من مكتبة مِداد الخطيب

تَذكِرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ لِبَنَاتِ حَلَقَاتِ القُرآنِ: صِيَانَةُ القَلبِ مِنَ المَعَازِفِ وَاعتِزَازُ الفَتَاةِ بِحِجَابِهَا وَحَيَائِهَا أَمَامَ فِتَنِ التَّبَرُّجِ وَالاختِلَاطِ

مشاركة
تَذكِرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ لِبَنَاتِ حَلَقَاتِ القُرآنِ: صِيَانَةُ القَلبِ مِنَ المَعَازِفِ وَاعتِزَازُ الفَتَاةِ بِحِجَابِهَا وَحَيَائِهَا أَمَامَ فِتَنِ التَّبَرُّجِ وَالاختِلَاطِ الحَمدُ للهِ الَّذِي كَرَّمَ المَرأَةَ المُؤمِنَةَ بِالإِيمَانِ وَالقُرآنِ، وَرَفَعَ قَدرَهَا بِالعِفَّةِ وَالحَيَاءِ وَالصَّونِ وَالإِحسَانِ، وَجَعَلَ صُدُورَ الحَافِظَاتِ التَّالِيَاتِ لِكِتَابِهِ أَوعِيَةً لِلوَحيِ وَمَهَابِطَ لِلنُّورِ وَالرِّضوَانِ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي أَوصَى بِالنِّسَاءِ خَيرًا وَرَفَعَ لَهُنَّ مَنَارَ الكَرَامَةِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَأَزوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ الطَّاهِرَاتِ، وَعَلَى الصَّحَابِيَّاتِ القَانِتَاتِ العَابِدَاتِ، وَمَن سَارَتْ عَلَى نَهجِهِنَّ القَوِيمِ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ: فَيَا بَنَاتِي وَأَخَوَاتِي الحَبِيبَاتِ فِي هَذِهِ الحَلْقَةِ القُرآنِيَّةِ المَبَارَكَةِ، السَّلَامُ عَلَيكُنَّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ: لَو كُشِفَ لَكُنَّ الغِطَاءُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الطَّيِّبَةِ عَمَّا يُحِيطُ بِمَجلِسِكُنَّ هَذَا مِن مَلَائِكَةِ الرَّحمَنِ، وَمَا يَتَنَزَّلُ عَلَى رُؤُوسِكُنَّ مِنَ السَّكِينَةِ، وَمَا يَغشَاكُنَّ مِنَ الرَّحمَةِ، وَمَا يَذكُرُكُنَّ اللهُ بِهِ فِيمَن عِندَهُ فِي المَلَأِ الأَعلَى؛ لَذَابَتْ قُلُوبُكُنَّ شَوقًا وَحُبًّا وَحَمدًا للهِ جَلَّ جَلَالُهُ! أَتَدرِينَ يَا حَامِلَاتِ القُرآنِ مَن أَنتُنَّ؟ أَنتُنَّ مَنِ اصطَفَاكُنَّ اللهُ مِن بَينِ مَلَايِينِ الفَتَيَاتِ الغَافِلَاتِ اللوَاتِي تَاهَتْ خُطَاهُنَّ فِي أَسْوَاقِ الدُّنيَا وَشَوَاطِئِ الغَفلَةِ، فَجَاءَ بِكُنَّ إِلَى مَأدُبَتِهِ وَرَوضَةِ كِتَابِهِ؛ كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»؛ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ القُرْآنِ غَيْرِ الغَالِي فِيهِ وَالجَافِي عَنْهُ». بَنَاتِي الغَالِيَاتِ، وَأَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ: كَلِمَتِي إِلَيكُنَّ اليَومَ لَيسَتْ كَلِمَةَ تَأنِيبٍ أَو قَسوَةٍ؛ بَل هِيَ هَمسَةُ مُشفِقٍ غَيُورٍ يَرَى فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنكُنَّ مَشرُوعَ أُمٍّ صَالِحَةٍ، وَعَالِمَةٍ رَبَّانِيَّةٍ، وَقُدوَةٍ مُشرِقَةٍ تُحْيِي أُمَّةً بِأَسرِهَا! إِنَّ الشَّيطَانَ يَا بَنَاتِي لَا يَحسُدُ أَحَدًا عَلَى وَجهِ الأَرضِ كَمَا يَحسُدُ الفَتَاةَ الَّتِي أَقبَلَتْ عَلَى القُرآنِ فِي رَيعَانِ شَبَابِهَا! إِنَّهُ يَنظُرُ إِلَى المَصحَفِ بَينَ يَدَيكِ، وَإِلَى