🕌 الإخلاصُ... سِرُّ القَبولِ وطَريقُ الوُصول
#خطبة_جمعة #الإخلاص #النية #القبول #رقائق #القلوب
الحمدُ للهِ الذي يَنظُرُ إلى القُلوبِ والأعمال، ولا يَنظُرُ إلى الصُّوَرِ والأموال، الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الإخلاصَ سِرًّا بينَهُ وبينَ عَبدِهِ، لا يَطَّلِعُ عليهِ مَلَكٌ فَيَكتُبَه، ولا شَيطانٌ فَيُفسِدَه. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ صِدقَ النِّيَّةِ مِفتاحًا للقَبول، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُخلِصينَ وسَيِّدُ المُتَّقين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
أيها الإخوةُ الأحبَّة، تَخيَّلوا معي مَشهَدًا يَقِفُ له الشَّعرُ وتَرجُفُ له القُلوب... رَجُلٌ يأتي يومَ القيامةِ بجبالٍ من الحَسَنات؛ صلاةٌ في ليل، وصيامٌ في نَهار، وصدقاتٌ بالأموال، وحَجٌّ وعُمرة. يَأتي وهو يَبتَسِم، يَظُنُّ أنَّ أبوابَ الجنَّةِ الثَّمانيةَ ستُفتَحُ له، وأنَّ الملائكةَ ستَستَقبِلُه بالبُشرى. يُوضَعُ عَمَلُه في الميزان... فَينظُر... فإذا الميزانُ خفيفٌ، لا يَزِنُ جَناحَ بَعوضة! يَبحثُ عن صَلاتِه، عن صِيامِه، عن صَدَقاتِه... أينَ ذَهَبَت؟ أين اختَفَت؟
لقد أصبَحَت هَباءً مَنثورًا. لِماذا؟ لأنَّه فَقَدَ الرَّقمَ السِّرِّيَّ، فَقَدَ رُوحَ العَمَل، فَقَدَ الكلمةَ التي من أجلِها خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرض... لقد فَقَدَ الإخلاص!
يقولُ اللهُ تعالى في مُحكَمِ تَنزيلِه، مُبَيِّنًا هذا المشهدَ المُرعِب: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
يا عبادَ الله، العملُ صورةٌ مَيِّتة، جَسَدٌ لا حَراكَ فيه، ورُوحُهُ الإخلاص. إذا خَلَا العَمَلُ من الإخلاص، كان كالجثَّةِ الهامدةِ التي لا قِيمةَ لها، بل رُبَّما كان وَبالًا على صاحِبِها.
يقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
تأمَّلوا هذه الآيةَ جيِّدًا. اللهُ عزَّ وجل لم يَقُل: "وما أُمِروا إلا ليَعبُدوا الله"... ثم يَسكُت. بل شَرَطَ شَرطًا قاسيًا حاسمًا: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
والإخلاصُ في اللُّغةِ أصلُهُ من التَّنقيةِ والصَّفاء. ألم تَسمَعوا قولَ اللهِ تعالى وهو يَصِفُ اللَّبَنَ الخالص: ﴿مِّن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: 66]؟
تأمَّلوا الصُّورةَ العجيبة! اللَّبَنُ يَخرُجُ من بين الفَرثِ (وهو ما في الأمعاءِ من الفَضَلات) ومن بين الدَّم. يَخرُجُ أبيَضَ نقيًّا، لم يَختَلِط بقطرةِ دَم، ولم يَتَلَوَّث بِذرَّةِ فَرث. هذا هو الإخلاص! أن تُخرِجَ عَمَلَك نَقيًّا صافيًا لله، من بين دَمِ شَهَواتِكَ، وفَرثِ حُبِّكَ للمَحمَدة ورِضا النَّاس.
...
فانتبِه.
