من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

إكرام الزوجة في أيام التعب: المودة عمل يومي

مشاركة
🕌 إكرام الزوجة في أيام التعب: المودة عمل يومي #خطبة_جمعة #حسن_العشرة #الأسرة #إكرام_الزوجة #المودة_والرحمة #أخلاق #حقوق_الزوجة الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا، وكان ربُّكَ قَديرًا. الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ البيوتَ السَّعيدةَ واحاتِ أمانٍ وسَكينة، وأسَّسها في كِتابهِ على قَواعِدِ المَوَدَّةِ والرَّحمة، فجَعَلَ الزَّوجَةَ سَكَنًا لزوجِها، والزَّوجَ لِباسًا وحِمایةً لزوجَتِه. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، شَرَعَ الحُقوقَ وألزمَ بالواجبات، وجَعَلَ الإحسانَ مِفتاحَ الجَنَّات، وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، خيرُ النَّاسِ لأهلِه، وألطَفُهُم بزَوجاتِه، وأعظَمُهُم رِفقًا بالضُّعفاء، صلَّى اللهُ وسلَّمَ عليه، وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ الأخيار، ومَن سارَ على نَهجِهِم إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: عبادَ الله، حينَ نَتحدَّثُ عنِ الزَّواج، يَقفِزُ إلى الأذهانِ فَوْرًا ميزانُ "الحقوقِ والواجبات". لكن، ماذا يَحدُثُ في تلكَ الأيَّامِ الثَّقيلَةِ الَّتي تَمرَضُ فيها الزَّوجة، أو يَهْدُّها تَعَبُ الحَمْل، أو يَستَنزِفُها سَهَرُ اللَّيالي مع الصِّغار، فَتَعجِزُ عن أداءِ تلكَ "الواجبات"؟ كيفَ تَتَصَرَّفُ أنت؟ هل تَرفَعُ سيفَ "حَقِّي" المَسلول، أم تَبسُطُ رِداءَ "رَحمَتي" المَأمول؟ الفَارِقُ بينَ المَوقِفَينِ هو الفَارِقُ بَينَ الزَّواجِ كـ"عَقدِ عَمَل" مُتَصلِّب، والزَّواجِ كـ"ميثاقٍ غَليظ" مَرحوم. ومَوقِفُ النَّبيِّ ﷺ في هذهِ اللَّحظات، سَيَصدِمُ الكَثيرَ مِنَ الرِّجالِ الَّذين يَظُنُّونَ أنَّ الرُّجولَةَ مُجرَّدُ أوامِرَ ونَواهي. دَعونا نَكتَشِفُ ذلِكَ بَعدَ قَليل. أيُّها المُسلِمون، أيُّها الرِّجالُ الأكارِم، إنَّنا نَعيشُ في زَمَنٍ طَغَت فيهِ المادِّيَّةُ على العَلاقات، وتَسَرَّبَت لُغَةُ المُحاسَبَةِ الدَّقيقَةِ إلى أقدَسِ رِباطٍ خَلَقَهُ اللهُ في الأرض: رِباطِ الزَّوجيَّة. يَظُنُّ بَعضُ النَّاسِ أنَّ النَّجاحَ في الحَياةِ يُقاسُ بِما يُحَقِّقُهُ الرَّجُلُ في عَمَلِهِ وشارِعِهِ ومَجالِسِه، لكنَّ مِيزانَ السَّماءِ مُختَلِفٌ تَمامًا. اسمعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، الَّذي يَضَعُ مِعيارَ التَّفاضُلِ الحَقيقيِّ، يَقولُ رَسولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (رواهُ التِّرمذيُّ وصَحَّحه). تَأمَّلوا هَذا المِيزان! لَم يَقُل: خَيرُكُم خَيرُكُم في عَمَلِه، ولا أطوَلُكُم صَلاةً في مِحرابِه، بَل مَن يَقيسُ اللهُ خَيرِيَّتَهُ، يَقيسُها في الخَفاء، خَلفَ الأبوابِ المُغلَقَة، حَيثُ لا يَراكَ مُديرٌ، ولا