🕌 تربية الطفل على الصدق: لا تعاقبه لأنه اعترف
#خطبة_جمعة #التربية #الصدق #الأسرة #تربية_الأبناء #الأمومة_والأبوة #أخلاق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الصِّدقَ طُمأنينةً ونجاةً، والكَذِبَ رِيبَةً ومَهلَكة، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، استَودَعَنا الأبناءَ أمانةً في الأعناق، وأمَرَنا أن نَكونَ لهم قُدوةً في الأخلاق، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، الصَّادقُ الأمين، أرحَمُ النَّاسِ بالنَّاس، وأرفَقُ المُعَلِّمينَ بالمُتَعَلِّمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخيَّلوا معي مَشهداً يَتكرَّرُ في بُيوتنا كثيراً: طفلٌ صغيرٌ كَسَرَ تُحفةً غالية، أو أضاعَ مَبلغاً من المال، أو رَسَبَ في امتحان. يَقِفُ أمامَ والده، يَداهُ تَرتجفان، وعيناهُ تَفيضانِ بالدَّمعِ والخَوف. يَسألُهُ الأبُ بصوتٍ غاضِب: "هل أنتَ مَن فَعَل هذا؟". في هذه الثَّواني القليلة، يَدورُ في عَقلِ الطِّفلِ صِراعٌ مَريرٌ: هل أقولُ الصِّدقَ وأُواجهُ العاصفة؟ أم أقولُ كِذبةً صَغيرةً وأَنجو بجلدي؟
هذه الثَّواني... هي الَّتي تَصنَعُ شَخصيَّةَ ابنكَ إلى الأبد. فماذا يَحدُثُ لو نَطَقَ بالصِّدق؟
عبادَ الله، يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
تأمَّلوا النِّداء.. لم يَقُل: "اصدُقوا" فحسب، بل قال: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. أيِ اصنَعوا بيئةً من الصِّدق، وحوطوا أنفُسَكم بالصِّدق، واجعَلوا بُيوتَكم مَحاضِنَ لا يَعيشُ فيها إلَّا الصِّدق.
إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قَد خَلَقَ أبناءَنا على فِطرةٍ نَقيَّةٍ طاهرة. يقولُ نبيُّنا ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (متفق عليه). والصدقُ من صَميمِ هذه الفِطرة. الطِّفلُ يُولَدُ صادقاً، لا يَعرِفُ المُوارَبة ولا الخِداع.. نحنُ — الآباء والأمهات — مَن نُعَلِّمُه الكَذب! نعم، نحنُ مَن نُعَلِّمُه الكَذب، ليسَ بالتَّلقينِ المباشِر، بل بِسُوءِ رَدَّةِ الفِعل.
ولنتأمَّل معاً في تلك اللَّحظةِ الحاسمة؛ حين يَقِفُ ابنُكَ مُعتَرِفاً بخطئه. يَجمعُ شَجاعتَهُ، ويَنتصِرُ على شَيطانِه، ويَقول: "نعم يا أبي، أنا مَن أخطأ.. أنا مَن فَعَلَها". هنا، في هذه اللَّحظةِ بالذَّات، ماذا تَفعَلُ أنت؟
كثيرٌ من الآباءِ والأمَّهاتِ يَنفَجِرونَ غَضباً، ويُنزلونَ بالعِقابِ الصَّارِمِ على هذا الطِّفل، ضَرباً أو شَتْماً أو حِرماناً.
أيها الأبُ الكريم، أيتُها الأمُّ الفاضِلة.. هل تَعلَمونَ ماذا فَعَلتُم في هذه اللَّحظة؟
لقد قُمتُم بإيصالِ أقوى رِسالةٍ عَمَليَّةٍ لعَقلِ هذا الطِّفل: "الاعترافُ بالخَطأ كارثة.. الصِّدقُ يَجلِبُ لكَ الألم.. إيَّاكَ أن تَقولَ الحقيقةَ مَرَّةً أخرى!".
