من مكتبة مِداد الخطيب

صُوَرُ وَأَشْكَالُ الرِّبَا المُعَاصِرَةِ فِي البَيْعِ وَالقُرُوضِ وَتِجَارَةِ الذَّهَبِ: شَرْحٌ وَأَمْثِلَةٌ وَاقِعِيَّةٌ عَلَى حَدِيثِ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ

مشاركة
صُوَرُ وَأَشْكَالُ الرِّبَا المُعَاصِرَةِ فِي البَيْعِ وَالقُرُوضِ وَتِجَارَةِ الذَّهَبِ: شَرْحٌ وَأَمْثِلَةٌ وَاقِعِيَّةٌ عَلَى حَدِيثِ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ الحَمدُ للهِ الَّذِي أَكمَلَ لَنَا الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَينَا النِّعمَةَ، وَشَرَعَ لِعِبَادِهِ فِي مَعَايِشِهِم وَبُيُوعِهِم وَأَموَالِهِم مَا يَحفَظُ الحُقُوقَ وَيَقطَعُ دَابِرَ الظُّلمِ وَأَكلِ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ المُبِينِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى مَا بَيَّنَ لَنَا مِنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الحَكَمُ العَدلُ الَّذِي مَحَقَ بَرَكَةَ الرِّبَا وَإِن كَثُرَ فِي أَعيُنِ النَّاظِرِينَ، وَضَاعَفَ بَرَكَةَ الكَسبِ الطَّيِّبِ وَالصَّدَقَاتِ لِعبَادِهِ المُتَّقِينَ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الأَمِينُ، وَالنَّاصِحُ المَبِينُ، الَّذِي مَا تَرَكَ خَيرًا إِلَّا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيهِ، وَلَا شَرًّا إِلَّا حَذَّرَهَا مِنهُ، فَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيهِ، وَأَرسَى بِجَوَامِعِ كَلِمِهِ قَوَاعِدَ العَدلِ المَالِيِّ فِي قَولِهِ الشَّرِيفِ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ... مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ»، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ الَّذِينَ تَفَقَّهُوا فِي أَحكَامِ الكَسبِ فَسَلِمَت ذِمَمُهُم وَطَابَت مَطَاعِمُهُم، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى فِي أَرزَاقِكُم وَمَكَاسِبِكُم وَمُعَامَلَاتِكُم، وَاعلَمُوا أَنَّ المَالَ فِتنَةٌ وَامْتِحَانٌ، وَأَنَّ العَبدَ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ يَومَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسأَلَ عَن مَالِهِ مِن أَينَ اكتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنفَقَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 278-279]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: لَو تَصَفَّحتُم كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِن فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ، لَم تَجِدُوا مَعصِيَةً بَعدَ الشِّركِ بِاللهِ أَعلَنَ اللهُ عَلَى مُرتَكِبِهَا الحَربَ الصَّرِيحَةَ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَّا جَرِيمَةَ أَكلِ الرِّبَا! فَأَيُّ مَخلُوقٍ ضَعِيفٍ يَقوَى عَلَى مُحَارَبَةِ جَبَّارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ؟! قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: «يُقَالُ يَومَ القِيَامَةِ لِآكِلِ الرِّبَا: خُذ سِلَاحَكَ لِلحَربِ!»