⚡️ النِّيَّةُ... خِيمْيَاءُ القُلُوبِ الَّتِي تُغَيِّرُ حَيَاتَكَ
#موعظة_شباب #النية #الإخلاص #الشباب #تربية #اغتنام_الشباب #إيمانيات
الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنسَانَ وَكَرَّمَهُ، وَرَفَعَ قَدرَ مَنْ أَخلَصَ لَهُ القَصدَ وَعَظَّمَهُ. الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الشَّبَابَ مَرحَلَةَ القُوَّةِ وَالفُتُوَّةِ بَينَ ضَعفَينِ، وَجَعَلَ العَمَلَ الصَّالِحَ فِيهَا أَثقَلَ في المِيزَانِ وَأَعظَمَ في الأَجرِ. وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي بَعَثَ الهِمَمَ، وَأَيقَظَ القُلُوبَ الغَافِلَةَ، وَعَلَّمَ شَبَابَ الأُمَّةِ كَيفَ تَكُونُ الحَيَاةُ بِأَكمَلِهَا عِبَادَةً خَالِصَةً للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ:
إِخْوَتِي الأَحِبَّةَ، شَبَابَ المَرحَلَةِ الثَّانَوِيَّةِ، أُحَيِّيكُم بِتَحِيَّةِ الإِسلامِ العَظِيمَةِ، فَالسَّلامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ. دَعُونِي اليَومَ أَبدَأُ مَعَكُم بِمُفَارَقَةٍ عَجِيبَةٍ، وَحِسبَةٍ رِيَاضِيَّةٍ صَغِيرَةٍ أَرجُو أَن تُفَكِّرُوا فِيهَا بِعُمقٍ، قَبلَ أَن نَمضِيَ في حَدِيثِنَا:
لَو قُمْنَا بِحِسَابِ وَقتِكَ اليَومِيِّ، سَنَجِدُ أَنَّكَ تَنامُ ثَمَانِيَ سَاعَاتٍ تَقْرِيبًا، وَتَقضِي في مَدرَسَتِكَ سَبعَ أَو ثَمَانِيَ سَاعَاتٍ، ثُمَّ تَعُودُ لِتَقضِيَ ثَلَاثَ أَو أَربَعَ سَاعَاتٍ في المُذَاكَرَةِ وَحَلِّ الوَاجِبَاتِ، وَمَا يَتَبَقَّى مِن يَومِكَ يَذْهَبُ في الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالتَّوَاصُلِ مَعَ الأَهلِ أَوِ الأَصدِقَاءِ. إِذَا جَمَعنَا كُلَّ هَذِهِ السَّاعَاتِ، سَنَجِدُ أَنَّ صَلَوَاتِكَ الخَمسَ لا تَستَغرِقُ مِن يَومِكَ أَكثَرَ مِن سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ! سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ الَّتِي تَقِفُ فِيهَا بِشَكلٍ رَسمِيٍّ بَينَ يَدَيِ اللهِ في المَسجِدِ أَو عَلى سَجَّادَتِكَ. هَل سَأَلتَ نَفسَكَ يَومًا: مَاذَا يَحْدُثُ لِلثَّلَاثِ وَعِشرِينَ سَاعَةً البَاقِيَةِ مِن يَومِكَ؟ هَل هِيَ سَاعَاتٌ ضَائِعَةٌ مِن رَصِيدِكَ الأُخرَوِيِّ؟ هَل يُمكِنُ أَن تَتَبَخَّرَ آلافُ السَّاعَاتِ الَّتِي تَقضِيهَا في كَدحِ الدِّرَاسَةِ وَتَعَبِ الحَيَاةِ دُونَ أَن تَجِدَهَا حَسَنَاتٍ في مِيزَانِكَ يَومَ القِيَامَةِ؟
الكَثِيرُ مِنَّا، يَا أَحِبَّتِي، يَبذُلُ جُهدًا جَبَّارًا كُلَّ يَومٍ مَعَ أَثْمَنِ شَيْءٍ يَملِكُهُ؛ عُمُرُهُ وَوَقتُهُ وَشَبَابُهُ. نَحنُ نَتعَبُ، وَنَسهَرُ، وَنُجَاهِدُ النَّومَ، ثُمَّ نَأتِي يَومَ التَّغَابُنِ فَنَجِدُ صَحَائِفَنَا فَارِغَةً مِن أَجرِ هَذَا التَّعَبِ! لِمَاذَا؟ لِأَنَّنَا نَسِينَا حَقِيقَةً وَاحِدَةً، وَمَعنًى جَوهَرِيًّا غَائِبًا في زَحْمَةِ هَذِهِ الحَيَاةِ، هُوَ الَّذِي يَستَطِيعُ أَن يُحَوِّلَ هَذَا التَّعَبَ الدُّنيَوِيَّ إِلى جِبَالٍ شَاهِقَةٍ مِنَ الحَسَنَاتِ في الآخِرَةِ. هَذَا المَعنَى هُوَ الَّذِي سَيَجعَلُ كُلَّ نَفَسٍ تَتَنَفَّسُهُ طَاعَةً مَقْبُولَةً عِندَ رَبِّكَ.
يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ في حَدِيثٍ نَحفَظُهُ جَمِيعًا مُنذُ طُفُولَتِنَا، حَدِيثٍ جَعَلَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ البُخَارِيُّ فَاتِحَةً لِصَحِيحِهِ، وَعَدَّهُ العُلَمَاءُ ثُلُثَ الإِسلَامِ: «إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ). تَأَمَّلُوا كَلِمَةَ «إِنَّمَا»، هِيَ أَداةُ حَصرٍ في قَوَاعِدِ لُغَتِنَا العَرَبِيَّةِ، كَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَنَا بِلِسَانٍ قَاطِعٍ: لا يُوجَدُ عَمَلٌ لَهُ قِيمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ أَوْ وَزنٌ عِندَ المَلِكِ الجَلِيلِ بِلَا نِيَّةٍ تُحَرِّكُهُ وَتُرَقِّيهِ. النِّيَّةُ يَا إِخْوَتِي لَيْسَت مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ نُلَقلِقُ بِهَا بِأَلسِنَتِنَا دُونَ وُعْيٍ، بَل هِيَ «خِيمْيَاءُ القُلُوبِ»، هِيَ العَصَا السِّحرِيَّةُ الرَّبَّانِيَّةُ الَّتِي تُلامِسُ التُّرَابَ فَتُحَوِّلُهُ إِلى ذَهَبٍ خَالِصٍ بَرَّاقٍ، وَتُلامِسُ العَادَاتِ اليَومِيَّةَ المُتْعِبَةَ الرَّتِيبَةَ فَتُحَوِّلُهَا بِلَمحِ البَصَرِ إِلى عِبَادَاتٍ مَأجُورَةٍ عِندَ الرَّحْمَنِ.
