🕌 ثلاثٌ يُقسِمُ عليهنَّ الصادقُ المصدوق
#خطبة_جمعة #اليقين #الصدقة #العفو #عزة_النفس #أخلاق #رقائق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ العَطاءَ مِفتاحًا للزِّيادة، وجَعَلَ العَفوَ بابًا للرِّفعةِ والسِّيادة، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُغني مَنِ استَغنى به، ويُعِزُّ مَن تَواضَعَ لعَظَمَتِه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، الصَّادقُ المَصدوق، الذي لا يَنطِقُ عن الهوى، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
أيُّها الإخوةُ المؤمنون، هل سَألتُم أنفسَكم يومًا: لماذا يَحتاجُ الصَّادقُ الأمينُ ﷺ أن يُقسِم؟
إنَّه الرَّجلُ الذي لَقَّبَتهُ قُريشٌ في جاهليَّتِها بـ "الأمين"، والذي قالَ له أعداؤُه قبلَ أصحابِه: "ما جَرَّبنا عليكَ كَذِبًا قطّ". هو لا يَحتاجُ إلى قَسَمٍ لِيُصَدِّقَهُ النَّاس، وكلامُهُ حَقٌّ لا رَيبَ فيه. لكنَّهُ حينَ يُقسِم، وحينَ يَبدأُ حَديثَهُ باليَمين، فاعلَموا أنَّهُ سَيَقولُ شيئًا يَصعُبُ على العُقولِ الماديَّةِ استيعابُه. سَيَقولُ شيئًا يَصطَدِمُ بحساباتِ البَشَر، وبمَنطقِ الأرقام، وبكِبرياءِ النُّفوس. يُقسِمُ لِيوقِظَ فينا اليَقينَ النائم، ولِيَهُزَّ جُدرانَ الشَّكِّ في قُلوبِنا.
واسمَعوا لهذا الحديثِ العظيم، الذي رَواهُ الإمامُ التِّرمذيُّ بسَنَدٍ صَحيح، عن أبي كَبشَةَ الأَنْماريِّ رضي الله عنه، أنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يَقول: «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ...».
تأمَّلوا معي يا عبادَ الله.. ثلاثُ قَضايا تَحكُمُ حياتَنا اليوميَّة: المال، والكَرامة، والسؤال. جاءَ النَّبيُّ ﷺ لِيَقلِبَ مَفاهيمَها رأسًا على عَقِب، لِيُخريجَنا من ضِيقِ حِساباتِنا، إلى سَعَةِ خَزائنِ اللهِ ومَقاييسِه.
الرُّكنُ الأوَّل: «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ»
أوَّلُ ما أَقسَمَ عليه ﷺ يَصطَدِمُ مُباشرةً بآلَتِنا الحاسِبة. لُغةُ الأرقامِ البشريَّةِ تَقول: إذا كان مَعكَ ألفٌ، وتَصَدَّقتَ بمئة، فالذي بَقيَ تِسعُمئة. المَجموعُ نَقَص. كيفَ يُقسِمُ النَّبيُّ ﷺ أنَّهُ لم يَنقُص؟
لأنَّ حِساباتِ السَّماءِ تَختَلِفُ عن حِساباتِ الأرض. النَّقصُ في المَظهرِ، أمَّا في الحقيقةِ والمآلِ فهو أربَحُ استثمار.
يقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى، مُؤَكِّدًا هذا القَسَمَ النَّبويّ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276]. ويَقولُ جلَّ في عُلاه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: 39].
"يُخلِفُهُ".. كلمةٌ ربَّانيَّةٌ قاطعة. يخلفُهُ في الدنيا بَركةً في بَقيةِ المال، وحِفظًا من المصائبِ التي تَلتَهِمُ الأموال (كالأمراضِ والحَوادث)، ويُخلفُهُ في الآخرةِ أضعافًا مُضاعَفة.
واسمَعوا لهذه القِصَّةِ العَجيبةِ التي تُتَرجِمُ هذا اليَقين. ذُبِحَت شاةٌ في بيتِ النَّبيِّ ﷺ، فتَصَدَّقوا بها كُلِّها ولم يُبقوا منها إلا كَتِفَها (وكانَ النَّبيُّ ﷺ يُحِبُّ الكَتِف). فلمَّا دَخَلَ سَألَ عائشةَ رضي الله عنها: «ما بَقِيَ منها؟»، فقالت بحِسابِ الأرضِ والأرقام: ما بَقِيَ منها إلا كَتِفُها. فصَحَّحَ لها النَّبيُّ ﷺ الميزانَ وقال كلمَتَهُ الخالدة: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا»! رواه الترمذي.
نعم! الذي تصَدَّقتِ به هو الذي بَقيَ في خَزائنِ اللهِ مُدَّخَرًا، والذي سنَأكُلُه هو الذي سَيَفنى.