، وَصَوَّرَ القُرآنُ الكَرِيمُ مَبعَثَ آكِلِ الرِّبَا مِن قَبرِهِ يَومَ القِيَامَةِ بِصُورَةٍ تَرتَعِدُ لَهَا الفَرَائِصُ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَدَّ أَكلَ الرِّبَا مِنَ السَّبعِ المُوبِقَاتِ المُهلِكَاتِ، وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ»، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ»! وَلَمَّا كَانَ الشَّيطَانُ يَعِدُ المُرَابِيَ بِالكَثرَةِ وَالنَّمَاءِ وَالثَّرَاءِ السَّرِيعِ، قَطَعَ اللهُ هَذَا الوَهمَ بِحُكمٍ كَونِيٍّ وَشَرعِيٍّ لَا يَتَخَلَّفُ فَقَالَ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276]، وَفِي مُسنَدِ أَحمَدَ وَسُنَنِ ابنِ مَاجَهْ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ»! عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الرِّبَا فِي زَمَانِنَا لَم يَعُد يَأْتِي النَّاسَ فِي صُورَتِهِ الجَاهِلِيَّةِ المَكسُوفَةِ فَحَسبُ، بَل تَلَوَّنَ بِأَلوَانِ العَصرِ، وَتَزَيَّا بِأَسمَاءٍ بَرَّاقَةٍ وَعُقُودٍ مُزَخرَفَةٍ، وَدَخَلَ إِلَى أَسوَاقِ الذَّهَبِ، وَمَحَالِّ الصِّرَافَةِ، وَالمَتَاجِرِ الإِلِكترُونِيَّةِ، وَالبِطَاقَاتِ البَنكِيَّةِ، وَمَعَارِضِ السَّيَّارَاتِ وَالأَجهِزَةِ؛ حَتَّى صَدَقَ فِينَا قَولُ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ كَانَ يَطُوفُ فِي السُّوقِ وَيَقُولُ: «لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَن قَد تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَإِلَّا أَكَلَ الرِّبَا شَاءَ أَم أَبَى!». وَإِنَّ الأَصلَ العَظِيمَ وَالمِيزَانَ الدَّقِيقَ الَّذِي نَزِنُ بِهِ بُيُوعَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالأَورَاقِ النَّقدِيَّةِ وَالصَّرفِ فِي زَمَانِنَا، هُوَ الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ الجَلِيلُ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ ﷺ: «فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، الآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ»! افْهَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- هَذِهِ القَاعِدَةَ النَّبَوِيَّةَ المِحكَمَةَ، فَإِنَّ فِيهَا عِصمَةً لَكُم مِن رِبَا البُيُوعِ بِقِسمَيهِ (رِبَا الفَضلِ وَرِبَا النَّسِيئَةِ): القَاعِدَةُ الأُولَى: إِذَا بِعتَ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، أَوِ الفِضَّةَ بِالفِضَّةِ، أَوِ العُملَةَ النَّقدِيَّةَ بِنَفسِ جِنسِهَا (كَرِيَالٍ بِرِيَالٍ، أَو دِينارٍ بِدِينَارٍ، أَو دُولَارٍ بِدُولَارٍ)، فَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ إِلَّا بِشَرطَينِ اثنَينِ لَا يَسقُطُ أَحَدُهُمَا أَبَدًا: الشَّرطُ الأَوَّلُ: التَّمَاثُلُ التَّامُّ فِي الوَزنِ أَوِ المِقدَارِ؛ لِقَولِهِ ﷺ: «مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ»، فَلَا يَجُوزُ أَن تَكُونَ إِحدَى القِطعَتَينِ أَكثَرَ وَزنًا مِنَ الأُخرَى وَلَو بِغرَامٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُلتَفَتُ هُنَا إِلَى كَونِ أَحَدِ الذَّهَبَينِ جَدِيدًا وَالآخَرِ قَدِيمًا، أَو كَونِ أَحَدِهِمَا عِيَارَ أَربَعَةٍ وَعِشرِينَ وَالآخَرِ عِيَارَ وَاحِدٍ وَعِشرِينَ! وَالشَّرطُ الثَّانِي: التَّقَابُضُ الفَورِيُّ فِي مَجلِسِ العَقدِ قَبلَ التَّفَرُّقِ؛ لِقَولِهِ ﷺ: «يَدًا بِيَدٍ». القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا اختَلَفَ الجِنسَانِ مَعَ اتِّحَادِ العِلَّةِ؛ كَأَن تَبِيعَ الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ، أَو تَشتَرِيَ الذَّهَبَ بِالأَورَاقِ النَّقدِيَّةِ الحَالِيَّةِ (مِن رِيَالَاتٍ أَو دَنَانِيرَ أَو جُنَيهَاتٍ أَو دُولَارَاتٍ)، أَو تَصرِفَ عُملَةً بِعُملَةٍ أُخرَى مُختَلِفَةٍ عَنهَا (كَدُولَارٍ بِرِيَالٍ أَو يورو بِدِينَارٍ)؛ فَهُنَا يَسقُطُ شَرطُ التَّمَاثُلِ، فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ كَمَا قَالَ ﷺ: «فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ»، وَلَكِن يَبقَى شَرطٌ وَاحِدٌ صَارِمٌ لَا يَصِحُّ البَيعُ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ: «إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»، أَي: التَّقَابُضُ الكَامِلُ الفَورِيُّ فِي مَجلِسِ العَقدِ دُونَ تَأجِيلٍ لِشَيءٍ مِنَ الثَّمَنِ أَوِ المُثمَنِ! إِخوَةَ الإِيمَانِ: تَعَالَوا نُطَبِّقُ هَذَا الحَدِيثَ النَّبَوِيَّ العَظِيمَ عَلَى أَمثِلَةٍ وَاقِعِيَّةٍ تَجرِي كُلَّ يَومٍ فِي أَسوَاقِ الذَّهَبِ وَالصِّرَافَةِ، وَيَقَعُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالتُّجَّارِ فِي الرِّبَا الصَّرِيحِ دُونَ أَن يَشعُرُوا: المِثَالُ الوَاقِعِيُّ الأَوَّلُ: مَا يَفعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ عِندَ «استِبدَالِ الذَّهَبِ القَدِيمِ أَوِ المَكسُورِ بِالذَّهَبِ الجَدِيدِ»؛ تَدخُلُ المَرأَةُ إِلَى مَحَلِّ الصَّائِغِ وَمَعَهَا سِوَارٌ أَو عِقدٌ قَدِيمٌ وَزنُهُ خَمسُونَ غرَامًا، فَتُعطِيهِ لِلصَّائِغِ وَتَأخُذُ بَدَلًا مِنهُ طَقمًا جَدِيدًا وَزنُهُ أَربَعُونَ غرَامًا؛ بِحُجَّةِ أَنَّ الجَدِيدَ فِيهِ كُلفَةُ الصِّنَاعَةِ وَالصِّيَاغَةِ! أَو تُعطِيهِ خَمسِينَ غرَامًا مِنَ الذَّهَبِ القَدِيمِ، وَتَأخُذُ خَمسِينَ غرَامًا مِنَ الذَّهَبِ الجَدِيدِ، وَتَدفَعُ لَهُ فَوقَهَا مَبلَغًا مِنَ المَالِ يُسَمُّونَهُ «فَرقَ المَصنُوعِيَّةِ»! أَعلَمُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- أَنَّ هَاتَينِ الصُّورَتَينِ مَحَرَّمَتَانِ بِإِجمَاعِ أَهلِ العِلمِ، وَهُمَا عَينُ الرِّبَا الَّذِي حَذَّرَ مِنهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ! لِمَاذَا؟ لِأَنَّكِ بِعتِ ذَهَبًا بِذَهَبٍ مَعَ الزِّيَادَةِ وَالتَّفَاضُلِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ... مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى»! إِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تَحدِيدًا هِيَ الَّتِي وَقَعَت فِي عَهدِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَنكَرَهَا أَشَدَّ الإِنكَارِ وَسَمَّاهَا «عَينَ الرِّبَا»، وَدَلَّ الأُمَّةَ عَلَى المَخرَجِ الحَلَالِ النَّظِيفِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ بِلَالًا رَضِيَ اللهُ عَنهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمرٍ بَرنِيٍّ -وَهُوَ مِن أَجوَدِ أَنوَاعِ التَّمرِ-، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا؟»، قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِندَنَا تَمرٌ رَدِيءٌ، فَبِعتُ مِنهُ صَاعَينِ بِصَاعٍ لِنُطعِمَ النَّبِيَّ ﷺ! فَفَزِعَ النَّبِيُّ ﷺ عِندَ ذَلِكَ وَقَالَ: «أَوَّهْ! أَوَّهْ! عَيْنُ الرِّبَا! عَيْنُ الرِّبَا! لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ»! فَمَا هِيَ الطَّرِيقَةُ الحَلَالُ لِمن أَرَادَ أَن يَستَبدِلَ ذَهَبًا قَدِيمًا بِذَهَبٍ جَدِيدٍ؟ الطَّرِيقَةُ الشَّرعِيَّةُ السَّهلَةُ: أَن تَبِيعَ الذَّهَبَ القَدِيمَ أَوَّلًا لِلصَّائِغِ بَيعًا مُستَقِلًّا بِالنُّقُودِ، وَتَقبِضَ ثَمَنَهُ كَامِلًا فِي يَدِكَ (أَو يَدخُلَ فِي حِسَابِكَ المَصرِفِيِّ فِعلًا)، فَتَملِكَ المَالَ وَتَكُونَ بِالخِيَارِ إِن شِئتَ خَرَجتَ مِنَ المَحَلِّ وَإِن شِئتَ اشتَرَيتَ، ثُمَّ بَعدَ أَن تَقبِضَ المَالَ تَشتَرِي الذَّهَبَ الجَدِيدَ بِعَقدٍ جَدِيدٍ مُستَقِلٍّ! خُطوَةٌ يَسِيرَةٌ تَفصِلُ بَينَ الحَلَالِ الطَّيِّبِ وَبَينَ الرِّبَا المُحَرَّمِ! المِثَالُ الوَاقِعِيُّ الثَّانِي عَلَى الحَدِيثِ: «شِرَاءُ الذَّهَبِ بِالتَّقسِيطِ أَو بِالأَجَلِ أَو تَبقِيَةُ جُزءٍ مِنَ الثَّمَنِ دَينًا فِي الذِّمَّةِ»؛ يَذهَبُ الخَاطِبُ أَوِ المُشتَرِي إِلَى مَحَلِّ الذَّهَبِ، فَيَشتَرِي شَبكَةً أَو حُلِيًّا بِعَشَرَةِ آلَافٍ، فَيَدفَعُ لِلصَّائِغِ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ نَقدًا، وَيَقُولُ لَهُ: «بَقِيَ لَكَ أَلفَانِ أَسَدِّدُهُمَا لَكَ آخِرَ الشَّهرِ بِحُكمِ المَعرِفَةِ وَالصَّدَاقَةِ»، وَيَأخُذُ الذَّهَبَ وَيَمضِي! هَذَا -يَا عِبَادَ اللهِ- رِبَا نَسِيئَةٍ مُحَرَّمٌ وَلَو لَم يَشتَرِطِ الصَّائِغُ زِيَادَةً وَاحِدَةً عَلَى السِّعرِ! لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الأَورَاقَ النَّقدِيَّةَ اليَومَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ فِي الثَّمَنِيَّةِ، وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»، وَفِي الصَّحِيحَينِ قَالَ ﷺ: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ»، أَي: خُذْ وَأَعطِ فِي المَجلِسِ نَفسِهِ! فَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ بِالتَّقسِيطِ وَلَا بِالأَجَلِ، وَلَا يَجُوزُ أَن يُغَادِرَ المُشتَرِي مَحَلَّ الذَّهَبِ وَقَد بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ مِن ثَمَنِ الذَّهَبِ دِرهَمٌ وَاحِدٌ لَم يَقبِضْهُ البَائِعُ! المِثَالُ الوَاقِعِيُّ الثَّالِثُ: «صَرفُ العُملَاتِ وَتَبدِيلُهَا بِالأَجَلِ أَو دُونَ تَقَابُضٍ فِي المَجلِسِ»؛ يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ أَو لِلصَّرَّافِ: «أَعطِنِي الآنَ أَلفَ دُولَارٍ، وَغَدًا أُحَوِّلُ لَكَ قِيمَتَهَا بِالعُملَةِ المَحَلِّيَّةِ»، أَو يُعطِيهِ وَرَقَةً مِن فِئَةِ مِائَةٍ لِيَصرِفَهَا لَهُ، فَيُعطِيهِ خَمسِينَ الآنَ وَيَقُولُ: «مُرَّ عَلَيَّ فِي المَسَاءِ خُذِ الخَمسِينَ البَاقِيَةَ»! هَذَا كُلُّهُ مِن رِبَا النَّسِيئَةِ المُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ صَرفَ العُملَاتِ بَعضِهَا بِبَعضٍ لَا يَصِحُّ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ فِي مَجلِسِ العَقدِ (إِمَّا بِالقَبضِ الحَقِيقِيِّ بِاليَدِ، وَإِمَّا بِالقَبضِ الحُكمِيِّ بِالتَّحوِيلِ المَصرِفِيِّ الفَورِيِّ الَّذِي يَدخُلُ الحِسَابَ فِي المَجلِسِ نَفسِهِ). وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن مَالِكِ بنِ أَوسِ بنِ الحَدَثَانِ أَنَّهُ التَمَسَ صَرفَ مِائَةِ دِينَارٍ، فَدَعَاهُ طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ فَتَرَاوَضَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنهُ، فَأَخَذَ طَلحَةُ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهُ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأتِيَ خَازِنِي مِنَ الغَابَةِ! وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَسمَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: «وَاللَّهِ لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ»! المِثَالُ الوَاقِعِيُّ الرَّابِعُ: «التَّدَاوُلُ الوَهمِيُّ لِلذَّهَبِ وَالعُملَاتِ بِالرَّافعَةِ المَالِيَّةِ وَالهاَمِشِ فِي مَنَصَّاتِ الفُورِكس»؛ حَيثُ يَدخُلُ الشَّابُّ بِمَبلَغٍ صَغِيرٍ، فَيُقرِضُهُ الوَسِيطُ أَضعَافَهُ لِيَتَاجِرَ عَبرَ مَنصَّتِهِ وَيَأخُذَ مِنهُ عُمُولَاتٍ وَرُسُومَ تَبيِيتٍ، وَيَبِيعُ وَيَشتَرِي ذَهَبًا وَعُملَاتٍ عَلَى الشَّاشَةِ دُونَ أَن يَجرِيَ أَيُّ قَبضٍ حَقِيقِيٍّ أَو حُكمِيٍّ مُعتَبَرٍ شَرعًا! فَيَجتَمِعُ فِي هَذِهِ المُعَامَلَةِ المَشؤُومَةِ: بَيعُ الذَّهَبِ وَالعُملَاتِ بِلَا تَقَابُضٍ، وَقَرضٌ جَرَّ نَفعًا، وَغَرَرٌ وَمُقَامَرَةٌ تُهلِكُ الأَموَالَ وَتُدمِّرُ البُيُوتَ! عِبَادَ اللهِ: وَإِذَا انتَقَلنَا مِن رِبَا البُيُوعِ وَالصَّرفِ إِلَى «رِبَا الدُّيُونِ وَالقُرُوضِ» فِي صُوَرِهِ المُعَاصِرَةِ، وَجَدنَا أَشكَالًا خَطِيرَةً غَزَت حَيَاةَ النَّاسِ تَحتَ مُسَمَّيَاتٍ تَموِيلِيَّةٍ خَادِعَةٍ: مِنهَا: القُرُوضُ الرِّبَوِيَّةُ المَشرُوطَةُ بِفَائِدَةٍ زَائِدَةٍ عِندَ السَّدَادِ، وَالوَدَائِعُ البَنكِيَّةُ ذَاتُ الفَائِدَةِ الثَّابِتَةِ المَضمُونَةِ؛ وَقَد أَجمَعَ عُلَمَاءُ الإِسلَامِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ «كُلَّ قَرضٍ جَرَّ نَفعًا مَشرُوطًا فَهُوَ رِبًا»، سَوَاءٌ سَمَّوهُ «فَائِدَةً»، أَو «عَائِدًا استِثمَارِيًّا ثَابِتًا»، أَو «رُسُومَ خِدمَةٍ زَائِدَةً عَنِ التَّكلِفَةِ الفِعلِيَّةِ»؛ فَالِاعتِبَارُ فِي الشَّرِيعَةِ بِالحَقَائِقِ وَالمَقَاصِدِ لَا بِالأَسمَاءِ وَالأَلفَاظِ! وَمِنهَا: «شَرطُ غَرَامَةِ التَّأخِيرِ فِي بِطَاقَاتِ الائتِمَانِ غَيرِ المُغَطَّاةِ وَتَطبِيقَاتِ الشِّرَاءِ الآجِلِ»؛ حَيثُ يَشتَرِطُ مُصدِرُ البِطَاقَةِ أَوِ المُمَوِّلُ عَلَى العَمِيلِ أَنَّهُ إِن تَأَخَّرَ عَنِ السَّدَادِ بَعدَ مُدَّةِ السَّمَاحِ فُرِضَت عَلَيهِ نِسبَةٌ رِبَوِيَّةٌ أَو غَرَامَةٌ مَالِيَّةٌ تَزدَادُ مَعَ الأَيَّامِ! وَهَذَا هُوَ عَينُ رِبَا الجَاهِلِيَّةِ الَّذِي نَزَلَ القُرآنُ بِتَحرِيمِهِ؛ حَيثُ كَانَ الدَّائِنُ يَقُولُ لِلمَدِينِ عِندَ حُلُولِ الأَجَلِ: «إِمَّا أَن تَقضِيَ وَإِمَّا أَن تُربِيَ»! بَل إِنَّ مُجَرَّدَ التَّوقِيعِ عَلَى عَقدٍ يَتَضَمَّنُ هَذَا الشَّرطَ الرِّبَوِيَّ الفَاسِدَ مُحَرَّمٌ شَرعًا وَلَو كَانَ العَمِيلُ عَازِمًا عَلَى السَّدَادِ قَبلَ انتِهَاءِ المُهلَةِ! وَمِنهَا: «بَيعُ العِينَةِ وَالتَّوَرُّقُ الصُّورِيُّ المُنَظَّمُ» الَّذِي يَتَحَايَلُ بِهِ البَعضُ عَلَى الرِّبَا؛ يَأتِي المُحتَاجُ إِلَى المَالِ، فَيَبِيعُهُ المُرَابِي سِلعَةً صُورِيَّةً بِعَشَرَةِ آلَافٍ مُؤَجَّلَةٍ إِلَى سَنَةٍ، ثُمَّ يَشتَرِيهَا مِنهُ فِي اللَّحظَةِ نَفسِهَا بِثَمَانِيَةِ آلَافٍ نَقدًا! فَتَكُونُ السِّلعَةُ مَجرَّدَ سِتَارٍ صُورِيٍّ لِإِقرَاضِ ثَمَانِيَةِ آلَافٍ بِعَشَرَةِ آلَافٍ! وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ»! وَلَمَّا دَخَلَتِ العَالِيَةُ بِنتُ أَيفَعَ عَلَى أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، قَالَت لَهَا أُمُّ وَلَدِ زَيدِ بنِ أَرقَمَ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ، إِنِّي بِعتُ غُلَامًا مِن زَيدِ بنِ أَرقَمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرهَمٍ إِلَى العَطَاءِ -أَي بِالأَجَلِ-، ثُمَّ اشتَرَيتُهُ مِنهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرهَمٍ نَقدًا! فَقَالَت لَهَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا بِغَضبَةٍ لِدِينِ اللهِ: «بِئسَمَا شَرَيتِ وَبِئسَمَا اشتَرَيتِ! أَبلِغِي زَيدَ بنَ أَرقَمَ أَنَّهُ قَد أَبطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا أَن