دَعُونَا نَنظُرُ إِلى وَاقِعِكُم اليَومَ بِعَينِ البَصِيرَةِ. أَنتُم شَبَابٌ في المَرحَلَةِ الثَّانَوِيَّةِ. أَنَا أَعرِفُ تَمَامًا، وَاللهُ يَعلَمُ، حَجْمَ الضُّغُوطِ الَّتِي تَمرُّونَ بِهَا. تَستَيقِظُ أَحَدُكُم في السَّادِسَةِ صَبَاحًا قَبلَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، يَحمِلُ حَقِيبَةً ثَقِيلَةً عَلى كَتِفِهِ، يَذهَبُ إِلى المَدرَسَةِ في بَرْدِ الشِّتَاءِ أَو حَرِّ الصَّيْفِ، يَجلِسُ عَلَى مَقعَدٍ خَشَبِيٍّ قَاسٍ لِمُدَّةِ سَبعِ أَو ثَمَانِي سَاعَاتٍ. يَستَمِعُ لِشُروحَاتٍ مُعَقَّدَةٍ مُتَدَاخِلَةٍ في الفِيزيَاءِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ وَالكِيمْيَاءِ، وَعَقلُهُ يَكَادُ يَنفَجِرُ مِنَ التَّركِيزِ وَالتَّعَبِ. ثُمَّ يَعُودُ إِلى بَيْتِهِ بَعدَ العَصرِ مُرهَقًا مُتْعَبًا، يَكَادُ يَجُرُّ خُطَاهُ. يَتَنَاوَلُ غَدَاءَهُ بِسُعرَةٍ، ثُمَّ يَبْدَأُ الدَّوَرَانَ في فَلكِ حَلِّ الوَاجِبَاتِ أَوِ التَّوَجُّهِ إِلى مَرَاكِزِ الدُّرُوسِ الخُصُوصِيَّةِ. وَمَعَ اقتِرابِ مَوَاسِمِ الِامتِحَانَاتِ، يَزدَادُ القَلَقُ، وَيَطِيرُ النَّومُ المُرِيحُ مِنَ الأَعْيُنِ، وَيُصبِحُ الهَمُّ الأَكْبَرُ وَالوَحِيدُ هُوَ المُعَدَّلَ التَّرَاكُمِيَّ وَنِسْبَةَ القُبُولِ الجَامِعِيِّ.
أَخِي الحَبِيبَ، هَل فَكَّرتَ يَومًا وَأَنتَ في ذُرْوَةِ هَذَا الإِرْهَاقِ، أَنَّ هَذَا الجُهدَ الجَبَّارَ الَّذِي تَبذُلُهُ كُلَّ يَومٍ، وَهَذِهِ الأَنفَاسَ الَّتِي تَتَلَاحَقُ في صَدرِكَ، هِيَ مَجهُودٌ ضَائِعٌ تَمَامًا في مِيزَانِ الآخِرَةِ إِذَا لَم يَكُن مُغَلَّفًا بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ؟ نَعَم، ضَائِعٌ! لِأَنَّكَ قَد تَفعَلُهُ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ عَادَةٌ، أَو خَوفًا مِنَ الفَشَلِ وَالتَّوْبِيخِ، أَو إِرضَاءً لِلنَّاسِ وَالمُجتَمَعِ، أَو حِرْصًا عَلى الشَّهَادَةِ الوَرَقِيَّةِ فَقَط. وَلَكِن، مَاذَا لَو قُلتُ لَكَ إِنَّهُ يُمكِنُكَ أَن تَجعَلَ سَاعَاتِ المُذَاكَرَةِ الثِّقَالِ هَذِهِ، تُعادِلُ سَاعَاتٍ طِوَالًا مِنَ الصَّلَاةِ وَالذِّكرِ وَقِرَاءَةِ القُرآنِ في مِيزَانِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ؟ كَيفَ ذَلِكَ؟ بِأَن تَضَعَ نِيَّةً صَادِقَةً قَبلَ أَن تَفتَحَ الكِتَابَ أَو تَحمِلَ الحَقِيبَةَ.
