِلَى مِصرَ يَستَنفِرُ السُّلطَانَ النَّاصِرَ مُحَمَّدَ بنَ قَلَاوُونَ وَجُيُوشَ المَمَالِيكِ وَيَقُولُ لَهُم كَمَا نَقَلَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ: «إِنْ كُنتُم أَعرَضتُم عَنِ الشَّامِ وَنُصرَتِهِ أَقمْنَا لِأَهلِهِ سُلطَانًا يَحُوطُهُم وَيَحمِيهِم!»، ثُمَّ تَلَا قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]!
وَلَمَّا اصطَفَّ الجَيشَانِ فِي سَهلِ شَقحَبَ جَنُوبَ دِمَشقَ، كَانَ شَيخُ الإِسلَامِ يَطُوفُ بَينَ الجُنُودِ وَالأُمَرَاءِ يُثَبِّتُهُم وَيَبشِّرُهُم وَيَحلِفُ لَهُم بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: «إِنَّكُم فِي هَذِهِ الكَرَّةِ مَنصُورُونَ!»، فَيَقُولُ لَهُ الأُمَرَاءُ: «قُلْ: إِن شَاءَ اللهُ!»، فَيَقُولُ بِثِقَةِ الوَاثِقِ بِوَعدِ اللهِ: «إِن شَاءَ اللهُ تَحقِيقًا لَا تَعلِيقًا!»؛ وَقَاتَلَ رَحِمَهُ اللهُ بِنَفسِهِ فِي قَلبِ المَعرَكَةِ حَتَّى أَنزَلَ اللهُ النَّصرَ المُبِينَ وَانكَسَرَ التَّتَارُ كَسرَةً لَم تَقُمْ لَهُم بَعدَهَا فِي الشَّامِ قَائِمَةٌ!
إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَإِذَا أَرَدتُم أَن تَعرِفُوا المَقَامَ العِلمِيَّ الشَّامِخَ الَّذِي بَلَغَهُ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ، فَلَا تَسأَلُوا تَلَامِذَتَهُ وَمُحِبِّيهِ وَحدَهُم؛ بَلِ اسمَعُوا إِلَى شَهَادَاتِ أَقرَانِهِ وَمُنَاظِرِيهِ وَمُخَالِفِيهِ وَخُصُومِهِ؛ فَإِنَّ الحَقَّ مَا شَهِدَت بِهِ الخُصُومُ!
الشَّهَادَةُ الأُولَى: شَهَادَةُ قَاضِي القُضَاةِ كَمَالِ الدِّينِ بنِ الزَّملَكَانِيِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ -وَكَانَ مِن كِبَارِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ الَّذِينَ نَاظَرُوا الشَّيخَ وَخَالَفُوهُ فِي بَعضِ المَسَائِلِ-؛ كَتَبَ بِخَطِّ يَدِهِ شَهَادَةً تَارِيخِيَّةً نَقَلَهَا الحَافِظُ ابنُ عَبدِ الهَادِي فِي العُقُودِ الدُّرِّيَّةِ وَالحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي الدُّرَرِ الكَامِنَةِ قَالَ فِيهَا: «كَانَ إِذَا سُئِلَ عَن فَنٍّ مِنَ العِلمِ ظَنَّ الرَّائِي وَالسَّامِعُ أَنَّهُ لَا يَعرِفُ غَيرَ ذَلِكَ الفَنِّ، وَحَكَمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَعرِفُهُ مِثلَهُ، وَكَانَ الفُقَهَاءُ مِن سَائِرِ الطَّوَائِفِ إِذَا جَالَسُوهُ استَفَادُوا فِيهِ مِن مَذَاهِبِهِم مَا لَم يَكُونُوا عَرَفُوهُ قَبلُ، وَلَا يُعرَفُ أَنَّهُ نَاظَرَ أَحَدًا فَانقَطَعَ مَعَهُ، وَلَا تَكَلَّمَ فِي عِلمٍ مِنَ العُلُومِ شَرعِيًّا أَو غَيرَهُ إِلَّا فَقَاقَ فِيهِ أَهلَهُ وَالمنسُوبِينَ إِلَيهِ، وَاجتَمَعَت فِيهِ شُرُوطُ الاجتِهَادِ عَلَى وَجهِهَا!».