الآيَاتِ المَحفُوظَةِ فِي صَدرِكِ، فَيَحتَرِقُ غَيظًا وَحَسَدًا، وَيَقِفُ لَكِ بِالمِرصَادِ لِيَسرِقَ مِنكِ هَذَا الكَنزَ، أَو يُطْفِئَ نُورَهُ فِي قَلبِكِ؛ وَلَهُ فِي زَمَانِنَا هَذَا أَربَعَةُ أَبوَابٍ خَطِيرَةٍ يَتَسَلَّلُ مِنهَا إِلَى فَتَيَاتِ الحَلَقَاتِ، فَتَعَالَينَ نَفتَحْ عُيُونَ بَصَائِرِنَا عَلَيهَا لِنُغلِقَهَا فِي وَجهِهِ إِغلَاقًا لَا يَنفَتِحُ أَبَدًا: البَابُ الأَوَّلُ: فِتنَةُ المَوسِيقَى وَالأَغَانِي، وَكَيَفَ تَسرِقُ حَلَاوَةَ القُرآنِ مِنَ القَلبِ! يَا ابْنَةَ القُرآنِ: سَلِي نَفسَكِ بِصِدقٍ: كَيفَ تَجِدِينَ قَلبَكِ حِينَ تَجمَعِينَ بَينَ استِمَاعِ الآيَاتِ فِي الحَلْقَةِ، وَبَينَ استِمَاعِ المَعَازِفِ وَالأَغَانِي فِي الهَاتِفِ وَالمَقَاطِعِ؟ أَلَا تَشعُرِينَ حِينَئِذٍ بِثِقَلٍ فِي اللِّسَانِ عِندَ المُرَاجَعَةِ، وَتَفلُّتٍ لِلمَحفُوظِ، وَجَفَافٍ فِي العَينِ عِندَ الدُّعَاءِ، وَضِيقٍ خَفِيٍّ فِي الصَّدرِ لَا تَعرِفِينَ لَهُ سَبَبًا؟! إِنَّ القَلبَ يَا بُنَيَّتِي إِنَاءٌ وَاحِدٌ؛ وَقَد قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾؛ فَكَلَامُ الرَّحمَنِ طُهرٌ وَنُورٌ وَيَقِينٌ وَعِفَّةٌ، وَالغِنَاءُ وَالمَعَازِفُ رِقيَةُ الزِّنَى وَبَرِيدُ الهَوَى وَمَنبَتُ النِّفَاقِ، وَهُمَا ضِدَّانِ لَا يَجتَمِعَانِ فِي قَلبٍ وَاحِدٍ إِلَّا أَخرَجَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ! اسْمَعِي إِلَى مَا قَالَهُ رَبُّكِ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ لُقمَانَ مُحَذِّرًا مِن هَذَا الدَّاءِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وَقَد سُئِلَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ إِمَامُ القُرَّاءِ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا رَوَى الطَّبَرِيُّ وَالبَيهَقِيُّ وَابنُ أَبِي شَيبَةَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، فَأَقسَمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَائِلًا: «الغِنَاءُ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الغِنَاءُ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الغِنَاءُ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ»! وَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَلِمَتَهُ العَمِيقَةَ فِي تَشخِيصِ أَثَرِ الغِنَاءِ عَلَى الرُّوحِ: «الغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي القَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ المَاءُ البَقْلَ»! وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي عَامِرٍ أَو أَبِي مَالِكٍ الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ»! تَأَمَّلِي يَا أُختِي الحَبِيبَةَ: قَرَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المَعَازِفَ بِالزِّنَى وَالخَمرِ! لِمَاذَا؟ لِأَنَّ المَوسِيقَى وَالأَغَانِيَ العَاطِفِيَّةَ تَفعَلُ فِي الرُّوحِ مَا تَفعَلُهُ الخَمرُ فِي العَقلِ؛ تُسكِرُ المَشَاعِرَ، وَتُوقِظُ الأَوهَامَ، وَتُوهِمُ الفَتَاةَ بِأَنَّ السَّعَادَةَ فِي عِشقٍ مُحَرَّمٍ أَو نَظرَةٍ عَابِرَةٍ، فَتَزهَدُ فِي القُرآنِ وَتَستَثقِلُ الصَّلَاةَ! فَطَهِّرِي سَمعَكِ وَهَاتِفَكِ اليَومَ يَا حَامِلَةَ القُرآنِ مِن كُلِّ نَغمَةٍ مُحَرَّمَةٍ وَمَقطَعٍ مَشُوبٍ بِالمَعَازِفِ؛ لِيَصفُوَ لَكِ نُورُ الوَحيِ، وَتَذُوقِي فِي صَدرِكِ لَذَّةَ المُنَاجَاةِ الَّتِي لَا تَعدِلُهَا لَذَّةٌ فِي الدُّنيَا! أَمَّا البَابُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ يَا بَنَاتِي: فَهُوَ اللِّبَاسُ الشَّرعِيُّ وَالحَذَرُ مِن فِتنَةِ التَّبَرُّجِ وَتَقلِيدِ المَوضَاتِ الفَاضِحَةِ! اعلَمِي يَا بُنَيَّتِي أَنَّ حِجَابَكِ الشَّرعِيَّ الكَامِلَ لَيسَ قِطعَةَ قُمَاشٍ فَحَسبُ، وَلَا عَادَةً اجتِمَاعِيَّةً وَرِثتِهَا عَن أَهلِكِ؛ بَل هُوَ عِبَادَةٌ تَتَقَرَّبِينَ بِهَا إِلَى اللهِ، وَتَاجُ عِزَّةٍ وَوَقَارٍ وَضَعَهُ المَلِكُ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَى رَأسِكِ لِيَحمِيَكِ مِنَ الأَعيُنِ الخَائِنَةِ وَالنُّفُوسِ المَرِيضَةِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. انظُرِي إِلَى التَّعلِيلِ الرَّبَّانِيِّ الرَّحِيمِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾! فَاللبَاسُ السَّاتِرُ الفَضفَاضُ هُوَ إِعلَانٌ صَرِيحٌ بِلَا كَلَامٍ يَقُولُ لِكُلِّ مَن يَرَاكِ: «أَنَا أَمَةُ اللهِ، أَنَا حَامِلَةُ القُرآنِ، أَنَا دُرَّةٌ مَصُونَةٌ لَا أُعرَضُ فِي أَسْوَاقِ الفِتَنِ وَلَا أَطلُبُ إِعجَابَ العَابِرِينَ»! وَمِنَ المُؤلِمِ يَا بَنَاتِي أَن نَرَى بَعضَ الفَتَيَاتِ تَأتِي إِلَى حَلْقَةِ القُرآنِ بِعَبَاءَتِهَا السَّاتِرَةِ، فَإِذَا خَرَجَتْ إِلَى الجَامِعَةِ أَوِ السُّوقِ أَوِ المُنَاسَبَاتِ أَو صَفَحَاتِ التَّوَاصُلِ، تَسَاهَلَتْ فِي لِبَاسِهَا، فَلَبِسَتِ الضَّيِّقَ الَّذِي يَصِفُ تَفَاصِيلَ الجَسَدِ، أَوِ القَصِيرَ، أَوِ الشَّفَّافَ، أَو خَرَجَتْ بِزِينَةِ الوَجهِ وَالعِطرِ الفَوَّاحِ أَمَامَ الأَجَانِبِ، وَهِيَ تَحسَبُ أَنَّ مُجَرَّدَ وَضعِ غِطَاءٍ عَلَى الرَّأسِ يَكفِي لِتَحقِيقِ الحِجَابِ! اسْمَعْنَ يَا أَخَوَاتِي إِلَى هَذَا التَّحذِيرِ النَّبَوِيِّ الصَّرِيحِ فِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا»! قَالَ أَهلُ العِلمِ فِي تَفسِيرِ «كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ»: أَي تَلبَسُ ثِيَابًا لَكِنَّهَا فِي الحَقِيقَةِ عَارِيَةٌ؛ لِأَنَّ ثَوبَهَا ضَيِّقٌ يَصِفُ مَفَاتِنَهَا، أَو رَقِيقٌ يَشِفُّ عَمَّا تَحتَهُ، أَو قَصِيرٌ يَكشِفُ بَعضَ بَدَنِهَا! وَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الأَحزَابِ نَاهِيًا عَن كُلِّ صُوَرِ إِظهَارِ الزِّينَةِ لِلأَجَانِبِ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ»! تَأَمَّلْنَ يَا حَبِيبَاتِي كَيفَ استَجَابَتْ أُمَّهَاتُكُنَّ مِنَ الصَّحَابِيَّاتِ الطَّاهِرَاتِ لِأَمرِ اللهِ فِي اللَّحظَةِ الأُولَى دُونَ تَرَدُّدٍ وَلَا تَسْوِيفٍ! فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: «يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهِ»! لَم تَقُلْ وَاحِدَةٌ مِنهُنَّ: «سَأَنتَظِرُ حَتَّى أَشتَرِيَ ثَوبًا جَدِيدًا»، أَو «مَاذَا سَيَقُولُ النَّاسُ عَنِّي؟»