يَتُوبَ!». وَقَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ أَيُّوبُ السَّختِيَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي أَصحَابِ الحِيَلِ الرِّبَوِيَّةِ: «يُخَادِعُونَ اللهَ كَأَنَّمَا يُخَادِعُونَ الصِّبيَانَ، لَو أَتَوا الأَمرَ عِيَانًا كَانَ أَهوَنَ عَلَيهِم!». أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: لَقَد عَلِمنَا أَنَّ الرِّبَا حَربٌ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَمَحقٌ لِلبَرَكَةِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَأَنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ» قَاعِدَةٌ مُحكَمَةٌ تَحكُمُ تِجَارَةَ الذَّهَبِ وَالصَّرفِ وَالعُملَاتِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، فَتُوجِبُ التَّمَاثُلَ وَالتَّقَابُضَ عِندَ اتِّحَادِ الجِنسِ، وَتُوجِبُ التَّقَابُضَ الفَورِيَّ فِي المَجلِسِ عِندَ اختِلَافِ الجِنسِ كَبَيعِ الذَّهَبِ بِالنُّقُودِ أَو صَرفِ عُملَةٍ بِأُخرَى. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَا يَغُرَّنَّكُم كَثرَةُ المَالِ الحَرَامِ فِي أَيدِي المُرَابِينَ؛ فَإِنَّ العِبرَةَ لَيسَت بِأَرقَامِ الأَرصِدَةِ، بَل بِبَرَكَةِ المَالِ وَطَمَأنِينَةِ القَلبِ وَصَلَاحِ الذُّرِّيَّةِ وَاستِجَابَةِ الدُّعَاءِ! فَكَم مِن مَالٍ كَثِيرٍ جُمِعَ مِنَ الرِّبَا مَحَقَ اللهُ بَرَكَتَهُ، فَأُنفِقَ فِي الأَسقَامِ وَالمَصَائِبِ وَالخُصُومَاتِ وَالشَّقَاءِ النَّفسِيِّ، وَكَم مِن رِزقٍ قَلِيلٍ حَلَالٍ بَارَكَ اللهُ فِيهِ، فَعَمَرَ البَيتَ بِالسَّعَادَةِ وَالكِفَايَةِ وَالرِّضَا! أَلَم يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَنِ الرَّجُلِ يَمُدُّ يَدَيهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ: «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!»؟! وَحَتَّى نَصُونَ أَموَالَنَا وَبُيُوتَنَا مِن صُوَرِ الرِّبَا المُعَاصِرَةِ، فَإِنَّنَا نَتَوَاصَى بِخَمسِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ: الأُولَى: تَفَقَّهُوا فِي أَحكَامِ البَيعِ وَالشِّرَاءِ وَالصَّرفِ قَبلَ أَن تَدخُلُوا الأَسوَاقَ أَو تُبرِمُوا العُقُودَ المَالِيَّةَ؛ فاسأَلُوا أَهلَ العِلمِ الرَّاسِخِينَ عَن كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَشتَبِهُ عَلَيكُم، وَإِيَّاكُم أَن تَستَفتُوا الهَوَى أَو تُقَلِّدُوا النَّاسَ فِي الحَرَامِ بِحُجَّةِ أَنَّ «النَّاسَ كُلَّهُم يَفعَلُونَ ذَلِكَ»! الثَّانِيَةُ: إِلَى تُجَّارِ الذَّهَبِ وَالصَّاغَةِ وَإِلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ: اِحذَرُوا أَشَدَّ الحَذَرِ مِن مُبَادَلَةِ الذَّهَبِ القَدِيمِ بِالذَّهَبِ الجَدِيدِ فِي عَقدٍ وَاحِدٍ مَعَ دَفعِ فَرقِ المَصنُوعِيَّةِ أَوِ اختِلَافِ الوَزنِ؛ بَل بِيعُوا الذَّهَبَ القَدِيمَ أَوَّلًا وَاقبِضُوا ثَمَنَهُ كَامِلًا فِي أَيدِيكُم، ثُمَّ اشتَرُوا