من مكتبة مِداد الخطيب

جبالٌ من الحَصَى... ذُنوبٌ نَحتَقِرُها وهي عندَ اللهِ عَظيمة

مشاركة
🕌 جبالٌ من الحَصَى... ذُنوبٌ نَحتَقِرُها وهي عندَ اللهِ عَظيمة #خطبة_جمعة #محقرات_الذنوب #تزكية_النفس #الغرور #احتقار_الناس #الاستبراء #أخلاق #رقائق الحمدُ للهِ الذي أحاطَ بكُلِّ شيءٍ عِلمًا، وأحصَى كُلَّ شيءٍ عَدَدًا، جَعَلَ الميزانَ بالقِسطِ فلا تُظلَمُ نَفسٌ شيئًا، يَعلَمُ خائنةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُحاسِبُ على المِثقالِ والذَّرَّة، ويَعفو عن الكَبيرةِ الزَّلَّة إذا تابَ العَبدُ وأناب. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، أطهرُ الناسِ قَلبًا، وأكثَرُهم للهِ خَشيَةً، حَذَّرَنا من الغَفلَةِ ومُحَقَّراتِ الأُمور، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: تَخيَّلوا مَعي جَبَلًا ضَخمًا يَسُدُّ الأُفُق، يَمْنَعُ عَنكَ النُّورَ ويَسُدُّ طَريقَك. لو سألتُكَ: مِمَّ يَتَكوَّنُ هذا الجَبَل؟ لَقُلتَ: مِن حَصىً صَغيرٍ تَرَاكَمَ فوقَ بَعضِه. هكذا هي بَعضُ مَهالِكنا يومَ القيامة؛ لَيسَت كَبائرَ صاخِبةً، ولا جَرائمَ مُدوِّيَة، بَل ذُنوبٌ صَغيرَةٌ نَفعَلُها كلَّ يومٍ، ونَمسَحُها مِن ذاكِرَتِنا ونقول: "بَسيطَة.. سَهلَة.. النوايا طَيِّبة". واليومَ، سَنَقِفُ مَع ثَلاثِ خَطايا نَراها في حَياتِنا هَيِّنة، وهي عِندَ اللهِ مُهلِكة، بل إنَّ إحداها هي السَّبَبُ في أغلَبِ عَذابِ القَبر! والثانيةُ تُحبِطُ العَمَل، والثالثةُ تُفسِدُ القَلب. فما هي هذه الثَّلاث؟ وكَيفَ نَنجو مِنها؟ الإجابةُ تَستَحِقُّ مِنَّا جَمعَ القُلوب. أيُّها الإخوَةُ الكِرام، يقولُ اللهُ جلَّ جَلالُه في آيَةٍ تَرجُفُ مِنها قُلوبُ العارِفين: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15]. تَأمَّلوا هذه المُفارَقةَ المُرعِبة: أنتَ تَحسَبُه هَيِّنًا.. لا يَستَحِقُّ التَّفكير.. يَمُرُّ على لِسانِكَ أو قَلبِكَ أو جَوارِحِكَ مُرورَ السَّحاب، ولكِنَّهُ في ميزانِ السَّماءِ: ﴿عَظِيمٌ﴾. مشكلتُنا في هذا الزَّمانِ أنَّنا ألِفْنا المَعصية. والعَينُ إذا ألِفَتِ الظَّلامَ لَم تَعُد تَستَنكِرُه. وَزْنُ الخَطيئةِ في قَلبِكَ هو مِقياسٌ لإيمانِك. واسمَعوا كيفَ شَخَّصَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي اللهُ عنه هذا المَرَضَ، حين قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا» (رواه البخاري). المُؤمِنُ الحَيُّ يَرتَعِدُ من الذَّنبِ الصَّغير، والمُنافِقُ يَستَخِفُّ بالجَبَل! لماذا؟ لأنَّ المُؤمِنَ لا يَنظُرُ إلى حَجمِ الخَطيئَة، بل يَنظُرُ إلى عَظَمَةِ مَن عَصى. وكما قال التَّابعيُّ الجَليلُ بِلالُ بنُ سَعدٍ رحمه الله: "لا تَنظُرْ إِلى صِغَرِ الخَطِيئَةِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلى مَنْ عَصَيْتَ". دَعونا نَفتَحُ أعيُنَنا اليومَ على ثلاثِ خَطايا، تَسَلَّلَت إلى حَياتِنا ويَوميَّاتِنا، نَحتَقِرُها ونَظُنُّها سَهلة. الخَطيئَةُ الأُولى: التَّساهُلُ في الطَّهارةِ، وعَدَمُ التَّنَزُّهِ مِن البَول. قَد يَقولُ قائِل: هل هذا مَوضوعٌ يُطرَحُ على المِنبَر؟ هل قَطرَةُ نَجاسَةٍ تُذكَرُ في خُطبَةِ الجُمُعة؟ والجَوابُ: نَعَم، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وَقَفَ بِنَفسِهِ لِيُحَذِّرَ الأُمَّةَ مِنها في مَشهَدٍ مُرعِب. روى ابنُ عبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما قال: مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِقَبرَينِ، فوَقَفَ وتَغَيَّرَ وَجهُه، ثُمَّ قالَ لأصحابِه: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ». تَأمَّلوا! النَّبيُّ ﷺ يَسمَعُ صَوتَ عَذابِهِما في القَبر. وما السَّبَب؟ هل سَفَكوا دَمًا؟ هل أكلوا رِبًا؟ هل أشرَكوا بالله؟ لا! يُكمِلُ النَّبيُّ ﷺ كَشفَ السِّرِّ فَيَقول: «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» (متفق عليه). وفي رِوايَةٍ: «لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ». أَمْرٌ يَراهُ النَّاسُ صَغيرًا.. يَدخُلُ أحَدُنا دَورَةَ المِياهِ مُستَعجِلًا، لا يَنتَظِرُ حتَّى يَنقَطِعَ الأَذى، لا يَتَطَهَّرُ جَيِّدًا، وتَتَطايَرُ قَطراتُ النَّجاسَةِ إلى ثِيابِه وبَدَنِه. ثُمَّ ماذا؟ ثُمَّ يَخرُجُ فَيَتَوَضَّأُ ويَقِفُ بَينَ يَدَيِ اللهِ لِيُصَلِّي! وهُنا الطَّامَّة! هَل تُقبَلُ صَلاةٌ بِغَيرِ طَهور؟ هَل يَرتَفِعُ إلى السَّماءِ رُكوعٌ أو سُجودٌ وثَوبُ العَبدِ نَجِس؟ لقَد أفسَدَ هذا الرَّجُلُ صَلاتَهُ، وقَطَعَ صِلَتَهُ برَبِّه، وعَرَّضَ نَفسَهُ لِعَذابِ القَبرِ، مِن أجلِ ثَوانٍ مَعدودَةٍ تَعجَّلَ فيها ولم يَتَطَهَّر! وقَد صَحَّ عَن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: «اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» (رواه الدارقطني وصححه الألباني). ... إذا كانَت قَطرَةُ نَجاسَةٍ على البَدَنِ تَجلِبُ عَذابَ
القَبر، فَما بالُكُم بِنَجاسَةِ القُلوب؟ وهذا يَقودُنا إلى الخَطيئَةِ الثَّانيَة. الخَطيئَةُ الثَّانيَة: احتِقارُ النَّاسِ وازدِراؤُهُم. هَل سَألتَ نَفسَكَ يَومًا: ما هو الذَّنبُ الَّذي طُرِدَ بِهِ إبليسُ مِن رَحمَةِ اللهِ إلى الأبَد؟ هل زَنى؟ هَل سَرَق؟ هَل كَفَرَ بِوُجودِ الله؟ إبليسُ كانَ يَعرِفُ الله، وكانَ يَعبُدُه بَينَ المَلائِكة. ذَنبُهُ الَّذي أهْلَكَه كانَ كَلِمَةً واحِدَةً قَبَعَت في قَلبِه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾! رَأى نَفسَهُ أفضَلَ مِن آدَم، فاحتَقَرَه. وهذا الدَّاءُ الخَفيُّ يَتَسَلَّلُ إلى قُلوبِ الكَثيرينَ مِنَّا اليوم. تَنظُرُ إلى عامِلِ النَّظافَةِ في الشَّارِعِ نَظرَةَ استِعلاء.. تَنظُرُ إلى المُقيمِ الفَقيرِ أو الخادِمَةِ في البَيتِ نَظرَةَ فَوقيَّة.. تَسخَرُ مِن شَخصٍ لِقِلَّةِ تَعلِيمِهِ أو لِثِيابِهِ الباليَة. تَقولُ في نَفسِك: أنا أفضَلُ مِنه، أنا أغنى مِنه، أنا أشهَرُ مِنه، أنا من عائلةٍ أعرَق من عائلته. واسمَعوا لِهذا الحَديثِ الَّذي يَقصِمُ الظَّهر! يَقولُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» (رواه مسلم). تَأمَّلوا كَلِمَةَ «بِحَسْبِ». أي: يَكفيكَ مِن الشَّرِّ — لَو لَم تَفعَل أيَّ ذَنبٍ آخَرَ في حَياتِكَ — أن تَحتَقِرَ مُسلِمًا واحِدًا. يَكفيكَ هذا لِيُهلِكَكَ عِندَ الله! مَن أخبَرَكَ أنَّكَ أفضَلُ مِنه؟ رُبَّما هذا العامِلُ الَّذي تَراهُ أشعَثَ أغبَرَ، لَو أَقسَمَ على اللهِ لأَبَرَّه! رُبَّما في قَلبِهِ مِنَ التَّقوى واليَقينِ والذُّلِّ للهِ ما لَو وُزِّعَ على أهلِ بَلدَةٍ لَكَفاهُم. يقولُ اللهُ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ [الحجرات: 11]. أثبَتَ اللهُ احتماليَّةَ أن يَكونَ المَسخورُ مِنهُ "خَيرًا" عِندَهُ مِن السَّاخِر. فَيا وَيلَ مَن تَرَفَّعَ على مَن هو عِندَ اللهِ أكرَمُ مِنه! قالَ الإمامُ الغَزاليُّ رحمهُ اللهُ يُعَلِّمُنا كَيفَ نُعالِجُ هذا الدَّاء: "إذا رَأيتَ مَن هو أكبَرُ مِنكَ فَقُل: سَبَقَني بالإسلامِ والعَمَلِ الصَّالِحِ فَهُوَ خَيرٌ مِنِّي. وإذا رَأيتَ مَن هو أصغَرُ مِنكَ فَقُل: سَبَقْتُهُ بالذَّنبِ والمَعصيَةِ فَهُوَ خَيرٌ مِنِّي. وإذا رَأيتَ مَن هو أعلَمُ مِنكَ فَقُل: عَرَفَ ما لَم أعرِف فَهُوَ خَيرٌ مِنِّي. وإذا رَأيتَ مَن هو أجهَلُ مِنكَ فَقُل: عَصى اللهَ بِجَهلٍ وعَصَيتُهُ بِعِلمٍ فَهُوَ خَيرٌ مِنِّي". إِنَّهُ قَمعُ النَّفسِ حَتَّى لا تَتَكَبَّر! الخَطيئَةُ الثَّالِثة: أن تَظُنَّ أنَّكَ أفضَلُ مِن غَيرِكَ في الدِّين (العُجْبُ بِالطَّاعة). وهُنا نَصِلُ إلى الأَمرِ الأَخطَر. بَعضُ النَّاسِ قَد لا يَحتَقِرُ الفَقير، ولَكِنَّهُ يَحتَقِرُ العاصي! يُوَفِّقُهُ اللهُ لِلمُحافَظَةِ على الصَّلاةِ في المَسجِد، أو يُوَفِّقُهُ لِحِفظِ القُرآن، أو لإطلاقِ اللِّحيَةِ، أو تَتَحَجَّبُ المَرأَة، ثُمَّ ماذا يَحدُث؟ يَدخُلُ الشَّيطانُ مِن بابِ الطَّاعَة! فَيَنظُرُ هذا المُطيعُ إلى الَّذي ابتُليَ بِشُربِ الدُّخان، أو تِلكَ الَّتي لَم تُحجَّب بَعد، أو الشَّابِ الغافِل — يَنظُرُ إلَيهِم نَظرَةَ احتِقارٍ واستِقذار، بَدَلًا مِن نَظرَةِ الرَّحمَةِ والدُّعاءِ لَهُم بالهِدايَة. يَقولُ في نَفسِه: "أنا أفضَلُ مِنهُم، أنا من أهل الجنَّة وهم من أهل النَّار". هَل تَظُنُّونَ أنَّ هذا الأمرَ هَيِّن؟ واسمَعوا لِهذِهِ القِصَّةِ الَّتي تَقصِمُ الظَّهرَ، والتي رَواها أبو هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه عَن النَّبيِّ ﷺ. قال ﷺ: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ». رَجُلان: واحِدٌ عابِدٌ دائِمُ الصَّلاة، والثَّاني مُبتَلًى بالمَعاصي. «فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ». (أي تُب وتَوَقَّف). «فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ. فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟» هُنا غَضِبَ العابِد، وتَكَبَّرَ بِطاعَتِه، وأصدَرَ حُكمًا لا يَملِكُه. ماذا قال؟ «فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ!» كَلِمَةٌ واحِدَة. رُبَّما قالها في لَحظَةِ انفعال. لَكِنَّها استِعلاءٌ على رَحمَةِ الله. فماذا حَدَث؟ قال النَّبيُّ ﷺ: «فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا؟ أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي. وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ!» (رواه أبو داود وصححه الألباني). يا سُبحانَ الله! العابِدُ الَّذي أفنى عُمُرَهُ في
الصَّلاة، دَخَلَ النَّارَ بِكَلِمَةِ استِعلاءٍ واحِدَة، وعُجبٍ بِطاعَتِه. والمُذنِبُ دَخَلَ الجنَّةَ بِرَحمَةِ رَبِّه. قالَ أبو هُرَيرَةَ مُعَلِّقًا على هذا الحَديث: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ". ولِذلِك قالَ الإمامُ ابنُ عَطاءِ اللهِ السَّكَندَريُّ حِكمَتَهُ الخالِدَة: "رُبَّ مَعْصِيَةٍ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَانْكِسَارًا، خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْرَثَتْ عِزًّا وَاسْتِكْبَارًا". إذا أصلَحَكَ اللهُ وهَداك، فاحمَدهُ وابكِ على خَطيئَتِك، وادعُ لإخوانِكَ العُصاةِ بالهِداية، فَواللهِ ما بَينَكَ وبَينَ أن تَنتَكِسَ فَتَكونَ مِثلَهُم أو أسوَأَ مِنهُم إلا أن يَرفَعَ اللهُ حِفظَهُ عَنك. ﴿كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 94]. أيُّها المُسلِمون، هذه الخَطايا الثَّلاث: التَّساهُل في الطَّهارَة، واحتِقارُ النَّاس، والعُجبُ بِالدِّين.. هي مِن (مُحَقَّراتِ الذُّنوب). أي الَّتي نَحتَقِرُها ونَستَصغِرُها. وقَد ضَرَبَ لَنا النَّبيُّ ﷺ مَثَلًا عَجيبًا لِمُحَقَّراتِ الذُّنوب وكَيفَ تُهلِكُ صاحِبَها. قال ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى حَمَلُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ» (رواه أحمد وصححه الألباني). تَخَيَّلوا رِجالًا في الصَّحراءِ يُريدونَ إشعالَ نار. هذا يَأتي بِعودٍ صَغير.. وهذا بِعود.. وهذا بِعود.. أعوادٌ صَغيرَةٌ جِدًّا. لَكِنْ لَمَّا اجتَمَعَت؟ أوقَدَت نارًا ضَخمَةً أحرَقَت وكَبُرَت! هكَذا الذُّنوبُ الصَّغيرة.. كِذبَةٌ هُنا، ونَظرَةٌ هُنا، وتَكَبُّرٌ على عامِلٍ هُنا، وقَطرَةُ بَولٍ لَم تُغسَل هُنا.. تَتَجمَّعُ حَتَّى تَصيرَ جَبَلًا يُهلِكُ العَبدَ يَومَ القِيامَة. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ الرَّحمةِ المُهداةِ، والنِّعمةِ المُسداةِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، وقَفنا في خُطبتنا الأولى أمام حقيقةٍ مُرعبة: جَبَلٌ من الحَصى يُمكن أن يَسُدَّ طريقنا إلى الجنَّة. رأينا كيفَ أنَّ قَطرةَ نَجاسةٍ يُستَهانُ بها تَجلِبُ عذابَ القبر، وكيفَ أنَّ نَظرةَ استعلاءٍ واحِدةٍ تُجاهَ مُسلمٍ تَكفي لإهلاكِ العَبد، وكيفَ أنَّ العُجبَ بالطاعةِ قَد يَطوي سِجِلَّ حَسَناتِ عُمُرٍ بأكملِه في لحظَة. والآن، كيفَ نُطَهِّرُ أنفُسَنا من هذه المُهلِكات الخفيَّة قَبل أن نَلقى الله؟ أوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مَنبَري: الأولى (قَلبيَّة): طَهِّر قَلبَكَ من أيِّ شُعورٍ بالفَوقيَّة. إذا رَأيتَ عامِلًا أو فَقيرًا أو عاصيًا، فقُل في نَفسِك: "رُبَّما هو أطهرُ مِنِّي قَلبًا وأقرَبُ إلى اللهِ عُذرًا". لا تَغتَرَّ بصَلاتك ولا بنَسَبك، فالكِبرُ مَرَضٌ لا يَدخُلُ صاحِبُهُ الجنَّةَ وإن كانَ في قلبِه منهُ مِثقالُ ذَرَّة. الثانية (لِسانيَّة): احفَظ لِسانَكَ من إصدارِ الأحكامِ على الخَلق. لا تَقُل "فُلانٌ لن يُفلِح"، أو "فُلانٌ من أهل النَّار". حُكمُ الغَيبِ بيَدِ مَن يَملكُ الغَيب. اشغَل لِسانَكَ بالاستغفارِ لِذُنوبك التي نَسيتَها واللهُ قد أحصاها، بَدَلًا مِن إحصاءِ ذُنوبِ النَّاس. الثالثة (عَمَليَّة): أَعطِ نَفسَكَ وَقتًا للوُضوءِ والتَّطَهُّر. لا تَتَعَجَّل في الخَلاء. انتَظِر حتَّى تَتَطَهَّرَ يَقينًا، وتَنَزَّه من البَول تمامًا، فإنَّ الطَّهارةَ مِفتاحُ الصَّلاة، والصَّلاةَ مِفتاحُ الجنَّة. لا تَخسَر جَنَّتَكَ بسَبَبِ ثَوانٍ من الاستعجال. الرابعة (اجتماعيَّة): ابتَسِم في وَجهِ مَن يَحتقرُه المُجتَمَع. ألقِ السَّلامَ على عامِلِ النَّظافة، وتَواضَع لِمَن هو أضغَفُ مِنك. هذا التَّواضُعُ يَكسِرُ صَنَمَ الكِبرِ في قلبِك، ويَرفَعُكَ عندَ اللهِ دَرَجات. الخامسة (موضوعيَّة): تَعَوَّد على الاستغفارِ المُطلَق كلَّ يوم. قُل: "اللهمَّ إنِّي أستَغفِرُكَ لِما يَعلَمون ولِما لا يَعلَمون، ولِما أنا به أعلَمُ ولِما أنتَ به أعلَم". فإنَّنا نَرتَكِبُ مُحَقَّراتِ الذُّنوبِ في كلامنا ونَظراتنا ومَجالسنا دونَ أن نَشعُر. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هي المِجهَرُ الذي يُريكمُ الذُّنوبَ الصَّغيرةَ على حَقيقتها الجَبَليَّة قبلَ أن تَسقُطَ على رُؤوسكم. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، القائلِ المبعوث رحمة للعالمين، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اللَّهمَّ طَهِّر قُلوبَنا من النِّفاق، وأعمالَنا من الرِّياء، وألسِنَتَنا من الكَذِب، وأعيُنَنا من الخِيانة، فإنَّك تَعلَمُ خائنةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور. اللَّهمَّ إنَّا نَعوذُ بكَ من الكِبرِ والعُجبِ والغرور، ونَعوذُ بكَ أن نَحتَقِرَ أحدًا من خَلقِك. اللَّهمَّ اجعَلنا في أعيُنِنا صِغارًا، وفي أعيُنِ النَّاسِ كِبارًا، ولا تَجعَلنا مِمَّن ضَلَّ سَعيُهُم في الحياةِ الدُّنيا وهم يَحسَبون أنَّهم يُحسِنون صُنعًا. اللَّهمَّ إنَّا نَسألُكَ الطَّهارةَ في البَدَنِ والقلب، ونَعوذُ بكَ من عذابِ القبر، ونَعوذُ بكَ من عذابِ جَهنَّم، ونَعوذُ بكَ من فِتنةِ المَحيا والمَمات. اللَّهمَّ اغفِر لَنا ذُنوبَنا، دِقَّها وجِلَّها، أوَّلها وآخِرَها، سِرَّها وعَلانيَتَها، وما أنتَ أعلَمُ به منَّا. اللَّهمَّ انصُر عِبادَك المُستَضعَفين في كُلِّ مَكان، اللَّهمَّ كُن لهم مُؤيِّداً ونصيراً ومُعيناً وظَهيراً. عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.