🕌 نِهَايَةُ الظَّالِمِينَ.. وَعْدُ اللهِ الَّذِي لَا يُخْلَف
#خطبة_جمعة #الظلم #نهاية_الظالمين #سوريا #اليقين #عقيدة
الحَمْدُ للهِ العَدْلِ الحَكَمِ، قَاصِمِ ظُهُورِ الجَبَابِرَةِ وَالمُتَكَبِّرِينَ، الحَمْدُ للهِ الَّذِي حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ مُحَرَّمًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يُمْهِلُ الظَّالِمَ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ لَنْ يُؤْخَذَ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ المَظْلُومِينَ، وَسَيِّدُ العَادِلِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْمِرْصَادِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَنِينُ المُسْتَضْعَفِينَ، وَلَا يُغْفِلُهُ بَطْشُ المُتَجَبِّرِينَ.
يَظُنُّ الطَّاغِيَةُ أَنَّهُ قَدْ أَفْلَتَ بِمَا فَعَلَ، وَتَمُرُّ السِّنُونَ، وَيَبْنِي قُصُورَهُ عَلَى جَمَاجِمِ الأَبْرِيَاءِ، حَتَّى نَظُنَّ فِي لَحْظَةِ يَأْسٍ أَنَّ لَيْلَ الظُّلْمِ بِلَا فَجْرٍ. وَلَكِنْ.. هَلْ يَنَامُ المَظْلُومُ وَيَنَامُ العَدْلُ الإِلَهِيُّ؟ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ دِمَاءِ الشَّامِ، ظَنَّ فِيهَا السَّفَّاحُونَ أَنَّ الكَامِيرَاتِ قَدْ أُطْفِئَتْ وَأَنَّ المَقَابِرَ الجَمَاعِيَّةَ قَدْ طُوِيَتْ. لَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّ مَحْكَمَةَ السَّمَاءِ قَدْ أَصْدَرَتْ حُكْمَهَا مُنْذُ زَمَنٍ.. وَالْيَوْمَ فَقَطْ بَدَأَ التَّنْفِيذُ. مَا الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ طُغَاةِ الأَمْسِ وَسَفَّاحِي الْيَوْمِ؟ وَكَيْفَ تَسْقُطُ الأَقْنِعَةُ فِي نِهَايَةِ المَطَافِ؟ بَعْدَ قَلِيلٍ سَتَسْمَعُونَ الْجَوَابَ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، إِذَا قَلَّبْتُمْ صَفَحَاتِ التَّارِيخِ، وَتَأَمَّلْتُمْ سُنَنَ اللهِ فِي خَلْقِهِ، سَتَجِدُونَ سُنَّةً ثَابِتَةً لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَغَيَّرُ، قَانُونًا إِلَهِيًّا صَارِمًا كُتِبَ بِحِبْرِ العَدْلِ عَلَى لَوْحِ المَقَادِيرِ: إِنَّ الظُّلْمَ مَهْمَا طَالَ زَمَانُهُ، وَمَهْمَا اشْتَدَّ بُنْيَانُهُ، وَمَهْمَا تَفَرْعَنَ أَهْلُهُ، فَإِنَّ لَهُ نِهَايَةً مُرَوِّعَةً لَا مَحَالَةَ. هَلْ سَأَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَوْمًا: لِمَاذَا يَتْرُكُ اللهُ الظَّالِمَ يَبْطِشُ وَيَتَجَبَّرُ وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ دُونَ أَنْ يَخْسِفَ بِهِ الأَرْضَ فِي اللَّحْظَةِ الأُولَى؟ لِمَاذَا يَتَأَخَّرُ النَّصْرُ حَتَّى تَبْلُغَ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ؟
اسْمَعُوا إِلَى هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَوْ نَزَلَتْ وَحْدَهَا لَكَفَتْ كُلَّ مَظْلُومٍ، يَقُولُ رَبُّكُمْ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾. تَأَمَّلُوا الكَلِمَةَ الحَاسِمَةَ هُنَا: «إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ». التَّأْخِيرُ لَيْسَ نِسْيَانًا، بَلْ هُوَ اسْتِدْرَاجٌ إِلَهِيٌّ، لِيَزْدَادُوا إِثْمًا، وَلِيَمْتَلِئَ كِتَابُهُمْ بِالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ لِيَكُونَ السُّقُوطُ مُدَوِّيًا أَمَامَ أَعْيُنِ العَالَمِينَ. وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، يَقُولُ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ طَغْوَةَ السُّلْطَةِ تُعْمِي البَصِيرَةَ، وَتَجْعَلُ الطَّاغِيَةَ يَرَى نَفْسَهُ إِلَهًا فِي الأَرْضِ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. وَلَكِنْ، دَعُونَا نَعُودُ إِلَى صَفَحَاتِ التَّارِيخِ، لِنَرَى كَيْفَ تُذِلُّ الأَيَّامُ رِقَابَ الجَبَابِرَةِ.