هل سألتَ نفسَكَ يومًا: لماذا أُصَلِّي؟ هل لِيَقولَ النَّاسُ عنِّي رَجلٌ صالِح؟ هل لِيَراني أبي، أو يَمدَحَني مُديري، أو تَطمَئِنَّ إلَيَّ زوجتي؟
أين أنتَ من هذا الحَديثِ العظيم، الذي يَرويه عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه، ويَجعَلُهُ العُلماءُ ثُلُثَ الإسْلام؟ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى، فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها، أوْ إلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ» (متفق عليه).
هاجَرَ صَحابيٌّ مع النَّبيِّ ﷺ من مكَّةَ إلى المدينة، تَرَكَ مالَهُ وأهلَهُ ودارَه. عَمَلٌ عَظيم، تَضحيةٌ هائلة. لكنَّهُ لم يُهاجِر لله، بل هاجَرَ لِيَتَزَوَّجَ امرأةً اسمُها أُمُّ قَيس، فَسُمِّيَ "مُهاجِر أُمِّ قَيس". ضاعَ أجرُهُ كلُّه بسَبَب النِّيَّة!
إخواني في الله، واسمعوا لهذه القصَّةِ التي تَخلَعُ القُلوبَ وتُذيبُ الأكباد. قِصَّةٌ صَحَّت عن الصَّادقِ المَصدوقِ ﷺ، تُبَيِّنُ لنا حقيقةَ النِّيَّة، وكيفَ أنَّ العَمَلَ العظيمَ قد يَهوي بصاحبِه إلى جَهَنَّمَ إن فَسَدَت نيَّتُه.
يُخْبِرُنا أبو هُرَيرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ ﷺ أنَّ أوَّلَ مَن تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يومَ القيامةِ ثلاثة... ومَن هُم؟ هل هُم قَتَلَة؟ هل هُم سُرَّاق؟ هل هُم زُناة؟
لا والله! بل هُم من صَفوةِ المجتمع في الظَّاهِر.
رَجُلٌ استُشهِدَ في المَعركة! يُؤتى به يومَ القيامة، فَيُعَرِّفُهُ اللهُ نِعَمَهُ فَيَعرِفُها، فيقول: فما عَمِلتَ فيها؟ فيقول: قاتَلتُ فيكَ حتى استُشهِدتُ. فيقولُ اللهُ له: كَذَبتَ! ولكنَّكَ قاتَلتَ لِيُقالَ جَريءٌ، فَقَد قيل. ثم يُؤمَرُ به فَيُسحَبُ على وَجهِه حتى يُلقى في النَّار!
ورَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وعَلَّمَهُ وقَرأَ القرآن! يُؤتى به فَيَقول: تَعَلَّمتُ العِلمَ وعَلَّمتُه وقَرَأتُ فيكَ القرآن. فيقولُ اللهُ: كَذَبتَ! تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقالَ عالِم، وقَرَأتَ
القرآنَ لِيُقالَ هو قارئ، فَقَد قيل. ثم يُؤمَرُ به فَيُسحَبُ على وَجهِه إلى النَّار!
ورَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عليهِ وأعطاهُ من أصنافِ المال! يُؤتى به فيقول: ما تَرَكتُ من سَبيلٍ تُحِبُّ أن يُنفَقَ فيها إلَّا أنفَقتُ فيها لك. فيقولُ الله: كَذَبتَ! ولكنَّكَ فَعَلتَ لِيُقالَ هو جَواد، فَقَد قيل. ثم يُؤمَرُ به فَيُسحَبُ على وَجهِه إلى النَّار! (رواه مسلم).
يا لَعَظَمةِ هذا المشهد! ويا لِخَطَرِ هذه المُفارَقة!
دِماءٌ أُريقَت، وأموالٌ أُنفِقَت، وعُمرٌ قُضِيَ بين الكتبِ والمَحاريب... وكلُّهُ إلى النَّار. لأنَّ القلبَ لم يَكُن لله. لأنَّ العَينَ كانَت تَلتَفِتُ يَمينًا ويَسارًا لتَرى إعجابَ النَّاس.
