من مكتبة مِداد الخطيب

المَقامُ المَحمُود... يَومَ يَفزَعُ النَّاسُ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ

مشاركة
🕌 المَقامُ المَحمُود... يَومَ يَفزَعُ النَّاسُ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ #خطبة_جمعة #الشفاعة_العظمى #المقام_المحمود #اليوم_الآخر #عقيدة #محبة_النبي #القيامة الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الخَلْقَ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، وجَعَلَ مَرَدَّ الخَلَائِقِ كُلِّهِم إِلَيْهِ، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، المَلِكُ الحَقُّ المُبِين، ذو الجَلَالِ والإِكْرَامِ، الدَّيَّانُ يَوْمَ الدِّينِ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صَاحِبُ الحَوْضِ المَوْرُود، وَاللِّوَاءِ المَعْقُود، وَالمَقَامِ المَحْمُود، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخَيَّلوا يَوماً تَدنُو فِيهِ الشَّمْسُ مِنَ الرُّؤُوسِ حَتَّى تَكُونَ عَلَى قِيدِ مِيل، وَيَغْرَقُ النَّاسُ فِي عَرَقِهِم، وَتَبلُغُ القُلُوبُ الحَنَاجِر. يَومَها، يَطُوفُ البَشَرُ مِن نَبِيٍّ إِلَى نَبِيٍّ يَطلُبُونَ النَّجَاةَ فَلَا يَجِدُونَهَا. لَكِنَّ كَلِمَةً وَاحِدَةً، يَقولُهَا رَجُلٌ وَاحِد، سَتُغَيِّرُ مَشْهَدَ القِيَامَةِ بِرُمَّتِه. مَن هُوَ؟ وَمَا هِيَ الكَلِمَة؟ وَكَيفَ نَكُونُ مِمَّن تَنَالُهُ بَرَكَتُهَا؟ هَذَا مَا سَنَعْرِفُهُ بَعْدَ قَلِيل. أيُّها المُسلِمُون، هَل سَأَلتُم أَنفُسَكُم يَوماً: لِمَاذَا نُحِبُّ مُحَمَّداً ﷺ كُلَّ هَذَا الحُبّ؟ ولِمَاذَا تَهتِفُ بِاسْمِهِ مَلَايِينُ الحَنَاجِرِ كُلَّ يَوْمٍ فِي الأَذَانِ وَالصَّلَوَات؟ نَحْنُ لَا نُحِبُّهُ فَقَط لِأَنَّهُ بَلَّغَنَا رِسَالَةَ رَبِّنَا، بَل لِأَنَّ هُنَاكَ لَحْظَةً آتِيَةً حَتْماً.. لَحْظَةً لَا أَبٌ فِيهَا يَنفَع، وَلَا أُمٌّ فِيهَا تَشفَع، وَلَا مَالٌ فِيهَا يَرفَع. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ العَصِيبَة، حِينَ يَتَبَرَّأُ الجَمِيعُ مِنَ الجَمِيع.. هُنَاكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ لَن يَتَبَرَّأَ مِنْك. يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ مُصَوِّراً حَالَ ذَلِكَ اليَوْم: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ۝ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ۝ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ۝ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]. نَعَم، لِكُلِّ امْرِئٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ.. إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّ شَأْنَهُ يَومَئِذٍ هُوَ أُمَّتُه.. شَأْنُهُ هُوَ أَنْتَ وَأَنَا. وَلِكَي نَفهَمَ قِيمَةَ هَذَا المَشْهَد، دَعُونَا نَنْتَقِل خَيَالاً إِلَى عَرَصَاتِ القِيَامَة. اِجْتَمَعَ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ فِي صَعِيدٍ وَاحِد. الشَّمْسُ قَد أُدْنِيَت، وَالنَّارُ قَد جِيءَ بِهَا تُقَادُ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَام. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 2]. وَطَالَ الوُقُوف.. قِيلَ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَة، وَقِيلَ أَقَلّ. طَالَ حَتَّى بَلَغَ الجَهْدُ وَالكَرْبُ بِالنَّاسِ مَبْلَغاً لَا يُطِيقُونَهُ وَلَا يَحْتَمِلُونَه. مَاذَا يَصْنَعُ النَّاس؟ يَبْحَثُونَ عَنْ شَفِيع. يَبْحَثُونَ عَنْ مَنْ يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَبْدَأَ الحِسَاب، مُجَرَّدَ البَدْءِ لِيَرْتَاحُوا مِنْ هَوْلِ المَوْقِف! قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُقَرِّرُ هَذِهِ الْعَقِيدَة: "وَالشَّفَاعَةُ العُظْمَى هِيَ أَنْ يَشْفَعَ لِأَهْلِ المَوْقِفِ لِيُقْضَى بَيْنَهُمْ، بَعْدَ أَنْ يَتَرَاجَعَهَا الأَنْبِيَاءُ، وَهِيَ خَاصَّةٌ لَهُ ﷺ". وَاسْمَعُوا مَعِي بِقُلُوبِكُمْ لِهَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ الَّذِي يَرْوِيهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ ﷺ قَالَ: «يَجْمَعُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَلْهَمُونَ لِذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا». يَنْطَلِقُونَ كَالمَوْجِ إِلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام. يَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ... اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ. مَاذَا يَقُولُ أَبُونَا آدَم؟ يَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُم! وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ.. يَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ.. نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي! اذْهَبُوا إِلَى نُوح. فَيَأْتُونَ نُوحًا، أَوَّلَ رَسُولٍ إِلَى أَهْلِ الأَرْض. فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ. فَيَرُدُّ: لَسْتُ هُنَاكُم! وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ.. نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي! اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَن. يَذْهَبُونَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام.. خَلِيلِ اللَّه، الَّذِي كَسَّرَ الأَصْنَام، وَأُلْقِيَ فِي النَّار. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُم! وَيَذْكُرُ كَذَبَاتٍ كَذَبَهَا.. إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ.. نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي! اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى. يَأْتُونَ مُوسَى كَلِيمَ اللَّه.. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُم! نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي! اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى. يَأْتُونَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام.. فَلَا يَذْكُرُ ذَنْبًا، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُم! اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ. تَوَقَّفُوا هُنَا لَحْظَة... أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، أَصْفِيَاءُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ، يَرْتَجِفُونَ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ يَومَئِذٍ! أَيُّ هَوْلٍ هَذَا؟ وَأَيُّ مَشْهَدٍ ذَاك؟ قَالَ الْإِمَامُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي وَصْفِ هَذَا الْمَقَام: "إِنَّ الْخَلَائِقَ يَومَ الْقِيَامَةِ يَلْجُمُهُمُ الْعَرَقُ، فَيَطْلُبُونَ الشَّفَاعَةَ عِنْدَ الأَنْبِيَاءِ، فَكُلُّهُمْ يَدْفَعُهَا إِلَى الآخَرِ، إِعْظَامًا لِجَلَالِ اللَّهِ، وَمَعْرِفَةً بِحَقِّهِ". ثُمَّ تَأْتِي اللَّحْظَةُ الْفَارِقَة. يَأْتِي الْبَشَرُ بِرُمَّتِهِم — مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ — يَزْحَفُونَ نَحْوَ رَجُلٍ وَاحِد. يَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَمَاذَا يَقُولُ حَبِيبُكُمْ؟ مَاذَا يَقُولُ مَنْ طَالَمَا بَكَى فِي الدُّنْيَا يَقُولُ: «أُمَّتِي أُمَّتِي»؟ يَقُولُ ﷺ كَلِمَتَهُ الَّتِي تَشُقُّ الصَّمْتَ الْمُرْعِب: «أَنَا لَهَا.. أَنَا لَهَا». اللهُ أَكْبَر! أَنَا لَهَا.. عِنْدَمَا تَخَلَّى الْجَمِيعُ عَنِ الْجَمِيع. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ وَاصِفاً مَا سَيُصْنَع بَعْدَهَا: «فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أُسْتَأْذَنَ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنَ لِي، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي خَرَرْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ لِي: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ». يَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْش، وَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ. ثُمَّ يَقْبَلُ اللَّهُ شَفَاعَتَهُ فَيَبْدَأُ الْحِسَاب. هَذَا هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ يَا عِبَادَ اللَّه! هَذَا هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي يَحْمَدُهُ فِيهِ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ الْخَلَائِقُ بِإِجْلَال. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: "الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ هُوَ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى، يَحْمَدُهُ فِيهِ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ، وَيَغْبِطُهُ بِهِ النَّبِيُّونَ وَالْمُرْسَلُونَ، وَتَظْهَرُ بِهِ سِيَادَتُهُ عَلَى وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِين". إِخْوَتِي فِي اللَّه.. الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى لِفَصْلِ الْقَضَاءِ تَشْمَلُ النَّاسَ جَمِيعاً. وَلَكِنَّ هُنَاكَ شَفَاعَاتٍ خَاصَّةً بِأُمَّتِهِ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَة. يَشْفَعُ فِيمَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ أُمَّتِهِ أَنْ يُخْرَجَ مِنْهَا. وَيَشْفَعُ فِي أَقْوَامٍ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّة، بَلْ وَيَشْفَعُ فِي أَقْوَامٍ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَاب. وَالسُّؤَالُ الْأَعْظَمُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَطْرَحَهُ عَلَى أَنْفُسِنَا الْآنَ: مَنْ هُوَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهَذِهِ الشَّفَاعَة؟ مَنْ الَّذِي سَيَفُوزُ بِهَا فَيُعْتَقَ مِنَ النَّارِ بِبَرَكَتِهَا؟ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ هَذَا السُّؤَالَ بِالضَّبْطِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيّ: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ». التَّوْحِيد! التَّوْحِيدُ يَا عِبَادَ اللَّه. أَنْ تَلْقَى اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. لَا تَرْجُو سِوَاه، وَلَا تَخَافُ إِلَّا مِنْه، وَلَا تَعْبُدُ أَحَدًا غَيْرَه، وَلَا تَلْجَأُ لِقَبْرٍ وَلَا لِوَلِيٍّ دُونَهُ. ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]. الشَّفَاعَةُ مِلْكٌ لِلَّهِ يَأْذَنُ بِهَا لِمَنْ شَاء، وَلَا يَأْذَنُ بِهَا إِلَّا لِأَهْلِ التَّوْحِيد. يَا مَنْ تَبْحَثُ عَنْ نَجَاتِك.. انْظُرْ إِلَى حَالِنَا الْيَوْم. الْوَاحِدُ مِنَّا إِذَا وَقَعَ فِي مُشْكِلَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، أَوْ حَلَّتْ بِهِ ضَائِقَة، بَحَثَ يَمِينًا وَيَسَارًا عَنْ "وَاسِطَة".. عَنْ شَفِيعٍ عِنْدَ الْمَسْئُولِين لِيُخْرِجَهُ مِنْ أَزْمَتِه. وَيُبْذَلُ لِذَلِكَ الْمَالَ وَالْوَقْتَ وَيُرِيقُ مَاءَ وَجْهِه. وَمَاذَا عَنْ شَفَاعَةِ يَوْمِ الدِّينِ؟ يَوْمَ لَا دِينَارَ وَلَا دِرْهَم، وَيَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَنْصِبٌ وَلَا جَاه. ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. مَاذَا قَدَّمْنَا لِنَنَالَ شَفَاعَةَ خَيْرِ الْبَرِيَّة؟ هَلِ اتَّبَعْنَا سُنَّتَه؟ هَلْ كَثَّرْنَا مِنْ عَدَدِ أُمَّتِهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِح؟ يَا مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيَا، يَا مَنْ أَلْهَتْهُ شَهَوَاتُهُ! قَدْ يَكُونُ حُبُّكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ هُوَ طَوْقَ نَجَاتِكَ الْأَخِير. وَلَكِنَّ حُبَّهُ لَيْسَ ادِّعَاءً بِاللِّسَان، بَلْ هُوَ اتِّبَاعٌ بِالْأَرْكَان. ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عَبْدِهِ الَّذِي اصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ لِأَثَرِهِ اقْتَفَى. أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللَّهِ، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الْأُولَى عَنْ مَشْهَدٍ مِنْ مَشَاهِدِ الْقِيَامَةِ يَفْزَعُ فِيهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَ الْعَوَامّ، وَوَقَفْنَا مَعَ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ لِنَبِيِّنَا ﷺ حِينَ يَقُولُ لَهَا «أَنَا لَهَا»، وَعَرَفْنَا أَنَّ أَسْعَدَ النَّاسِ بِذَلِكَ هُمْ أَهْلُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاص. وَالْآنَ، كَيْفَ نُتَرْجِمُ هَذَا حُبّاً عَمَلِيّاً يَضْمَنُ لَنَا هَذِهِ الشَّفَاعَة؟ فَمَحَبَّةُ النَّبِيِّ ﷺ لا يَكْفِي فِيهَا الْقَوْل، بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْفِعْل. وَأُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مِفْتَاحٌ لِشَفَاعَتِهِ ﷺ: الْأُولَى (قَلْبِيَّة): جَدِّدُوا تَوْحِيدَكُمْ لِلَّهِ كُلَّ يَوْم. اجْعَلْ قَلْبَكَ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تُرَائِي بِعَمَلِكَ أَحَداً مِنْ خَلْقِ اللَّه، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَصَرَ الشَّفَاعَةَ لِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "خَالِصًا مِنْ قَلْبِه".. وَالْخَلَاصُ يَعْنِي أَلَّا يُشَارِكَ اللَّهَ فِي قَلْبِكَ أَحَد. الثَّانِيَة (لِسَانِيَّة): صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا كُلَّ صَبَاحٍ وَمَسَاء. اِجْعَلْ فِي يَوْمِكَ وِرْداً ثَابِتاً مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. قَالَ ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ حِينَ يُصْبِحُ عَشْرًا، وَحِينَ يُمْسِي عَشْرًا، أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». عِشْرُونَ مَرَّةً فِي الْيَوْمِ لَا تَأْخُذُ دَقِيقَةً تَمْنَحُكَ الشَّفَاعَة! الثَّالِثَة (عَمَلِيَّة): حَافِظْ عَلَى الدُّعَاءِ بَعْدَ الْأَذَانِ مُبَاشَرَةً كُلَّ يَوْم. إِذَا سَمِعْتَ الْمُؤَذِّنَ، رَدِّدْ خَلْفَهُ، ثُمَّ قُلْ مَا عَلَّمَكَ إِيَّاهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ». مَا جَزَاءُ مَنْ قَالَهَا؟ قَالَ ﷺ: «حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». عَمَلٌ يَسِيرٌ، وَأَجْرٌ عَظِيم. الرَّابِعَة (اجْتِمَاعِيَّة): كُنْ حَسَنَ الْخُلُقِ مَعَ النَّاس، بَارّاً بِوَالِدَيْك، رَحِيماً بِأَهْلِك وَزَوْجَتِك وَأَبْنَائِك. فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيف: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا». الْخَامِسَة (مَوْضُوعِيَّة): سُنَّتُهُ ﷺ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِكُمْ فِي زَمَنِ الْفِتَن. أَحْيُوا سُنَّةً مَهْجُورَةً فِي بُيُوتِكُمْ، عَلِّمُوهَا لِأَبْنَائِكُم. مَنْ أَحْيَا سُنَّتَهُ فَقَدْ أَحَبَّه، وَمَنْ أَحَبَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي الْجَنَّة. فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاسْتَعِدُّوا لِيَوْمِ الْوُقُوفِ الْأَكْبَرِ بِمَا يُنْجِيكُمْ مِنْ حَرِّهِ وَهَوْلِه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى صَاحِبِ الشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى وَالْمَقَامِ الْمَحْمُود، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِين، وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِين، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين. اللَّهُمَّ يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّين، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين، ارْزُقْنَا شَفَاعَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَة. اللَّهُمَّ أَوْرِدْنَا حَوْضَهُ، وَاسْقِنَا مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ شَرْبَةً هَنِيئَةً مَرِيئَةً لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا. اللَّهُمَّ احْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ، وَتَوَفَّنَا عَلَى سُنَّتِهِ، وَلَا تَحْرِمْنَا رُؤْيَتَهُ ومُرافَقَتَه فِي جَنَّاتِ النَّعِيم. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ الَّذِينَ هُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِه. اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَنَا يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَام، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا يَومَ الْفَزَعِ الْأَكْبَر، وَيَمِّنْ كِتَابَنَا، وَيَسِّرْ حِسَابَنَا، وَاجْعَلِ الْجَنَّةَ مَثْوَانَا. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَان، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِم، وَانْصُرِ الْمَظْلُومِينَ، وَارْفَعِ الظُّلْمَ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِرَحْمَتِكَ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيز. عِبَادَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون. وَأَقِمِ الصَّلَاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.