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى في كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، بَل كَثِيرٌ مِنَ الشَّبَابِ اليَومَ، يَفهَمُ العِبَادَةَ عَلَى أَنَّهَا فَقَط الصَّلَاةُ المَحصُورَةُ في جُدرَانِ المَسجِدِ، أَوِ الصِّيَامُ في رَمَضَانَ، أَوِ الحَجُّ إِلى المَشَاعِرِ المُقَدَّسَةِ. هَذَا فَهْمٌ قَاصِرٌ جِدًّا لِحَقِيقَةِ الإِسلَامِ. العِبَادَةُ مَفهُومٌ شَامِلٌ مُتَّسِعٌ، يَشْمَلُ كُلَّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرضَاهُ مِنَ الأَقوَالِ وَالأَعمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ. حِينَ تَخرُجُ صَبَاحًا لِتَتَعَلَّمَ، وَتَنوي بِتَعَلُّمِكَ هَذَا أَن تَبنِيَ عَقْلَكَ وَمَدَارِكَكَ لِتَكُونَ مُسلِمًا قَوِيًّا فَعَّالًا يَنفَعُ أُمَّتَهُ الَّتِي تَئِنُّ مِنَ الضَّعفِ، فَأَنتَ في حَالَةِ عِبَادَةٍ مُنذُ خُرُوجِكَ إِلى عَوْدَتِكَ. حِينَ تَدرُسُ عُلُومَ الطِّبِّ أَوِ الهَندَسَةِ أَوِ الحَاسُوبِ أَوِ الزِّرَاعَةِ بِنِيَّةِ أَن تَستَغنِيَ بِحَلَالِ اللهِ عَن حَرَامِهِ، وَأَن لا تَكُونَ عِبْئًا عَلى أَحَدٍ، وَأَن تَنفَعَ المُسلِمِينَ بِعِلمِكَ وَعَمَلِكَ، فَأَنتَ وَاللهِ في عِبَادَةٍ جَلِيلَةٍ. يَقُولُ رَبُّنَا سُبحَانَهُ آمِرًا نَبِيَّهُ وَأُمَّتَهُ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163]. كَلِمَةُ «وَمَحْيَايَ» هُنا تَتَّسِعُ لِتَشْمَلَ كُلَّ تَفَاصِيلِ حَيَاتِي؛ نَومِي، يَقَظَتِي، دِرَاسَتِي، عَمَلِي، جُلُوسِي مَعَ عَائِلَتِي، حَتَّى لَعِبِي وَرِيَاضَتِي وَتَرفِيهِي إِذَا نَوَيتُ بِهَا التَّرْوِيحَ عَنِ النَّفسِ لِلتَّقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللهِ بِنَشَاطٍ، فَهِيَ كُلُّهَا مَمْلُوكَةٌ وَمَوجُهَةٌ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
وَاسْمَعُوا إِلى هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّ الثَّوَابَ قَد يَسْبِقُ العَمَلَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ الجَازِمَةِ، يَقُولُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 100]. هَذَا الرَّجُلُ خَرَجَ فَقَط! لَم يَبْلُغِ المَدِينَةَ، لَم يُصَلِّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، لَم يُشَارِكْ في غَزوَةٍ أَو مَعرَكَةٍ، مَاتَ في الطَّرِيقِ قَبلَ أَن يُتِمَّ عَمَلَهُ. وَلَكِنْ لِأَنَّ النِّيَّةَ كَانَتْ صَادِقَةً وَالخُطْوَةَ الأُولَى كَانَتْ بِيَقِينٍ، قَالَ اللهُ عَنْهُ: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾! يَا لَهَا مِنْ بِشَارَةٍ تُبْكِي القُلُوبَ الحَيَّةَ! أَنتَ حِينَ تَنوي الخَيرَ وَتَبدَأُ فِيهِ، فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَكْتُبُ لَكَ النِّهَايَةَ الكَامِلَةَ لِلأَجرِ حَتَّى لَو عَاقَكَ عَائِقٌ.
دَعُونِي أُنقِلُكُم إِلى صُورَةٍ مُشرِقَةٍ، وَحِكَايَةٍ حَيَّةٍ مِنْ صُوَرِ الشَّبَابِ الَّذِينَ فَهِمُوا هَذَا المَعنَى العَظِيمَ وَعَاشُوا بِهِ. الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ زَيدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. كَانَ شَابًّا صَغِيرًا في مُقْتَبَلِ العُمُرِ، ذَكِيًّا وَنَبِيهًا حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ المُنوَّرَةَ. ذَاتَ يَومٍ، طَلَبَ مِنهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ طَلَبًا عِلمِيًّا غَرِيبًا صَعبًا عَلى شَابٍّ في سِنِّهِ؛ طَلَبَ مِنهُ أَن يَتَعَلَّمَ لُغَةَ اليَهُودِ (السِّرْيَانِيَّةَ أَوِ العِبرِيَّةَ)، لِأَنَّهُ لا يَأمَنُهُم عَلَى قِرَاءَةِ وَكِتَابَةِ رَسَائِلِهِ السِّيَاسِيَّةِ وَالدَّعْوِيَّةِ. هَل تَتَخَيَّلُونَ مَاذَا فَعَلَ هَذَا الشَّابُّ؟ هَل تَذَمَّرَ؟ هَل قالَ المَنهَجُ صَعبٌ وَاللُّغَةُ مُعَقَّدَةٌ وَأَنَا لا أَملِكُ وَقْتًا؟ لَا! بَل نَوَى نِيَّةً صَادِقَةً في أَعْمَاقِ قَلبِهِ أَن يَتَعَلَّمَ هَذِهِ اللُّغَةَ الغَرِيبَةَ لِيَحمِيَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن مَكْرِ اليَهُودِ وَيَنصُرَ الإِسلَامَ بِمَهَارَتِهِ. يَقُولُ زَيدٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن نَفسِهِ مُتَحَدِّثًا بِنِعمَةِ اللهِ: «فَتَعَلَّمْتُهَا لَهُ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَومًا!». سُبحَانَ اللهِ! خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا فَقَط لإِتقَانِ لُغَةٍ جَدِيدَةٍ كَامِلَةٍ بِمُفْرَدَاتِهَا وَقَوَاعِدِهَا! كَيفَ حَدَثَ هَذَا الإِعجَازُ العِلمِيُّ وَالِاستِيعَابُ الخَارِقُ؟ لِأَنَّ النِّيَّةَ كَانَت عَظِيمَةً، كَانَت مُحَلِّقَةً في سَمَاءِ الإِخلَاصِ. حِينَ تَكُونُ النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ للهِ، يُبارِكُ اللهُ في الوَقتِ القَلِيلِ، وَيَفتَحُ المَدَارِكَ وَالأَذهَانَ، وَيُسَهِّلُ المَنهَجَ العَسِيرَ الَّذِي قَد يُعجِزُ الآخَرِينَ.
