🕌 غزوة تبوك... ساعة العُسرة وامتحان القلوب
#خطبة_جمعة #غزوة_تبوك #السيرة_النبوية #ساعة_العسرة #الإنفاق_في_سبيل_الله #التوبة #الصدق #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي يمتحنُ عبادَهُ بالشدائدِ ليُظهِرَ صادقَ الإيمانِ من مُدّعيه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جعلَ في الابتلاءِ تمحيصاً للقلوبِ ورفعةً للدرجاتِ، وكشفاً لزيفِ النفاق، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه، إمامُ المجاهدين، وقائدُ الصابرين، الذي قادَ أمّتَهُ في أحلكِ الظروفِ وأشدِّ الساعاتِ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً. أمَّا بعد:
عبادَ الله، تخيَّلوا معي جيشاً يخرجُ في أشدِّ أيامِ الصيفِ حراً، لمسافةٍ تزيدُ عن ألفِ كيلومترٍ في صحراءَ قاحلة، بلا طعامٍ يكفي، ولا دوابَّ تحمل، والعدوُّ الذي ينتظرهم ليس قبيلةً صغيرة، بل أقوى إمبراطوريةٍ على وجهِ الأرض! في تلك اللحظةِ القاسية، وتحت شمسٍ تصهرُ الرؤوس، تساقطت أقنعة، وظهرت بطولاتٌ تعجزُ عنها الجبال، وبكى رجالٌ بكاءً مريراً... ليس خوفاً من الموت، بل لأنهم لم يجدوا ما يركبون للجهاد! ماذا حدث في "ساعة العسرة"؟ وما هو السرُّ الذي جعلَ اللهَ يُنزلُ توبةَ من تخلّفوا في قرآنٍ يُتلى إلى يومِ القيامة؟ لحظاتٌ حاسمةٌ من تاريخنا نعيشها اليوم، لنجدَ فيها دواءً لواقعنا المعاصر.
أيها المسلمون، لقد كانت غزوةُ تبوك في العامِ التاسعِ من الهجرةِ حدثاً استثنائياً بكل المقاييس. لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل كانت "غزوة كاشفة". سماها الله جل وعلا في كتابه: "ساعة العسرة". يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: 117].
لماذا ساعة العسرة؟ لأنها جاءت في وقتٍ اشتدَّ فيه الحرّ، وطابت فيه الثمار، والناسُ يحبون المقامَ في ظلالِ نخيلهم بعد عامٍ من التعب. المسافة إلى الشام بعيدة، والعدو هو الروم — القوة العظمى آنذاك. هنا، وفي هذه اللحظة بالذات، ينقادُ الناسُ لأحدِ نداءين: نداءُ الراحةِ والدنيا، أو نداءُ اللهِ والدار الآخرة.
وهنا أيها الأحبة، انقسم المجتمع إلى فئات، وهي ذات الفئات التي تنقسم في كل أزمة تمر بها أمتنا اليوم. فئاتٌ يجب أن نعرض قلوبنا عليها لنرى أين نقف.
الفئة الأولى: المنافقون. الذين وجدوا في الظروفِ القاسيةِ عذراً لجبنهم، وأخذوا يثبطون العزائم، ويتغامزون، ويقولون لبعضهم كما فضحهم القرآن: ﴿وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [سورة التوبة: 81]. سبحان الله! يفرّون من حرِّ شمسٍ زائل، ويُلقون بأنفسهم في حرِّ جهنم الذي لا يزول! ألا يُشبه هذا حالَ كثيرين اليوم؟ يهربون من التزامِ الدين، ويفرون من صلاة الفجر، ويتهربون من الإنفاق، بحجةِ التعبِ أو ضغط الحياة، ونسوا أن نار الله أشد والموعد قريب.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد": "وكانت هذه الغزوة فاضحة، كشفت عورات المنافقين، وهتكت أستارهم، وأبانت ما كانوا يضمرون، ولذلك سميت سورة التوبة: الفاضحة".
أما الفئة الثانية: فهم المخلصون الصادقون من الصحابة. لم يفكروا في الحر، ولم ينظروا إلى الثمار. انطلقوا يبذلون الغالي والنفيس. ولما دعا النبي ﷺ للإنفاق لتجهيز "جيش العسرة"، هبت ريح الإيمان تعصف بقلوب الصحابة.