يُراقبُكَ جُمهور، حَيثُ لا سُلطانَ إلَّا سُلطانُ اللهِ على قَلبِك، هُناكَ مَعَ زَوجَتِك. إخوَتي في الله، دَعونا نَقِفُ وَقفَةَ صِدقٍ مَعَ واقِعِ المَرأة. المَرأةُ في بَيْتِها لَيسَت آلَةً لا تَكِلُّ ولا تَمَلّ. إنَّها تَمُرُّ بِتَقَلُّباتٍ جَسَديَّةٍ ونَفسيَّةٍ أقرَّها الخالِقُ سُبحانَهُ في كِتابِه. ألَم نَقرَأ قَولَ اللهِ تَعالى في القُرآن: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ [سورة لقمان: 14]؟ إنَّهُ الوَهْنُ — أي الضَّعفُ والمَشَقَّةُ والإرهاقُ المُتَراكِم. تَمُرُّ بِأشْهُرِ الحَمْلِ الثِّقال، ثمَّ مَخاضِ الوِلادَةِ الَّذي يَبلُغُ المَوتَ ويَدنو مِنه، ثمَّ رِضاعَةٍ تَسحَبُ الكالسيومَ مِن عِظامِها والغِذاءَ مِن دَمِها، ثُمَّ تَقلُّباتٍ شَهرِيَّةٍ تُؤَثِّرُ على مِزاجِها وجَسَدِها. واللهِ يا عِبادَ الله، إنَّ رَبَّ العالَمينَ — وهو الَّذي فَرَضَ أعظَمَ الفَرائِض — قد أسقَطَ عنها الصَّلاةَ والصِّيامَ في أيَّامِ عُذرِها تَخفيفًا ورَحمَةً. فكَيْفَ يَعقِلُ أن يُخَفِّفَ اللهُ عنها حُقوقَهُ ومَفروضاتِه، ثُمَّ يَأتي الزَّوجُ فَيُطالِبُها بِكامِلِ حُقوقِهِ واحتِياجاتِهِ غَيرَ عابِئٍ بِمَرَضِها أو تَعَبِها؟ أيُعقَلُ أن تَكونَ الشَّريعَةُ أرحَمَ بِها مِن شَريكِ عُمُرِها؟ يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه، وهو يُحَدِّدُ الهَدَفَ الأسْمَى لِلزَّواج: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الروم: 21]. تَأمَّلوا مَعي هَذِهِ الكَلِمَةَ الرَّبَّانيَّةَ المُعجِزَة: ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾. لَم يَقُل "لِتَسكُنوا مَعها"، بَل "إلَيها". السَّكَنُ إلَيها يَعني أنَّها هي المُستَقَرُّ والمَلاذ. ثُمَّ ذَكَرَ العَمودَينِ اللَّذَينِ يَقومُ عَلَيهِما هَذا البِناء: "المَوَدَّةُ" و"الرَّحمَة". قالَ بَعضُ السَّلَفِ في تَفسيرِها: المَوَدَّةُ في حالِ الشَّبابِ والقُوَّة والصِّحَّة، والرَّحمَةُ في حالِ الكِبَرِ والمَرَضِ والضَّعف. عِندَما تَتَراجَعُ المَوَدَّةُ بِسَبَبِ الإرهاقِ أو المَرَض، يَجِبُ أن تَتَقَدَّمَ الرَّحمَةُ لِتَسُدَّ الفَراغ. ولَنا في رَسولِ اللهِ ﷺ أُسوَةٌ حَسَنَة. دَعونا نَدخُلُ إلى بَيْتِ النُّبُوَّة، لِنَرى كَيفَ كانَ القائِدُ الأعظَم، ونَبيُّ الأُمَّة، يُعامِلُ زَوجَتَهُ في أيَّامِ تَعَبِها أو عُذرِها الشَّهريّ. في الجاهِليَّة، كانَتِ المَرأةُ إذا حاضَت تُعزَلُ مِنَ البَيْت، ولا تُؤاكَل، ولا تُشارَك في الفِراش، مُعامَلَةً قاسِيَةً مُهينَة. فَماذا صَنَعَ نَبِيُّ الرَّحمَة؟ تَقولُ عائِشَةُ رَضيَ اللهُ عَنها: «كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ –أي آكُلُ اللَّحمَ مِنَ العَظم- وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ» (رواهُ مُسلم). اللهُ أكبَر! تَخَيَّلوا هَذا المَشهَد! رَسولُ اللهِ ﷺ يَبحَثُ عَن مَوضِعِ شَفَتَي زَوجَتِهِ على الإناءِ لِيَشرَبَ مِنهُ في لَحظَةِ عُذرِها وضَعفِها. هَل كانَ هَذا مُجَرَّدَ صُدفَة؟ لا والله! بَل هو عِلاجٌ نَفسيٌّ نَبَويٌّ (جَبرُ خاطِرٍ) يُرسِلُ لَها رِسالَةً صامِتَة: أنتِ طاهِرَة، أنتِ مَحبوبَة، أنتِ قَريبَةٌ مِنِّي في ضَعفِكِ وتَعَبِكِ كما كُنتِ في قُوَّتِكِ وصِحَّتِك. أينَ نَحنُ مِن هذا الهَديِ النَّبَويِّ الرَّقيق؟ ومَاذا عَنِ الإرهاقِ الجَسَديّ؟ هَل كانَ النَّبيُّ ﷺ يَدخُلُ بَيتَهُ لِيَجلِسَ آمِرًا ناهِيًا يَنتَظِرُ الخِدمَةَ المُتَواصِلَة؟ سُئِلَت عائِشَةُ رَضيَ اللهُ عَنها: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؟ فَقالَت: «كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ» (رواهُ البُخاري). كانَ في مِهنَةِ أهلِهِ! أي في خِدمَتِهِم. رَسولُ الله، قَائِدُ الجُيوش، ومُفتي الأُمَّة، ومُدَبِّرُ دَولَةِ الإسْلام، يَدخُلُ بَيتَهُ فَيَكنِسُ حُجرَتَه، ويَحلِبُ شاتَه، ويَرقَعُ ثَوبَه. هَل نَقَصَت رُجولَتُه؟ حاشاهُ ﷺ! بَلِ اكتَمَلَت رُجولَتُهُ بِأبهَى صُوَرِها. لأنَّ الرُّجولَةَ الحَقيقيَّةَ لَيسَتِ استِعبادًا لِلضَّعيف، بَل هيَ إنصافٌ ومُشارَكَةٌ وحِمايَة. يَقولُ الإمامُ الغَزاليُّ رَحِمَهُ الله، وهو يَضَعُ قاعِدَةً ذَهَبيَّةً في فِقهِ الأُسرَة: "لَيسَ حُسنُ الخُلُقِ مَعَ المَرأةِ كَفَّ الأذى عَنها، بَلِ احتِمالَ الأذى مِنها، والحِلمَ عِندَ طَيْشِها وغَضَبِها إقتِداءً بِرَسولِ اللهِ ﷺ". وقَد قالَ قَبلَهُ أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ كَلِمَةً نَفيسَة، حينَ نَصَحَ رَجُلًا يَشتَكي زَوجَتَه، فَذَكَّرَهُ بِما تُقَدِّمُهُ المَرأةُ مِن خِدمَةٍ في الخَفاء: غَسيلٍ وتَنظيفٍ ورِعايَةٍ لِلأولاد، مُعْتَبِرًا ذلِكَ سَبَبًا كافِيًا لِلتَّجاوُزِ عَن تَقصيرِها. وقَرَّرَ الإمامُ ابنُ كَثيرٍ رَحِمَهُ اللهُ في تَفسيرِهِ لِقَولِهِ تَعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنَّها تَعني: "أيْ طَيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وَحَسِّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ". إخوَتي في الله، دَعونا نَطْرَحُ بَعضَ الأسئِلَةِ المُباشِرَةِ على أنفُسِنا. مَتى آخِرُ مَرَّةٍ شَكَرتَ زَوجَتَكَ عَلى طَعامٍ طَبَخَتهُ وهي تَتَصَبَّبُ عَرَقًا أمامَ المَوقِد؟ مَتى آخِرُ مَرَّةٍ قُلتَ لَها عِندَما رَأيتَها مُرهَقَة: "ارتاحي أنتِ اليَوم، دَعي عَنكِ تَنظيفَ البَيتِ أو طَبخَ الطَّعام، أنا سَأتدَبَّرُ الأمرَ وسَأقومُ بِرِعايَةِ الأطْفال"؟ هل تَظُنُّ أنَّ مُساعَدَتَكَ لِزَوجَتِكَ تُنقِصُ مِن هَيبَتِكَ في البَيت؟ أيُّ هَيبَةٍ تِلكَ الَّتي تُبنَى عَلى استِنزافِ صِحَّةِ أقرَبِ النَّاسِ إلَيك؟ وكَيفَ يَرضى رَجُلٌ فيهِ ذرَّةٌ مِن مُروءَةٍ، أن تَنامَ زَوجَتُهُ وهي تَبكي سِرًّا مِنَ القَهرِ والتَّعَبِ الجَسَديِّ والنَّفسيّ، بَينَما هو يَغُطُّ في نَومٍ عَميق، أو يُمضي السَّاعاتِ طِوالًا في المَقاهي مَعَ الأصدِقاء؟ تَأمَّلوا مَعي صُورَةً واقِعِيَّةً تَتَكَرَّرُ في بَعضِ بُيوتِنا. رَجُلٌ يَعودُ مِن عَمَلِه، يَجِدُ البَيتَ غَيرَ مُرَتَّب، والطَّعامَ لَم يُجهَّز بَعد. الزَّوجَةُ مَريضَةٌ، تَتَقَلَّبُ في فِراشِها مِن أَلَمِ الحُمَّى، أو مُرهَقَةٌ حَدَّ الإغماءِ بَعدَ لَيلَةٍ سَهِرَت فيها تُطَبِّبُ رَضيعًا يَبكي. فَماذا يَفعَلُ أشباهُ الرِّجال؟ يَبدأُ بِالصُّراخ، ويَلومُ ويُعاتِب، ويَستَدعي حُقوقَهُ ومَقامَه! أمَّا الرَّجُلُ الحَقيقيّ، المُتَّبِعُ لِسُنَّةِ نَبيِّه، فَلا يَرى في تِلكَ اللَّحظَةِ طَعامًا ولا تَرْتيبًا، بَل يَرى "رَفيقَةَ دَربٍ" تَتَألَّم. يَدخُلُ المَطبَخ، يُعِدُّ الطَّعامَ بِنَفسِه أو يَجلِبُهُ مِن خارِجِ بَيتِه، يَجلِسُ بِجِوارِها، يَضَعُ يَدَهُ عَلى جَبينِها لِيَتَفَقَّدَ حَرارَتَها، ويَقولُ لَها كَلِمَةً تَمسَحُ نِصفَ مَرَضِها: "ارتاحي يا زَوجَتي، كَفَّيتِ ووَفَّيتِ، ولا تُحَمِّلي هَمَّ شَيء". هَكَذا تُبنى البُيوتُ التي لا تَنهار! وقَد نَبَّهَنا رَبُّنا إلى هَذا العَدلِ الإلَهيِّ حينَ قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة البقرة: 228]. حَقٌّ مُقابِلَ حَق. قالَ حَبرُ الأُمَّةِ ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عَنهُما في تَفسيرِها: "إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنْظِفَ كُلَّ حَقِّي عَلَيْهَا لِئَلَّا يَجِبَ عَلَيْهَا كُلُّ حَقِّي". هَذا هُوَ الفِقهُ العالي، أن تَتَنازَلَ عَن بَعضِ حَقِّكَ لِتَستَديمَ الوُدّ، ولا تَستَوفِيَ كُلَّ شَيءٍ فَتَكسِرَ القَوارير. ولِذَلِكَ قالَ النَّبيُّ ﷺ كَلِمَةً بَليغَةً موجِزَة: «رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ» (رواهُ البُخاري). لِماذا شَبَّهَ النِّساءَ بِالقَواريرِ (أيِ الزُّجاج)؟ لأنَّ الزُّجاجَ جَميلٌ ورَقيق، يُعطي لِلحَياةِ بَريقًا وصَفاء، لَكِنَّهُ سَريعُ الكَسر! والكَلِمَةُ القاسِيَةُ في لَحظَةِ المَرَضِ والضَّعف، كَحَجَرٍ يَسقُطُ عَلى زُجاج، فَيُهَشِّمُهُ تَهشيمًا. وتَرميمُ الزُّجاجِ بَعدَ كَسرِهِ شِبهُ مُستَحيل. إخوَتي الأكارِم، المَوَدَّةُ في الإسْلامِ لَيسَت كَلِماتٍ تُقالُ في أشهُرِ الخُطوبَةِ أو أيَّامِ الزَّواجِ الأُولى فَقَط. المَوَدَّةُ «عَمَلٌ يَوميّ». المَوَدَّةُ هي أن تَأخُذَ الطِّفلَ الباكي مِن يَدِ زَوجَتِكَ لَيْلًا لِتَنامَ هِيَ ساعَةً واحِدَةً بِعُمق. المَوَدَّةُ هي أن تَتَغاضى عَن تَقصيرٍ واضِحٍ في نَظافَةِ البَيتِ لأنَّكَ تَعلَمُ أنَّ صِحَّتَها أهَمُّ مِنَ المَظاهِر. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ مُحَذِّرًا ومُوَجِّهًا: «لَا يَفْرَكْ —أي لا يُبغِض— مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (رواهُ مُسلم). لا تَقِف عِندَ لَحظَةِ التَّقصيرِ العابِرَة وتَنسى عُمُرًا مِنَ العَطاء. وتَأمَّلوا هَذِهِ الذُّرْوَةَ في سِيرَةِ الحَبيبِ ﷺ، كَيفَ رَدَّت لَهُ نِساؤُهُ هذا الإكرامَ في آخِرِ أيَّامِه! لَمَّا مَرِضَ النَّبيُّ ﷺ مَرَضَ المَوت، واسْتَأذَنَ زَوجاتِهِ أن يُتَمَرَّضَ في بَيْتِ عائِشَةَ فَرِضين، أيْنَ اختارَ أن تَفيضَ رُوحُهُ الطَّاهِرَة؟ اختارَ أن تَكونَ في حِضنِ عائِشَة رَضيَ اللهُ عَنها، فَماتَ ورَأسُهُ ﷺ "بَيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي" كما تَقولُ عائِشَة. مَاتَ مُستَنِدًا إلى صَدرِ زَوجَتِه. هَل يُختَمُ لِرَجُلٍ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ الحَنونَةِ العَظيمَة، إلَّا إذا كانَ قَد أسَّسَ قُلوبَ نِسائِهِ عَلى الرَّحمَةِ والمَوَدَّةِ والإكرامِ طيلَةَ حَياتِه؟ يا عَبدَ الله، سَتَقِفُ يَومَ القِيامَةِ بَينَ يَدَيِ اللهِ جَلَّ جَلالُه، وسَيَسألُكَ عَن هَذِهِ الأمانَةِ الَّتي استَحْلَلْتَها بِكَلِمَةِ الله، فَماذا سَتَقولُ لِرَبِّكَ عَن جَسَدٍ أُنهِكَ في خِدمَتِكَ وخِدمَةِ أبنائِك، فَلَم تُجازِهِ في أيَّامِ تَعَبِهِ ومَرَضِهِ إلَّا بِالتَّأفُّفِ والنُّكران؟ ماذا سَتَقولُ إذا خَصَمَتْكَ زَوجَتُكَ يَومَ الحِسابِ مُشتَكِيَةً غِلظَتَكَ في أيَّامِ حاجَتِها لِرِفقِك؟ ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [سورة البقرة: 231]. أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَليهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن حَقيقَةِ الإرهاقِ والتَّعَبِ الَّذي يُصيبُ الزَّوجَةَ بِحُكمِ طَبيعَتِها ومَسؤوليَّاتِها، وكَيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ طَبيبًا نَفسيًّا وجَسَديًّا لِأهلِ بَيتِه، وكَيفَ أنَّ الرَّحمَةَ والمَوَدَّةَ تَتَجاوَزُ صَرامَةَ الحُقوقِ في أيَّامِ الضَّعفِ والمَرَض. والآن، ونَحنُ نَستَعِدُّ لِلعَودَةِ إلى بُيوتِنا، السُّؤالُ الأكثَرُ إلحاحًا: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ في بُيوتِنا مُنذُ اليَوم؟ أوصيكُم وأوصي نَفسي بِخَمسِ وَصايا عَمَليَّةٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، اجعَلوها ميثاقًا في بُيوتِكُم: الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): جَدِّد نِيَّتَك، واحتَسِبِ الأجرَ عِندَ اللهِ في كُلِّ جُهدٍ تَبذُلُهُ لإراحَةِ زَوجَتِك. لا تَظُنَّ أنَّ ذَلِكَ يَضيع. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي —أي فَمِ— امْرَأَتِكَ» (مُتَّفَقٌ عَليه). فَكَيفَ بِمَن يُخَفِّفُ عَنها أَلَمَ المَرَضِ ومَشَقَّةَ الحَياة؟ الثَّانِيَة (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ الشَّافيَة. في أيَّامِ تَعَبِها، لا تَبخَل بِعِباراتِ التَّقدير. قُل لَها: "جَزاكِ اللهُ خَيرًا، تَعبتِ مَعَنا كَثيرًا، أنا أُقَدِّرُ كُلَّ ما تَفعَلينَه". هَذِهِ الكَلِماتُ الصَّغيرَةُ تُزيلُ نِصفَ التَّعَبِ مِن جَسَدِ المَرأة، وتَشعُرُها أنَّ عَطاءَها مَرئيٌّ ومُقَدَّر. الثَّالِثَة (وَصيَّةٌ عَمَليَّةٌ فِعليَّة): المبادَرَةُ بِلا طَلَب. المَرأةُ الحُيَيَّةُ قَد تَخجَلُ مِن طَلَبِ المُساعَدَةِ أو تَخشى التَّأنيب. لا تَنتَظِرها لِتَطلُب، بَل بادِر أنت. إن رَأيتَها مُرهَقَةً، قُم أنتَ بِتَجهيزِ العَشاء، أو تَنويمِ الأطْفال، أو غَسلِ ما تَراكَمَ مِن صُحون. هَذِهِ هِيَ المَوَدَّةُ الفِعليَّة، والذُّكورَةُ لَيسَت عُذرًا لِلتَّنَصُّلِ مِن أعباءِ البَيتِ الَّذي تَتَشارَكانِ فيه. الرَّابِعَة (وَصيَّةٌ اجتِماعيَّة): الحِمايَةُ أمامَ الآخَرين. إذا مَرِضَت زَوجَتُكَ وتَقاصَرَت عَن أداءِ واجِبِها أمامَ ضُيوفِكَ أو أهلِك، فَكُن أنتَ حِصنَها المَنيع، والمُحامي الدِّفاعيَّ عَنها. إيَّاكَ أن تَنتَقِدَها أو تُحَرِّجَها أمامَهُم لِتُبَرِّئَ ساحَتَك! التَمِس لَها العُذر، وارْفَع مِن شَأنِها، وادْفَع عَنها مَلامَةَ النَّاس. الخامِسَة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّة): التَّغافُلُ، التَّغافُلُ، ثُمَّ التَّغافُل! في أيَّامِ مَرَضِها أو حَملِها، تَغافَل عَن تَقصيرِها العابِر. لا تَدخُل في تَحقيقٍ حَولَ كُلِّ صَغيرَةٍ وكَبيرَة. قالَ تَعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأعراف: 199]. والعَفوُ هُنا يَعني أخذَ ما سَهُلَ وتَيَسَّرَ مِن أخلاقِ النَّاسِ وأفعالِهِم، دونَ تَدقيقٍ ومُحاسَبَةٍ عَسيرَة. فَاتَّقوا اللهَ عِبادَ اللهِ في أهْليكُم، واتَّقوا اللهَ في القَوارير، فَمَن رَحِمَ زَوجَتَهُ وضَعيفَهُ في الدُّنيا، رَحِمَهُ الجَبَّارُ يَومَ العَرضِ الأكبَر، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عَبْدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَنِ اتَّبَعَهُ بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ الَّذينَ يُعاشِرونَ نِساءَهُم بِالمَعروف، ويَرحَمونَهُم في الضَّعف، ويَحفَظونَ وُدَّهُم في العافِيَة. اللَّهُمَّ اجعَل بُيوتَ المُسلِمينَ بُيوتًا عامِرَةً بِالسَّكينَةِ والمَوَدَّةِ والرَّحمَة، ومُحَصَّنَةً مِنَ الشِّقاقِ والنِّزاعِ وكَيْدِ الشَّيطان. اللَّهُمَّ مَن كانَت مِن زَوجاتِنا مَريضَةً فاشْفِها، ومَن كانَت مُرهَقَةً مَهمومَةً فأنزِل عَلى قَلبِها وطاقَتِها بَرَكَةً مِن عِندِك، ومَن كانَت حامِلًا فَسَهِّل عَلَيها وتَوَلَّها بِرَحمَتِك. اللَّهُمَّ ارزُقنا حُسنَ الخُلُق، وليِّن جَوانِبَنا لأهْلينا، واجعَلنا أزواجًا صالِحين، وآباءً قُدوَةً لأبنائِنا. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، واحفَظ أعراضَهُم ودِماءَهُم وأموالَهُم، وارحَم مُستَضعَفيهِم، وكُن لَهُم عَونًا ونَصيرًا حَيثُما كانُوا. ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.