وَاسْمَعُوا إِلى نَمُوذَجٍ آخَرَ، إِلى شَابٍّ آخَرَ مِنْ شَبَابِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، هُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَعْلَمُ الأُمَّةِ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ. يَقُولُ هَذَا الإِمَامُ الشَّابُّ في حِوَارٍ مَعَ أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ، كَلِمَةً تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ وتُحفَظُ في صُدُورِ الأَجْيَالِ: «أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ، وَإِنِّي لأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ). يَا للهِ العَجَبِ! مُعَاذٌ يُؤجَرُ عَلَى سَاعَاتِ نَومِهِ وَشَخِيرِهِ، تَمَامًا كَمَا يُؤجَرُ عَلَى سَاعَاتِ وُقُوفِهِ في قِيَامِ اللَّيلِ بَاكِيًا سَاجِدًا! لِمَاذَا وَكَيفَ؟ لِأَنَّهُ حِينَ يَضَعُ رَأسَهُ عَلَى الوِسَادَةِ المُرِيحَةِ، يَنوي بِقَلبِهِ نِيَّةً وَاضِحَةً: يا رَبِّ، أَنَا أَنَامُ الآنَ لِأُرِيحَ جَسَدِي المُتْعَبَ، حَتَّى أَستَطِيعَ الِاستِيقَاظَ لِصَلَاةِ الفَجْرِ نَشِيطًا، وَلِأَتَقَوَّى عَلَى عِبَادَتِكَ وَجِهَادِكَ غَدًا. هَذِهِ النِّيَّةُ البَاطِنِيَّةُ الصَّامِتَةُ تُحَوِّلُ الثَّمَانِي سَاعَاتٍ مِنَ الغَفوَةِ وَالعَدَمِ، إِلى ثَمَانِي سَاعَاتٍ مُتَّصِلَةٍ مِنَ العِبَادَةِ المَكتُوبَةِ المَقبُولَةِ بِإِذنِ الرَّحْمَنِ. فَهَل بَعْدَ هَذَا الكَرَمِ الإِلَهِيِّ كَرَمٌ؟
إِخوَتِي الأَحِبَّةَ، لَعَلَّ أَحَدَكُم يَقُولُ في نَفسِهِ الآنَ، وَأَنَا أَعرِفُ هَذِهِ الهَوَاجِسَ: «هَذَا كَلَامٌ جَمِيلٌ جِدًّا نَظَرِيًّا يَا أُستَاذِي، وَلَكِن في الوَاقِعِ نَحنُ شَبَابٌ مُشَتَّتُونَ مُمَزَّقُونَ. نُمسِكُ بِالكِتَابِ لِنَدرُسَ فَلا نَستَطِيعُ التَّركِيزَ لِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ دَقَائِقَ. نَدخُلُ إِلى وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجتِمَاعِيِّ بِنِيَّةِ مَعْرِفَةِ خَبَرٍ لِدَقِيقَةٍ، فَتَضِيعُ مِن أَعْمَارِنَا سَاعَتَانِ وَثَلَاثَةٌ بِلَا وُعْيٍ. نَتَعَرَّضُ لِفِتَنٍ وَشَهَوَاتٍ لا يَعلَمُ بِهَا إِلَّا اللهُ. فَمَا فَائِدَةُ النِّيَّةِ هُنا في ظِلِّ هَذَا التَّخَبُّطِ الِانفِعَالِيِّ؟»
أَقُولُ لَكَ يَا أَخِي، وَأَرْجُوكَ أَن تُعِيرَنِي سَمْعَ قَلْبِكَ: النِّيَّةُ هِيَ سِرُّكَ حَتَّى في مُقَاوَمَتِكَ لِلشَّهَوَاتِ والمُعَاصِي. حِينَ تَجلِسُ وَحدَكَ خِلسَةً في غُرفَتِكَ المَغْلَقَةِ، وَهَاتِفُكَ الذَّكِيُّ بَينَ يَدَيكَ، وَتَعرِضُ لَكَ صُورَةٌ مُحَرَّمَةٌ تَأْسِرُ العَينَ، أَو مَقطَعٌ فَاسِدٌ يُثِيرُ الغَرِيزَةَ، فَتُسْرِعُ وَتُغلِقُ الشَّاشَةَ، أَو تَصْرِفُ بَصَرَكَ بَعِيدًا، لَيْسَ خَوفًا مِنْ أَن يَدخُلَ عَلَيكَ أَبُوكَ أَو تَفْضَحَكَ أُمُّكَ، بَل لِأَنَّكَ تَستَحضِرُ نِيَّةَ الحَيَاءِ مِنَ اللهِ العَظِيمِ، وَتَتَذَكَّرُ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. هَذِهِ اللَّحظَةُ الخَاطِفَةُ مِنَ المُقَاوَمَةِ، هَذَا الكَبْحُ العَنِيفُ لِلشَّهوَةِ المُتَأَجِّجَةِ في صَدرِكَ لِأَجْلِ اللهِ، هُوَ عِندَ اللهِ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الجِهَادِ.
اسْمَع إِلى حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَروِيهِ عَن رَبِّ العِزَّةِ في الحَدِيثِ القُدسِيِّ الرَّحِيمِ، عَنِ العَبدِ الَّذِي يَهُمُّ بِالسَّيِّئَةِ وَتَمِيلُ نَفْسُهُ إِلَيْهَا ثُمَّ يَترُكُهَا خَوفًا مِنَ اللهِ: «فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً؛ فَإِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ» (أَيْ مِنْ أَجلِي وَلِوَجْهِي خَالِصَةً). رَأَيتُم عَظَمَةَ الدِّينِ؟ حَتَّى كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الحَرَامِ وَتَركُ المَعصِيَةِ بِالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، يَتَحَوَّلُ إِلى عَمَلٍ صَالِحٍ مَكتُوبٍ وَحَسَنَةٍ كَامِلَةٍ تَزِينُ الصَّحِيفَةَ!
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مُثْنِيًا عَلَى مَنْ جَاهَدَ هَوَاُه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. المُجَاهَدَةُ لَيسَت فَقَط في سَاحَاتِ المَعَارِكِ بِالسُّيُوفِ. مُجَاهَدَتُكَ لِنَفسِكَ الكَسُولَةِ لِتَستَيْقِظَ صَبَاحًا في عَزِّ البَرْدِ لِصَلَاةِ الفَجْرِ جِهَادٌ يُحِبُّهُ اللهُ. مُجَاهَدَتُكَ لِعَينِكَ لِتَغُضَّهَا عَنِ الحَرَامِ في الشَّارِعِ أَو الشَّاشَةِ جِهَادٌ مَبْرُورٌ. مُجَاهَدَتُكَ لِعَقْلِكَ المُشَتَّتِ لِيَستَمِرَّ في طَلَبِ العِلمِ النَّافِعِ جِهَادٌ مَقْبُولٌ. وَكُلُّ ذَلِكَ مَربُوطٌ بِشَرطٍ وَاحِدٍ فَقَط ذُكِرَ في الآيَةِ: ﴿فِينَا﴾، أَيْ لِأَجْلِنَا وَمُخلِصِينَ لَنَا، لا لِمُجَرَّدِ المَظْهَرِ أَوِ الرِّيَاءِ.