، أَو «أَنَا مَا زِلتُ صَغِيرَةً»؛ بَل عَمَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي التَّوِّ وَاللَّحظَةِ إِلَى إِزَارِهَا الصَّفِيقِ فَشَقَّتْهُ وَاختَمَرَتْ بِهِ طَاعَةً للهِ وَرَسُولِهِ! وَهَذِهِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهلِ الجَنَّةِ فَاطِمَةُ الزَّهرَاءُ بِنتُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كَانَتْ تَحمِلُ هَمَّ السِّترِ وَالعَفَافِ حَتَّى بَعدَ مَوتِهَا؛ فَقَالَتْ لِأَسمَاءَ بِنتِ عُمَيسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي مَرَضِ وَفَاتِهَا: «يَا أَسمَاءُ، إِنِّي قَدِ استَقبَحتُ مَا يُصنَعُ بِالنِّسَاءِ، أَنَّهُ يُطرَحُ عَلَى المَرأَةِ الثَّوبُ فَيَصِفُهَا لِمَن رَآهَا!»، فَأَرَتْهَا أَسمَاءُ نَعشًا كَانَتْ رَأَتْهُ بِالحَبَشَةِ يُوضَعُ فَوقَهُ جَرِيدُ النَّخلِ ثُمَّ يُغَطَّى بِالثَّوبِ فَلَا يَصِفُ جَسَدَ المَيتَةِ، فَتَبَسَّمَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فَرَحًا بِسِترِ اللهِ لَهَا حَيَّةً وَمَيتَةً! فَاعتَزِّي يَا بُنَيَّتِي بِحِجَابِكِ الفَضفَاضِ السَّاتِرِ الذِي لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ وَلَا يَلْفِتُ الأَنظَارَ، وَاجعَلِيهِ شَاهِدًا لَكِ يَومَ القِيَامَةِ أَنَّكِ أَطَعتِ رَبَّكِ فِي زَمَنِ الغُربَةِ! أَمَّا البَابُ الرَّابِعُ وَالأَخطَرُ يَا بَنَاتِي: فَهُوَ كَلَامُ البَنَاتِ مَعَ الشَّبَابِ الأَجَانِبِ، وَالتَّسَاهُلُ فِي المُحَادَثَاتِ وَالضَّحِكِ وَالدَّردَشَاتِ فِي الوَاقِعِ أَو عَبرَ الهَوَاتِفِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ! أَصغِي إِلَيَّ بَقَلبِكِ يَا أُختِي الغَالِيَةَ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حِينَ خَاطَبَ أَطهَرَ نِسَاءِ الأَرضِ قُلُوبًا، وَأَزكَاهُنَّ نُفُوسًا، وَأَبعَدَهُنَّ عَنِ الرِّيبَةِ — وَهُنَّ أُمَّهَاتُ المُؤمِنِينَ أَزوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ — وَضَعَ لَهُنَّ قَانُونًا صَارِمًا فِي الكَلَامِ مَعَ الرِّجَالِ الأَجَانِبِ عِندَ الحَاجَةِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾! فَإِذَا كَانَ هَذَا الخطَابُ لِأُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ فِي عَصرِ النُّبُوَّةِ وَالصَّحَابَةِ الكِرَامِ، فَمَا بَالُكُنَّ بِنَحنُ فِي عَصرٍ كَثُرَتْ فِيهِ القُلُوبُ المَرِيضَةُ وَالذِّئَابُ المُتَرَبِّصَةُ؟! مَا هُوَ «الخُضُوعُ بِالقَولِ» الَّذِي نَهَى اللهُ عَنهُ؟ هُوَ تَرقِيقُ الصَّوتِ، وَتَلْيِينُ الكَلَامِ، وَالمُزَاحُ وَالضَّحِكُ، وَالاستِرسَالُ فِي الحَدِيثِ مَعَ الشَّابِّ الأَجنَبِيِّ فِيمَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ، أَو تَبَادُلُ الرَّسَائِلِ الخَاصَّةِ وَالرُّمُوزِ العَاطِفِيَّةِ وَالصُّوَرِ عَبرَ تَطبِيقَاتِ التَّوَاصُلِ! احذَرِي يَا بُنَيَّتِي خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ! فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَأتِي إِلَى فَتَاةٍ تَحفَظُ القُرآنَ فَيَقُولُ لَهَا مِن أَوَّلِ يَومٍ: «اقَعِي فِي الحَرَامِ»؛ كَلَّا، بَل يَأتِيهَا مِن بَابٍ يَبدُو بَرِيئًا: سُؤَالٌ عَن مُحَاضَرَةٍ دِرَاسِيَّةٍ، أَو تَعلِيقٌ عَلَى مَنشُورٍ دِينِيٍّ، أَو طَلَبُ نَصِيحَةٍ، أَو «أُخُوَّةٌ فِي اللهِ» زَائِفَةٌ عَبرَ الرَّسَائِلِ الخَاصَّةِ؛ ثُمَّ يَنتَقِلُ الحَدِيثُ مِنَ العَامِّ إِلَى الخَاصِّ، وَمِنَ الجِدِّ إِلَى المِزَاحِ، وَمِنَ الكِتَابَةِ إِلَى الصَّوتِ وَالصُّورَةِ، حَتَّى يَتَعَلَّقَ القَلبُ، وَيَنكَسِرَ الحَيَاءُ، وَتَفقِدَ الفَتَاةُ طُمَأنِينَتَهَا وَقُرآنَهَا وَرُبَّمَا سُمعَتَهَا وَشَرَفَهَا، ثُمَّ يَتَخَلَّى عَنهَا ذَلِكَ الشَّابُّ وَيَترُكُهَا تَبكِي دَمًا بَعدَ فَوَاتِ الأَوَانِ! انظُرِي يَا بُنَيَّتِي إِلَى النَّمُوذَجِ القُرآنِيِّ الرَّاقِي لِلفَتَاةِ العَفِيفَةِ حِينَ اضطُرَّتْ إِلَى مُخَاطَبَةِ رَجُلٍ أَجنَبِيٍّ — وَهُوَ كَلِيمُ اللهِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ — كَمَا صَوَّرَهُ اللهُ فِي سُورَةِ القَصَصِ: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾! تَأَمَّلِي جَمَالَ هَذِهِ الآيَةِ: أَوَّلًا: فِي مِشيَتِهَا: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾؛ قَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا رَوَى ابنُ أَبِي شَيبَةَ وَالطَّبَرِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: «جَاءَتْ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ، قَائِلَةً بِثَوْبِهَا عَلَى وَجْهِهَا، لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّسَاءِ، خَرَّاجَةٍ وَلَّاجَةٍ»! وَثَانِيًا: فِي كَلَامِهَا: نَطَقَتْ بِجُملَةٍ وَاحِدَةٍ مُختَصَرَةٍ جَادَّةٍ بِلَا مُقَدِّمَاتٍ وَلَا تَبَسُّطٍ، وَصَدَّرَتْ كَلَامَهَا بِذِكرِ أَبِيهَا لِتَقطَعَ أَيَّ طَمَعٍ: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾! هَكَذَا تَكُونُ ابْنَةُ القُرآنِ؛ حَيِيَّةً فِي مِشيَتِهَا، حَازِمَةً فِي كَلِمَتِهَا، عَزِيزَةً بِنَفسِهَا، لَا تَسمَحُ لِأَيِّ شَابٍّ أَجنَبِيٍّ أَن يَقتَحِمَ خُصُوصِيَّتَهَا أَو يَعبَثَ بِمَشَاعِرِهَا؛ بَل تَحفَظُ قَلبَهَا نَقِيًّا طَاهِرًا حَتَّى يَأتِيَهَا الحَلَالُ الطَّيِّبُ مِن بَابِ بَيتِ أَبِيهَا مُعَزَّزَةً مُكَرَّمَةً! بَنَاتِي الحَبِيبَاتِ فِي حَلْقَةِ القُرآنِ: لَا نُرِيدُ أَن نَقُومَ مِن مَجلِسِنَا هَذَا إِلَّا بِعَهدٍ عَمَلِيٍّ صَادِقٍ مَعَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، نُجَدِّدُ فِيهِ تَوبَتَنَا وَاعتِزَازَنَا بِكِتَابِ رَبِّنَا عَبرَ خَمسِ خُطُوَاتٍ تَبدَأُ مِن هَذِهِ اللَّيلَةِ: الخُطوَةُ الأُولَى: تَطهِيرُ الهَاتِفِ وَالسَّمعِ؛ احذِفِي الليلَةَ كُلَّ أُغنِيَةٍ وَمَقطَعٍ مَوسِيقِيٍّ مِن هَاتِفِكِ طَاعَةً للهِ، وَقُولِي: «يَا رَبِّ، تَرَكتُهَا مِن أَجلِكَ وَمِن أَجلِ قُرآنِكَ»، وَأَبشِرِي