📖 حَقِيقَةُ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ.. بَيْنَ اليَقِينِ وَالغُرُورِ
#درس_علمي #حسن_الظن_بالله #أعمال_القلوب #التوكل #الرجاء #عقيدة #لطلبة_العلم
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ:
إِخْوَتِي طَلَبَةَ العِلْمِ، وَأَخَوَاتِي الفَاضِلَاتِ، دَرْسُنَا اليَوْمَ يَتَنَاوَلُ مَسْأَلَةً مِنْ أَجَلِّ مَسَائِلِ العَقِيدَةِ وَأَعْمَقِ أَعْمَالِ القُلُوبِ. مَسْأَلَةً قَدْ يَلْتَبِسُ فَهْمُهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ العَامَّةِ، بَلْ وَعَلَى بَعْضِ طَلَبَةِ العِلْمِ؛ أَلا وَهِيَ مَسْأَلَةُ: «حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ». كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ اليَوْمَ يَعِيشُونَ مُفَارَقَةً عَجِيبَةً؛ يُقِيمُونَ عَلَى المَعَاصِي، وَيُفَرِّطُونَ فِي الوَاجِبَاتِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: «نَحْنُ نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ أَنَّهُ سَيَغْفِرُ لَنَا». فَهَلْ هَذَا هُوَ حُسْنُ الظَّنِّ المَحْمُودُ شَرْعًا؟ أَمْ أَنَّهُ غُرُورٌ وَتَمَنٍّ عَلَى اللهِ البَاطِلَ؟ هَذَا مَا سَنُفَصِّلُهُ فِي دَرْسِنَا اليَوْمَ — بِإِذْنِ اللهِ — عَبْرَ سِتِّ نِقَاطٍ مَنْهَجِيَّةٍ.
أَوَّلًا: تَحْرِيرُ المُصْطَلَحَاتِ (مَا هُوَ حُسْنُ الظَّنِّ؟)
لَا يُمْكِنُ أَنْ نَلِجَ إِلَى مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ قَبْلَ أَنْ نُحَرِّرَ مُصْطَلَحَاتِهَا.
كَلِمَةُ «الظَّنِّ» فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لَهَا إِطْلَاقَانِ مُتَضَادَّانِ:
تُطْلَقُ عَلَى الشَّكِّ وَالرُّجْحَانِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [سُورَةُ النَّجْمِ: 28].
وَتُطْلَقُ عَلَى اليَقِينِ الجَازِمِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ: 46]؛ أَيْ يَتَيَقَّنُونَ.
وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّ «حُسْنَ الظَّنِّ بِاللهِ» هُوَ: اعْتِقَادُ مَا يَلِيقُ بِاللهِ جَلَّ جَلَالُهُ مِنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى وَصِفَاتِهِ العُلْيَا، وَتَيَقُّنُ سَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَكَمَالِ عَدْلِهِ، وَحِكْمَتِهِ، وَتَوَقُّعُ الخَيْرِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، مَعَ انْعِقَادِ القَلْبِ عَلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ أَحْوَالِ العَبْدِ؛ فِي النِّعْمَةِ وَالنِّقْمَةِ، فِي الطَّاعَةِ وَالمَعْصِيَةِ، فِي الحَيَاةِ وَعِنْدَ المَمَاتِ.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ مَعْنَى حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ: «أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ يَرْحَمُهُ، وَيَعْفُو عَنْهُ». وَالظَّنُّ هُنَا بِمَعْنَى اليَقِينِ وَالرَّجَاءِ القَوِيِّ.
ثَانِيًا: الأَصْلُ الشَّرْعِيُّ وَمَنْزِلَةُ هَذِهِ العِبَادَةِ
حُسْنُ الظَّنِّ بِاللهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ شُعُورٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ قَلْبِيَّةٌ وَاجِبَةٌ، يَأْثَمُ تَارِكُهَا، وَيُثَابُ فَاعِلُهَا.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ العَظِيمِ الَّذِي يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي»].