ألا يُشبِهُ هذا حالَ كثيرٍ منَّا اليوم؟
في عصرِنا هذا — عصرِ الهواتفِ الذَّكيَّةِ والشاشات — أصبَحَ الإخلاصُ مَعركةً طاحنة. تَجِدُ الواحِدَ منَّا يَتَصَدَّقُ بِيَمينِه، ويُصَوِّرُ بِيَسارِه! يَبني مَسجدًا أو يَحفُرُ بِئرًا، فإذا لم يُكتَبِ اسمُهُ على اللَّوحةِ بخَطٍّ عَريض، غَضِبَ وثارَ وسَحَبَ أموالَه! يَنشُرُ مَوعِظةً في وَسائلِ التَّواصُل، فَإذا لم تَحصُد الإعجاباتِ والمديح، حَذَفَها وأصابَهُ الإحباط!
لمَن نَعمَل نحن؟ ومَن نَنتَظِرُ الأجرَ مِنه؟
هل النَّاسُ الذين نُرائي لأجلِهِم يَملِكونَ لنا من اللهِ شَيئًا؟
يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى في الحديث القُدسيِّ الجليل: «أنا أغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فيه مَعِي غيرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ» (رواه مسلم).
أيُعقَلُ أن تَعمَلَ العَمَلَ وتَجعَلَ مَعَ اللهِ شَريكًا فيه، ثم تَطمَعَ في رَحمةِ الله؟! اللهُ غَنِيٌّ عنِّي وعَنك، غَنِيٌّ عن صَلاتِنا التي فيها شائبةُ الرِّياء، غَنِيٌّ عن صَدَقَتِنا المَمزوجةِ بالسُّمعة.
ولنتأمَّل معًا سِيرةَ السَّلَفِ الصَّالحِ، أولئك الذين أدرَكوا حقيقةَ الإخلاصِ فَعاشوا مُخفِينَ لأعمالِهم كأنَّهم يُخفونَ جَرائمَهم!
أينَ نحنُ من زَينِ العابدين، عليِّ بنِ الحُسين رحمهما الله؟
كانَ في المدينةِ فُقراءُ لا يَدرونَ من أينَ يَأتيهِمُ الطَّعام. طَعامٌ وُضِعَ على أبوابِهِم في اللَّيل، كلَّ ليلة، سَنواتٍ طِوالًا. فَلَمَّا ماتَ عليُّ بنُ الحُسين، انقَطَعَ الطَّعامُ عن فُقراءِ المدينة! فَعلِموا أنَّهُ هو الذي كان يَحملُ الخُبزَ على ظَهرِه باللَّيل. ولَمَّا غَسَّلوه، وَجَدوا في ظَهرِه آثارًا سَوداءَ من أكياسِ الدَّقيقِ التي كان يَنقُلُها سِرًّا في ظَلامِ اللَّيل، لا يَراهُ إلَّا الله.
هذا هو الإخلاصُ الذي يَرفَعُ المَقام. يقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله، واصِفًا حالَ المُفتَقِرِ إلى النِّيَّة: "العَمَلُ بغيرِ إخلاصٍ ولا اقتِداء، كالمُسافِرِ يَملأُ جِرابَهُ رَملًا، يُثقِلُهُ ولا يَنفَعُه".
ما أعظَمَ هذا المَثَل! تَحمِلُ رَملًا على ظَهرِك تَتَوَقَّعُ أنَّهُ زاد، فَإذا جُعتَ في الصَّحراءِ لم تَجِد ما تَأكُلُه. هكذا المُرائي، يَحملُ أعمالًا كثيرةً يومَ القيامة، فإذا احتاجَ إليها في المِيزان، وَجَدَها رَملًا وسَرابًا. ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: 18].
ويقولُ الفُضَيلُ بنُ عِياض رَحِمَهُ الله — وكانَ خَبيرًا بطِبِّ القُلوب —: "تَركُ العَمَلِ من أجلِ النَّاسِ رياء، والعَمَلُ من أجلِ النَّاسِ شِرك، والإخلاصُ أن يُعافيَكَ اللهُ مِنهُما".
