من مكتبة مِداد الخطيب

تفسير قوله تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارًا: عظمة نار جهنم وخطورتها وكيف ننقذ أنفسنا وأهلينا منها

مشاركة
تفسير قوله تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارًا: عظمة نار جهنم وخطورتها وكيف ننقذ أنفسنا وأهلينا منها الحَمدُ للهِ القَوِيِّ الجَبَّارِ، العَزِيزِ القَهَّارِ، الَّذِي خَلَقَ الجَنَّةَ بَرَحمَتِهِ وَجَعَلَهَا دَارًا لِلأَبرَارِ، وَخَلَقَ النَّارَ بِعَدلِهِ وَحِكمَتِهِ وَجَعَلَهَا نَكَالًا لِلكُفَّارِ وَالفُجَّارِ، وَحَذَّرَ مِنهَا عِبَادَهُ المُؤمِنِينَ وَأَمَرَهُم بِوِقَايَةِ أَنفُسِهِم وَأَهلِيهِم مِن حَرِّهَا وَعَذَابِهَا بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ، وَأَتُوبُ إِلَيهِ وَأَستَغفِرُهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرجُو أَن تَكُونَ لَنَا وَلِأَهلِينَا حِجابًا وَحِرزًا مِن عَذَابِ النَّارِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، النَّذِيرُ العُريَانُ الَّذِي وَقَفَ عَلَى شَفِيرِ النَّارِ يَأخُذُ بِحُجَزِ أُمَّتِهِ وَيُنَادِي: هَلُمَّ عَنِ النَّارِ هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَخيَارِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ القَرَارِ. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم أَيُّهَا المُسلِمُونَ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقوَى، وَاستَعدُّوا لِيَومِ العَرضِ الأَكبَرِ، وَاصغُوا بِقُلُوبِكُم وَأَسمَاعِكُم إِلَى هَذَا النِّدَاءِ الرَّبَّانِيِّ المَهِيبِ الَّذِي يَخلَعُ القُلُوبَ الحَيَّةَ وَيُوقِظُ الغَافِلِينَ فِي سُورَةِ التَّحرِيمِ، حَيثُ يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: يَا لَهَا مِن آيَةٍ عَظِيمَةٍ تَجمَعُ بَينَ الإِنذَارِ المُرَوِّعِ وَالأَمرِ الجَازِمِ! لَقَد جَمَعَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ بَينَ أَمرَينِ عَظِيمَينِ هُمَا مِحوَرَا خُطبَتِنَا اليَومَ: الجُزءُ الأَوَّلُ هُوَ خُطُورَةُ هَذِهِ النَّارِ وَعَظَمَةُ نَارِ جَهَنَّمَ أَعَاذَنَا اللهُ وَإِيَّاكُم مِنهَا، وَالجُزءُ الثَّانِي هُوَ كَيفَ نُنقِذُ أَنفُسَنَا وَأَهلِينَا مِن هَذِهِ النَّارِ قَبلَ فَوَاتِ الأَوَانِ! عِبَادَ اللهِ: نَبدَأُ بِالجُزءِ الأَوَّلِ: مَا هِيَ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي أَمَرَنَا رَبُّنَا سُبحَانَهُ أَن نَقِيَ أَنفُسَنَا وَأَهلِينَا مِنهَا؟ وَمَا عَظَمَتُهَا وَخُطُورَتُهَا فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ إِنَّ نَارَ جَهَنَّمَ يَا عِبَادَ اللهِ لَيسَت كَنَارِ الدُّنيَا الَّتِي نُوقِدُهَا بِالحَطَبِ وَنُطفِئُهَا بِالمَاءِ! إِنَّهَا دَارُ العَذَابِ الأَكبَرِ، وَمَيدَانُ غَضَبِ الجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ، الَّتِي قَالَ اللهُ عَنهَا فِي سُورَةِ المُدَّثِّرِ: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى ۝ نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ۝ تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾، وَقَالَ عَنهَا سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ ۝ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾! تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ مَشهَدَ مَجِيءِ جَهَنَّمَ فِي أَرضِ المَحشَرِ يَومَ القِيَامَةِ كَمَا صَوَّرَهُ القُرآنُ الكَرِيمُ فِي سُورَةِ الفَجرِ: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ۝ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾! وَكَيفَ يُؤتَى بِجَهَنَّمَ يَومَئِذٍ؟ استَمِعُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يُؤتَى بِجَهَنَّمَ يَومَئِذٍ لَهَا سَبعُونَ أَلفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبعُونَ أَلفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا»! اللهُ أَكبَرُ! تَخَيَّلُوا هَذَا الهَولَ الَّذِي تَذهَلُ مِنهُ العُقُولُ: سَبعُونَ أَلفَ زِمَامٍ، يَقبِضُ عَلَى كُلِّ زِمَامٍ مِنهَا سَبعُونَ أَلفَ مَلَكٍ مِنَ المَلَائِكَةِ الأَشِدَّاءِ؛ أَي أَربَعَةُ مِليَارَاتٍ وَتِسعُمِائَةِ مِليُونِ مَلَكٍ يَجُرُّونَ جَهَنَّمَ إِلَى أَرضِ المَحشَرِ لِعِظَمِ خَلقِهَا وَثِقَلِهَا وَتَفَلُّتِهَا وَغَيظِهَا عَلَى أَعدَاءِ اللهِ! فَإِذَا رَأَتِ العُصَاةَ وَالمُجرِمِينَ مِن مَسِيرَةِ مَكَانٍ بَعِيدٍ زَمجَرَت وَزَفَرَت، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الفُرقَانِ: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ المُلكِ: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾؛ أَي يَكَادُ يَنفَصِلُ بَعضُهَا عَن بَعضٍ مِن شِدَّةِ غَيظِهَا عَلَيهِم! حَتَّى تَجثُوَ الأُمَمُ عَلَى الرُّكَبِ، وَيَقُولَ كُلُّ نَبِيٍّ يَومَئِذٍ: «نَفسِي نَفسِي»، إِلَّا نَبِيَّكُم مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أُمَّتِي أُمَّتِي»! وَانظُرُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى حَرِّهَا وَوَقُودِهَا: أَمَّا وَقُودُهَا الَّذِي تُسجَرُ بِهِ: فَلَيسَ الحَطَبَ وَلَا النِّفطَ، بَل قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾؛ قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ وَابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم: هِيَ حِجَارَةٌ مِن كِبرِيتٍ أَسوَدَ، أَشدُّ الحِجَارَةِ حَرًّا وَأَنتَنُهَا رِيحًا وَأَسرَعُهَا اتِّقَادًا! وَأَمَّا شِدَّةُ حَرِّهَا: فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نَارُكُم هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابنُ آدَمَ جُزءٌ مِن سَبعِينَ جُزءًا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ»، قَالُوا: «وَاللهِ إِن كَانَت لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللهِ!»، قَالَ: «فَإِنَّهَا فُضِّلَت عَلَيهَا بِتِسعَةٍ وَسِتِّينَ جُزءًا كُلُّهَا مِثلُ حَرِّهَا»! فَيَا أَيُّهَا العَاقِلُ اللبيبُ: إِذَا كَانَ أَحَدُنَا لَا يُطِيقُ أَن يَضَعَ طَرَفَ إِصبَعِهِ عَلَى جَمرَةٍ مِن نَارِ الدُّنيَا ثَانِيَةً وَاحِدَةً، وَلَا يُطِيقُ أَن يَمشِيَ فِي حَرِّ شَمسِ الظَّهِيرَةِ دَقَائِقَ مَعدُودَةً؛ فَكَيفَ يُطِيقُ بَدَنٌ ضَعِيفٌ أَن يُلقَى فِي نَارٍ حَرُّهَا سَبعُونَ ضِعفًا مِن نَارِ الدُّنيَا كُلِّهَا؟! وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اشتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَت: رَبِّ أَكَلَ بَعضِي بَعضًا! فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَينِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمهَرِيرِ». وَأَمَّا بُعدُ قَعرِهَا وَعُمقُ هَاوِيَتِهَا: فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذ سَمِعَ وَجبَةً - أَي صَوتَ سُقُوطِ شَيءٍ ثَقِيلٍ -، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «تَدرُونَ مَا هَذَا؟»