قَالَ العُلَمَاءُ فِي شَرْحِهِ: المَعْنَى أَنَّهُ إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ بِي شَرًّا فَلَهُ. فَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُعَامِلُ عَبْدَهُ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ بِهِ. فَإِنْ ظَنَّ العَبْدُ أَنَّ اللهَ سَيَرْحَمُهُ وَيَرْزُقُهُ وَيُدَافِعُ عَنْهُ وَيَغْفِرُ لَهُ؛ كَانَ اللهُ كَذَلِكَ لَهُ. وَإِنْ ظَنَّ سِوَى ذَلِكَ، وُكِلَ إِلَى ظَنِّهِ الفَاسِدِ.
وَلِذَلِكَ أَقْسَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَسَمًا عَظِيمًا يَقُولُ فِيهِ: «وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا أُعْطِيَ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ، وَوَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَا يُحْسِنُ عَبْدٌ الظَّنَّ بِاللهِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ ظَنَّهُ؛ ذَلِكَ بِأَنَّ الخَيْرَ فِي يَدِهِ».
ثَالِثًا: الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ بَيْنَ حُسْنِ الظَّنِّ وَبَيْنَ الغُرُورِ وَالأَمَانِي
هُنَا المَفْصِلُ الدَّقِيقُ الَّذِي انْزَلَقَتْ فِيهِ أَقْدَامُ طَوَائِفَ مِنَ النَّاسِ، كَغُلَاةِ المُرْجِئَةِ قَدِيمًا، وَالمُتَسَاهِلِينَ حَدِيثًا. يَظُنُّ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى المَعَاصِي وَأَكْلِ الحَرَامِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَإِذَا نُصِحَ قَالَ: «رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَأَنَا أُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ».
يَرُدُّ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ — وَكَانَ مِنْ أَوْعَى النَّاسِ بِالقُرْآنِ — عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ الفَاصِلِ: «إِنَّ المُؤْمِنَ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأَحْسَنَ العَمَلَ، وَإِنَّ الفَاجِرَ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأَسَاءَ العَمَلَ».
فَحُسْنُ الظَّنِّ دَافِعٌ لِلْعَمَلِ لَا مُعَطِّلٌ لَهُ. وَالمُعْتَمِدُ عَلَى العَفْوِ مَعَ الإِصْرَارِ عَلَى الذَّنْبِ كَالمُزَارِعِ الَّذِي لَا يَبْذُرُ حَبًّا، وَلَا يَسْقِي أَرْضًا، ثُمَّ يَنْتَظِرُ الحَصَادَ وَيَقُولُ: أَنَا أُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّي أَنَّهُ سَيُخْرِجُ لِي ثَمَرًا! هَذَا فِي الشَّرْعِ لَا يُسَمَّى حُسْنَ ظَنٍّ، بَلْ يُسَمَّى سَفَهًا وَغُرُورًا وَتَمَنِّيًا.
وَقَدْ حَرَّرَ العَلَّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ هَذِهِ المَسْأَلَةَ فِي كِتَابِهِ الجَلِيلِ (الَدَّاءُ وَالدَّوَاءُ)، فَذَكَرَ أَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ إِنْ حَمَلَ عَلَى العَمَلِ وَحَثَّ عَلَيْهِ كَانَ مَحْمُودًا (وَهُوَ الرَّجَاءُ)، وَإِنْ دَعَا إِلَى البَطَالَةِ وَالِانْهِمَاكِ فِي المَعَاصِي فَهُوَ غُرُورٌ (وَهُوَ الأُمْنِيَّةُ). وَقَالَ تَعَالَى مُحَذِّرًا مِنْ هَذَا الغُرُورِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [سُورَةُ الِانْفِطَارِ: 6]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ مُبَيِّنًا حَقِيقَةَ الرَّجَاءِ الصَّادِقِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ: 218]. فَتَأَمَّلْ كَيْفَ قَرَنَ رَجَاءَهُمْ بِأَعْظَمِ الأَعْمَالِ؛ الإِيمَانِ وَالهِجْرَةِ وَالجِهَادِ.