يا مَن يَخافُ الفَقر، يا مَن يَرتَجِفُ من غَلاءِ الأسعار، يا مَن يَحبِسُ قِرشَهُ خَوفًا من مُستَقبَلٍ مَجهول.. هل نُصَدِّقُ مَخاوِفَنا أم نُصَدِّقُ قَسَمَ نَبيِّنا؟
قال الإمامُ ابنُ القَيِّم رحمه الله: "السَّخيُّ قَريبٌ من اللهِ، قَريبٌ من النَّاسِ، قَريبٌ من الجنَّة. والبَخيلُ بَعيدٌ من اللهِ، بَعيدٌ من النَّاسِ، بَعيدٌ من الجنَّة. وما ابتُليَ إنسانٌ بداءٍ أدوى من البُخل".
الصدقةُ يا عبادَ الله لا تَحتاجُ غِنىً فاحشًا. تصدَّقْ بالقليل، تصدَّقْ وأنتَ مُحتاج، فإنَّ اللهَ يَتقبَّلُ الشِّقَّ من التَّمرة. يقولُ ﷺ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» متفق عليه.
الرُّكنُ الثَّاني: «وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا»
وهنا المِحكُّ الأصعب.. هنا تَنتَفِضُ كرامةُ النَّفس. النَّاسُ في عُرفِهم يَرَونَ أنَّ مَن ظُلِمَ فسَكَت، ومَن أُسيءَ إليه فعَفا، هو إنسانٌ ضَعيفٌ مُهان، انتَقَصَت من عِزَّتِه وتَشَمَّتَ به خُصومُه.
لكنَّ المشرِّعَ الحكيمَ يُقسِمُ لَكَ: بل هو العِزُّ كُلُّه!
متى آخرَ مَرَّةٍ غَليتَ فيها غَضَبًا لأنَّ شَخصًا أهانَك، أو اختَلَسَ حَقَّك، أو اغتابَك، فهَمَمتَ أن تَنتَقِم، ثم تَذَكَّرتَ هذا القَسَمَ فَتَراجَعت؟
يقولُ ربُّنا جلَّ جلاله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43].
تأمَّلوا مَوقِفَ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه، حِينما خاضَ قَريبُهُ (مِسطَحُ بنُ أُثاثَة) في عِرضِ ابنَتِهِ الطَّاهرةِ عائشةَ رضي الله عنها في حادِثَةِ الإفك. ومِسطَحٌ هذا كان فَقيرًا يُنفِقُ عليه أبو بكر. فلمَّا نَزَلَت بَراءةُ عائشة، أَقسَمَ أبو بكرٍ أن يَقطَعَ النَّفَقَةَ عن مِسطَح. وهذا حَقُّهُ الطبيعيُّ بَشَريًّا! رَجُلٌ يَأكُلُ من مالِكَ ثم يَطعَنُ في عِرضِك!
لكنَّ اللهَ يُريدُ لأبي بكرٍ العِزَّةَ الأسمى، فنَزَلَت الآية: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22].
فماذا كان جَوابُ الصِّدِّيق؟ بكى وقال: "بلى واللهِ، أُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي". وأعادَ النَّفقةَ إلى مِسطَح!
أين نحنُ من هذا؟ بيوتٌ تَتَمَزَّقُ من أجلِ كلمة. إخوةٌ يُقاطِعونَ بَعضَهم عَشَراتِ السِّنين من أجلِ مِترِ أرضٍ أو خِلافٍ مالي. أصدقاءُ يَتَباغضون لأجلِ رِسالةٍ في هاتف. وكلُّ واحِدٍ يَقول: "كرامَتي لا تَسمَح".
أيُّ كرامةٍ تِلكَ التي تُخالِفُ قَسَمَ رسولِ اللهِ ﷺ؟
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمه الله: "ما انتَقَمَ أحَدٌ لِنَفسِهِ قَطُّ إلَّا أَورَثَهُ ذَلِكَ ذُلًّا يَجِدُهُ في نَفسِه، وما عَفا أحَدٌ عَن مَظلَمَةٍ إلَّا أورَثَهُ اللهُ عِزًّا في الدُّنيا والآخرة".
إنَّكَ حينَ تَعفو، أنتَ لا تَنحَني للمُخطيء، بل تَرتَفعُ بأخلاقِكَ إلى مَنازلِ الكِبار. العَفوُ لَيس ضَعفًا؛ بل هو قُوَّةٌ لا يَمتَلِكُها إلَّا الشُّجعانُ الذينَ انتَصَروا على شَياطينِ أنفُسِهم.
الرُّكنُ الثَّالث: «وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ»
وهنا يَضَعُ النَّبيُّ ﷺ يَدَهُ على مَرَضٍ خَطير، مَرَضِ التَّعَلُّقِ بالخَلقِ واستِجداءِ النَّاس.