أَيُّهَا الشَّبَابُ الرَّائِعُونَ، المَشْكِلَةُ الكُبْرَى في زَمَانِنَا هَذَا أَنَّنَا نَعِيشُ حَيَاةً آفَاتُهَا السُّرعَةُ الجُنُونِيَّةُ وَالفَوضَى الرَّقْمِيَّةُ. نَحنُ نَأكُلُ بِسُرعَةٍ، وَنَتَصَفَّحُ الشَّبَكَةَ بِسُرعَةٍ، وَنَتَحَدَّثُ بِسُرعَةٍ مَعَ مَنْ حَولَنَا، وَلِلأَسَفِ الشَّدِيدِ، صِرنَا حَتَّى نَتَعَبَّدُ بِسُرعَةٍ بِلَا وُعْيٍ وَلَا رُوحٍ. غَابَت عَن قُلُوبِنَا ثَقَافَةُ «التَّوَقُّفِ قَبلَ الفِعلِ». العُلَمَاءُ السَّابِقُونَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ كَانُوا يَعتَنُونَ بِالنِّيَّةِ أَكثَرَ مِنَ اعْتِنَائِهِم بِالعَمَلِ نَفسِهِ. يَقُولُ بَعضُ السَّلَفِ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ: «تَعَلَّمُوا النِّيَّةَ، فَإِنَّهَا أَبْلَغُ مِنَ العَمَلِ». وَيَقُولُ آخَرُ قَوْلًا يَهُزُّ الوِجْدَانَ: «رُبَّ عَمَلٍ صَغِيرٍ في عَينِ النَّاسِ تُعَظِّمُهُ النِّيَّةُ فَيَصِيرُ كَالجَبَلِ، وَرُبَّ عَمَلٍ كَبِيرٍ ظَاهِرُهُ عَظِيمٌ تُصَغِّرُهُ النِّيَّةُ فَيَغْدُو هَبَاءً مَنثُورًا».
أَوُرِيدُ أَنْ أَضْرِبَ لَكُمْ مَثَلًا يُقَرِّبُ لَكُم هَذَا الفَهْمَ العَمِيقَ. اسْمَعُوا إِلى هَذَا الحَدِيثِ الَّذِي يُبَيِّنُ أَنَّ النِّيَّةَ الصَّادِقَةَ تَصِلُ بِصَاحِبِهَا إِلى مَرَاتِبِ العَامِلِينَ حَتَّى لَو لَم يَعمَل! قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ...» فَذَكَرَ مِنهُم: «عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ (يَعنِي يُنفِقُ في الخَيرِ). فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ!» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ). سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ! رَجُلٌ أَنْفَقَ مَلَايِينَ الدَّنَانِيرِ في بِنَاءِ المَسَاجِدِ وَكَفَالَةِ الأَيتَامِ بِجُهدِهِ وَمَالِهِ، وَشَابٌّ آخَرُ فَقِيرٌ لَا يَملِكُ شَيْئًا، لَكِنَّهُ صَادِقٌ في سِرِّهِ مَعَ اللهِ يَقُولُ بِيَقِينٍ: "يَا رَبِّ، لَو رَزَقتَنِي المَالَ لَفَعَلتُ مِثْلَهُ"، فَيَكْتُبُ اللهُ لِلشَّابِّ الفَقِيرِ نَفْسَ أَجْرِ ذَلِكَ الغَنِيِّ المُنْفِقِ المُتْعَبِ! مَنْ فَعَلَ هَذَا بِهِ؟ إِنَّهَا النِّيَّةُ! ذَلِكَ السِّلاحُ الخَفِيُّ الَّذِي لا يَحْتَاجُ إِلى مَالٍ وَلَا إِلى جُهدٍ بَدَنِيٍّ.
وَلَوْ أَنَّ طَالِبَينِ اثنَينِ يَجلِسَانِ مَعًا عَلى نَفسِ المَقعَدِ الدِّراسِيِّ، وَيَتَحَمَّلَانِ نَفسَ الصُّعُوبَةِ. الأَوَّلُ جَاءَ لِيُسقِطَ الوَاجِبَ عَنهُ ثَقِيلًا، وَلِيَحصُلَ عَلى شَهَادَةٍ يَتبَاهَى بِهَا أَمَامَ النَّاسِ، أَو خَوفًا مِن عِقَابِ وَالِدِهِ. وَالثَّانِي جَاءَ بِنِيَّةِ أَن يَرفَعَ الجَهلَ عَن نَفسِهِ، وَبِنِيَّةِ إِدخَالِ السُّرُورِ عَلى قَلبِ وَالِدَيْهِ بِرًّا بِهِمَا طَاعَةً للهِ، وَبِنِيَّةِ بِنَاءِ مُستَقبَلٍ يَقوَى بِهِ عَلى أَن يَكُونَ مُسلِمًا يَنفَعُ دِينَهُ وَأُمَّتَهُ. الإِثنَانِ يَقضِيَانِ نَفسَ الوَقتِ بِالدَّقِيقَةِ، وَيَسمَعَانِ نَفسَ الدَّرسِ، وَيَبذُلَانِ نَفسَ التَّعَبِ العَقلِيِّ! وَلَكِنَّ الأَوَّلَ قَد خَسِرَ ثَوَابَ الآخِرَةِ وَنَالَ مِنَ الدُّنيَا مَا قُدِّرَ لَهُ فَقَط، وَالثَّانِي حَازَ الدُّنيَا، وَفَوْقَهَا أَجْرَ طَالِبِ العِلمِ النَّافِعِ الَّذِي تَضَعُ لَهُ المَلائِكَةُ النُّورَانِيَّةُ أَجنِحَتَهَا رِضًا بِمَا يَصنَعُ! فَبِاللهِ عَلَيكُم، يَا أَصحَابَ العُقُولِ النَّيِّرَةِ، مَنِ الكَيِّسُ الفَطِنُ فِيهِمَا؟ وَمَنِ المَغبُونُ المُضَيِّعُ لِحَظِّهِ وَوَقْتِهِ؟
يَقُولُ تَعَالَى في آيَاتٍ تُخَاطِبُ السَّاعِينَ جَمِيعًا: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: 39-41]. سَعْيُكَ هَذَا، أَيًّا كَانَ دَرسًا أَو مُسَاعَدَةً أَو عَمَلًا، هُوَ مَحفُوظٌ بِدِقَّةٍ عِندَ رَبٍّ شَكُورٍ، يُضَاعِفُ الحَسَنَةَ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، وَيُثِيبُ عَلى النِّيَّةِ الصَّادِقَةِ حَتَّى وَإِن لَم يَتَحَقَّقِ العَمَلُ بِشَكلٍ كَامِلٍ!