في المرَّةِ القادمةِ الَّتي سَيُخطئُ فيها هذا الطِّفل، سَيَكذِب. سَيَختَلِقُ ألفَ قِصَّة. سَيَتَّهِمُ إخوتَه أو أصدقاءَه. لماذا؟ لأنَّهُ غَريزيّاً يَبحثُ عن النَّجاة. غَريزةُ البَقاءِ عِندَهُ رَبَطَت بين الصِّدقِ وبينَ العِقابِ المُهين.
قال أميرُ المُؤمنين عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه: "لَأَنْ يَضَعَني الصِّدقُ -وقَلَّما يَضَع- أحَبُّ إلَيَّ من أن يَرفَعَني الكَذِبُ". لكنَّنا — بِسُوءِ تَصرُّفِنا — نُقنِعُ أبناءَنا أنَّ الكَذبَ هو الَّذي يَرفَعُهم ويُنجيهِم من سَطوَتِنا!
يا أمَّةَ مُحمَّدٍ ﷺ، إنَّ الصِّدقَ ليسَ مُجَرَّدَ فَضيلةٍ نُزَيِّنُ بها مَجالِسَنا، بَل هو أساسُ الدِّين ومِفتاحُ النَّجاةِ في الدُّنيا والآخِرة.
واسمَعوا لهذا الحديثِ العظيم، الَّذي رَسَمَ فيهِ النَّبيُّ ﷺ خَريطَةَ المَآلات. يقولُ الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» (متفق عليه).
دَعوني أسألُكُم: أين نَحنُ من هذا الحديثِ في تَربيةِ أبنائنا؟
الطِّفلُ الَّذي يُعاقَبُ بشدَّةٍ لأنَّهُ اعتَرَف، سَيَسلُكُ طَريقَ الكَذِب. والكَذبُ — كَما أخبَرَ النَّبيُّ ﷺ — لا يَقِفُ عندَ حُدودِ الكَلِمة، بَل يَهدي إلى "الفُجور". الفُجورُ في السُّلوك، والفُجورُ في التَّعامل، والانحرافُ الأخلاقيُّ الكامِل، كُلُّهُ يَبدأُ بِكِذبةٍ صَغيرةٍ قالَها طِفلٌ خائفٌ مِن غَضَبِ أبيه!
وقَد ذَكَرَ الإمامُ ابنُ القَيِّم رحمهُ اللهُ مَعنىً عَظيماً في كِتابهِ (تُحفة المودود)، حينَ قال: "وَكَمْ مِمَّنْ أَشْقَى وَلَدَهُ وَفِلْذَةَ كَبِدِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِإِهْمَالِهِ، وَتَرْكِ تَأْدِيبِهِ، وَإِعَانَتِهِ عَلَى شَهَوَاتِهِ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يُكْرِمُهُ وَقَدْ أَهَانَهُ، وَيَرْحَمُهُ وَقَدْ ظَلَمَهُ". ونَقولُ: وكَم مِمَّن أفسَدَ صِدقَ وَلَدِه بِقَسوَتِهِ عِندَ اعتِرافِه، فَظَنَّ أنَّهُ يُؤَدِّبُه، وهُوَ في الحَقيقَةِ قَد دَرَّبَهُ عَلى النِّفاق!
عبادَ الله، هل سألتُم أنفُسَكم يوماً: كيفَ كانَ المُرَبِّي الأوَّلُ ﷺ يَتَعامَلُ مَعَ الأبناءِ والخدمِ والصِّغارِ حينَ يُخطئون؟
يُحَدِّثُنا أنسُ بنُ مالِكٍ رضيَ اللهُ عنه، وهو الَّذي خَدَمَ النَّبيَّ ﷺ طِفلاً وشاباً لِمُدَّةِ عَشرِ سَنوات.. عَشرُ سَنواتٍ من التَّعايُشِ اليوميِّ في مَرحَلَةِ الطُّفولَةِ واللَّعِبِ والخطأ. ماذا يَقول؟
يقول أنَس: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا؟» (متفق عليه).