الذَّهَبَ الجَدِيدَ بِعَقدٍ مُستَقِلٍّ، وَاحذَرُوا شِرَاءَ الذَّهَبِ بِالتَّقسِيطِ أَو تَأجِيلِ شَيءٍ مِن ثَمَنِهِ وَلَو لِسَاعَاتٍ. الثَّالِثَةُ: اِحرِصُوا عَلَى التَّقَابُضِ الفَورِيِّ عِندَ صَرفِ العُملَاتِ وَتَبدِيلِهَا؛ فَلَا تَبِع دُولَارًا بِرِيَالٍ أَو دِينَارٍ أَو جُنَيهٍ مَعَ تَأخِيرِ أَحَدِ البَدَلَينِ، وَلَا تَتَاجِر فِي مَنَصَّاتِ الفُورِكس وَالهاَمِشِ الَّتِي تَبِيعُ الذَّهَبَ وَالعُملَاتِ عَلَى الوَرَقِ بِقُرُوضٍ رِبَوِيَّةٍ وَدُونَ قَبضٍ شَرعِيٍّ. الرَّابِعَةُ: طَهِّرُوا مُعَامَلَاتِكُمُ المَصرِفِيَّةَ وَتِجَارَاتِكُم مِنَ القُرُوضِ الرِّبَوِيَّةِ، وَالبِطَاقَاتِ الائتِمَانِيَّةِ المَشرُوطَةِ بِفَوَائِدِ التَّأخِيرِ، وَبُيُوعِ العِينَةِ الصُّورِيَّةِ؛ وَاستَغنُوا عَن ذَلِكَ كُلِّهِ بِالبُيُوعِ الشَّرعِيَّةِ الصَّحِيحَةِ كَبَيعِ المُرابَحَةِ الحَقِيقِيِّ وَالإِجَارَةِ وَالمُضَارَبَةِ وَالمُشَارَكَةِ المُنضَبِطَةِ بِأَحكَامِ الشَّرعِ، وَالقَرضِ الحَسَنِ الَّذِي لَا رِبَا فِيهِ. الخَامِسَةُ: مَن كَانَ قَد وَقَعَ فِي شَيءٍ مِن صُوَرِ الرِّبَا فِيمَا مَضَى عَن جَهلٍ أَو غَفلَةٍ، فَبَابُ التَّوبَةِ مَفتُوحٌ أَمَامَهُ الآنَ؛ فَلْيُبَادِرْ بِالإِقلَاعِ الفَورِيِّ وَالنَّدَمِ الصَّادِقِ، وَمَا قَبَضَهُ قَبلَ العِلمِ بِالتَّحرِيمِ وَمَوعِظَةِ الرَّبِّ فَلَهُ مَا سَلَفَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 275]، وَمَا بَقِيَ لَهُ مِن فَوَائِدَ رِبَوِيَّةٍ لَم يَقبِضْهَا فَلْيَترُكْهَا وَلْيَكتَفِ بِرَأسِ مَالِهِ طَاعَةً للهِ وَنَجَاةً بِنَفسِهِ مِن حَربِ اللهِ وَرَسُولِهِ. اللَّهُمَّ اكفِنَا بِحَلَالِكَ عَن حَرَامِكَ، وَأَغنِنَا بِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ، اللَّهُمَّ ارزُقنَا رِزقًا حَلَالًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَباَعِدْ بَينَنَا وَبَينَ الرِّبَا وَالحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ كَمَا بَاعَدتَ بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، اللَّهُمَّ فَقِّهنَا فِي دِينِكَ، وَبَصِّرنَا بِأَحكَامِ شَرعِكَ، وَطَهِّرْ أَسوَاقَ المُسلِمِينَ وَأَموَالَهُم وَتِجَارَاتِهِم مِنَ الرِّبَا وَالغِشِّ وَأَكلِ السُّحتِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقتَنَا، وَاقضِ الدَّينَ عَنِ المَدِينِينَ، وَفَرِّج كَربَ المَكرُوبِينَ، وَاغفِر لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيبُ الكريم، فالمِنبرُ أمانة، ووقتُ النَّاسِ وقلوبُهم وديعةٌ بينَ يديك؛ فإن شِئتَ ألقَيتَها كما هي، وإن رأيتَ أنَّ مقامَ النَّاسِ يَقتضي اختصارًا أو تقديمًا وتأخيرًا فافعَل، وإن كنتَ تُريدُها على وَجهٍ آخَرَ منَ البَسطِ أوِ الإيجازِ، أو على نَظمٍ غيرِ هذا النَّظم، فاذكُر لي ما تُريدُ على وَجهِ التَّحديد، فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.