تأمَّل! حتَّى لو كُنتَ تَقرأُ القرآنَ في المسجد، فَدَخَلَ شخصٌ فَأغلَقتَ المُصحَفَ كَي لا يَقولَ عنكَ "هذا يَقرأ"... أنتَ مُرائٍ في هذه اللَّحظة. لأنَّكَ نَظَرتَ إلى النَّاسِ في قَرارِ الفِعلِ والتَّرك. الإخلاصُ أن يَستَوِيَ عِندَكَ وُجودُ النَّاسِ وعَدَمُهم، بِمَعنى أنَّ فِعلَكَ لله، مَدَحوا أم ذَمُّوا، رَضوا أم سَخِطوا.
وإيَّاكُم والشركَ الخفيَّ!
سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عن أخوَفِ ما يَخافُهُ على أمَّتِه؟ فلم يَقُل الزِّنا، ولم يَقُل الخمر، ولم يَقُل السَّرقة! بل قال: «أخوَفُ ما أخافُ عليكمُ الشِّركُ الأصغَر». قالوا: وما الشِّركُ الأصغَرُ يا رسولَ الله؟ قال: «الرِّياء، يقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ يومَ القيامةِ إذا جُزِيَ النَّاسُ بأعمالِهِم: اذهَبوا إلى الذينَ كُنتُم تُراؤونَ في الدُّنيا فَانظُروا هل تَجِدونَ عندَهُم جَزاءً؟» (رواه أحمد بإسناد صحيح).
والرِّياءُ يا عبادَ اللهِ أخفى من دَبيبِ النَّملِةِ السَّوداءِ، على الصَّخرةِ الصَّمَّاءِ، في اللَّيلةِ الظَّلماء. يَتَسَلَّلُ إلى قَلبِ العالِمِ في مِحرابِه، والدَّاعيةِ في مِنبَرِه، والمُتَصَدِّقِ في مالِه، والمُصَلِّي في سُجودِه.
هل فَكَّرتَ يومًا أنَّ اللهَ سَمَّى الإخلاصَ في القرآنِ صِيغةَ الجَمعِ مع الصَّلاةِ والنُّسُك؟
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: 162-163].
حياتُكَ كلُّها لله. نَومُكَ إذا نَوَيتَ به التَّقَوِّي على طاعةِ اللهِ عِبادَة. أكْلُكَ وسَعيُكَ على رِزقِ عِيالِكَ عِبادَة، إذا نَوَيتَ إعفافَهُم وكِفايَتَهُم عن الحَرام.
هذه هي التِّجارةُ الرَّابحة. أن تُحَوِّلَ العاداتِ إلى عباداتٍ بالنِّيَّةِ الصَّالِحة. قال سُفيانُ الثَّوريُّ رحمه الله: "ما عالَجتُ شَيئًا أشَدَّ علَيَّ من نِيَّتي، إنَّها تَتَقَلَّبُ علَيَّ". إذا كان سُفيانُ الثَّوريُّ — إمامُ الزُّهدِ والوَرَع — يَقولُ هذا، فَماذا نَقولُ نحنُ في هذا الزَّمان؟!
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خطبتِنا الأولى عن مَكانةِ الإخلاص، وكيفَ أنَّهُ رُوحُ الأعمالِ وشَرطُ قَبولِها، ووَقَفنا مَع مَشاهدِ المُرائينَ يومَ القيامة الذينَ صارَت حَسَناتُهم هَباءً مَنثورًا، وتأمَّلنا كَيفَ عاشَ السَّلَفُ يَحرُسونَ نِيَّاتِهِم ويُخفونَ أعمالَهم. والآن، نحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهم الذي سيُحَدِّدُ مَسارَنا بَعد هذه الجُمعة: كَيفَ نُحَقِّقُ هذا الإخلاصَ عَمَليًّا في حَياتنا؟ وكيفَ نَطرُدُ الرِّياءَ من قُلوبنا المَشغولةِ بمراقبةِ النَّاس؟
وأوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نيَّتَكَ قَبلَ كُلِّ عَمَل، اسأل نفسَك: لِماذا أفعَلُ هذا؟ فإن كان لله فأَمضِه، وإن كان للنَّاس فَتَوَقَّف وصَحِّح مَسارَ قَلبِك. قال يحيى بنُ أبي كثير: "تَعَلَّموا النِّيَّة، فإنَّها أبلَغُ من العَمَل".