تأمَّلوا! لم يُعاتِبهُ حتَّى بِكَلِمة "لِمَ فَعَلْتَ؟". هذا لا يَعني إقرارَ الخَطأ، بَل يَعني إيجادَ بيئَةٍ آمِنَةٍ تَجعَلُ أنساً لا يَخافُ من النَّبيِّ ﷺ، ولا يَحتاجُ إلى أن يَكذِبَ لِيَبرِّرَ مَوقِفَه.
وفي مَوقِفٍ آخَرَ، يَبعَثُ النَّبيُّ ﷺ أنساً الصَّغيرَ في حاجَة. فَيَخرُجُ أنَس، وتَغلِبُهُ طُفولَتُه، فَيَمُرُّ بِصِبيانٍ يَلعَبونَ في السُّوق، فَيَقِفُ يَلعَبُ مَعَهُم ويَنسى أمْرَ رَسولِ الله!
وبعدَ مُدَّة، يَشعُرُ أنسٌ بِيَدٍ تَقبِضُ على قَفاهُ من الخَلف. يَلتَفِتُ مَذعوراً، فَيَرى النَّبيَّ ﷺ.. ماذا تَتَوقَّعونَ رَدَّةَ الفِعل؟ هل صَرَخَ فيه؟ هل اتَّهَمَهُ بالتَّقصير؟
يَقولُ أنس: "فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: يَا أُنَيْسُ، أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟ قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ".
ضِحكَةٌ حانيَة، ومُعاتَبَةٌ رَقيقَةٌ باسمِ التَّصغير (يَا أُنَيْس).. صَنَعَت من هذا الطِّفلِ جَبَلاً من جِبالِ الأمَّة، وراوِياً لِسُنَّةِ نَبيِّها، لأنَّهُ تَرَبَّى في مَدرَسَةِ الأمان، لا مَدرَسَةِ الرُّعب.
أيها الإخوةُ الأفاضِل، السُّؤالُ الَّذي يَطرَحُ نَفسَهُ الآن: كيفَ أُوازِنُ بَينَ تَعليمِ ابني الصِّدق، وبَينَ تَقويمِ سُلوكِهِ إذا أخطَأ؟ هل أترُكُهُ بلا عِقابٍ تماماً؟
الفِقهُ التَّربَويُّ الإسلاميُّ يُعَلِّمُنا الفَصلَ بَينَ الأمرين: بَينَ "شَجاعةِ الصِّدق"، وبَينَ "حَجمِ الخَطأ".
عِندَما يَأتي الطِّفلُ مُعتَرِفاً، يَجِبُ أن تَكونَ رَدَّةُ الفِعلِ الأُولى مُوَجَّهَةً لِصِدقِه، لا لِخَطئِه.
قُل لَه بِوضوح: "أنا فخورٌ جِدّاً لأنَّكَ قُلتَ الحَقيقَة. صِدقُكَ هذا عِندي أغلى من الشَّيء الَّذي انكَسَر. لأنَّكَ كُنتَ رَجُلاً وصادِقاً، أنا أُسامِحُكَ على انفعالي ولَن أغضَبَ مِنك، لكن تَعالَ نُفَكِّرُ مَعاً: كَيفَ نُصلِحُ هذا الخَطأ؟".
هنا، أنتَ كافَأْتَهُ على الصِّدق بإِزالَةِ الغَضَبِ والخَوف، ثُمَّ ألزَمتَهُ بِتَحَمُّلِ المَسؤوليَّةِ لإصلاحِ الخَطأ (كأن يُنَظِّفَ المكان، أو يَعتَذِر، أو يُعَوِّضَ من مَصروفِه). هذا هو التَّأديبُ الَّذي يَبني الضَّمير، ويَحفَظُ حَبلَ الصِّدقِ مَتيناً بَينَكَ وبَينَه.