مَن فَتَحَ على نَفسِهِ بابَ السُّؤال — يَسألُ النَّاسَ أموالَهم بلا ضَرورة، أو يَسألُهم قَضاءَ حَوائجِه وهو قادرٌ عليها، أو يَتَذَلَّلُ لِمسؤولٍ أو غَنيّ — ابتَلاهُ اللهُ بالفَقرِ في قَلبِه، فلا يَشبَعُ أبدًا، ومُحِقَت بَركةُ مالِه.
كثيرٌ من النَّاسِ اليومَ يَعيشُ على الشَّكوى. يَشتَكي فقرَهُ لكلِّ مَن رآه، ويَطلُبُ المساعدةَ وهو يَملِكُ قُوتَ يَومِه، وربَّما امتدَّ هذا إلى وَسائلِ التَّواصُلِ فصارَ التَّسَوُّلُ الإلكترونيُّ مِهنَةً.
اللهُ جلَّ جلالُه يُحِبُّ العَبدَ العَفيفَ المُتَعَفِّف. استَمِعوا إلى هذا الوصفِ القُرآنيِّ العَجيبِ للفُقراءِ الحقيقيِّينَ الذين يَستَحِقُّونَ المَدح: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273].
"يَحسَبُهُم الجاهلُ أغنياءَ من التَّعَفُّف"! اللهُ أكبر! جُوعُهُم يَنهَشُ بُطونَهم، لكنَّ رُؤوسَهم مَرفوعةٌ للسَّماء لا تَنحَني بطلبٍ لِمَخلوق.
وفي الحديث الصحيح: «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ» متفق عليه.
وكان الحسنُ البصريُّ رحمه الله يقول: "لا تَزالُ كريمًا على النَّاسِ ما لم تَتَعاطَ ما في أيديهم، فإذا فَعَلتَ ذلك استَخَفُّوا بك وكَرِهوا حَديثَك".
العِزَّةُ يا أخي لا تُشتَرى. إذا ضاقَت بكَ الدُّنيا، فارفَع يَدَيكَ إلى مَن يَملِكُ مَفاتيحَها. لا تَشكُ الخالقَ إلى المَخلوق. البابُ الذي تَطرُقُه في السَّماءِ مَفتوحٌ ليلًا ونهارًا، فلماذا تَقِفُ ذليلًا أمامَ أبوابِ البَشَر التي تَنغَلِقُ وتَتَذَمَّر؟
الرُّكنُ الرَّابع الخَفيّ (عَظَمَةُ النِّيَّة):
ثمَّ يُكمِلُ النَّبيُّ ﷺ حديثَهُ، لِيَفتَحَ بابَ أَمَلٍ لِكُلِّ فَقيرٍ لم يَجِد ما يَتَصَدَّقُ به، فيُقَسِّمُ الدُّنيا إلى أربعةِ أصناف. أَهَمُّ صِنفَينِ فيها: رَجلٌ آتاهُ اللهُ مالًا وعِلمًا فهو يُنفِقُ مالَهُ في حَقِّه.. ورَجلٌ لم يُؤتِهِ اللهُ مالًا، لكنَّهُ صادقُ النِّيَّة، يقول: "لَو أنَّ لي مالًا لَعَمِلتُ بعَمَلِ فُلان".
فماذا يَقولُ ﷺ عنهما؟ يَقول: «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ»!
يا لَرَحمَةِ هذا الدِّين! ويا لَعَظَمَةِ هذا الرَّبِّ الكَريم!
قد تَبلُغُ مَنازِلَ المُتَصَدِّقينَ الكِبار، وقُصورَ المُنفقينَ في الجنَّة، وأنتَ لا تَملِكُ في جَيبِكَ دِرهمًا واحدًا! بِمَ؟ بصِدقِ النِّيَّة. ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ۚ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: 19]. النِّيَّةُ الصَّادقةُ الخاليةُ من الحَسَد، المُحِبَّةُ للخَير، تُلْحِقُ صاحِبَها بِرَكبِ العُظَماء.