يُذْكَرُ فِي الأَثَرِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ البَرْمَكِيَّ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ وُزَرَاءِ بَنِي العَبَّاسِ قُوَّةً وَسَطْوَةً، كَانَ النَّاسُ يَخْشَوْنَهُ، وَتُعْقَدُ الأُمُورُ بِإِشَارَةٍ مِنْ أُصْبُعِهِ. لَكِنْ لَمَّا دَارَتِ الدَّوَائِرُ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ الخَلِيفَةُ، صُودِرَتْ أَمْوَالُهُ، وَسِيقَ إِلَى سِجْنٍ مُظْلِمٍ مَعَ ابْنِهِ، بَعْدَ عِزٍّ مَا بَعْدَهُ عِزٌّ، وَتُرِكُوا فِي القُيُودِ يَلْتَحِفُونَ الأَرْضَ وَيَفْتَرِشُونَ التُّرَابَ. فَنَظَرَ ابْنُهُ إِلَيْهِ فِي عَتْمَةِ السِّجْنِ، مَقْهُورًا مَكْسُورًا، وَقَالَ سُؤَالًا يُمَزِّقُ القَلْبَ: «يَا أَبَتِ، بَعْدَ العِزِّ، وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالقُصُورِ الفَارِهَةِ، صِرْنَا إِلَى هَذِهِ القُيُودِ وَهَذَا السِّجْنِ؟»
فَمَاذَا أَجَابَهُ الأَبُ الَّذِي كَشَفَتْ لَهُ المِحْنَةُ مَا غَطَّتْهُ غَفْلَةُ السُّلْطَةِ؟ قَالَ لَهُ بِصَوْتٍ عَمِيقٍ بَاكٍ: «يَا بُنَيَّ، دَعْوَةُ مَظْلُومٍ سَرَتْ بِلَيْلٍ نَامَتْ عَنْهَا أَعْيُنُنَا، وَغَفَلْنَا عَنْهَا، وَلَمْ يَغْفُلِ اللَّهُ عَنْهَا!».
تَأَمَّلُوا هَذَا المَعْنَى جَيِّدًا. دَعْوَةٌ خَفِيَّةٌ، انْطَلَقَتْ مِنْ قَلْبٍ مَحْرُوقٍ فِي سَاعَةِ سَحَرٍ، صَعِدَتْ كَالشَّرَارَةِ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ، فَلَمْ تَتَوَقَّفْ حَتَّى دَكَّتْ قُصُورَ وُزَرَاءٍ وَأَسْقَطَتْ حُكُومَاتٍ. يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ». وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّ اللهَ يُقِيمُ الدَّوْلَةَ العَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً، وَلَا يُقِيمُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً».
وَاليَوْمَ، يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ، لَسْنَا بِحَاجَةٍ لِأَنْ نَقْرَأَ التَّارِيخَ فِي الكُتُبِ؛ فَنَحْنُ نَشْهَدُهُ أَمَامَ أَعْيُنِنَا حَيًّا نَابِضًا، نَرَى فِرْعَوْنَ يُغْرَقُ، وَهَامَانَ يُذَلُّ، وَالمَجْرِمِينَ يُسَاقُونَ إِلَى مَزَابِلِ النِّسْيَانِ. كُلُّنَا يَذْكُرُ تِلْكَ الشَّرَارَةَ الَّتِي انْطَلَقَتْ قَبْلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مَدِينَةِ دَرْعَا فِي الشَّامِ. حِينَمَا تَأَثَّرَ أُطْفَالٌ صِغَارٌ، لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ، فَكَتَبُوا كَلِمَاتٍ بَرِيئَةً عَلَى جِدَارِ مَدْرَسَتِهِمْ. فَمَاذَا فَعَلَ طَاغُوتُ تِلْكَ المَدِينَةِ؟ المُجْرِمُ العَتِيُّ المَدْعُو "عَاطِف نَجِيب".. أَخَذَ الأَطْفَالَ فَعَذَّبَهُمْ بِأَبْشَعِ أَنْوَاعِ التَّعْذِيبِ، وَقَلَعَ أَظَافِرَهُمْ، دُونَ رَحْمَةٍ لِصِغَرِهِمْ وَلَا شَفَقَةٍ لِبُكَائِهِمْ.