الشَّهَادَةُ الثَّانِيَةُ: شَهَادَةُ إِمَامِ العَصرِ قَاضِي القُضَاةِ ابنِ دَقِيقِ العِيدِ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ اجتَمَعَ بِابنِ تَيمِيَّةَ فِي القَاهِرَةِ، فَسُئِلَ عَنهُ بَعدَ المَجلِسِ فَقَالَ كَلِمَتَهُ السَّائِرَةَ: «لَمَّا اجتَمَعتُ بِابنِ تَيمِيَّةَ رَأَيتُ رَجُلًا العُلُومُ كُلُّهَا بَينَ عَينَيهِ؛ يَأخُذُ مِنهَا مَا يُرِيدُ، وَيَدَعُ مَا يُرِيدُ!»؛ وَقِيلَ لَهُ: فَلِمَ لَم تَتَنَاظَرَا؟ فَقَالَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ: «لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الكَلَامَ وَأَنَا أُحِبُّ السُّكُوتَ!».
الشَّهَادَةُ الثَّالِثَةُ: شَهَادَةُ قَاضِي القُضَاةِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبكِيِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ -عَلَى شِدَّةِ مُخَالَفَتِهِ لَهُ وَرَدِّهِ عَلَيهِ فِي بَعضِ الفُرُوعِ- حِينَ كَتَبَ إِلَى الحَافِظِ الذَّهَبِيِّ كَمَا فِي الردِّ الوَافِرِ لِابنِ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشقِيِّ وَالدُّرَرِ الكَامِنَةِ لِابنِ حَجَرٍ: «وَأَمَّا قَولُ سَيِّدِي فِي الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ، فالمَملُوكُ يَتحَقَّقُ كِبَرَ قَدرِهِ، وَزُخُورَ بَحرِهِ، وَتَوَسُّعَهُ فِي العُلُومِ الشَّرعِيَّةِ وَالعَقلِيَّةِ، وَفَرطَ ذَكَائِهِ وَاجتِهَادِهِ، وَبلُوغَهُ فِي كُلٍّ مِن ذَلِكَ المَبلَغَ الَّذِي يَتَجَاوَزُ الوَصفَ، وَالمَملُوكُ يَقُولُ دَائِمًا: قَدرُهُ فِي نَفسِي أَكبَرُ مِن ذَلِكَ وَأَجلُّ، مَعَ مَا جَمَعَهُ اللهُ لَهُ مِنَ الزَّهَادَةِ وَالوَرَعِ وَالدِّيَانَةِ، وَنُصرَةِ الحَقِّ وَالقِيَامِ فِيهِ لَا لِغَرَضٍ سِوَاهُ، وَجَريِهِ عَلَى سَنَنِ السَّلَفِ!».
الشَّهَادَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ أَعجَبُ الشَّهَادَاتِ قَاطِبَةً؛ شَهَادَةُ قَاضِي المَالِكِيَّةِ بَمِصرَ «زَينِ الدِّينِ بنِ مَخلُوفٍ» الَّذِي كَانَ أَشَدَّ خُصُومِ ابنِ تَيمِيَّةَ تَحرِيضًا عَلَيهِ وَسَعيًا فِي حَبسِهِ وَإِيذَائِهِ!