عبادَ الله.. إنَّنا نَحتاجُ اليومَ أن نُراجِعَ يَقيْنَنا. هل نحنُ نُصَدِّقُ أعيُنَنا ومَخاوِفَنا وحِساباتِنا، أم نُصَدِّقُ قَسَمَ مُحمَّدٍ ﷺ؟ الصَّدَقةُ لا تُنقِصُ المال، والعَفوُ لا يَجلِبُ الذُّل، والسُّؤالُ لا يَجلِبُ الغِنى. مُعادَلةٌ رَبَّانيَّةٌ مَن عَمِلَ بها عاشَ مَلِكًا في نَفسِه، وغَنيًّا في قَلبِه، ومَهيبًا في قَومِه.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبتنا الأُولى عن قَسَمِ النَّبيِّ ﷺ العظيم: أنَّ الصَّدَقةَ لا تُنقِصُ المال بل تُباركه، وأنَّ العَفوَ لا يورِثُ ذُلًّا بل يَزيدُ العَبدَ عِزًّا، وأنَّ مَسألةَ النَّاسِ بابٌ للفَقر. والآن، ونحنُ نُغادِرُ مَجلِسَنا هذا، بقيَ السؤالُ العَمَليُّ الأهم: كيفَ نُتَرجِمُ هذا اليَقينَ النَّبويَّ إلى مَواقِفَ في حياتِنا؟
أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزلَ من مَنبري:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد يَقينَكَ بوُعودِ الله. إذا وَقَعتَ في أزمةٍ، فإيَّاكَ أن تَعتَقِدَ أنَّ اللهَ تَخَلَّى عنك. اجعَل قَلبَكَ مُعَلَّقًا بالخالقِ لا بالمخلوقين، فاليَقينُ هو العُملَةُ التي لا تَسقُطُ قيمَتُها أبدًا.
الثانية (لِسانيَّة): أغلق على نفسك باب الشكوى للناس. كُفَّ لِسانَكَ عن إظهارِ الحاجَةِ والبَثِّ والحُزنِ لكلِّ عابر. اجعَل شَكواكَ في سُجودِكَ للهِ وَحدَه، فمَن شَكا إلى اللهِ أَغناه، ومَن شَكا إلى النَّاسِ فَضَحوهُ وما أشبَعوه.
الثالثة (عَمَليَّة): اخرُجِ اليومَ من جُمُعَتِكَ هذه، وتَصَدَّق بشيءٍ ولو كان يَسيرًا جدًّا. دِرهم، أو طَعام، أو سُقيا ماء. تصَدَّق بنيَّةِ تَصديقِ النَّبيِّ ﷺ واكسِر حاجِزَ الخَوفِ من المُستَقبَل، ستَجِد سَكينتَها في قَلبِكَ قَبلَ أن تَصِلَ الفلوسُ لِيَدِ الفَقير.
الرابعة (اجتماعيَّة): ابحَث في ذاكرتِكَ اليومَ عن شَخصٍ بَينَكَ وبَينَهُ قَطيعَة، أو شَخصٍ أساءَ إليك، واعفُ عنه بينَكَ وبينَ الله. قُل: "يا ربِّ عَفوْتُ عنهُ ابتِغاءَ العِزَّةِ التي أَقسَمَ عليها نَبيُّك". جرِّب لَذَّةَ العَفو، فإنَّها واللهِ أحلَى من لَذَّةِ الانتِقام.
الخامسة (موضوعيَّة): احفَظوا هذا الحديثَ وعَلِّموهُ أهليكُم وأولادَكم. اغرِسوا في أبنائكم أنَّ الكرامَةَ في التَّعَفُّف، وأنَّ البَركةَ في البَذل، لِيَنشَأَ جيلٌ مُعتَزٌّ بربِّه، لا يُذِلُّ نَفسَهُ لِغَيرِ خالِقِه.
فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ تَحمِلُكم على التَّعَفُّفِ والعَفوِ والبَذل، وبها تُفتَحُ بَرَكاتُ السَّماءِ والأرض.
ثم صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللَّهمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا أُعطيَ شَكَر، وإذا ابتُليَ صَبَر، وإذا أذنَبَ استَغفَر.
اللَّهمَّ اجعَلنا مِمَّن يُنفِقونَ ولا يَخافونَ من ذي العَرشِ إقلالًا. اللَّهمَّ صُبَّ علينا الخَيرَ صَبًّا، ولا تَجعَل عَيشَنا كَدًّا، وبارِك لنا فيما رَزَقتَنا.
اللَّهمَّ ارزُقنا نُفوسًا صَفيَّة، تَعفو وتَصفَح، وتَطلُبُ العِزَّةَ من عِندِك، ونَقِّ قُلوبَنا من الغِلِّ والحِقدِ والحَسَد.
اللَّهمَّ أغنِنا بحَلالِكَ عن حَرامِك، وبطاعَتِكَ عن مَعصيَتِك، وبفَضلِكَ عمَّن سِواك، ولا تُحْوِجنا لأَحَدٍ من خَلقِك، واجعَل أيديَنا هِيَ العُليا بالبَذلِ والعَطاء.
اللَّهمَّ انصُرِ المُستَضعَفينَ والمظلومينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهمَّ كُن لهم مُؤَيِّدًا ونَصيرًا، ورُدَّ كَيدَ الظَّالمينَ في نُحورِهم.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العظيمَ يَذكُركم، واشكُروهُ على نِعَمِه يَزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِم الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
ثلاثٌ يُقسِمُ عليهنَّ الصادقُ المصدوق
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.