تخيلوا هذا المشهد العظيم في مسجد النبي ﷺ. يقف رسول الله ﷺ ويقول: «مَن جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ» (رواه البخاري).
من الذي سيشتري الجنة في هذه اللحظة؟ يأتي أبو بكر الصديق رضي الله عنه بماله كله! فيسأله النبي ﷺ: ما أبقيت لأهلك؟ فيقول بلسان اليقين الذي لا يتزعزع: "أبقيت لهم الله ورسوله". ويأتي عمر رضي الله عنه بنصف ماله.
ولكن، مهلاً... انظروا إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه. جاء عثمان بتسعمائة بعير ومائة فرس، بأقتابها وأحلاسها، ثم جاء بألف دينار ذهبي وصبّها في حجر النبي ﷺ! فجعل النبي ﷺ يقلبها بيده ويقول مبشراً: «ما ضرَّ عثمانَ ما عَمِلَ بعدَ اليومِ، ما ضرَّ عثمانَ ما عَمِلَ بعدَ اليومِ» (رواه الترمذي).
أين نحن من إنفاق عثمان يا عباد الله؟ الأمة اليوم تمر بساعات عسرة في فلسطين، في غزة، في السودان، وفي بقاع كثيرة. دماء تُسفك، وبطون تجوع، وبيوت تُهدم. والنداء يرتفع: من يُجهّز المكروبين فله الجنة؟ من يؤوي المشردين فله الجنة؟ فهل تحركت أموالنا في جيوبنا كما تحرك ذهب عثمان؟ أم أننا نبخل بالقليل بينما نبذر الكثير في شهواتنا وكمالياتنا؟
ومن أعجب الفئات في تلك الغزوة، فئة سميت في السيرة بـ "البكّائين". رجال فقراء، لا يملكون سيفاً ولا بعيراً ولا طعاماً للرحلة. جاءوا للنبي ﷺ يرجونه أن يحملهم معه لقتال الروم. لم يأتوا ليطلبوا إعفاءً أو عذراً، بل جاءوا يطلبون الموت في سبيل الله! فلما اعتذر لهم النبي ﷺ بأنه لا يجد ما يحملهم عليه، ماذا فعلوا؟ هل فرحوا بسقوط التكليف؟ هل قالوا: الحمد لله، قد أُعذرنا أمام الله ولنا أن نرتاح؟
لا والله! بل انصرفوا كما وصفهم الجبار جل جلاله من فوق سبع سماوات: ﴿تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [سورة التوبة: 92].
يبكون! رجال أقوياء تفيض أعينهم بالدموع الحارة، لأنهم حُرموا من شرف البذل والمشقة لله!
فيا حسرة على قلوبنا! متى آخر مرة بكينا فيها لأننا فوتنا صلاة الفجر في جماعة؟ متى دمعت عيوننا لأننا لم نستطع صيام يوم أو قيام ليلة أو قراءة ورد من القرآن؟ هؤلاء بكوا لفوات طاعة شاقة تقود للموت، فكيف بمن يفرح إذا فاتته طاعة سهلة؟
لكن الله أكرمهم وأكرم صدقهم. فاسمعوا لهذا الحديث العظيم. لما سار النبي ﷺ في طريق تبوك، التفت إلى أصحابه وقال لهم: «إِنَّ بالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيراً، وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِياً، إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ». قالوا: يا رَسُول اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: «وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» (رواه البخاري).
تأملوا! نالوا أجر الغزو، وأجر التعب، وأجر المشي، وهم نائمون على فرشهم في المدينة! بأي شيء؟ بالنية الصادقة والقلب المشتعل بحب الله! قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "النية الصادقة مع العجز التام، تُنزل العبد منزلة الفاعل التام".
أيها الإخوة الأحبة، وفي خضم هذه الغزوة، وقعت قصة من أعظم قصص القرآن والسيرة. قصة رجل صادق، لم يكن منافقاً، ولم يكن فقيراً عاجزاً، ولكنه... "سوّف". إنه الصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله عنه.
