🕌 الأمة الإسلامية وحاجتها إلى الرجال والقادة
#خطبة_جمعة #الرجولة #صناعة_القادة #الهمة #تربية_الأجيال #الأمة_الإسلامية #دعوة
الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الخَلْقَ فاصطَفى مِنهُمُ الأنبياءَ والمُرسَلين، والحمدُ للهِ الذي أقامَ هذا الدِّينَ على كَواهلِ رِجالٍ صَدَقوا ما عاهَدوا اللهَ عليه، فباعوا نُفوسَهُم واشتَرَوا جَنَّةَ رَبِّهِم. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، القائلُ في مُحكَمِ التَّنزيلِ عن صِفاتِ الرِّجالِ الحَقَّة: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، سيِّدُ الرِّجالِ، وإمامُ القادةِ، ومُصطَفى الأخيارِ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ السَّادةِ الأبرارِ، ومَن سارَ على نَهجِهم واقتَفى أثَرَهم إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد:
عبادَ الله، هل سَألتُم أنفُسَكم يومًا وأنتم تَنظُرونَ إلى خَريطةِ العالَم، وتَرَونَ أمَّةَ الإسلامِ التي تَجاوزَ عَدَدُها اليَومَ مِليارَينِ من البَشَر؛ لماذا نَحنُ في ذَيلِ الأُمَم؟ لماذا تَتَكالَبُ علينا الأزماتُ وتَنهَشُنا المِحَن، وتُستَباحُ دِماؤنا ومُقَدَّساتُنا في غزَّةَ وغيرها، ونَحنُ نَملِكُ المالَ، ونَملِكُ الأرضَ، ونَملِكُ الثَّروات، ونَملِكُ العَدَدَ الهائل؟
الجوابُ — أيُّها الإخوة — لم يَأتِ من مُحَلِّلٍ سياسيٍّ مُعاصِر، ولا من مُفَكِّرٍ تاريخيّ، بل جاءَ من فَمِ الصَّادقِ المَصدوقِ ﷺ قبلَ أكثرَ من ألفٍ وأربعمائةِ عام، حينَ وَضَعَ إصبعَهُ على مَوطِنِ الجُرحِ قائلاً: «يُوشِكُ الأمَمُ أن تَداعَى عليكم كما تَداعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها»، فقالَ قائِلٌ: ومِن قِلَّةٍ نَحنُ يومَئِذٍ؟ قال: «بَل أنتُم يَومَئِذٍ كَثيرٌ، ولَكِنَّكُم غُثاءٌ كَغُثاءِ السَّيْلِ».
تأمَّلوا هذه الكلمةَ المُخيفة: "غُثاء".. رغوةٌ تَعلو سَطحَ الماءِ، لا وَزنَ لها، ولا قِيمَة، ولا تَصمُدُ أمامَ هَبَّةِ ريح! كَثرَةٌ عَدَديَّةٌ نَعم، لكنَّها تَفتَقِدُ إلى العُنصُرِ الحاسم، تَفتَقِدُ إلى السِّرِّ الذي بَنى أمجادَ هذه الأمَّةِ يومَ كانت قليلةَ العَدَدِ شَحيحةَ العُدَّة. إنَّ العُنصُرَ المَفقودَ يا أمَّةَ محمَّد ﷺ هو: "الرِّجالُ والقادَة".
إخوتي الكِرام، قد يَظُنُّ بَعضُنا أنَّ "الرُّجولَةَ" مُجَرَّدُ وَصفٍ يَدُلُّ على الذُّكورَةِ البَيولوجيَّة. لا والله! الذُّكورُ في الشَّوارعِ والأسواقِ كَثيرون، لكنَّ الرِّجالَ في مِيزانِ اللهِ عُملَةٌ نادِرَة. استَمِعوا إلى هذا الحديثِ العَجيبِ الذي يَكشِفُ لنا هذه الحَقيقةَ بِمُنتَهى الوُضوح، يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّما النَّاسُ كالإبِلِ المِائَةِ، لا تَكادُ تَجِدُ فيها راحِلَةً».
مائةُ جَمَل، كُلُّها تأكُلُ وتَشرَبُ وتَسير، لكِنَّكَ إذا أردتَ أن تُسافِرَ سَفَرًا طَويلاً وتَحمِلَ عِبئًا ثَقيلاً، قد تُقَلِّبُ نَظَرَكَ في المائةِ جَمَلٍ فلا تَجِدُ "راحِلَةً" واحدةً تَصلُحُ لِحَملِ المَشَقَّة. وكذلكَ النَّاس؛ الألوفُ والملايينُ يَأكُلونَ ويَشرَبونَ ويَمضونَ في الدُّنيا، لكنْ مَن مِنهُم يَصلُحُ لِحَملِ رِسالَةِ الإسلام؟ مَن مِنهُم يَصلُحُ لِيكونَ قائداً ومُوَجِّهاً ومُصلِحاً ومُتَحَمِّلاً للمَسؤوليَّة؟ هؤلاءِ هُمُ الرَّواحِل، وهُمُ الرِّجالُ الذينَ تَفتَقِدُهُمُ الأُمَّة.
وإذا أردتُم أن تَعرِفوا مَعنى "الرُّجولةِ" حَقّاً، فلا تَبحَثوا عنها في قَواميسِ العَرَب، بلِ اقرَؤوها في صَفَحاتِ القُرآنِ الكَريم. القُرآنُ حينَ أطلَقَ كَلِمَةَ "رِجال"، لم يُطلِقها على الشَّكلِ، بَل أطلَقها على المَواقِفِ والمَبادئ.
يقولُ ربُّنا تَباركَ وتَعالى وهو يَصِفُ ثَباتَ المُؤمِنينَ في أقسى لَحَظاتِ المِحنَة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
الرُّجولةُ هُنا — يا عِبادَ الله — هي الصِّدقُ في العَهدِ مع الله. هي الثَّباتُ على المَبدأِ حينَ تَتَغَيَّرُ المَصالِح وتُباعُ الذِّمَم. الرَّجُلُ الحَقيقيُّ هو الذي لا يُساوِمُ على دينِهِ ولا يُبَدِّلُ مَواقِفَهُ مهما اشتَدَّتِ الرِّياح.
ويقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ وهو يَصِفُ عُمارَ المَساجِد: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 36-37].
هنا الرُّجولةُ هي "السَّيطَرَةُ على النَّفس". أن تَكونَ في قَلْبِ السُّوقِ، والدُّنيا مَفتوحَةٌ أمامَكَ، والمَكاسِبُ في مُتَناوَلِ يَدِكَ، ثُمَّ تَسمَعُ "اللهُ أكبَر"، فَتَترُكُ كُلَّ هذا بِمِلءِ إرادَتِكَ وتَقِفُ بَينَ يَدَيِ الله. الذي تَصنَعُهُ الصَّلاةُ هو الذي يَصنَعُ الرَّجُل؛ لأنَّهُ حَرَّرَ نَفسَهُ مِن عُبوديَّةِ الدِّرهَمِ والدِّينار. قال الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله: "الرُّجولةُ ألَّا تَلتَفِتَ عَن مَطلَبِكَ العالي، وأعلى المَطالِبِ رِضا اللهِ والدارُ الآخرة".
وهل سَألتُم أنفُسَكم يوماً، كيفَ يُصنَعُ هؤلاءِ الرِّجال؟ وكيفَ تُبنى أجيالُ القادَة؟
الرِّجالُ لا يَنبُتونَ في فَراغ، ولا يُولَدونَ قادَةً بِالصُّدقَة، بَل يُصنَعونَ صِناعَة. واعلَموا أنَّ المِعيارَ الحقيقيَّ لِقُوَّةِ أيِّ أمَّةٍ ليسَ بما تَملِكُهُ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّة، بَل بما تَملِكُهُ مِن رِجال.