تَعَالَوا نَسمَعْ هَذِهِ القِصَّةَ المَهِيبَةَ الَّتِي رَوَاهَا الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَابنُ القَيِّمِ وَابنُ عَبدِ الهَادِي: لَمَّا عَادَ السُّلطَانُ النَّاصِرُ مُحَمَّدُ بنُ قَلَاوُونَ إِلَى مُلكِ مِصرَ سَنَةَ تِسعٍ وَسَبعِمِائَةٍ لِلهِجرَةِ، أَخرَجَ شَيخَ الإِسلَامِ ابنَ تَيمِيَّةَ مِنَ السِّجنِ بِإِجلَالٍ وَإِكرَامٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ أَخرَجَ السُّلطَانُ مِن جَيبِهِ فَتَاوَى القُضَاةِ وَالفُقَهَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَد أَفتَوا بِسَجنِ ابنِ تَيمِيَّةَ وَالتَّضيِيقِ عَلَيهِ وَعَزلِ السُّلطَانِ، وَقَالَ لِشَيخِ الإِسلَامِ: «أَفتِنِي فِي قَتلِ هَؤُلَاءِ القُضَاةِ الَّذِينَ آذَوكَ وَآذَونِي!»؛
لَحظَةُ انتِقَامٍ مُمَكَّنَةٌ يَطلُبُهَا السُّلطَانُ بِنَفسِهِ! فَمَاذَا فَعَلَ شَيخُ الإِسلَامِ مَعَ خُصُومِهِ الَّذِينَ أَدخَلُوهُ السُّجُونَ وَالجبَّ؟
انتَفَضَ شَيخُ الإِسلَامِ يَمنَعُ السُّلطَانَ مِن مَسِّهِم بِسُوءٍ، وَأَخَذَ يُثنِي عَلَى عِلمِهِم وَمَكَانَتِهِم وَيَقُولُ لِلسُّلطَانِ: «إِنْ قَتَلتَ هَؤُلَاءِ لَا تَجِد بَعدَهُم مِثلَهُم!»، فَقَالَ السُّلطَانُ: «إِنَّهُم قَد آذَوكَ وَأَرَادُوا قَتلَكَ مِرَارًا!»، فَقَالَ شَيخُ الإِسلَامِ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ: «مَن آذَانِي فَهُوَ فِي حِلٍّ، وَمَن آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ فَاللَّهُ يَنتَقِمُ مِنهُ، وَأَنَا لَا أَنتَصِرُ لِنَفسِي!»؛ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ خَصمَهُ القَاضِيَ ابنَ مَخلُوفٍ، قَالَ كَلِمَتَهُ الَّتِي سَجَّلَهَا التَّارِيخُ: «مَا رَأَينَا مِثلَ ابنِ تَيمِيَّةَ وَلَا أَفتَى مِنهُ؛ حَرَّضنَا عَلَيهِ فَلَم نَقدِرْ عَلَيهِ، وَقَدَرَ عَلَينَا فَعَفَا عَنَّا وَحَاجَجَ عَنَّا!»!
عِبَادَ اللهِ: إِذَا كَانَ هَذَا هُوَ شَيخَ الإِسلَامِ ابنَ تَيمِيَّةَ فِي عِلمِهِ وَجِهَادِهِ وَعَفوِهِ وَزُهدِهِ؛ فَلِمَاذَا نَرَى فِي كُلِّ عَصرٍ -وَفِي عَصرِنَا هَذَا عَلَى وَجهِ الخُصُوصِ- سِهَامًا مَسمُومَةً تَنطَلِقُ مِن أَبوَاقِ التَّغرِيبِيِّينَ وَالمُستَشرِقِينَ، وَمِن أَدعِيَاءِ الحَدَاثَةِ وَأَهلِ الأَهوَاءِ وَالبِدَعِ وَالخُرَافَاتِ، تَتَطَاوَلُ عَلَى هَذَا الطَّودِ الشَّامِخِ وَتَرمِيهِ بِالقَسوَةِ وَالتَّشَدُّدِ وَالتَّكفِيرِ زُورًا وَبُهتَانًا؟
الجَوَابُ وَاضِحٌ كَالشَّمسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ يَا عِبَادَ اللهِ: إِنَّهُم لَا يَكرَهُونَ شَخصَ أَحمَدَ بنِ تَيمِيَّةَ، وَإِنَّمَا يَغِيظُهُم أَنَّ حُجَجَ ابنِ تَيمِيَّةَ البُرهَانِيَّةَ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالعَقلِ الصَّرِيحِ قَد هَدَمَت أَوثَانَ الشُّبُهَاتِ الإِلحَادِيَّةِ وَالفَلسَفِيَّةِ وَالبَاطِنِيَّةِ، وَفَضَحَت دَجَلَ الخُرَافِيِّينَ وَالقُبُورِيِّينَ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَموَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَكَشَفَت فِي الوَقتِ نَفسِهِ ضَلَالَ الخَوَارِجِ الغُلَاةِ المَارِقِينَ!