الثانية (لِسانيَّة): اجعَل لِسانَكَ رَطبًا بدُعاءِ النَّبيِّ ﷺ الذي عَلَّمَنا إيَّاه لِنَفي الشِّركِ الخَفيّ. قُلهُ كلَّ يَوم: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بك أن أُشرِكَ بك شَيئًا وأنا أعلَم، وأستَغفِرُك لِما لا أعلَم». دعاءٌ قَصيرٌ لكنَّهُ حِصنٌ حَصينٌ لقَلبِك.
الثالثة (عَمَليَّة): اجعَل بَينَك وبَينَ اللهِ خَبيئةً من عَمَلٍ صالِح، لا يَعلَمُ بِها أحَد. صَدَقةٌ لا تَذكُرُها، دَمعةٌ في جَوفِ اللَّيل، أو رَكعَتان والمُحيطونَ بكَ نِيام. العَمَلُ المَخفيُّ هو طَوقُ النَّجاة، وهو صَمَّامُ الأمانِ من الرِّياء. أخبِئ حَسَناتِكَ كما تُخبِئُ سَيِّئاتِك!
الرابعة (اجتماعيَّة): لا تَنتَظِر الشُّكرَ من أحَدٍ إذا صَنَعتَ إليهِ مَعروفًا. إذا ساعَدتَ فقيرًا أو أعَنتَ مَكروبًا، فلا تَغضَب إن لَم يُثنِ عليك. تَذَكَّر شِعارَ المُخلِصين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]. إذا رَغِبتَ في شُكرِهم، فَقَد بَرِئَ اللهُ من عَمَلِك.
الخامسة (موضوعيَّة): راقِب حِساباتِك في وسائل التَّواصُل، ولا تَجعَل إظهارَ الطَّاعاتِ (كالتَّصويرِ في العُمرة، أو عند التَّصَدُّق) بابًا لِدُخولِ الشَّيطانِ إليك فَيَسرِقَ أجرَك. ما لا يَحتاجُ النَّاسُ إلى رُؤيَتِه، فَدَعْهُ سِرًّا للمَلِكِ الجَبَّار.
فاتَّقوا الله عبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمرَ قَصير، وأنَّ المَوتَ لا يَستَأذِن، فَلا تَلقَوا اللهَ بأعمالٍ مُزَيَّفةٍ تُحشَرونَ بِها خاسرين، بل القَوهُ بقُلوبٍ سَليمةٍ مُخلِصَة. ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عليه، عَمَلاً بقولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ الإخلاصَ في الأقوالِ والأعمالِ والنِّيَّات.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا من النِّفاق، وأعمالَنا من الرِّياء، وألسِنَتَنا من الكَذِب، وأعيُنَنا من الخِيانة، فإنَّكَ تَعلَمُ خائنةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور.
اللَّهُمَّ لا تَجعَل في أعمالِنا نَصيبًا لأحَدٍ سِواك، واجعَلها خالصةً لِوَجهِكَ الكريم.
اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بك أن نُشرِكَ بكَ شيئًا نَعلَمُه، ونَستَغفِرُكَ لِما لا نَعلَمُه.
اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلمينَ عامَّة، واجعَلنا من الذينَ إذا أعطَوا شَكَروا، وإذا ابتُلوا صَبَروا، وإذا أذنَبوا استَغفَروا.
اللَّهُمَّ ارزُقنا حُسنَ الخاتِمة، وتَوَفَّنا وأنتَ راضٍ عنَّا غَيرَ غَضبان.
عبادَ
الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.