والأمرُ الآخَرُ والأخطَر — يا رِجال — هو صِدقُنا نَحنُ أمامَهم.
كَيفَ نَطلُبُ مِن أبنائِنا الصِّدق، وهم يَرَونَنا نَكذِبُ كُلَّ يَومٍ كَذَباتٍ نَظُنُّها "بَيضاء"؟
يَرِنُّ الهاتِف، فَيَقولُ الأبُ لابنِه: "رُدَّ عَلَيهِ وقُل لَهُ أبي نائِم".
يَطرُقُ طارِقٌ الباب، فَتَقولُ الأمُّ لابنَتِها: "قُولي لَها أُمِّي لَيسَت في البَيت".
ثُمَّ نَتعَجَّبُ بَعدَ ذَلك.. لِماذا يَكذِبُ الأبناء؟!
يقولُ عبدُ الله بنُ مَسعودٍ رضيَ اللهُ عنه: "الكِذبُ لا يَصلُحُ منهُ جِدٌّ ولا هَزل، ولا أن يَعِدَ الرَّجُلُ صَبيَّهُ شَيئاً ثُمَّ لا يُنجِزُ لَه".
واسمَعوا لهذا المَوقِفِ النَّبَويِّ الَّذي يَقطَعُ الشَّكَّ باليَقين. عَن عبدِ اللهِ بنِ عامِرٍ رضي اللهُ عنه قال: "دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟ قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِيهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ" (رواهُ أبو داود وحسنه الألباني).
كِذبَة! حتَّى في مُحاوَلَةِ إسكاتِ الطِّفلِ بِوعدٍ وُهمِي.. تُسَجَّلُ في السَّماءِ كِذبة. فما بالُكُم بِمَن يَعيشُ في بَيتٍ، لُغَتُهُ اليَومِيَّةُ هي المبالَغَةُ والتَّزْييفُ والخِداع؟
عبادَ الله، إنَّ بُيوتَنا يَجِبُ أن تَكونَ هي "المَلاذَ الآمِن". إذا كانَ الطِّفلُ يَخافُ مِن أبيهِ أكثَرَ مِمَّا يَخافُ مِن ربِّه، فَقَد فَشِلَتِ التَّربيَة. إذا كانَ المراهِقُ يَرتَكِبُ مُصيبَةً خارِجَ البَيت، ويَلجَأُ إلى أصدقاءِ السُّوءِ لِيُنقِذوهُ لأنَّهُ مُرتَعِبٌ مِن إخبارِ والِدِه.. فَقَد تَحَطَّمَ جِسرُ الأُبُوَّة!
يَقولُ اللهُ جَلَّ وعَلا، واصِفاً دُعاءَ عِبادِ الرَّحمَن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. ولا تَكونُ الذُّرِّيَّةُ قُرَّةَ عَينٍ إلا إذا صَلَحَت. ولا تَصلُحُ إلا إذا تَأسَّسَت عَلى يَقينِ الصِّدقِ ومَخافَةِ الله.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كَثيراً طَيِّباً مُباركاً فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن أمانَةِ الصِّدقِ في قُلوبِ الأبناء، ووَقَفنا عَلى الخَطأِ القاتِلِ الَّذي نَرتَكِبُه حينَ نُعاقِبُ الطِّفلَ لِأنَّهُ اعتَرَف، فَنَكونُ كَمَن يُعَلِّمُهُ النِّفاقَ والخِداعَ لِيَنجوَ بِنَفسِه. وعَرَفنا كَيفَ كانَ رِفقُ النَّبيِّ ﷺ في تَأسيسِ بيئَةٍ آمنَةٍ لِلصِّغار. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ في بُيوتنا؟
أوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نيَّتَكَ في التَّربيَة. استَحضِر أنَّ صَبرَكَ عَلى أخطاءِ أبنائِكَ وتَوجيهَهُم بِحِكمَة، هو عِبادَةٌ تُؤجَرُ عَلَيها كَالصَّلاةِ والصِّيام. ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
الثانية (لِسانيَّة): أمسِك لِسانَكَ وغَضَبَكَ في أوَّلِ عَشرِ ثَوانٍ من اعترافِ ابنِكَ بِخَطئِه. الثَّواني العَشرُ الأُولى هي أخطَرُ لَحظَة. تَنَفَّس بِعُمق، صَلِّ على النَّبيِّ ﷺ، ولا تَنطِق بِشَتمٍ أو تَهديد.. بَل قُل: "أنا أسمَعُك".