وَلَمَّا جَاءَهُ شُيُوخُ العَشَائِرِ وَكِبَارُ القَوْمِ يَشْفَعُونَ فِي أَبْنَائِهِمْ، مَاذَا كَانَ رَدُّهُ؟ طَرَدَهُمْ، وَأَهَانَهُمْ بِكَلِمَاتٍ يَنْدَى لَهَا الجَبِينُ، وَاسْتَكْبَرَ اسْتِكْبَارَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ السَّمَاءَ خَلَتْ مِنْ رَبِّهَا، وَأَنَّ الأَرْضَ دَانَتْ لِسَيِّدِهِ. أَيْنَ هَذَا المُتَكَبِّرُ اليَوْمَ؟ أَيْنَ سَطْوَتُهُ الَّتِي أَرْعَبَ بِهَا النَّاسَ؟ لَقَدْ دَارَتْ عَلَيْهِ الدَّوَائِرُ، وَفُضِحَ أَمْرُهُ، وَانْكَسَرَتْ شَوْكَتُهُ، وَرَآهُ العَالَمُ مُذَلَّلًا يُقَادُ إِلَى مَحَاكِمِ الأَرْضِ، قَبْلَ أَنْ يَقِفَ غَدًا عَارِيًا مَذْعُورًا فِي مَحْكَمَةِ السَّمَاءِ حَيْثُ القَاضِي هُوَ اللهُ. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
ثُمَّ انْتَقِلُوا مَعِي بِذَاكِرَتِكُمْ إِلَى ذَلِكَ المَشْهَدِ المُفْزِعِ.. إِلَى "مَجْزَرَةِ التَّضَامُنِ".. مَشْهَدٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَمْحُوَهُ الأَيَّامُ مِنْ ذَاكِرَةِ أَيِّ إِنْسَانٍ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ رَحْمَةٍ. ذَلِكَ السَّفَّاحُ الدَّمَوِيُّ المُسَمَّى "أَمْجَد يُوسُف"، خَرَجَ وَالضِّحْكَةُ عَلَى وَجْهِهِ، يَسُوقُ العَشَرَاتِ مِنَ الأَبْرِيَاءِ، مَعْصُوبِي الأَعْيُنِ، مُقَيَّدِي الأَيْدِي، وَيَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يَمْشُوا نَحْوَ حُفْرَةِ المَوْتِ. الرَّجُلُ يَظُنُّ أَنَّهُ يَمْشِي نَحْوَ أَمَانٍ، فَإِذَا بِهِ يَسْقُطُ فِي خَنْدَقٍ مَلِيءٍ بِالجُثَثِ، ثُمَّ يُتْبِعُهُ هَذَا السَّفَّاحُ بِرَصَاصَةٍ غَادِرَةٍ بَارِدَةٍ. وَبَعْدَ أَنْ أَزْهَقَ وَاحِدًا وَأَرْبَعِينَ رُوحًا مَعْصُومَةً، أَضْرَمَ النَّارَ فِي جُثَثِهِمْ لِيُخْفِيَ مَعَالِمَ جَرِيمَتِهِ.
هَلْ شَكَكْتُمْ يَوْمًا فِي عَدْلِ اللهِ عِنْدَمَا رَأَيْتُمْ هَذَا المَشْهَدَ؟ هَلْ تَسَاءَلْتُمْ وَأَنْتُمْ تَبْكُونَ: كَيْفَ يَنَامُ هَذَا المُجْرِمُ؟ وَكَيْفَ يَتَنَفَّسُ؟ ظَنَّ أَنَّهُ أَخْفَى جَرِيمَتَهُ فِي بَاطِنِ الأَرْضِ وَأَحْرَقَهَا، لَكِنَّ اللهَ الَّذي ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أَبَى إِلَّا أَنْ يَفْضَحَهُ فِي العَالَمِينَ. وَهَا هُوَ اليَوْمَ، يَقَعُ ذَلِكَ السَّفَّاحُ فِي قَبْضَةِ العَدَالَةِ، ذَلِيلًا، صَاغِرًا، مَكْسُورًا. صَارَ مِثَالًا لِلْخِزْيِ. أَيْنَ ضَحَكَاتُهُ؟ أَيْنَ جَبَرُوتُهُ؟ لَقَدْ تَبَخَّرَتْ كَمَا يَتَبَخَّرُ الدُّخَانُ.
قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ وَإِنْ بَغَيْتَ، فَإِنَّ حَالِقَ المَوْتِ مِنْ وَرَائِكَ، يَحْلِقُ عُنُقَكَ، وَيَجُزُّ شَأْفَتَكَ!». وَوَاللهِ لَقَدْ حَلَقَ العَدْلُ رِقَابَهُمْ فِي الدُّنْيَا لِيَكُونُوا آيَةً لِمَنْ خَلْفَهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَرَوْا عَذَابَ الآخِرَةِ، يَوْمَ تَقِفُ تِلْكَ الأَرْوَاحُ المَظْلُومَةُ مُتَعَلِّقَةً بِعَرْشِ الرَّحْمَنِ، تَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي! سَلْهُ لِمَاذَا أَحْرَقَنِي!
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّ قِصَّةَ هَؤُلَاءِ الطُّغَاةِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نَشْرَةِ أَخْبَارٍ نَسْمَعُهَا لِنَشْمَتَ فَقَطْ، بَلْ هِيَ رِسَالَةٌ رَبَّانِيَّةٌ بَلِيغَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِالدَّمِ. تَقُولُ لَنَا هَذِهِ الرِّسَالَةُ: إِيَّاكُمْ أَنْ تَيْأَسُوا! إِيَّاكُمْ أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ دَمْعَةَ المَظْلُومِ تَضِيعُ فِي الأَرْضِ، أَو أَنْ أَنَّةَ الأُمِّ الثَّكْلَى تَذْهَبُ مَعَ الرِّيحِ. صَدِّقُونِي، إِنَّ اللهَ لَا يَنْسَى. إِنَّ اللهَ يَسْمَعُ أَنِينَ القُلُوبِ الَّتِي حُطِّمَتْ فِي أَقْبِيَةِ السُّجُونِ، وَيُبْصِرُ الدِّمَاءَ الَّتِي أُرِيقَتْ عَلَى أَرْصِفَةِ الشَّوَارِعِ.
يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. نَعَمْ، عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ! سَيَقْتَصُّ لِكُلِّ طِفْلٍ رُوِّعَ، وَلِكُلِّ شَيْخٍ أُهِينَ، وَلِكُلِّ حُرَّةٍ صَرَخَتْ.
فَيَا كُلَّ مَظْلُومٍ، سَوَاءٌ كُنْتَ مَظْلُومًا مِنْ نِظَامٍ بَاطِشٍ، أَو مِنْ قَرِيبٍ جَائِرٍ، أَو فِي عَمَلٍ أَو مِيرَاثٍ.. ارْفَعْ رَأْسَكَ إِلَى السَّمَاءِ وَاطْمَئِنَّ. فَإِنَّ الَّذي أَسْقَطَ هَؤُلَاءِ الأَكَابِرَ مِنَ الطُّغَاةِ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرُدَّ لَكَ حَقَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🔷 الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، الحَمْدُ للهِ القَائِلِ عَنِ الظَّالِمِينَ: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الأُولَى عَنْ سُنَّةِ اللهِ الَّتِي لَا تَتَخَلَّفُ فِي الظَّالِمِينَ، وَوَقَفْنَا مَعَ مَصَارِعِ الجَبَابِرَةِ فِي التَّارِيخِ، ثُمَّ رَأَيْنَا بِأَعْيُنِنَا كَيْفَ أَذَلَّ اللهُ طُغَاةَ الشَّامِ وَسَفَّاحِيهَا كَأَمْثَالِ عَاطِف نَجِيب وَأَمْجَد يُوسُف بَعْدَ أَنْ طَغَوْا فِي البِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ. وَالآنَ، وَنَحْنُ نَرَى هَذِهِ الآيَاتِ الرَّبَّانِيَّةَ تَتَحَقَّقُ، مَاذَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَ؟
أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي:
الأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): أَنْ تُجَدِّدُوا يَقِينَكُمْ فِي قُلُوبِكُمْ بِأَنَّ عَدْلَ اللهِ قَادِمٌ، مَهْمَا اسْتَطَالَ البَاطِلُ. لَا تَسْمَحُوا لِلْيَأْسِ أَنْ يَتَسَلَّلَ إِلَى صُدُورِكُمْ مَرَّةً أُخْرَى؛ فَالشَّكُّ فِي وَعْدِ اللهِ هُوَ انْهِزَامٌ لَا يَلِيقُ بِمُؤْمِنٍ.