يقول كعب عن نفسه: لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. كان عنده راحلتان، ولم يكن به علة. فما الذي أخره؟ يقول: "طفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت... فلم يزل يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً".
مرت الأيام، والنبي ﷺ في تبوك، وكعب في المدينة يمشي في أسواقها، فلا يرى إلا منافقاً معلوماً النفاق، أو شيخاً كبيراً، أو معذوراً. فكان ذلك يحز في قلبه. ولما عاد النبي ﷺ من الغزوة، جاء المنافقون يحلفون ويختلقون الأعذار الكاذبة، فقبل منهم النبي ﷺ ظاهرهم ووكل سرائرهم إلى الله.
لكن كعباً... ربي في مدرسة النبوة. جاء وجلس بين يدي رسول الله ﷺ، فلما رآه النبي تبسم تبسُّم المُغضَب، وسأله: ما خلفك؟
هنا تتجلى شجاعة الصدق. قال كعب: "يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لعذرت منه، لقد أُعطيت جدلاً (أي فصاحة وقدرة على الإقناع)، ولكن والله لقد علمتُ لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك عليّ... والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك!".
فقال النبي ﷺ: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ».
وتبدأ هنا رحلة العذاب النفسي الطويلة. أمر النبي ﷺ بمقاطعة كعب وصاحبيه (هلال بن أمية ومرارة بن الربيع). خمسون يوماً من المقاطعة التامة! الصحابة لا يكلمونه، أقرب الناس إليه يعرض عنه. يذهب كعب إلى ابن عمه وأحب الناس إليه، أبي قتادة، فيسلم عليه، فلا يرد عليه السلام! فيقول له كعب والدموع في عينيه: أنشدك الله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فيسكت أبو قتادة... ثم يعيدها... فيقول أبو قتادة جملة واحدة كالسيف: "الله ورسوله أعلم". ففاضت عينا كعب بالدموع.
قال الله تعالى واصفاً هذا الخنق النفسي الرهيب: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [سورة التوبة: 118].
وفي ذروة هذه المحنة، يأتي الاختبار الأكبر. يأتيه كتاب من ملك غسان (ملك نصراني) يقول له: "بلغنا أن صاحبك قد جفاك... فالحق بنا نواسِك". محاولة خبيثة لاختطاف قلب كعب في لحظة ضعفه! لكن ماذا فعل الصادق؟ هل استسلم للغضب والقطيعة؟ قال كعب: "وهذا أيضاً من البلاء!". ثم أخذ الرسالة ورماها في التنور (النار) وأحرقها! هذا هو اليقين. هذه هي العقيدة التي لا تساوم ولا تباع في لحظات الخصومة والضيق.
وبعد خمسين يوماً من الدموع والمحاسبة والصدق، نزل الفرج من فوق سبع سماوات. نزل الوحي: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. فجاء البشير يركض، وخر كعب ساجداً لله باقياً، وذهب إلى النبي ﷺ ووجه رسول الله يبرق كالقطعة من القمر من الفرح، فقال له: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ»! (القصة في الصحيحين).
يا عباد الله، كعب بن مالك لم يزنِ، لم يسرق، لم يقتل... ذنبه الوحيد أنه "سوّف" طاعة من الطاعات! أجّل عملاً صالحاً وقال "غداً". فكيف بنا نحن الذين نسوّف التوبة من كبائر الذنوب؟ كيف بمن يسوّف الصلوات المكتوبات ويقول سأصلي غداً؟ كيف بمن يؤجل الحجاب، ويؤجل رد المظالم، ويؤجل بر الوالدين؟
قال الحسن البصري رحمه الله: "إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غد لك فكن في غد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم".