رَابِعًا: مَقَامَاتٌ يَتَأَكَّدُ فِيهَا حُسْنُ الظَّنِّ بِاللهِ
هُنَاكَ مَوَاضِعُ وَمَقَامَاتٌ فِي حَيَاةِ المُسْلِمِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِيهَا أَنْ يَسْتَدْعِيَ هَذِهِ العِبَادَةَ بِقُوَّةٍ، وَأَنْ يَطْرُدَ وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ الَّذِي يُخَوِّفُهُ مِنْ رَبِّهِ:
المَقَامُ الأَوَّلُ: عِنْدَ الدُّعَاءِ:
إِذَا رَفَعْتَ يَدَيْكَ لِلدُّعَاءِ، يُشْتَرَطُ لِقَبُولِهِ أَنْ تَظُنَّ ظَنَّ يَقِينٍ أَنَّ اللهَ سَيَسْتَجِيبُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. فَإِذَا دَعَوْتَ وَأَنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ: «لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ الأَمْرَ سَيَتَحَقَّقُ، لَكِنِّي أُجَرِّبُ»، فَهَذَا سُوءُ ظَنٍّ يَمْنَعُ الإِجَابَةَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «الدُّعَاءُ بِلَا يَقِينٍ كَالرَّمْيِ بِقَوْسٍ بِلَا وَتَرٍ».
المَقَامُ الثَّانِي: عِنْدَ المَصَائِبِ وَالنَّوَازِلِ:
حِينَ تَنْزِلُ بِالعَبْدِ مُصِيبَةٌ، سَوَاءٌ فِي نَفْسِهِ أَو مَالِهِ أَو وُلْدِهِ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْتَضِي أَنْ يُؤْمِنَ أَنَّ فِي طَيَّاتِ هَذَا المَنْعِ عَطَاءً، وَأَنَّ تَحْتَ هَذَا البَلَاءِ لُطْفًا خَفِيًّا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ: 216]. مَنْ أَحْسَنَ الظَّنَّ حِينَ البَلَاءِ، أَنْزَلَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ سَكِينَةً لَا يُقَدِّرُهَا بِثَمَنٍ.
المَقَامُ الثَّالِثُ: عِنْدَ التَّوْبَةِ مِنْ الذُّنُوبِ المُهْلِكَةِ:
إِذَا أَذْنَبَ العَبْدُ ذَنْبًا عَظِيمًا — وَرُبَّمَا كَرَّرَهُ — يَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: «لَقَدْ كَثُرَتْ خَطَايَاكَ، وَلَنْ يَقْبَلَ اللهُ تَوْبَتَكَ». هَذَا هُوَ القُنُوطُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ. عِلَاجُهُ حُسْنُ الظَّنِّ المُسْتَمِدِّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: 53].
المَقَامُ الرَّابِعُ: عِنْدَ الِاحْتِضَارِ وَسَكَرَاتِ المَوْتِ:
وَهُوَ أَشَدُّ المَقَامَاتِ، حَيْثُ يُسْتَحَبُّ لِلْعَبْدِ أَنْ يُغَلِّبَ جَانِبَ الرَّجَاءِ تَمَامًا. دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوْتِ، فَقَالَ لَهُ: «كَيْفَ تَجِدُكَ؟» قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. وَلِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ أَمْرًا حَاسِمًا، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ». فَعِنْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ، يُطْوَى دَفْتَرُ العَمَلِ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا حُسْنُ الظَّنِّ بِالرَّحِيمِ.
خَامِسًا: تَطْبِيقَاتٌ عَمَلِيَّةٌ مِنْ سِيَرِ الأَنْبِيَاءِ وَالسَّلَفِ
لَوْ نَظَرْنَا فِي كِتَابِ اللهِ لَوَجَدْنَا أَنَّ أَنْبِيَاءَ اللهِ كَانُوا مَضْرِبَ المَثَلِ فِي هَذِهِ العِبَادَةِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الأَسْبَابِ المَادِّيَّةِ:
فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ قُذِفَ فِي النَّارِ العَظِيمَةِ، مَا كَانَ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ؟ كَانَ ظَنُّهُ أَنَّهُ لَنْ يُضَيِّعَهُ، فَقَالَ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.
وَهَذَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَيْنَمَا البَحْرُ أَمَامَهُ وَفِرْعَوْنُ بِجَيْشِهِ خَلْفَهُ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ يَصْرُخُونَ ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. أَجَابَهُمْ بِيَقِينِ حَسَنِ الظَّنِّ بِاللهِ بِلَا تَرَدُّدٍ: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 62]. فَانْفَلَقَ البَحْرُ لِأَجْلِ هَذَا اليَقِينِ.