دَعُونِي أَسأَلُكُم بِصَرَاحَةٍ... وَأَرجُو، بَلْ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكُمْ، أَن تُجِيبُوا في دَوَاخِلِكُم بِصِدقٍ تَامٍّ:
هَل سَأَلْتَ نَفْسَكَ يَوْمًا كَيْفَ تُحَوِّلُ خُرُوجَكَ لِلَّعِبِ مَعَ أَصْدِقَائِكَ كُرَةَ القَدَمِ إِلَى عِبَادَةٍ؟ إِذَا نَوَيْتَ بِهَا التَّروِيحَ المَشْرُوعَ وَقُوَّةَ البَدَنِ لِخِدْمَةِ الدِّينِ فَهِيَ كَذَلِكَ!
مَتَى آخِرَ مَرَّةٍ وَقَفتَ فِيهَا قَبلَ خُرُوجِكَ مِنَ بَابِ بَيْتِكَ إِلى المَدرَسَةِ، وَأَخَذْتَ نَفَسًا عَمِيقًا وَقُلتَ في قَلبِكَ: يا رَبِّ، أَنَا خَارِجٌ اليَومَ في طَلَبِ العِلمِ لِوَجهِكَ الكَرِيمِ فَارْزُقْنِي فَهْمَهُ؟
مَتَى آخِرَ مَرَّةٍ جَلَستَ مُرْهَقًا عَلَى كِتَابِكَ، فَنَوَيتَ أَن تَصْبِرَ عَلَى هَذَا التَّعَبِ لِتَبَرَّ وَالِدَيكَ بِنَجَاحِكَ، طَاعَةً للهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أَمَرَ بِبِرِّهِمَا؟
هَل تَعلَمُ أَنَّكَ حِينَ تَبتَسِمُ في وَجْهِ صَدِيقِكَ المُهْمُومِ في الفَصلِ، أَو تُسَاعِدُهُ في فَهْمِ مَسأَلَةٍ مُعَقَّدَةٍ بِنِيَّةِ الإِحسَانِ إِلى أَخٍ مُسلِمٍ، فَأَنتَ تُؤَدِّي عِبَادَةً عَظِيمَةً قَدْ تَفُوقُ نَوَافِلَ الصِّيَامِ؟ كُلُّنَا نُرِيدُ أَن نَكُونَ نَاجِحِينَ مُتَمَيِّزِينَ، وَلَكِن، أَلَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ نَاجِحًا بَارِزًا في الدُّنيَا الفَانِيَةِ، وَمَأجُورًا كَبِيرًا في الآخِرَةِ البَاقِيَةِ في وَقتٍ وَاحِدٍ؟ هَذَا هُوَ الذَّكَاءُ المُزْدَوَجُ، وَهَذَا هُوَ الرِّبْحُ الحَقِيقِيُّ يَا إِخْوَتِي.
رُبَّمَا يَقُولُ بَعضُكُم الآنَ، وَأَنَا أَسْمَعُ صَوْتَ التَّفْكِيرِ دَاخِلَكُمْ: «أَنَا أُحَاوِلُ يَا صَدِيقِي، وَلَكِنَّ نِيَّتِي دَائِمًا تَتَقَلَّبُ عَلَيَّ كَالرِّيشَةِ في مَهَبِّ الرِّيحِ. أَبدَأُ العَمَلَ مَعَ اللهِ بِخُشُوعٍ، ثُمَّ أَدخُلُ في فَخِّ التَّبَاهِي وَالرِّيَاءِ إِذَا مَدَحَنِي النَّاسُ. فَمَاذَا أَفعَلُ؟ هَلْ أَتْرُكُ العَمَلَ الصَّالِحَ خَوْفًا مِنَ الرِّيَاءِ؟».
أَقُولُ لَكَ قَوْلًا قَاطِعًا حَاسِمًا: هَذَا الشُّعُورُ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ جِدًّا في بَدَايَةِ طَرِيقِ الاِسْتِقَامَةِ، بَلْ حَتَّى مَعَ كِبَارِ العُلَمَاءِ! قَالَ الإِمَامُ سُفيَانُ الثَّورِيُّ وَهُوَ إِمَامٌ عَظِيمٌ مِنْ أَعْلَامِ السَّلَفِ: «مَا عَالَجْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ نِيَّتِي، إِنَّهَا تَتَقَلَّبُ عَلَيَّ». الإِمَامُ سُفْيَانُ يُعَانِي مَعَ نِيَّتِهِ، فَكَيْفَ بِنَا!
المُهِمُّ وَالأَهَمُّ هُوَ أَلَّا تَستَسْلِمَ لِلشَّيْطَانِ. إِذَا تَقَلَّبَت نِيَّتُكَ أَثْنَاءَ العَمَلِ، فَقِفْ لَحْظَةً وَجَدِّدهَا دَاخِلِيًّا. إِذَا شَعَرتَ بِرِيَاءٍ يَتَسَلَّلُ لِقَلْبِكَ لِأَنَّ صَدِيقَكَ يَنْظُرُ إِلَيْكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَتَعَوَّذ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَادْفَعِ الخَاطِرَ السَّيِّئَ، وَأَكمِل صَلَاتَكَ أَو عَمَلَكَ. لا تَتْرُكِ العَمَلَ الصَّالِحَ أَبَدًا بِحُجَّةِ الخَوفِ مِنَ الرِّيَاءِ! فَإِنَّ «تَركَ العَمَلِ لِأَجلِ النَّاسِ رِيَاءٌ» كَمَا قَالَ العَالِمُ الرَّبَّانِيُّ الفُضَيلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ، «وَالعَمَلَ لِأَجلِ النَّاسِ شِركٌ، وَالإِخلَاصَ أَن يُعَافِيَكَ اللهُ مِنهُمَا جَمِيعًا». المُهِمُّ أَن يَبقَى صِرَاعُكَ الدَّاخِلِيُّ مَعَ نِيَّتِكَ مُستَمِرًّا حَتَّى تَصْفُوَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمُرُورِ الوَقْتِ.
إِخوَتِي الأَحِبَّةَ، إِنَّ اللهَ العَلِيمَ الحَكِيمَ لَم يَخلُقكُم لِلَّهْوِ عَبَثًا، وَلَم يَضَعكُم في هَذَا الزَّمَنِ المُتَسَارِعِ صُدفَةً دُونَ غَايَةٍ. أَنْتُم جِيلٌ وُلِدَ في أَصعَبِ عَصْرٍ مَرَّتْ بِهِ البَشَرِيَّةُ مِنْ حَيْثُ كَثْرَةُ الشَّهَوَاتِ وَتَعَدُّدُ المُلْهِيَاتِ الرَّقْمِيَّةِ وَالمُشَتِّتَاتِ الذِّهْنِيَّةِ. كُلُّ تَطْبِيقٍ في هَاتِفِكَ يُصَمَّمُ بِخُوَارِزْمِيَّاتٍ خَبِيثَةٍ لِيَسْرِقَ انتِبَاهَكَ، وَيُفْسِدَ نَوَايَاكَ النَّقِيَّةَ، وَيُحَوِّلَكَ إِلى مُسْتَهْلِكٍ سَلْبِيٍّ بِلَا هَدَفٍ وَلَا رِسَالَةٍ. وَلَكِنَّكُم في ذَاتِ الوَقتِ، تَمْلِكُونَ عُقُولًا شَابَّةً نَيِّرَةً، وَقُلُوبًا صَافِيَةً فَطِيَّةً، وَفُرَصًا عَظِيمَةً لِلتَّأْثِيرِ الإِيجَابِيِّ لا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى.
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُبَشِّرًا عِبَادَهُ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى الحَقِّ دَاخِلَ العَوَاصِفِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30]. هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ العَظِيمَةُ لَيسَت مَحصُورَةً لِلشُّيُوخِ العَابِدِينَ المُنْقَطِعِينَ في المَسَاجِدِ فَحَسْبُ؛ بَل هِيَ مُوَجَّهَةٌ بِقُوَّةٍ لِلشَّابِّ الَّذِي قَالَ في عِزِّ فُتُوَّتِهِ: رَبِّيَ اللهُ، ثُمَّ استَقَامَ بِفِعْلِهِ عَلَى تَعَالِيمِ كِتَابِهِ في مَدرَسَتِهِ، وَفِي اخْتِيَارِهِ لِأَصدِقَائِهِ، وَخَلفَ شَاشَةِ هَاتِفِهِ المُضِيئَةِ في ظُلمَةِ اللَّيلِ الحَالِكِ عِنْدَمَا يَغِيبُ رَقِيبُ البَشَرِ وَيَبْقَى رَقِيبُ السَّمَاءِ.
صَدِّقُونِي يَا إِخْوَتِي الشَّبَابُ، لَا يُوجَدُ شَيْءٌ في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا يَمنَحُكَ قُوَّةً نَفْسِيَّةً خَارِقَةً، وَثَبَاتًا عَقْلِيًّا عَمِيقًا، وَتَوفِيقًا إِلَهِيًّا مُبْهِرًا، مِثلَ أَن تَتَّصِلَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ نِيَّةً صَادِقَةً وَعَمَلًا مُخْلِصًا. الشَّابُّ الَّذِي يَضَعُ مَرْضَاةَ اللهِ نُصبَ عَينَيهِ كَهَدَفٍ أَسَاسِيٍّ، لا يُكْسَرُ بِسُهُولَةٍ أَمَامَ الِابْتِلَاءَاتِ، وَلا يُهزَمُ دَاخِلِيًّا أَمَامَ التَّحَدِّيَاتِ، وَلا يَيأَسُ إِذَا تَعَثَّرَ أَو فَشِلَ دِرَاسِيًّا أَوِ اجْتِمَاعِيًّا، لِأَنَّهُ يَعلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ يُعَامِلُ الرَّبَّ الكَرِيمَ العَظِيمَ، الَّذِي لا يُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ، وَلَا يُهْمِلُ ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وَأَنَّهُ إِذَا صَدَقَ النِّيَّةَ فَقَدْ نَالَ الرِّبْحَ الأَكْبَرَ مَهْمَا كَانَتِ النَّتَائِجُ الدُّنْيَوِيَّةُ.
وَأُوصِيكُم بِخَمسِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ قَبلَ أَن أُخْلِيَ مَكَانِي هَذَا، أُوصِيكُم بِهَا لِنُطَبِّقَهَا جَمِيعًا مِنَ اليَومِ، لا مِنَ الغَدِ الَّذِي لَا نَمْلِكُهُ:
الأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): قَبْلَ أَن تَقُومَ بِأَيِّ عَمَلٍ كَبِيرٍ في يَومِكَ (بَدْءُ جَلْسَةِ مُذَاكَرَةٍ طَوِيلَةٍ، خُرُوجٌ إِلى التَّدْرِيبِ الرِّيَاضِيِّ، مُسَاعَدَةُ صَدِيقٍ في ضَائِقَةٍ)، تَوَقَّف لِعَشْرِ ثَوَانٍ فَقَط زَمَنِيًّا. أَغمِض عَينَيكَ فِيهَا، وَقُل بِلِسَانِ قَلبِكَ: يا رَبِّ، هَذَا العَمَلُ المُتْعِبُ أُقَدِّمُهُ خَالِصًا لَكَ، وَلِأَجْلِ إِرضَائِكَ عَنِّي، فَأَعِنِّي عَلَيهِ وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي. هَذِهِ الثَّوَانِي العَشْرُ القَلِيلَةُ هِيَ المِفتَاحُ السِّحْرِيُّ لِكُلِّ البَرَكَةِ.