، قُلنَا: «اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ»، قَالَ: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنذُ سَبعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهوِي فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انتَهَى إِلَى قَعرِهَا»! سَبعُونَ سَنَةً وَالحَجَرُ يَهوِي فِي أَعمَاقِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَبلُغَ قَعرَهَا! وَأَمَّا خَزَنَتُهَا الموَكَّلُونَ بِهَا: فَقَد وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِقَولِهِ: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾؛ هُمُ الزَّبَانِيَةُ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللهُ بِقُوَّةٍ هَائِلَةٍ وَغِلظَةٍ شَدِيدَةٍ عَلَى أَعدَاءِ اللهِ، لَا يُرشَونَ بِمَالٍ، وَلَا يُخدَعُونَ بِمَعذِرَةٍ، وَلَا يَفتُرُونَ عَن إِنفَاذِ أَمرِ اللهِ لَحظَةً وَاحِدَةً! وَأَمَّا لِبَاسُ أَهلِ النَّارِ وَطَعَامُهُم وَشَرَابُهُم: فَقَد وَصَفَهُ رَبُّنَا سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الحَجِّ بِقَولِهِ: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ۝ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ۝ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾، وَوَصَفَ طَعَامَهُم فِي سُورَةِ الدُّخَانِ بِقَولِهِ: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ۝ طَعَامُ الْأَثِيمِ ۝ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ۝ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾، وَوَصَفَ شَرَابَهُم فِي سُورَةِ الكَهفِ بِقَولِهِ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾، وَكُلَّمَا احتَرَقَت جُلُودُهُم جَدَّدَهَا اللهُ لَهُم كَمَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾! بَلِ استَمِعُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى وَصفِ «أَهوَنِ» أَهلِ النَّارِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ! لَا أَشَدِّهِم، بَل أَخَفِّهِم وَأَهوَنِهِم عَذَابًا! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَهوَنَ أَهلِ النَّارِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخمَصِ قَدَمَيهِ جَمرَتَانِ يَغلِي مِنهُمَا دِمَاغُهُ، مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهوَنُهُم عَذَابًا»! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يُؤتَى بِأَنعَمِ أَهلِ الدُّنيَا مِن أَهلِ النَّارِ يَومَ القِيَامَةِ، فَيُصبَغُ فِي النَّارِ صَبغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابنَ آدَمَ، هَل رَأَيتَ خَيرًا قَطُّ؟ هَل مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ»! غَمسَةٌ وَاحِدَةٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ أَنسَتهُ كُلَّ قُصُورِ الدُّنيَا وَشَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا! أَفَبَعدَ هَذَا الهَولِ العَظِيمِ يَغفُلُ عَاقِلٌ عَن نَفسِهِ، أَو يَترُكُ زَوجَتَهُ وَأَولَادَهُ وَفَلَذَاتِ كَبِدِهِ يَسِيرُونَ فِي طُرُقِ النَّارِ دُونَ أَن يَأخُذَ بِأَيدِيهِم إِلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ؟! لَقَد قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَت آيَةُ الإِنذَارِ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَنَادَى عَشِيرَتَهُ وَأَقَارِبَهُ وَفَلَذَةَ كَبِدِهِ قَائِلًا: «يَا مَعشَرَ قُرَيشٍ اشترُوا أَنفُسَكُم، لَا أُغنِي عَنكُم مِنَ اللهِ شَيئًا... يَا فَاطِمَةُ بِنتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئتِ مِن مَالِي، لَا أُغنِي عَنكِ مِنَ اللهِ شَيئًا»! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَومِ الدِّينِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الوَعدِ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتعَالَوْا بِنَا إِلَى الجُزءِ الثَّانِي مِن خُطبَتِنَا، وَهُوَ السُّؤَالُ العَمَلِيُّ الأَهَمُّ الَّذِي سَأَلَهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم حِينَ نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: كَيفَ نُنقِذُ أَنفُسَنَا وَأَهلِينَا مِن هَذِهِ النَّارِ العَظِيمَةِ؟ لَقَد أَجَابَ تُرجُمَانُ القُرآنِ وَأَئِمَّةُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَن هَذَا السُّؤَالِ بِكَلِمَاتٍ جَامِعَةٍ رَوَاهَا الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ وَابنُ كَثِيرٍ فِي تَفسِيرَيهِمَا: فَقَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾: «عَلِّمُوهُم وَأَدِّبُوهُم»! وَقَالَ حَبرُ الأُمَّةِ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «اعمَلُوا بِطَاعَةِ اللهِ، وَاتَّقُوا مَعَاصِيَ اللهِ، وَمُرُوا أَهلِيكُم بِالذِّكرِ يُنجِيكُمُ اللهُ مِنَ النَّارِ». وَقَالَ الإِمَامُ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: «تَأمُرُهُم بِطَاعَةِ اللهِ، وَتَنهَاهُم عَن مَعصِيَةِ اللهِ، وَأَن تَقُومَ عَلَيهِم بِأَمرِ اللهِ، وَتَأمُرَهُم بِهِ، وَتُسَاعِدَهُم عَلَيهِ، فَإِذَا رَأَيتَ للهِ مَعصِيَةً قَذَعتَهُم عَنهَا وَزَجَرتَهُم عَنهَا». فَيَا أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ وَالأَزوَاجُ: إِنَّ الحُبَّ الحَقِيقِيَّ لِأَهلِيكُم وَأَولَادِكُم لَيسَ أَن تُوَفِّرُوا لَهُم أَفخَرَ الثِّيَابِ وَالأَطعِمَةِ وَالهَوَاتِفِ فِي الدُّنيَا ثُمَّ تَترُكُوهُم حَطَبًا لِنَارِ جَهَنَّمَ يَومَ القِيَامَةِ! بَلِ الحُبُّ الصَّادِقُ هُوَ أَن تَأخُذُوا بِأَيدِيهِم مَعَكُم إِلَى الجَنَّةِ، وَأَن تَحُولُوا بَينَهُم وَبَينَ النَّارِ بِسِتِّ خُطُوَاتٍ عَمَلِيَّةٍ: الخُطوَةُ الأُولَى: إِصلَاحُ النَّفسِ أَوَّلًا بِالتَّوحِيدِ وَالتَّوبَةِ وَالاستِقَامَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى بَدَأَ بِالنَّفسِ فَقَالَ: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. فَابدَأ بِنَفسِكَ يَا عَبدَ اللهِ، طَهِّر عَقِيدَتَكَ مِنَ الشِّركِ، وَتُب إِلَى اللهِ مِن ذُنُوبِكَ، وَكُن قُدوَةً صَالِحَةً فِي بَيتِكَ؛ فَكَيفَ يَأمُرُ أَهلَهُ بِالصَّلَاةِ مَن لَا يُصَلِّي؟ وَكَيفَ يَنهَى وَلَدَهُ عَنِ الحَرَامِ مَن يَرتَعُ فِيهِ؟! وَالخُطوَةُ الثَّانِيَةُ: تَعاهُدُ الأَهلِ وَالأَولَادِ بِالصَّلَاةِ وَالاصطِبَارِ عَلَيهَا. فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ طه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾، وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُوقِظُ أَهلَهُ لِصَلَاةِ اللَّيلِ وَالفَجرِ وَهُوَ يَتلُو هَذِهِ الآيَةَ. فَلَا تَدَع وَلَدًا فِي بَيتِكَ يَنَامُ عَن صَلَاةِ الفَجرِ أَو يُضَيِّعُ الفَرَائِضَ؛ بَل أَيقِظهُم بِرِفقٍ وَحَزمٍ، وَاصحَب بَنِيكَ إِلَى المَسجِدِ. وَالخُطوَةُ الثَّالِثَةُ: التَّعلِيمُ الشَّرعِيُّ وَالتَّأدِيبُ الأَخلَاقِيُّ فِي