كَيفَ يُتَّهَمُ بِالتَّكفِيرِ وَالقَسوَةِ مَن كَانَ يَقُولُ لِخُصُومِهِ الَّذِينَ كَفَّرُوهُ وَسَجَنُوهُ كَمَا نَقَلَ عَنهُ الذَّهَبِيُّ فِي سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ وَابنُ القَيِّمِ فِي مَدَارِجِ السَّالِكِينَ: «أَنَا لَو قُلتُم لِي إِنَّكُم كَفَرتُم بِي مَا كَفَّرتُكُم؛ لِأَنَّ الكُفرَ حَقُّ اللهِ وَرَسُولِهِ لَا يَحكُمُ فِيهِ أَحَدٌ بِهَوَاهُ!»؟ وَكَيفَ يُتَّهَمُ بِالغِلظَةِ مَن بَشَّرَ تِلمِيذَهُ ابنَ القَيِّمِ يَومَ مَوتِ أَكبَرِ خُصُومِهِ، فَنَهَرَهُ ابنُ تَيمِيَّةَ وَأَنكَرَ عَلَيهِ الفَرَحَ بِمَوتِ مُسلِمٍ، وَقَامَ مِن فَوْرِهِ إِلَى بَيتِ أَهلِ خَصمِهِ يُعَزِّيهِم وَيَقُولُ لَهُم: «أَنَا لَكُم مَكَانَهُ، وَلَا يَكُونُ لَكُم أَمرٌ تَحتَاجُونَ فِيهِ إِلَى مُسَاعَدَةٍ إِلَّا سَاعَدتُكُم فِيهِ!»؟!
فَنَقُولُ لِكُلِّ مَن يَتَطَاوَلُ عَلَى أَئِمَّةِ الإِسلَامِ وَأَعلَامِ الهُدَى وَعَلَى رَأسِهِم شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: أَقصِرُوا وَاتَّقُوا اللهَ فِي أَنفُسِكُم! وَاحذَرُوا الحَربَ المَعلَنَةَ مِنَ اللهِ الجَبَّارِ فِي الحَدِيثِ القُدسِيِّ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَن عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَد آذَنتُهُ بِالحَربِ»! قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللهُ كَمَا رَوَى البَيهَقِيُّ وَالخَطِيبُ البَغدَادِيُّ: «إِنْ لَم يَكُنِ الفُقَهَاءُ وَالعُلَمَاءُ العَامِلُونَ أَولِيَاءَ اللهِ، فَلَيسَ للهِ وَلِيٌّ!»؛ وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَبيِينِ كَذِبِ المُفتَرِي كَلِمَتَهُ المَشهُورَةَ: «اعلَمْ يَا أَخِي -وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ لِمَرضَاتِهِ- أَنَّ لُحُومَ العُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللهُ مَسمُومَةٌ، وَعَادَةُ اللهِ فِي هَتكِ أَستَارِ مُنتَقِصِيهِم مَعلُومَةٌ، فَمَن أَطلَقَ لِسَانَهُ فِي العُلَمَاءِ بِالثَّلبِ ابتَلَاهُ اللهُ قَبلَ مَوتِهِ بِمَوتِ القَلبِ؛ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]»!