وَفِي الغَارِ، يَنْظُرُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى أَقْدَامِ المُشْرِكِينَ فَوْقَهُمْ، فَيَقُولُ خَائِفًا عَلَى حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا. فَيُجِيبُهُ سَيِّدُ المُتَوَكِّلِينَ ﷺ بِمُنْتَهَى حُسْنِ الظَّنِّ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟» وَنَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 40].
سَادِسًا: اسْتِدْرَاكَاتٌ عِلْمِيَّةٌ وَإِزَالَةُ إِشْكَالَاتٍ
قَدْ يُشْكِلُ عَلَى الطَّالِبِ أَمْرَانِ دَقِيقَانِ نُجِيبُ عَنْهُمَا:
الإِشْكَالُ الأَوَّلُ: إِذَا كَانَ حُسْنُ الظَّنِّ مَحْمُودًا، فَمَا تَوْجِيهُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي ذَمِّ المُنَافِقِينَ حِينَ اعْتَقَدُوا بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 154]؟
الجَوَابُ: هَذَا هُوَ «سُوءُ الظَّنِّ»، وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ القَيِّمِ فِي (زَادِ المَعَادِ) فَقَالَ: «ظَنُّوا أَنَّ اللهَ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ سَيَضْمَحِلُّ، وَظَنُّوا أَنَّ مَا أَصَابَهُمْ لَمْ يَكُنْ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَحِكْمَتِهِ. فَهَذَا ظَنُّ المُنَافِقِينَ وَالمُشْرِكِينَ السَّوْءَ». فَحُسْنُ الظَّنِّ أَنْ تَعْتَقِدَ نَصْرَ اللهِ لِدِينِهِ، وَحِكْمَتَهُ فِي ابْتِلَائِهِ، وَسُوءُ الظَّنِّ أَنْ تَظُنَّ أَنَّ اللهَ يَتْرُكُ أَوْلِيَاءَهُ لِأَعْدَائِهِمْ يَمْحَقُونَهُمْ مَحْقًا لَا يَقُومُ لَهُمْ بَعْدَهُ قَائِمَةٌ.
الإِشْكَالُ الثَّانِي: يَقُولُ قَائِلٌ: «أَنَا دَعَوْتُ اللهَ بِحُسْنِ ظَنٍّ أَنْ يُعْطِيَنِي وَظِيفَةً مُعَيَّنَةً، أَوْ أَنْ يَشْفِيَنِي مِنْ مَرَضٍ، فَلَمْ يَحْدُثْ مَا دَعَوْتُ بِهِ! هَلْ حُسْنُ ظَنِّي كَانَ خَطَأً؟ أَوْ هَلْ أَخْلَفَ اللهُ ظَنِّي بِهِ جَلَّ عَنْ ذَلِكَ؟»
الجَوَابُ: حُسْنُ الظَّنِّ لَا يَعْنِي أَنْ تَفْرِضَ عَلَى اللهِ تَفَاصِيلَ مَطَالِبِكَ الدُّنْيَوِيَّةِ. حُسْنُ الظَّنِّ الأَعْلَى هُوَ: أَنْ تَتَيَقَّنَ أَنَّ اللهَ اخْتَارَ لَكَ الأَصْلَحَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا. فَإِذَا مَنَعَكَ، فَأَنْتَ تُحْسِنُ الظَّنَّ فِي مَنْعِهِ كَمَا تُحْسِنُ الظَّنَّ فِي عَطَائِهِ، لِأَنَّهُ المَانِعُ المُعْطِي. قَدْ يَكُونُ المَرَضُ كَفَّارَةً، وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الوَظِيفَةُ فِتْنَةً فِي دِينِكَ. فَالرِّضَا بِالمَنْعِ بَعْدَ الدُّعَاءِ هُوَ قِمَّةُ حُسْنِ الظَّنِّ بِحِكْمَةِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ.
إِحَالَاتٌ لِلْمَرَاجِعِ وَالتَّوَسُّعِ:
لِمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ — إِخْوَتِي — أَنْ يَسْتَزِيدَ وَيَتَعَمَّقَ فِي فِقْهِ هَذِهِ العِبَادَةِ الجَلِيلَةِ، أُحِيلُهُ إِلَى مَرَاجِعَ أَصِيلَةٍ كَتَبَهَا أَئِمَّةُ السَّلَفِ:
1. كِتَابُ «الجَوَابِ الكَافِي لِمَنْ سَأَلَ عَنِ الدَّوَاءِ الشَّافِي» (الَدَّاءُ وَالدَّوَاءُ) لِلْإِمَامِ ابْنِ القَيِّمِ، فَقَدْ فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالغُرُورِ بِتَفْصِيلٍ بَدِيعٍ.