تَأمَّلوا معي هذا المَوقِفَ العَظيم، الذي رواهُ الإمامُ الحاكِم. يَجلِسُ أميرُ المؤمنينَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ عنه مع بَعضِ أصحابِه، فيَقولُ لَهُم: تَمَنَّوا. فقالَ رَجُلٌ: أتَمَنَّى لو أنَّ هذه الدَّارَ مَملوءَةٌ ذَهَباً أُنفِقُهُ في سَبيلِ الله. فَقالَ عُمر: تَمَنَّوا. فقالَ رَجُلٌ آخَر: أتَمَنَّى لو أنَّها مَملوءَةٌ زَبَرجَداً وجَوهَراً أُنفِقُهُ في سَبيلِ اللهِ وأتَصَدَّق. فقالَ عُمر: تَمَنَّوا. قالوا: ما نَدري يا أميرَ المُؤمِنين، ما نَتَمَنَّى بعدَ ذلك؟
فقالَ الفُاروقُ عُمر — الذي يَعرِفُ كَيفَ تُبنى الدُّوَلُ وكَيفَ تُحمَى الرِّسالات — قالَ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: «أتَمَنَّى لو أنَّ هذهِ الدَّارَ مَملوءَةٌ رِجالاً مِثلَ أبي عُبَيدَةَ بنِ الجَرَّاح، ومُعاذِ بنِ جَبَل، وسالِمٍ مَولى أبي حُذَيفَة، فَأستَعمِلُهُم في طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ».
عُمرُ يَعرِفُ أنَّ الذَّهَبَ لا يَصنَعُ أمَّة، بَلِ الرِّجالُ هُمُ الذينَ يَجلِبونَ الذَّهَب، وهُمُ الذينَ يَرفَعونَ الرَّايات، وهُمُ الذينَ يَحفَظونَ المُقَدَّسات. الذَّهَبُ في يَدِ الجَبانِ إغراءٌ لِلعَدوّ، لكِنَّ الفَقرَ مع الرُّجولَةِ قُوَّةٌ لا تُقهَر.
وإذا أردنا أمثِلَةً حَيَّةً مِن هؤلاءِ الرِّجالِ، فَدَعونا نَنتَقِلْ بَأرواحِنا إلى المدينةِ المُنَوَّرَة، لِنَقفَ أمامَ شابٍّ مِن شَبابِ الأنصار. شابٌّ لم يَعرِفِ الإسلامَ إلا لِسَنَواتٍ مَعدودات، لكنَّهُ عاشَها بِعُمقٍ، وبِمَسؤوليَّة، وبِحَمْلٍ لِهَمِّ الدِّين.
إنَّهُ سَعدُ بنُ مُعاذٍ رَضيَ اللهُ عنه. أسلَمَ سَعدٌ وعُمرُهُ إحدى وثلاثونَ سَنَة. تُوُفِّيَ شَهيداً وعُمرُهُ سَبعٌ وثلاثونَ سَنَة. سِتُّ سَنَواتٍ فَقَط في الإسلام! لكِن، ماذا فَعَلَ سَعدٌ في هذهِ السِّتِّ سَنَوات؟
حينَ ماتَ هذا الشَّاب، قالَ النَّبيُّ ﷺ كَلِمَةً صَمَتَ لها الكَون، وتَزَلزَلَت لها القُلوب. قال ﷺ: «اهتَزَّ عَرشُ الرَّحمَنِ لِمَوتِ سَعدِ بنِ مُعاذ»!
سُبحانَ الله! كَم نَعيشُ نَحن؟ سِتِّين؟ سَبعين؟ ثَمانينَ سَنَة؟ سَعدٌ عاشَ في الإسلامِ سِتَّ سَنوات، فاهتَزَّ لِمَوتِهِ عَرشُ مَلِكِ المُلوك! لماذا؟ لأنَّ سَعداً لم يَكُن مُسلِماً حاصِلاً على الهُويَّةِ فَقَط، بل كانَ قائداً، رَجُلاً، حَمَلَ أمانَةَ هذا الدِّينِ على كَتِفَيه. هو الذي قامَ يَومَ بَدرٍ حينَ استَشارَ النَّبيُّ ﷺ الأنصار، فَقالَ بِرُجولَةٍ نادِرَة: "يا رَسولَ اللهِ، فامضِ لِما أردتَ فَنَحنُ مَعَك، فَوَالذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوِ استَعرَضتَ بِنا هذا البَحرَ فَخُضتَهُ لَخُضناهُ مَعَك، ما تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ واحِد!". هؤلاءِ هُمُ القادَةُ الذينَ تَحتاجُهمُ الأُمَّة.