وَلَقَد صَنَّفَ الحَافِظُ المُحَدِّثُ ابنُ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشقِيُّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كِتَابًا جَلِيلًا سَمَّاهُ «الرَّدَّ الوَافِرَ عَلَى مَن زَعَمَ بِأَنَّ مَن سَمَّى ابنَ تَيمِيَّةَ شَيخَ الإِسلَامِ كَافِرٌ»، جَمَعَ فِيهِ تَراجمَ وَشَهَادَاتِ بِضعَةٍ وَثَمَانِينَ إِمَامًا مِن أَئِمَّةِ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ شَهِدُوا لَهُ بِالإِمَامَةِ وَالجَلَالَةِ، وَقَرَّظَ الكِتَابَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ فِي الحَدِيثِ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فَقَالَ فِيهِ: «إِنَّ شُهرَةَ إِمَامَةِ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَشهَرُ مِنَ الشَّمسِ، وَتَلَقِيبَهُ بِشَيخِ الإِسلَامِ فِي عَصرِهِ بَاقٍ إِلَى الآنَ عَلَى الأَلسِنَةِ الزَّكِيَّةِ، وَيَستَمِرُّ غَدًا كَمَا كَانَ بِالأَمسِ، وَلَا يُنكِرُ ذَلِكَ إِلَّا مَن جَهِلَ مِقدَارَهُ أَو تَجَنَّبَ الإِنصَافَ!»! وَللهِ دَرُّ الإِمَامِ أَبِي حَيَّانَ الأَندَلُسِيِّ حِينَ رَأَى شَيخَ الإِسلَامِ ابنَ تَيمِيَّةَ فَأَنشَدَ فِيهِ أَبيَاتَهُ السَّائِرَةَ:
لَمَّا أَتَينَا تَقِيَّ الدِّينِ لَاحَ لَنَا ... دَاعٍ إِلَى اللهِ فَردٌ مَا لَهُ وَزَرُ
عَلَى مُحَيَّاهُ سِيمَا مَن يُجَالِسُهُ ... مِنَ الصَّحَابَةِ لَاحَت حَولَهَا الغُرَرُ
قَامَ ابنُ تَيمِيَّةٍ فِي نَصرِ شِرعَتِنَا ... مَقَامَ سَيِّدِ تَيمٍ إِذ عَصَت مُضَرُ
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَبقَى لِأَولِيَائِهِ الصَّادِقِينَ لِسَانَ صِدقٍ فِي الآخِرِينَ، وَجَعَلَ عِلمَهُم صَدَقَةً جَارِيَةً يَنتَفِعُ بِهَا المُسلِمُونَ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الحَقُّ المُبِينُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: مَاتَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي لَيلَةِ الاثنَينِ العِشرِينَ مِن شَهرِ ذِي القَعدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشرِينَ وَسَبعِمِائَةٍ لِلهِجرَةِ دَاخِلَ قَلعَةِ دِمَشقَ بَعدَ أَن خَتَمَ مَعَ صَاحِبَيهِ ثمانينَ خَتمَةً لِلقُرآنِ الكَرِيمِ، وَوَصَلَ فِي الخَتمَةِ الحَادِيَةِ وَالثَّمَانِينَ إِلَى قَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي خِتَامِ سُورَةِ القَمَرِ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤-٥٥]، فَفَاضَت رُوحُهُ عِندَهَا! وَخَرَجَت دِمَشقُ وَقُرَاهَا وَغُوطَتُهَا عَن بَكرَةِ أَبِيهَا فِي جِنَازَةٍ مَهِيبَةٍ شَهِدَهَا مِئَاتُ الآلَافِ، لَم يُرَ مِثلُهَا مُنذُ جِنَازَةِ إِمَامِ أَهلِ السُّنَّةِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ الَّذِي قَالَ قَبلَ مَوتِهِ: «قُولُوا لِأَهلِ البِدَعِ: بَينَنَا وَبَينَكُم يَومُ الجَنَائِزِ!»!
