من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

كيف نعلم أبناءنا ثقافة الامتنان والشكر؟

مشاركة
🕌 صِناعَةُ الامتِنان... كَيفَ نُرَبِّي أبناءَنا على الشُّكر؟ #خطبة_جمعة #تربية_الأبناء #الشكر #الامتنان #الأسرة #أخلاق #التربية الحمدُ للهِ الذي أسبَغَ علينا نِعَمَهُ ظاهِرةً وباطِنة، الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الشُّكرَ قَيداً للنِّعَمِ المَوجودةِ، وصَيَّاداً للنِّعَمِ المَفقودَة، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُعطي ليَبتَلي، ويَمنَعُ ليَختَبِر، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الشَّاكِرينَ، وسَيِّدُ الحامِدين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخيَّلوا معي بيتاً يَمْتَلِئُ بكلِّ أسبابِ الرَّفاهية، غُرَفٌ مُكَدَّسَةٌ بالألعاب، وثلاجاتٌ مَلأى بأصنافِ الطَّعام، وشاشاتٌ تَعرِضُ كُلَّ مُتعة... ومع ذلك، لا تَسمعُ في هذا البيتِ إلا التَّذَمُّرَ، والشَّكوى، والضَّجَر، والمطالبة بالمزيد. ما الذي يَجعلُ جيلاً يَملِكُ اليومَ أكثرَ مِمَّا مَلَكَ أجدادُه مُجتَمعين، يَشعُرُ بتَعاسَةٍ وفَراغٍ أكبر؟ السِّرُّ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ غابَت عَن قاموسِ التَّربية المعاصرة... سَنَعرِفُها اليومَ، وسَنَعرِفُ كَيفَ نَزرَعُها في قُلوبِ أبنائِنا، قبل أن نَفقِدَهُم في دَوَّامةِ الجُحود. أيها الإخوةُ الأباء، أيتها الأمهات، معاشر المربين: نحن نَعيشُ اليوم في ما يُسَمِّيه عُلماءُ الاجتماع "عَصرَ الوَفرة". كُلُّ شيءٍ مُتاح، وكُلُّ شيءٍ سَريع، وكُلُّ رَغبَةٍ مُلَبَّاةٌ بضَغطَةِ زِر. وفي زَحْمَةِ هذه الوَفرة الماديَّة المُفرِطة، نَشَأَ جيلٌ يُعاني من مَرَضٍ خَطيرٍ يُسَمَّى "ثَقافَةَ الاستِحقاق". ومرضُ الاستحقاقِ هذا يَعني: أن يَظُنَّ الابنُ أو البنتُ أنَّ كُلَّ ما يُقَدَّمُ له من طَعامٍ، ولِباسٍ، ومَسكَنٍ، وهاتِفٍ، ورِحلاتٍ... هو "حَقٌّ مُكتَسَبٌ" لا يَحتاجُ إلى شُكر، وأنَّ الوَالِدَينِ "مُجبَرانِ" على تَوفيرِه، وأنَّ غيابَ أيِّ جُزءٍ من هذه الكَماليَّات هو ظُلمٌ وانتِقاصٌ لِحُقوقِه! هنا، في هذه اللَّحظة الحرجة من تاريخ الأسرة، يَبرُزُ الدَّورُ الأعظَمُ للتربية الإيمانية: غَرْسُ شَجَرَةِ "الامتِنانِ والشُّكر" في قُلوبِ الصِّغار. يقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى في مُحكَمِ التَّنزيل، واصفاً طبيعةَ الإنسانِ إذا نَسِيَ الشُّكر: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة إبراهيم: 34]. تأمَّلوا هذه الآيةَ العظيمة! لَم يَقُل "كافر" بل قال ﴿كَفَّارٌ﴾ بصيغةِ المُبالَغة. أي شَديدُ الجُحودِ والنِّسيانِ لنِعَمِ الله. إنَّ الطِّفلَ الذي لا نُعَلِّمُه الشُّكر، يَكبَرُ ليَكونَ "ظَلوماً كَفَّاراً" للنعمة؛ يَستَيقِظُ صَباحاً فلا يَرى نِعمَةَ البَصَر، ولا يَرى نِعمَةَ السَّقفِ الذي يُؤويه، ولا يَرى نِعمَةَ الطَّعامِ السَّاخِن، بَل تَقعُ عَينُهُ مُباشَرَةً على "ما يَنقُصُه"، فيَبدأُ يَومَهُ ساخِطاً! كيف إذن نُعَلِّمُ أبناءنا ثقافة الشكر والامتنان؟ الخطوةُ الأولى، والأهم، والتي لا يُمكِنُ أن يَقومَ البناءُ إلا عليها: هي رَبطُ النِّعمةِ بالمُنعِم سُبحانَه. الأبناءُ يَرَوْنَ النِّعمَةَ في يَدِ الأب، أو في يَدِ الأم، فَيَظُنُّونَ أنَّ الأبَ هو الرَّزَّاق! وهذه مُصيبةٌ عَقديَّةٌ قَبلَ أن تَكونَ خَلَلًا تِربَويّاً. إنَّ واجِبَنا أن نَنقُلَ أنظارَهُم مِن "يَدِ المُعطي" إلى "رَبِّ المُعطي". واسمعوا لهذه الآية التي إذا تأملتموها حق التأمل، عرَفْتُم كَيفَ تَبدأ التَّربية. يقولُ ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [سورة النحل: 53]. يَجِبُ أن نُعَلِّمَ الطِّفلَ مُنذُ نُعومَةِ أظفارِه: يا بُنَيّ، هذا الطَّعامُ الذي نَأكُلُه، ليسَ بذكاءِ أبيك، ولا بشَطارَةِ أُمِّك... هو رِزقٌ ساقَهُ اللهُ إلينا. اللُّعبَةُ التي بَينَ يَديك، هي مِن فَضلِ الله. ثَوبُ العيد، هو مِن كَرَمِ الله. قال الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "الشُّكرُ مَبنيٌّ على خَمسِ قواعِد: خُضوعُ الشَّاكِرِ للمَشكور، وحُبُّهُ له، واعتِرافُهُ بنِعمَتِه، وثَناؤُهُ عليه بِها، وأن لا يَستَعمِلَها فيما يَكرَه". هل نُعَلِّمُ أبناءَنا هذه القواعِدَ الخَمس؟ هل نُعَلِّمُهُم أن يَقُولوا "الحمدُ لله" مِن قُلوبِهِم، لا مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ مَيِّتَةٍ تَلوكَها الألسِنَةُ كالعادَة؟ ولقد بَيَّنَ لنا رسولُ اللهِ ﷺ كيفَ يُفرِحُ هذا الشُّكرُ ربَّ العالَمين. يقول النبي ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» (رواه مسلم). علِّموا أبناءكم أنَّ الله عظيم، غنيٌّ عن العالمين، ومع ذلك... يرضى ويفرح بكلمة "الحمد لله" تَخرُجُ من فم طفلٍ صغير بعد أن يَشرب كأس ماء! أيُّ دينٍ عظيمٍ هذا؟ وأيُّ أجرٍ نَحرِمُ أبناءنا منه حين نَترُكُهُم يأكلون ويَشربون كما تَأكُلُ الأنعام بلا بَسمَلَةٍ ولا حَمد؟ الخطوةُ الثَّانيةُ في صِناعَةِ الامتِنان: الحِرمانُ التَّربَويُّ المَدروس. يا عباد الله، هل سألتَ نفسك يوماً: لماذا يُطغي المالُ والدَّلالُ كثيراً من الأبناء؟ لأنَّ الشَّيءَ إذا كَثُرَ ومَلأَ الأيدي، سَقَطَت قيمَتُه مِن القُلوب. بعضُ الآباءِ — بدافع العاطفةِ غيرِ المُنضَبِطَة — يُلَبِّي لابنِهِ كُلَّ طَلَبٍ قَبلَ أن يَرتَدَّ إليه طَرفُه! لا يَكادُ الطِّفلُ يَشتهي اللُّعبَةَ حتى تَكونَ بَينَ يَديه. لا يَكادُ يَطلُبُ الطَّعامَ حتى يُوضَعَ أمامه. كيفَ سيَعرِفُ هذا الطِّفلُ قيمَةَ النِّعمةِ إذا لَم يَذُق طَعمَ فِقدانِها يَوماً؟ وكيف سيَشكُرُ إن كانَ كُلُّ شيءٍ مُتاحاً بلا جُهد؟ تأملوا هذا المعنى جيداً. يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [سورة الشورى: 27]. سبحان الله! الباري جل جلاله، قادِرٌ على أن يَجعَلَنا كُلَّنا مُلوكاً، قادِرٌ على أن يُمطِرَنا بالذَّهَب... لكنَّه يَقول ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ... لَبَغَوْا﴾. البَغيُ هو الطُّغيان! الوَفرَةُ المُطلَقَةُ تُفسِدُ الفِطرَة. وكذلك المُربِّي؛ يَجِبُ أن "يُنَزِّلَ بِقَدَر". لا تُعطِ ابنَكَ كُلَّ ما يَطلُب، حتَّى لَو كُنتَ تَملِكُ ثَمَنَه. دَعهُ يَنتَظِر. دَعهُ يَشتَهي ويُؤَجِّل. دَعهُ يَجمَعُ مِن مَصروفِهِ ليَشتري ما يُريد. هذا "الجوعُ المُؤَقَّت" هو الذي يَجعَلُ للشَّبَعِ لَذَّة، وهذا الحِرمانُ المَدروسُ هو الذي يَجعَلُ للعَطاءِ قيمَة! رأى أميرُ المؤمنين عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه، جابرَ بنَ عبدِ الله يحمل لحماً، فقال: ما هذا يا جابر؟ قال جابر: اشتهيتُ لحماً فاشتريتُه. فقال له عمر كلمته الخالدة التي يجب أن تُنقش في كل بيت: «أَوَكُلَّمَا اشْتَهَيْتَ اشْتَرَيْتَ يا جابر؟!». كلمةٌ تَقُضُّ مَضاجِعَ الاستهلاكيَّةِ الحَديثة! أَوَكُلَّمَا اشْتَهَيْتَ اشْتَرَيْتَ؟ أين ضَبطُ النَّفس؟ أين صيامُ الرَّغبات؟ أين الشُّعورُ بالنِّعمَة؟ الخطوةُ الثالثة يا أهل الإسلام: القُدوةُ المُمتَنَّة... لا تُعَلِّم ابنَكَ الشُّكرَ وأنتَ ساخِط! كيف يُعقل أن تطلُب من ابنك أن يكون شاكراً، وهو لا يَسمعك أنت وزوجتك في البيت إلا تتذمران؟ تَتذمَّر من غلاءِ الأسعار، وتتذمَّر من رئيسِك في العمل، وتتذمَّر من زحمةِ الطَّريق، وتتذمَّر من حرارةِ الجو! الابنُ كاميرا تُسَجِّل. إذا كان الأبوان لا تلهج ألسنتهما بحمد الله على ما هما فيه من العافية والستر، فكيف سيخرجُ الطِّفلُ حامداً؟ اسمعوا لهذه القصة العظيمة، التي تهز الوجدان، وترسم لنا كيف كان المربي الأعظم ﷺ يعلّم أصحابه الامتنان في أشد لحظات الحرمان. يَخرُجُ النبيُّ ﷺ ذاتَ يومٍ، في ساعةٍ شديدةِ الحرّ، فإذا هو بأبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما! فيقول لهما: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوعُ يا رسول الله! (تأملوا... سادةُ البشر بعد الأنبياء يُخرجهم الجوع من بيوتهم!). فقال ﷺ: وأنا، والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما. فانطلقوا إلى بستانِ رَجُلٍ من الأنصار (أبو الهيثم بن التيهان)، ففرِح بهم، وجاءهم بعذقٍ فيه رُطَبٌ وتَمْرٌ وبُسْر، ثم ذبح لهم شاة، فأكلوا وشربوا من ماءٍ بارد. هنا، في لحظةِ الشَّبَعِ بعد الجوع، ماذا ظنكم سيقول النبي ﷺ؟ هل سينسى النعمة؟ بكى رسول الله ﷺ، ونظر إلى أبي بكر وعمر وقال: «والذي نفسي بيدهِ لَتُسألُنَّ عن هذا النعيمِ يومَ القيامة؛ أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم!» (رواه مسلم). ثم نزلت الآية المهيبة: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [سورة التكاثر: 8]. الله أكبر! تمرٌ وماءٌ باردٌ بعد جوعٍ شديد، يُعتَبَرُ نعيماً يُسألُ عنه الإنسان؟ فما بالُ أبنائنا يقلبون وجوههم اليوم أمام موائد فيها أصناف اللحوم والحلوى والفواكه، ويقولون بملء أفواههم: "ليس عندنا شيء نأكله"؟! أين نحن من هذه التربية المحمدية؟ لقد كان النبي ﷺ يربط قلوب أصحابه بتقدير أقل النعم، لأن من لم يشكر القليل، فلن يشكر الكثير. أيها المؤمنون: إن الخطوة الرابعة في صناعة الامتنان، هي تطبيق وصية نبوية ذهبية، تضبط بوصلة الطفل تجاه النعم. اسمعوا لهذا الحديث العظيم، يقول رسول الله ﷺ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» (متفق عليه). هذا هو العلاجُ النبويُّ الفَعَّال لاكتئاب جيلِ اليوم. أبناؤنا — بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (السوشال ميديا) — لا ينظرون إلا إلى من هو فوقهم. يفتح الشاب هاتفه، فيرى المؤثرين يعيشون حياة رفاهية مصطنعة، ويسافرون لأجمل البقاع، ويركبون أحدث السيارات، ويلبسون أغلى الماركات. فينظر الشاب إلى حياته، وإلى غرفته، وإلى سيارة أبيه البسيطة... فيحتقر نعمة الله عليه! لقد صدق الله حين حذرنا من هذا الفخ البصري المهلك: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [سورة طه: 131]. كيف نُطَبِّقُ هذا الحديث مع أبنائنا؟ خُذ ابنَك معك لزيارة مريضٍ يتألم في مستشفى. خُذه ليرى يتيماً فقد حضن أبيه. خُذه ليرى من يسكن في خيمةٍ أو بيتٍ متهالك. اجعله يرى بعينيه من هم "أسفل منه" في أمور الدنيا، ليعرف أنه غارقٌ في نعمٍ يتمناها ملايين البشر. الطفل الذي لا يرى إلا الغِنى، سيَظُنُّ أنَّ الفَقر خُرافَة. والطفل الذي لا يَرى المُعاناة، سيَنهارُ أمام أوَّل تحدٍّ في حياته! تأملوا وتفكروا يا عباد الله... الطفل الذي لا يشكر والديه على لقمة، لن يشكر الله على حياة. وإن النعمة التي لا تُشكر، هي نقمةٌ في طيّاتِها تُستَتَر. كم من نعمةٍ سُلبت من بيوتٍ لأن أهلها استهانوها وأَلِفوها فلم يشكروها؟ ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم: 7]. فكل لحظة تمر وأنت غافل عن تدريب أسرتك على الشكر، هي لحظة تُعرّض فيها نعمك للزوال. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ لله حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن أزمة الاستحقاق وغياب الامتنان في جيل اليوم، ووقفنا مع الهدي القرآني والنبوي في ربط النعم بالمنعم سبحانه، وتدبرنا أهمية "الحرمان التربوي" المعتدل ليذوق الأبناء طعم النعمة، وختمنا بضرورة النظر إلى من هم أسفل منا لنعرف قدر ما نحن فيه. والآن، نحن أمام السؤال الأهم: كيف نترجم هذا كله إلى واقع عملي نطبقه في بيوتنا اليوم؟ أوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري، خذوها وطبقوها مع أبنائكم وبناتكم: الأولى (قَلبيَّة): اربِط قلب ابنك بالرازق قبل الرازقين. إذا أحضرت له هدية أو لعبة، قل له: "لقد رزقك الله هذه اللعبة، وأنا كنت السبب، فاحمد الله الذي رزقك". علمه أن الله هو المعطي الحقيقي، ليظل قلبه معلقاً بربه لا بالبشر. الثانية (لِسانيَّة): اجعل في بيتك "جلسة امتنان يومية" قصيرة. قبل النوم، أو على مائدة الطعام، اسأل أبناءك سؤالاً واحداً: "ما هي أجمل ثلاث نعم أعطاها الله لكم اليوم؟". عوّد ألسنتهم على البحث عن الإيجابيات في يومهم وقول "الحمد لله" عليها، ستجد أن نظرتهم للحياة قد تغيرت تماماً. الثالثة (عَمَليَّة): دَرِّبهم على الصدقة من أشيائهم التي يحبونها. لا تتصدق عنهم بمالك فقط، بل اجعل ابنك يخرج من ملابسه الجيدة، ومن ألعابه، ومن مصروفه الخاص ليعطي فقيراً. من ذاق ألم التخلي عن شيء يحبه لله، عرف قيمة ما أبقاه الله في يده. ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [سورة آل عمران: 92]. الرابعة (اجتماعيَّة): علّمهم شكر الناس وتقدير المعروف. من يصنع لهم معروفاً، سواء أكانت عاملة المنزل، أو سائق المدرسة، أو البائع المتبسم، أو المعلم، وقبل ذلك الأم التي طبخت، والأب الذي تعب. قال النبي ﷺ: «لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ» (رواه أبو داود). الطفل العاقّ للمجتمع، لا يكون طائعاً لله. الخامسة (موضوعيَّة): طبّق سياسة "ليس الآن". قاوم رغبتك العاطفية في تلبية كل طلباتهم فوراً. دعه يجرب الانتظار. إذا طلب شيئاً كمالياً، قل له: "سندخره للشهر القادم"، أو "اجمع نصف مبلغه من مصروفك وأنا أكمل الباقي". الانتظار يربي فيهم قوة الإرادة والصبر وتقدير النعمة عند وصولها. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على أداء الأمانة في تربية هذه الذرية، التي ستكون إما صدقة جارية لكم، أو حسرة عليكم يوم القيامة. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. اللهم اجعلنا وأبناءنا من الشاكرين لنعمك، الذاكرين لفضلك، المطيعين لأمرك. اللهم ارزقنا ذرية صالحة تعرف قدر نعمائك، ولا تستعمل نعمك في معصيتك. اللهم أعنا على تربية أبنائنا وبناتنا، وألهمنا الرشد والحكمة في توجيههم، واجعلهم قرة عين لنا في الدنيا والآخرة. اللهم قِنا وقِ أبناءنا شر فتن الدنيا وما ظهر منها وما بطن، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا. اللهم احفظ بيوت المسلمين، واملأها بالرضا والقناعة والسكينة. اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، وارفع الظلم عن المظلومين والمستضعفين في كل بقعة من بقاع الأرض يا أرحم الراحمين. يا من تسمعني الآن، والله إن الفرصة لا تزال قائمة لإصلاح بيوتنا وأبنائنا، فلا تضيّعوا أماناتكم، وابدؤوا اليوم قبل الغد بخطوة واحدة تصنعون بها جيلاً يعرف الله ويشكره. فمن أراد الجنة فليتجهّز، فإنها بضاعة لا تُنال إلا بالسعي الصادق والأمانة المحفوظة. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.