البُيُوتِ. عَلِّمُوا أَهلِيكُم وَأَولَادَكُم مَا يَصِحُّ بِهِ إِيمَانُهُم وَصَلَاتُهُم وَطَهَارَتُهُم، وَرَبُّوا بَنَاتِكُم وَنِسَاءَكُم عَلَى العِفَّةِ وَالحَيَاءِ وَالحِجَابِ الشَّرعِيِّ السَّاتِرِ؛ فَإِنَّ التَّبَرُّجَ وَالعُرِيَّ مِن أَخطَرِ أَسبَابِ دُخُولِ النَّارِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ فِي حَدِيثِ «نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ... لَا يَدخُلنَ الجَنَّةَ وَلَا يَجِدنَ رِيحَهَا». وَالخُطوَةُ الرَّابِعَةُ: تَطهيرُ مَطعَمِ البَيتِ وَمَشرَبِهِ وَمَلبَسِهِ مِنَ المَالِ الحَرَامِ؛ مِنَ الرِّبَا وَالرِّشوَةِ وَالغِشِّ وَأَكلِ حُقُوقِ النَّاسِ. فَلَا تُطعِم زَوجَتَكَ وَأَولَادَكَ إِلَّا حَلَالًا طَيِّبًا؛ فَإِنَّ كُلَّ جَسَدٍ نَبَتَ مِن سُحتٍ فَالنَّارُ أَولَى بِهِ! وَالخُطوَةُ الخَامِسَةُ: حِمَايَةُ البَيتِ مِن مَدَاخِلِ الشَّيطَانِ وَشَاشَاتِ الفَسَادِ وَرُفَقَاءِ السُّوءِ. فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ». وَأَيُّ غِشٍّ أَعظَمُ مِن أَن يَترُكَ الرَّجُلُ أَولَادَهُ فَرِيسَةً لِلمَوَاقِعِ الإِبَاحِيَّةِ وَالأَفكَارِ الإِلحَادِيَّةِ وَصُحبَةِ السُّوءِ دُونَ رَقَابَةٍ وَلَا تَوجِيهٍ؟! وَالخُطوَةُ السَّادِسَةُ: الإِكثَارُ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالاستِغفَارِ وَالدُّعَاءِ بِالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ. فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيسَ بَينَهُ وَبَينَهُ تُرجُمَانٌ، فَيَنظُرُ أَيمَنَ مِنهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنظُرُ أَشأَمَ مِنهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنظُرُ بَينَ يَدَيهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلقَاءَ وَجهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمرَةٍ، فَمَن لَم يَجِد فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»! وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن سَأَلَ اللهَ الجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ الجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدخِلهُ الجَنَّةَ، وَمَنِ استَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرهُ مِنَ النَّارِ». وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِلِ وَهُوَ يُذَكِّرُ الأَبَ الشَّفِيقَ بِحَقِيقَةِ الشَّفَقَةِ عَلَى عِيَالِهِ: يَا مَن يَخَافُ عَلَى البَنِينَ إِذَا اشتَكَوا ... أَلَمًا وَيَسهَرُ لَيلَهُ فِي ضِيقِ كَيفَ الأَمَانُ عَلَيهِمُ يَومَ اللِّقَا ... مِن حَرِّ نَارٍ ذَاتِ هَولٍ مُطبِقِ هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى نَبِيِّكُم مُحَمَّدٍ بنِ عَبدِ اللهِ، كَمَا أَمَرَكُم بِذَلِكَ رَبُّكُم جَلَّ فِي عُلَاهُ فَقَالَ فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَلٍ، اللَّهُمَّ أَجِرنَا مِنَ النَّارِ، اللَّهُمَّ أَجِرنَا مِنَ النَّارِ، اللَّهُمَّ أَجِرنَا وَوَالِدِينَا وَأَزوَاجَنَا وَذُرِّيَّاتِنَا وَالمُسلِمِينَ مِنَ النَّارِ بِرَحمَتِكَ يَا عَزِيزُ يَا غَفَّارُ. اللَّهُمَّ رَبَّنَا اصرِف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا، إِنَّهَا سَاءَت مُستَقَرًّا وَمُقَامًا، اللَّهُمَّ هَب لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا، وَاجمَعنَا وَإِيَّاهُم فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.