وَإِن كَانَ شَيخُ الإِسلَامِ لَم يَتَزَوَّجْ لِانشِغَالِهِ بِالعِلمِ وَالجِهَادِ وَالمِحَنِ وَلَم يُخَلِّفْ وَلَدًا مِن صُلبِهِ، فَقَد خَلَّفَ لِلأُمَّةِ الإِسلَامِيَّةِ مِيرَاثًا عِلمِيًّا خَالِدًا تَعيشُ الأُمَّةُ عَلَى مَوَائِدِهِ إِلَى اليَومِ:
خَلَّفَ تِلَاَمِذَةً كِبَارًا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم أُمَّةً وَحدَهُ: كَالإِمَامِ ابنِ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ، وَإِمَامِ المُؤَرِّخِينَ وَالمُحَدِّثِينَ شَمسِ الدِّينِ الذَّهَبِيِّ، وَإِمَامِ المُفَسِّرِينَ الحَافِظِ ابنِ كَثِيرٍ، وَالحَافِظِ المِزِّيِّ، وَالحَافِظِ ابنِ عَبدِ الهَادِي، وَالفَقِيهِ ابنِ مُفلِحٍ!
وَخَلَّفَ مِئَاتِ المُصَنَّفَاتِ وَالرَّسَائِلِ وَالفَتَاوَى الَّتِي طُبِعَ مِنهَا فِي «مَجمُوعِ الفَتَاوَى» سَبعَةٌ وَثَلَاثُونَ مُجَلَّدًا، وَكِتَابُ «دَرءِ تَعَارُضِ العَقلِ وَالنَّقلِ» فِي أَحَدَ عَشَرَ مُجَلَّدًا، وَ«مِنهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ»، وَ«الجَوَابُ الصَّحِيحُ لِمَن بَدَّلَ دِينَ المَسِيحِ»، وَ«اقتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ»، وَ«السِّيَاسَةُ الشَّرعِيَّةُ»، وَالعَقِيدَةُ الوَاسِطِيَّةُ وَالحَمَوِيَّةُ وَالتَّدمُرِيَّةُ، وَسَائِرُ كُنُوزِهِ الَّتِي صَارَت مَرجِعًا لِكُلِّ بَاحِثٍ عَنِ الحَقِّ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا!
فَمَا التَّوجِيهَاتُ العَمَلِيَّةُ الَّتِي نُوَجِّهُهَا لِأُمَّتِنَا وَشَبَابِنَا وَطُلَّابِ العِلمِ مِن سِيرَةِ هَذَا الإِمَامِ العَظِيمِ؟
التَّوجِيهُ الأَوَّلُ: لَا نَجاةَ لِلأُمَّةِ وَلَا للشَّبَابِ فِي زَمَنِ الشُّبُهَاتِ إِلَّا بِالاعتِصَامِ بِالوَحيَينِ (الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) عَلَى فَهمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، مَعَ التَّأَدُّبِ مَعَ جَمِيعِ أَئِمَّةِ الإِسلَامِ دُونَ تَعَصُّبٍ أَعمَى لِأَحَدٍ وَلَا انتِقَاصٍ لِأَحَدٍ؛ فَشَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ كَمَا نَحبُّهُ وَنُجِلُّهُ فَهُوَ بِشَرٌ يُصِيبُ وَيُخطِئُ، وَكِتَابُهُ «رَفعُ المَلَامِ عَنِ الأَئِمَّةِ الأَعلَامِ» هُوَ أَعظَمُ دَستُورٍ فِي التِمَاسِ العُذرِ لِلأَئِمَّةِ المُجتَهِدِينَ وَحِفظِ مَقَامِهِم.