الثالثة (عَمَليَّة): كافِئ الصِّدقَ فوراً وقَبلَ أيِّ شَيء. إذا أتاكَ ابنُكَ مُعتَرِفاً بِخَطأٍ كَبير، ضَع يَدَكَ عَلى كَتِفِه وقُل لَه بِوضوح: "شُجاعَتُكَ في إخباري بالحَقيقةِ تَجعَلُني أحتَرِمُك، ولأنَّكَ صَدَقتَ فَقَد عَفَوتُ عَنكَ.. ولَكِن تَعالَ نُصلِحُ الخَلَل".
الرابعة (اجتماعيَّة): اصنَعوا في بُيوتِكُم "سِترَ الأمان". اجعَل ابنَكَ يَعرِفُ أنَّهُ مَهما أخطَأَ في الخارِج، فَإنَّ بابَ أُمِّهِ وأبيهِ هُوَ المَلجَأُ الَّذي لا يُغلَق. لا تَدفَعوا أبناءَكُم لِأحضانِ رِفاقِ السُّوءِ بِسَبَبِ قَسوَتِكم عِندَ المِحَن.
الخامسة (موضوعيَّة): طَهِّروا ألسِنَتَكُم مِن الكَذِبِ أمامَهُم. لا تَكذِب مِزاحاً، ولا تَعِد بِشَيءٍ لا تَستَطيعُ الوَفاءَ بِه، ولا تَتَهَرَّب مِن مَواقِفَ مِحوَريَّةٍ بِالتَّزْييف. كُن نُسخَةً عَمَليَّةً لِقَولِه تَعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فَإنَّ تَقوى اللهِ هي الَّتي تَحمِلُكُم عَلى أداءِ أمانَةِ الذُّرِّيَّةِ بِما يُرضيهِ سُبحانَه، فـ "كُلُّكُم راعٍ، وكُلُّكُم مَسؤولٌ عَن رَعيَّتِه".
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا أماناً لِأبنائِنا، ولا تَجعَلنا فِتنَةً لَهُم. اللَّهُمَّ ارزُقنا الحِكمَةَ في تَربِيَتِهم، والرِّفقَ في تَوجيهِهم، والصَّبرَ عَلى زَلَّاتِهم.
اللَّهُمَّ نَبِّت أبناءَنا وبَناتِنا نَباتاً حَسَناً، واجعَلهُم مِن عِبادِكَ الصَّادِقينَ المُخلِصين، الَّذينَ لا يَخافونَ في الحَقِّ لَومَةَ لائِم.
اللَّهُمَّ مُنَّ عَلَينا بِبِرِّهِم، ومُنَّ عَلَيهِم بِرِضانا، واجمَعنا وإيَّاهُم في مَستَقَرِّ رَحمَتِكَ في فِردَوسِكَ الأعلى.
اللَّهُمَّ ارحَم آباءَنا وأُمَّهاتِنا كَما رَبَّونا صِغاراً، وتَجاوَز عَن سَيِّئاتِهِم وزَلَّاتِهِم، وارزُقهُم نَعيمَ الجَنَّة.
اللَّهُمَّ آمِن مُجتَمَعاتِنا، ووَحِّد صُفوفَنا، واكشِفِ الغُمَّةَ عَن أُمَّةِ نَبيِّكَ في كُلِّ مَكان، يا أرحَمَ الرَّاحِمين.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون.
وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبتربية الطفل على الصدق: لا تعاقبه لأنه اعترف
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.