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): اجعَل لِسَانَكَ رَطِبًا مُتَحَرِّكًا بِالِاستِغْفَارِ الدَّائِمِ، حَتَّى في أَوْقَاتِ المَلَلِ وَالِانتِظَارِ الفَارِغَةِ، سَوَاءٌ أَكُنْتَ في حَافِلَةِ المُوَاصَلَاتِ المَزْدَحِمَةِ أَو تَجْلِسُ بَينَ الحِصَصِ الدِّرَاسِيَّةِ. استَغفِر بِنِيَّةِ مَحوِ ذُنُوبِ الخَلَوَاتِ، وَبِنِيَّةِ أَن يَفتَحَ اللهُ عَلَيكَ مَغَالِيقَ الفَهْمِ وَالِاسْتِيعَابِ، فَإِنَّ الِاستِغْفَارَ المُخْلِصَ يَجلِبُ التَّوفِيقَ العِلمِيَّ وَالسَّكِينَةَ النَّفْسِيَّةَ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ): حَافِظ بِكُلِّ قُوَّتِكَ عَلى صَلَاةِ الفَجْرِ كَمَا تُحَافِظُ بِشِدَّةٍ عَلَى مَوعِدِ الِامتِحَانِ المَصِيرِيِّ الَّذِي يُحَدِّدُ مُسْتَقْبَلَكَ. ضَعِ المُنَبِّهَ بِإِصْرَارٍ، وَانْوِ قَبلَ أَنْ تَسْتَسْلِمَ لِلنَّومِ نِيَّةً صَادِقَةً جَازِمَةً لَا مَحِيدَ عَنْهَا، أَن تَهُبَّ مُسْرِعًا مِن فِرَاشِكَ الدَّافِئِ حِينَ تَسمَعُ صَوْتَ الأَذَانِ. الصَّلَاةُ المَبْنِيَّةُ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ القَوِيَّةِ هِيَ البُوصَلَةُ السِّرِّيَّةُ الَّتِي تَضبِطُ نَجَاحَ يَوْمِكَ كُلَّهُ.
الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): اليَومَ، عِندَمَا تَعُودُ إِلى بَيتِكَ مِن مَدرَسَتِكَ، اِذْهَبْ مُبَاشَرَةً إِلى أُمِّكَ أَو أَبِيكَ، قَبِّل يَدَهُمَا بِحُبٍّ، وَانْوِ بِهَا طَاعَةَ اللهِ الجَلِيلِ في بِرِّهِمَا وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا. ابتَسِم لَهُمَا حَتَّى لَوْ كُنْتَ مُرْهَقًا، وَلَا تَتَذَمَّر مِن أَوَامِرِهِمَا المُنْزَعِجَةِ أَحْيَانًا. صِدْقُ النِّيَّةِ في بِرِّ الوَالِدَينِ يَحُولُ التَّصَرُّفَ البَسِيطَ إِلى أَعظَمِ أَبْوَابِ رِضْوَانِ اللهِ وَدُخُولِ الجَنَّةِ.
الخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ رِسَالِيَّةٌ): اجْعَل لِنَفسِكَ الشَّابَّةِ هَدَفًا كَبِيرًا عَالِيًا في هَذِهِ الحَيَاةِ، هَدَفًا يَتَجَاوَزُ مَسَاحَةَ مَصالِحِكَ الشَّخْصِيَّةِ وَأَنَانِيَّتِكَ. انْوِ بِصِدْقٍ أَن تَتَفَوَّقَ في دِرَاسَتِكَ لَا لِأَجْلِ وَظِيفَةٍ فَقَط، بَلْ لِتَكُونَ عُنْصُرَ قُوَّةٍ لِلإِسلَامِ، وَأَن تَنجَحَ لِتَكُونَ يَدًا عُلْيَا مُنْفِقَةً تُسَاعِدُ الضُّعَفَاءَ وَالمَحْرُومِينَ. الأُمَّةُ المَجْرُوحَةُ لا تَنْهَضُ مِن كَبْوَتِهَا إِلَّا بِشَبَابٍ أَمْثَالِكُمْ، يَحمِلُونَ هُمُومَهَا العَظِيمَةَ في صَمِيمِ نَوَايَاهُمُ الخَالِصَةِ.
دَعُونَا نَرْفَعُ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ إِلى الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى:
اللَّهُمَّ يَا عَالِمَ النِّيَّاتِ وَخَفَايَا الصُّدُورِ، اجْعَل شَبَابَنَا شَبَابًا صَالِحًا يُحِبُّكَ، وَيَعمَلُ كُلَّ فِعْلٍ لِأَجْلِكَ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الإِخلَاصَ التَّامَّ النَّقِيَّ في الأَقْوَالِ وَالأَعمَالِ وَالنِّيَّاتِ، وَطَهِّر قُلُوبَنَا الضَّعِيفَةَ مِنَ الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ وَالسُّمْعَةِ.
اللَّهُمَّ ارْفَع هِمَمَنَا العَالِيَةَ إِلى أَعلَى مَقَامَاتِكَ في الفِردَوْسِ، وَلَا تَرضَ لَنَا بِالدُّونِ وَتَفَاهَاتِ الأُمُورِ في هَذِهِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ.
اللَّهُمَّ اجْعَل دِرَاسَتَنَا وَتَعَبَنَا وَسَهَرَنَا شَاهِدًا لَنَا، وَمَقْبُولًا في مَوَازِينِ حَسَنَاتِنَا يَومَ اللِّقَاءِ الأَعْظَمِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا وَاحْفَظْ إِخْوَانَنَا مِن فِتَنِ هَذَا الزَّمَانِ المُتَلَاطِمَةِ، مَا ظَهَرَ مِنهَا بِالجَوَارِحِ وَمَا بَطَنَ في القُلُوبِ، وَثَبِّت قُلُوبَنَا المُتَقَلِّبَةَ عَلَى دِينِكَ المَتِينِ.
اللَّهُمَّ اجْعَل الإِيمَانَ الصَّادِقَ النَّقِيَّ في قُلُوبِنَا أَحَبَّ إِلَينَا مِن كُلِّ مَتَاعِ الأَرْضِ، وَزَيِّنْهُ بِنُورِكَ في صُدُورِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ المُهْتَدِينَ.
اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا في أَوْقَاتِنَا القَصِيرَةِ، وَأَعْمَارِنَا المَاضِيَةِ، وَأَعْمَالِنَا الصَّالِحَةِ، وَاجمَعْنَا دَائِمًا عَلَى الخَيرِ وَالمَحَبَّةِ فِيكَ، وَلَا تُفَرِّقْنَا يَا رَبَّنَا عَلَى الشَّرِّ أَوِ المَعْصِيَةِ أَوِ التَّفَرُّقِ.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا وَحَبِيبِنَا وَقُدْوَتِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ، وَصَحْبِهِ أَجمَعِينَ المُخْلِصِينَ المَيَامِينِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَصِدْقِ نِيَّةٍ إِلى يَوْمِ الدِّينِ.
وَالسَّلامُ عَلَيكُم، يَا إِخْوَتِي الكِرَامَ، وَرَحمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.