إن ساعة العسرة لم تنتهِ بموت النبي ﷺ، بل لكل زمان ومكان ساعة عسرة تُمتَحن فيها القلوب وتُزلزَل فيها النفوس. ومواجهة الباطل، والثبات على الحق، ونصرة قضايا الأمة المكلومة اليوم هي من أعظم ساعات العسرة. فليُري اللهَ كلُّ واحدٍ منا من نفسه خيراً، وليكن من الصادقين المنفقين، ولا يكن من المرجفين المسوّفين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلمُ السرَّ وأخفى، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، النبيُّ المصطفى، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بسُنته اهتدى واقتفى. أما بعد:
عباد الله، عشنا في خطبتنا الأولى مع أجواء غزوة تبوك، ورأينا كيف كانت "ساعة العسرة" كاشفة للقلوب ومميزة للصفوف. رأينا إنفاق عثمان العظيم، ودموع البكائين الصادقة، وصدق كعب بن مالك الذي حطّم صخرة التسويف، ورأينا في المقابل خذلان المنافقين وأعذارهم الباطلة. والآن أيها الأحبة، نحن أمام السؤال الأهم الذي سيحدد إن كانت هذه الخطبة ستمر مرور الريح أم ستثمر في قلوبكم: كيف نترجم دروس هذه الغزوة العظيمة إلى واقع في حياتنا اليومية؟
أوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري:
الأولى (قَلبيَّة): إياكَ والأعذارَ الكاذبة بينك وبين الله. اللهُ مطلعٌ على قلبك ويعلم عذرك الحقيقي من عذرك الوهمي. إن غلبتك معصية فاعترف كما اعترف كعب بن مالك وقال "ما كان لي من عذر"، ولا تكن كالمنافقين الذين برروا ذنوبهم واختلقوا المعاذير، فالصدق في الذنب مفتاح المغفرة، والكذب فيه مفتاح الطرد.
الثانية (لِسانيَّة): استغفرِ الله اليوم من آفة "التسويف" (سأفعل، سأتوب، سأقرأ). اطرد حرف السين من حياتك، فإن "سوف" جندٌ من جنود إبليس. إذا هممت بطاعة فقل بلسانك: "الآن يا رب، أستغفرك وأتوب إليك الآن".
الثالثة (عَمَليَّة): أنفقْ مما رزقك الله ولو بالقليل، لتنال شرف التجهيز في "ساعات العسرة" المعاصرة. إخوانكم في غزة، وفي مخيمات اللجوء، وتحت وطأة الحصار والبرد والجوع يمرون بأشد ساعات العسرة. لا تقل ليس لدي ما أعطيه! تصدق ولو بشق تمرة، اقتداءً بجيش العسرة، فربَّ درهمٍ سبَق ألف درهم.
الرابعة (اجتماعيَّة): لا تقاطع أخاك ولا تهجره لحظوظ النفس والدنيا، وإذا رأيت مبتلى أو تائباً فكن له عوناً ولا تكن عليه مع الشيطان. انظروا كيف صبر كعب على مقاطعة الصحابة طاعةً لله، وكيف فرح الصحابة وهنأوه بتوبته لما تاب الله عليه. فكن صافي الصدر محباً للمؤمنين.
الخامسة (موضوعيَّة): اثبت على دينك ومبادئك عندما تشتد الأزمات ويضيق الخناق. حين تُعرض عليك المغريات لترك منهج الله — كما عُرضت على كعب رسالة ملك غسان — فكن بطلاً، وأحرق رسائل الفتنة في تنور الإيمان، وقل بلسان الحال والمقال: إنا هاهنا صامدون ثابتون.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على الصدق عند البلاء، والبذل عند الشدة.
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه فقال جل من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم اجعلنا من الصادقين الذين لا يفرون في ساعات العسرة، ولا يتخلفون عن نداء الحق.
اللهم ارزقنا إنفاقاً كإنفاق عثمان، وصدقاً كصدق كعب، ويقيناً كيقين الصديق، وبكاءً من خشيتك كبكاء الصادقين.
اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب، وأعمالنا من الرياء، ولا تجعلنا ممن يسوّفون التوبة حتى يفاجئهم الموت.
اللهم فرج هم المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم فرج كرب إخواننا في غزة وفي كل أرض يُضطهد فيها عبادك المؤمنون. اللهم اربط على قلوبهم، وسدد رميهم، وأطعم جائعهم، واكسُ عاريهم، واشفِ جريحهم، وارحم شهيدهم، وأنزل عليهم من رحماتك ما يغنيهم عن من سواك.
اللهم اجعلنا ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر.
اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
غزوة تبوك... ساعة العُسرة وامتحان القلوب
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.