التَّوجِيهُ الثَّانِي: يَا شَبَابَ الإِسلَامِ، اجمَعُوا بَينَ «العِلمِ وَالعِبَادَةِ وَالذِّكرِ»؛ فَإِنَّ العِلمَ بِلَا تَزكِيَةٍ وَقِيَامِ لَيلٍ وَذِكرٍ وَانكِسَارٍ بَينَ يَدَيِ اللهِ يُورِثُ قَسوَةَ القَلبِ، وَكَانَ شَيخُ الإِسلَامِ إِذَا استَغلَقَت عَلَيهِ مَسأَلَةٌ ذَهَبَ إِلَى المَسَاجِدِ المَهجُورَةِ فَمَرَّغَ وَجهَهُ فِي التُّرَابِ سَاجِدًا للهِ وَهُوَ يَقُولُ: «يَا مُعَلِّمَ إِبرَاهِيمَ عَلِّمنِي، وَيَا مُفَهِّمَ سُلَيمَانَ فَهِّمنِي!» فَيَفتَحُ اللهُ عَلَيهِ مِن فَوْرِهِ!
التَّوجِيهُ الثَّالِثُ: عُلُوُّ الهِمَّةِ وَحِفظُ الأَوقَاتِ وَالترَفُّعُ عَنِ التَّفَاهَاتِ؛ فَلَقَد قَضَى شَيخُ الإِسلَامِ حَيَاتَهُ بَينَ تَعلِيمٍ وَتَألِيفٍ وَإِفتَاءٍ وَجِهَادٍ وَإِغاثَةٍ لِلمَلهُوفِينَ وَسَعْيٍ فِي حَوَائِجِ الأَرَامِلِ وَالمَسَاكِينِ حَتَّى فِي أَيَّامِ مَرَضِهِ وَسِجنِهِ!
التَّوجِيهُ الرَّابِعُ: تَحلَّوا بِالعَدلِ وَالإِنصَافِ وَسَلَامَةِ الصَّدرِ؛ فَكُونُوا كَشَيخِ الإِسلَامِ الَّذِي قَالَ قَاعِدَتَهُ الذَّهَبِيَّةَ: «أَهلُ السُّنَّةِ يَعلَمُونَ الحَقَّ، وَيَرحَمُونَ الخَلقَ»! وَمَا أَروَعَ مَا رَثَاهُ بِهِ تِلمِيذُهُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي نُونِيَّتِهِ الكَافِيَةِ الشَّافِيَةِ حِينَ قَالَ:
فَاقرَأْ تَصَانِيفَ الإِمَامِ حَقِيقَةً ... شَيخِ الوُجُودِ العَالِمِ الرَّبَّانِي
أَعنِي أَبَا العَبَّاسِ أَحمَدَ ذَا العُلَا ... بَحرَ العُلُومِ وَقامِعَ البُهتَانِ
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ وَقُدوَةِ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كَمَا أَمَرَكُم بِذَلِكَ رَبُّكُم فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الهُدَى وَالدِّينِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحمَدَ وَالأَوزَاعِيِّ وَالثَّورِيِّ وَالبُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ وَشَيخِ الإِسلَامِ ابنِ تَيمِيَّةَ وَابنِ القَيِّمِ وَسَائِرِ عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ، وَارحَمْهُم رَحمَةً وَاسِعَةً، وَاجزِهِم عَنِ الإِسلَامِ وَأَهلِهِ خَيرَ الجَزَاءِ.
اللَّهُمَّ عَلِّمنَا مَا يَنفَعُنَا، وَانفَعْنَا بِمَا عَلَّمتَنَا، وَزِدْنَا عِلمًا وَعَمَلًا وَهُدًى وَتَقوًى. اللَّهُمَّ احفَظْ شَبَابَ المُسلِمِينَ مِن فِتَنِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَهيِّئْ لِأُمَّتِنَا عُلَمَاءَ رَبَّانِيِّينَ صَادِقِينَ يَهدُونَ بِأَمرِكَ وَيَنصُرُونَ سُنَّةَ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. اللَّهُمَّ انصُرْ إِخوَانَنَا المُستَضعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفرِّجْ كَربَهُم، وَوَحِّدْ صَفَّهُم، وَاحفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن سِيرَتِهِ العِلمِيَّةِ وَالجِهَادِيَّةِ وَشَهَادَةِ الأَئِمَّةِ وَالخُصُومِ بِفَضلِهِ وَآثَارِهِ الخَالِدَةِ وَالدِّفَاعِ عَنهُ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.