أمَّا إذا نَظَرنا إلى واقِعِنا المُعاصِرِ اليَوم، فَسَنَجِدُ مُفارَقَةً مُؤلِمَة.
انظُروا إلى حالِ بَعضِ شَبابِنا. شَبابٌ في العِشرينياتِ والثلاثينيات، في قِمَّةِ القُوَّةِ والطَّاقَة، لكِنَّ أقصى طُموحاتِ أحَدِهِم أن يَختِمَ لُعبَةً إلكترونيَّة، أو يَجمَعَ "الإعجاباتِ" في مَواقِعِ التَّواصُلِ الاجتِماعيّ، أو يُقَلِّدَ حَرَكَةً تَافِهَةً ظَهَرَت في مَقطَعٍ مُصَوَّر!
أصبَحنا نَرى أجساماً طَويلَةً عَريضَة، لَكِن بِعُقولٍ طُفوليَّة، تَتَهَرَّبُ مِن كُلِّ مَسؤوليَّة. الشَّابُّ اليَومَ يَهابُ الزَّواجَ خَوفاً مِنَ المَسؤوليَّة، ويَهابُ الوَظيفَةَ تَهَرُّباً مِنَ الالتِزام، ويَعيشُ مُعتَمِداً على والدَيهِ حتَّى يَشتَعِلَ رَأسُهُما شَيباً. فَمِن أينَ سَتَأتي القِيادَة؟ ومِن أينَ سَيَنهَضُ جِيلُ التَّحرير؟
يا عِبادَ الله، أينَ الخَلَل؟ أينَ ضاعَتِ الرُّجولَة؟ وكَيفَ غابَتِ القِيادَة؟
الخَلَلُ — ولا نُخفي بَعضَنا الحَقيقَة — يَبدأُ مِنَ البُيوت. حينَ تَنازَلَ الأبُ عَن دَورِهِ القِياديِّ في البَيتِ وأصبَحَ مُجَرَّدَ "مُمَوِّلٍ ماليّ" أو "صَرَّافٍ آليّ"، وحينَ انشَغَلَتِ الأُمُّ عَن مَهمَّةِ "صِناعَةِ الرِّجالِ" وتَربِيَةِ النُّفوسِ بِسَفاسِفِ الأُمورِ والمُباهاةِ، أسلَمنا أبنَاءَنا لِلشَّاشاتِ تُرَبِّيهم، ولِلمَشاهيرِ التَّافِهينَ يَصوغونَ قَدَواتِهِم.
كيفَ نَنتَظِرُ صَلاحَ الدِّينِ جَديداً، ونَحنُ نُرَبِّي أبناءَنا على الأَنانِيَّةِ والِاستِهلاكِ والتَّمَرُّدِ على كُلِّ قِيمَة؟ قالَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "ليسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي ولا بِالتَّحَلِّي، ولكِن ما وَقَرَ في القَلبِ وصَدَّقَهُ العَمَل".
والمَسأَلَةُ — إخوتي في الله — لا تَقِفُ عِندَ حُدودِ الأبناء. بَل كُلُّ واحِدٍ مِنَّا مَسؤولٌ في دائرَتِه.
نَحنُ دائِماً نُلقي بِاللائِمَةِ على الظُّروف، وعلى الآخَرين، ونَتَساءَلُ: أينَ القادَة؟ أينَ الرِّجال؟ لكِن، هَل سَألَ أحَدُنا نَفسَهُ: وماذا فَعَلتُ أنا في مُحيطي؟
القِيادَةُ لا تَعني فَقط أن تَكونَ قائِدَ جَيشٍ أو زَعيمَ دَولَة! القِيادَةُ مَوقِفٌ ومَسؤوليَّة. النَّبيُّ ﷺ وَضَعَ لَنا قاعِدَةَ القِيادَةِ الشَّامِلَةِ حينَ قال: «كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، الإمامُ راعٍ ومَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ راعٍ في أهْلِهِ وهو مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ في بَيْتِ زَوْجِها ومَسْئُولَةٌ عن رَعِيَّتِها...».
أنتَ أيُّها المُهَندِسُ، أيُّها الطَّبيبُ، أيُّها المُعَلِّمُ، أيُّها المُوَظَّف.. أنتَ قائدٌ في مَكانِك إذا اتَّقَيتَ اللهَ وأتْقَنتَ عَمَلَكَ وحَمَلتَ هَمَّ هذِهِ الأُمَّة.