2. كِتَابُ «مَدَارِجِ السَّالِكِينَ» لِابْنِ القَيِّمِ أَيْضًا — فِي (مَنْزِلَةِ الرَّجَاءِ).
3. كِتَابُ «جَامِعِ العُلُومِ وَالحِكَمِ» لِلْإِمَامِ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ — عِنْدَ شَرْحِهِ لِحَدِيثِ «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي».
الخَاتِمَةُ وَالخُطْوَةُ العَمَلِيَّةُ:
إِخْوَتِي، خُلَاصَةُ دَرْسِنَا اليَوْمَ تَتَمَرْكَزُ فِي ثَلَاثِ قَوَاعِدَ:
الأُولَى: أَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللهِ عِبَادَةٌ وَاجِبَةٌ لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ إِلَّا بِهَا.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ مِعْيَارَ صِدْقِهَا هُوَ أَنْ تَدْفَعَكَ لِلْعَمَلِ وَالطَّاعَةِ، وَإِلَّا فَهِيَ غُرُورٌ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ عُصَارَتَهَا تَظْهَرُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالنَّوَازِلِ وَعِنْدَ سَكَرَاتِ المَوْتِ.
وَالخُطْوَةُ العَمَلِيَّةُ الَّتِي أُوصِي بِهَا نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ بَعْدَ هَذَا المَجْلِسِ:
رَاقِبُوا قُلُوبَكُمْ عِنْدَ أَوَّلِ مُصِيبَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ تَحِلُّ بِكُمْ غَدًا، أَوْ عِنْدَ دُعَاءٍ تَدْعُونَهُ اللَّيْلَةَ. طَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ مِنْ أَيِّ ظَنٍّ أَنَّ اللهَ قَدْ نَسِيَكُمْ، أَوْ أَنَّهُ يُعَذِّبُكُمْ، أَوْ أَنَّهُ سَيَتْرُكُكُمْ لِلضَّيَاعِ. اسْتَحْضِرُوا كَلِمَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللهِ، وَأَنَّهُ يُعْطِي العَبْدَ مَا يَظُنُّهُ بِهِ.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ لَنَا فِي عِلْمِنَا وَعَمَلِنَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ أَحْسَنَ بِكَ الظَّنَّ فَأَحْسَنْتَ إِلَيْهِ بِالعَطَاءِ وَالعَفْوِ، اللَّهُمَّ ارزُقْنَا الإِخْلَاصَ فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وَالآنَ، أَفْتَحُ بَابَ الأَسْئِلَةِ وَالمُنَاقَشَةِ لِمَنْ كَانَ لَدَيْهِ إِشْكَالٌ أَوْ رَغْبَةٌ فِي الِاسْتِيضَاحِ...
✍️ إِلَى هُنَا يَنْتَهِي القَلَمُ، وَهُنَا تَبْدَأُ مَسْؤُولِيَّتُكَ أَيُّهَا الخَطِيبُ وَالمُعَلِّمُ. هَذَا نَصٌّ صَاغَهُ نَمُوذَجٌ آلِيٌّ، وَالآلَةُ تُحْسِنُ وَتُسِيءُ. فَلَا تَأْمَنْ لَهَا إِلَّا بَعْدَ تَحَقُّقٍ — رَاجِعْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَامْزُجْهَا بِقَلْبِكَ وَتَجْرِبَتِكَ العِلْمِيَّةِ، فَمَجْلِسُ العِلْمِ أَمَانَةٌ يُسْأَلُ عَنْهَا صَاحِبُهَا يَوْمَ الحِسَابِ. وَإِنْ أَرَدْتَ صَقْلَ هَذَا الدَّرْسِ أَوْ زِيَادَةَ تَفْصِيلَاتِهِ العَقَدِيَّةِ فَحَدِّدْ طَلَبَكَ بِدِقَّةٍ، تَنَلْ مَا يُلَائِمُ مَجْلِسَكَ.