بِقَولِ نَبِيِّكِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا عِندَ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: «إِنَّكِ لَنْ تَدَعِي شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَعْطَاكِ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ»! الخُطوَةُ الثَّانِيَةُ: مُرَاجَعَةُ خِزَانَةِ المَلَابِسِ؛ اعرِضِي ثِيَابَ خُرُوجِكِ عَلَى مِيزَانِ الشَّرعِ: هَل هَذَا اللبَاسُ فَضفَاضٌ سَاتِرٌ خَالٍ مِنَ الزِّينَةِ وَالعِطرِ يُرضِي اللهَ وَرَسُولَهُ؟ وَمَا كَانَ فِيهِ تَبرُّجٌ أَو ضِيقٌ فَهجُرِيهِ فَورًا لِوَجهِ اللهِ! الخُطوَةُ الثَّالِثَةُ: إِغلَاقُ نَوَافِذِ الِاختِلَاطِ وَالدَّردَشَةِ مَعَ الشَّبَابِ؛ اقطَعِي كُلَّ تَوَاصُلٍ غَيرِ ضَرُورِيٍّ مَعَ أَيِّ شَابٍّ أَجنَبِيٍّ فِي الدِّرَاسَةِ أَو مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ، وَلَا تَنشُرِي صُوَرَكِ أَو صَوتَكِ بِتَغَنُّجٍ عَلَى الشَّبَكَاتِ، وَتَذَكَّرِي أَنَّكِ دُرَّةٌ غَالِيَةٌ لَا تُنَالُ بِالرَّخِيصِ. الخُطوَةُ الرَّابِعَةُ: التَّمسُّكُ بِالصُّحبَةِ الصَّالِحَةِ فِي حَلْقَةِ القُرآنِ؛ فَالصَّاحِبَةُ سَاحِبَةٌ، فَالزَمِي الأَخَوَاتِ العَفِيفَاتِ اللوَاتِي يُذَكِّرنَكِ بِاللهِ إِذَا نَسِيتِ، وَيُعِنَّكِ إِذَا ذَكَرتِ. الخُطوَةُ الخَامِسَةُ: صَلَاةُ رَكعَتَينِ فِي جَوفِ اللَّيلِ تَسأَلِينَ اللهَ فِيهِمَا الثَّبَاتَ وَالعِفَّةَ وَحُبَّ القُرآنِ. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ: صُونِي جَمَالَكِ بِالحَيَاءِ فَإِنَّمَا ... شَرَفُ الفَتَاةِ عَفَافُهَا وَحِجَابُهَا اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، احفَظْ بَنَاتِنَا وَأَخَوَاتِنَا فِي حَلَقَاتِ القُرآنِ بِحِفظِكَ التَّامِّ، وَاكلَأْهُنَّ بِعَينِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ. اللَّهُمَّ اجعَلِ القُرآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِهِنَّ، وَنُورَ صُدُورِهِنَّ، وَجَلَاءَ أَحزَانِهِنَّ، وَذَهَابَ هُمُومِهِنَّ، وَحِصنًا لَهُنَّ مِن مُضِلَّاتِ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيهِنَّ الإِيمَانَ وَالعَفَافَ وَالحَيَاءَ وَالسِّترَ وَالحِجَابَ، وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِهِنَّ، وَكَرِّهْ إِلَيهِنَّ المَعَازِفَ وَالتَّبَرُّجَ وَالسُّفُورَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ، وَاجعَلهُنَّ مِنَ الرَّاشِدَاتِ القَانِتَاتِ الحَافِظَاتِ لِلغَيبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ. اللَّهُمَّ ارزُقهُنَّ الثَّبَاتَ عَلَى دِينِكَ، وَبَوِّئْهُنَّ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى مَنَازِلَ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ وَمَريَمَ وَآسِيَةَ، وَقرَّ بِهِنَّ أَعيُنَ وَالِدِيهِنَّ وَأُمَّتِهِنَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَزوَاجِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُنَّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.