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): لَا تُوقِفُوا أَلْسِنَتَكُمْ عَنِ الدُّعَاءِ لِكُلِّ مَظْلُومٍ، وَعَنِ اللَّهَجِ بِكَلِمَةِ الحَقِّ. فَإِنَّ دَعْوَةً مِنْ قَلْبٍ صَادِقٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ أَمْضَى مِنْ صَوَارِيخِ الظَّالِمِينَ وَدَبَّابَاتِهِمْ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ): أَنْ تَقِفُوا مَعَ المَظْلُومِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، بِالمَالِ، بِالمُوَاسَاةِ، بِالتَّذْكِيرِ بِقَضِيَّتِهِمْ، لَا تَقُولُوا لَيْسَ بِيَدِنَا شَيْءٌ؛ فَإِنَّ دَعْمَهُمْ وَنَشْرَ حَقِيقَتِهِمْ عَمَلٌ صَالِحٌ يُحِبُّهُ اللهُ.
الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): احْذَرُوا أَنْ تُمَارِسُوا الظُّلْمَ فِي حَيَاتِكُمْ الخَاصَّةِ! نَعَمْ، قَدْ نَلْعَنُ طُغَاةَ السِّيَاسَةِ، وَلَكِنَّ بَعْضَنَا يُمَارِسُ الطُّغْيَانَ فِي بَيْتِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ، أَو عَلَى أَوْلَادِهِ، أَو مَعَ عُمَّالِهِ وَخَدَمِهِ! كُلُّ ظُلْمٍ مُحَرَّمٌ، وَمَنْ ظَلَمَ ضَعِيفًا فِي بَيْتِهِ لَا يَخْتَلِفُ مِيزَانُهُ عِنْدَ اللهِ عَمَّنْ ظَلَمَ فِي الأَرْضِ، إِلَّا بِحَجْمِ القُوَّةِ.
الخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): احْفَظُوا ذَاكِرَةَ الأُمَّةِ. عَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ هَذِهِ الأَحْدَاثَ. لَا تَجْعَلُوهُمْ يَنْسَوْنَ دِمَاءَ الشُّهَدَاءِ وَلَا أَنِينَ المُعْتَقَلِينَ، فَإِنَّ الأُمَّةَ الَّتِي تَنْسَى مَآسِيهَا سَتُضْطَرُّ لِإِعَادَتِهَا مَرَّةً أُخْرَى.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَكُونُوا مَعَ المَظْلُومِ حَتَّى يُؤَدَّى إِلَيْهِ حَقُّهُ.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمْ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
🤲 الدُّعَاء:
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ العَدْلِ المُنْتَقِمِ الجَبَّارِ، أَنْ تَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَنْتَصِرُ لِلْحَقِّ وَلَا يَرْكَنُ لِلظَّالِمِينَ.
اللَّهُمَّ يَا مَنْ أَهْلَكْتَ فِرْعَوْنَ بِمَائِكَ، وَأَهْلَكْتَ النَّمْرُودَ بِأَضْعَفِ خَلْقِكَ، أَرِنَا فِيكَ عَجَائِبَ قُدْرَتِكَ فِي طُغَاةِ هَذَا الزَّمَانِ.
اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، وَلَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، اللَّهُمَّ اذْقِهِمْ كَأْسَ الذُّلِّ وَالهَوَانِ الَّتِي أَذَاقُوهَا لِلْمُسْتَضْعَفِينَ فِي الشَّامِ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ.
اللَّهُمَّ اجْبُرْ كَسْرَ أَهْلِنَا فِي سُورِيَا، اللَّهُمَّ ارْحَمْ شُهَدَاءَهُمْ، وَاشْفِ جَرْحَاهُمْ، وَفُكَّ أَسْرَ مُعْتَقَلِيهِمْ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، يَا مَنْ يَعْلَمُ مَكَانَهُمْ وَيَسْمَعُ أَنِينَهُمْ، عَجِّلْ بِفَرَجِهِمْ وَفَرِحْ قُلُوبَ أُمَّهَاتِهِمْ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ بَقَاعِ الأَرْضِ، وَاحْفَظْ دِمَاءَهُمْ، وَارْفَعْ عَنَّا وَعَنْهُمُ البَلَاءَ وَالغَلَاءَ وَتَسَلُّطَ الأَعْدَاءِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ جَمِيعَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْهَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الخَطِيبُ الكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجٌ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. المِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.