الرَّجُلُ الذي يَرى المُنكَرَ في بَيتِهِ وفي شَرِكَتِهِ وفي شارِعِهِ فَيُنكِرُهُ بِحِكمَةٍ وأَدَب، هذا قائِد. قال ﷺ: «مَن رَأى مِنكُم مُنكَرًا فَليُغَيِّرهُ بِيَدِه...».
الرَّجُلُ الذي يَرفُضُ الرِّشوَةَ والمالَ الحَرامَ وهو في أشَدِّ الحاجَةِ إليه، لأنَّهُ يَخافُ الله، هذا رَجُلٌ ومَشروعُ قائِد.
الرَّجُلُ الذي يُستَفَزُّ لِدِينِهِ، ولِدِماءِ إخوانِهِ في فِلَسطينَ وغَيرِها، فَلا يَكتَفي بِمَضغِ الكَلِمات، بَل يَتَبَرَّع، ويُقاطِعُ أعداءَ الله، ويَرفَعُ يَدَيهِ بِالدُّعاءِ في ظُلمَةِ اللَّيل، ويُرَبِّي جِيلَهُ على هذهِ العَقيدَة، هذا هو القائِدُ الذي تَنتَظِرُهُ الأمَّة.
اسألوا أنفُسَكُم الآن: ماذا لَو أنَّ اللهَ سَألَكَ يَومَ القِيامَة، الأُمَّةُ كانَت تَنزِف، فماذا قَدَّمتَ لَها؟ هَل كُنتَ لَبِنَةَ بِناءٍ، أم كُنتَ مِعوَلَ هَدم، أم كُنتَ رَقماً صِفريّاً لا قِيمَةَ لَه؟
يَقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّة رَحِمَهُ الله: "مَن لَم يَكُن لَهُ هِمَّةٌ في نُصرَةِ الدِّينِ ونَفعِ المُسلِمين، فَهُوَ بِمَنزِلَةِ البَهائِم، بَل قَد تَكونُ البَهائِمُ أَنفَعَ مِنه".
إنَّ أُمَّتَنا اليومَ — يا أحِبَّة — تَستَغيث، ولا يُلَبِّي نِداءَها إلا ذَوو الهِمَمِ العالِيَة، والنُّفوسِ الكَبيرَة. الأُمَّةُ لا تَموت، وَعَدَنا اللهُ بِذلِكَ، لكِنَّها تَنتَظِرُ رِجالَها لِيَستَيقِظوا.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ مَفهومِ الرُّجولَةِ والقِيادَةِ في الإسْلام، وكَيفَ أنَّ القرآنَ رَبَطَها بِالصِّدقِ والثَّبات، لا بِالذُّكورَةِ العابِرَة. وعَرَفنا كَيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يَصنَعُ أجيالاً تَهتَزُّ لَها عُروشُ الطُّغيان. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأهم: كَيفَ نَضطَلِعُ بِهذا الدَّورِ في حَياتِنا اليَوميَّة؟ وكَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِع؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، فاحفَظوها واعمَلوا بِها:
الأولى (قَلبيَّة): نَقِّ قَلبَكَ، واستَحضِر نِيَّةً صادِقَةً أن تَكونَ لَبِنَةَ خَيرٍ وبِناءٍ في صَرحِ هذهِ الأُمَّة. اعقِدِ العَزمَ اليَومَ أن لا تَكونَ غُثاءً، بَل نِيَّةُ المُؤمِنِ الصَّادقَةُ تَبلُغُ بِهِ مَنازِلَ الشُّهَداءِ والقادَةِ وإن ماتَ على فِراشِه، فَإنَّما الأَعمالُ بِالنِّيَّات.
الثانية (لِسانيَّة): طَهِّر لِسانَكَ مِن سَفاسِفِ الكَلامِ، ومِن مُجاراتِ التَّفاهَةِ التي تَملأُ المَجالِسَ ومَواقِعَ التَّواصُل. الرَّجُلُ القائِدُ كَلِمَتُهُ مَوزونَة، يَقولُ الحَقَّ، ويَأمُرُ بِمَعروف، ويَنهى عَن مُنكَر، ويَرفَعُ مِن مُستَوى الحِوارِ في بَيتِهِ وبَينَ أصدقائِه.
الثالثة (عَمَليَّة): تَحَمَّل مَسؤوليَّتَك بِشَجاعَة. إن كُنتَ أباً؛ فَرَكِّز عَلى زَرعِ المَرجَلَةِ والشَّهامَةِ والاعتِزازِ بِالدِّينِ في قَلبِ وَلَدِك، ولا تَترُكهُ فَريسَةً لِلشَّاشات. وإن كُنتَ شابّاً؛ فَغادِر مَحَطَّةَ اللَّهوِ والمُتَعِ الرَّخيصَة، وابنِ نَفسَكَ عِلميّاً وإيمانياً وجَسدياً، فالأمَّةُ تَنتَظِرُك.
الرابعة (اجتماعيَّة): ارفَعوا شَأنَ نِساءِ الأُمَّة؛ الأُمَّهاتِ والزَّوجاتِ والأخوات. فَهُنَّ مَصانِعُ الرِّجال، ومَحاضِنُ القادَة. ومَن أهانَ المَرأةَ أو هَمَّشَ دَورَها التَّربَوي، فَقَد هَدَمَ المِصنَعَ الذي سَيُخرِجُ لَنا أمثالَ خالِدٍ وسَعد.
الخامسة (موضوعيَّة): كُن قائِداً حَيثُ أقامَكَ الله. لا تَنتَظِر مَنصِباً لِتُغَيِّر. في مِهنَتِكَ، في تَخَصُّصِك، في مَدرَسَتِك.. أَرِ اللهَ مِن نَفسِكَ صِدقاً وجِدِّيَّةً وتَفَوُّقاً. المُسلِمُ الضَّعيفُ الفاشِلُ لا يَنصُرُ دِيناً، أمَّا المُسلِمُ القَويُّ النَّاجِحُ فَهُوَ بِناءٌ شامِخٌ لِهَذا الدِّين، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّكُم مَوقوفونَ بَينَ يَدَيهِ غَداً، فَمُسائِلُكُم عَمَّا قَدَّمتُم لأنفُسِكُم ولِدينِكُم.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عليه، عَمَلاً بِقَولِ رَبِّكُم جَلَّ وعَلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسأَلُكَ يا قَويُّ يا مَتين، أن تَصنَعَ على عَينِكَ أجيالاً مِن أبنائِنا وشَبابِنا، وتَجعَلَهُم قادَةً لِلخَير، وهُداةً مَهديِّين، لا ضالِّينَ ولا مُضِلِّين.
اللَّهُمَّ ارزُق أُمَّتَنا رِجالاً رَبَّانيِّينَ، صادِقينَ مُخلِصين، يَرفَعونَ رايَةَ العَدلِ، ويَرُدُّونَ المَظالِم، ويُحيُونَ هِمَمَ الشُّعوب.
اللَّهُمَّ أيقِظنا مِن غَفلَتِنا، وارزُقنا هِمَّةً عالِيَةً تَليقُ بِانِتِمائِنا لِهذا الدِّين. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِنَ الغُثاءِ، واجعَلنا مِنَ الرَّواحِلِ التي تَحمِلُ الهَمَّ وتُؤَدِّي الأمانَة.
اللَّهُمَّ اربُط على قُلوبِ المُستَضعَفينَ والمُجاهِدينَ المُرابِطينَ في فِلَسطينَ وفي كُلِّ بَقعَةٍ يُذكَرُ فيها اسمُك، اللَّهُمَّ أنزِل سَكينَتَكَ عَلَيهِم، وأيِّدهُم بِقُوَّتِكَ، وأخرِج مِن أصلابِهِم قادَةً يُعِزُّونَ دينَكَ ويَقهَرونَ أعداءَك.
اللَّهُمَّ احفَظ أوطانَ المُسلِمينَ مِن كُلِّ سوء، واجعَلها بِلادَ أمنٍ وإيمانٍ وعَدلٍ وإحسان.
عِبادَ اللهِ، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
الأمة الإسلامية وحاجتها إلى الرجال والقادة
1,974 كلمةنص كامل · جاهز للقراءة والنسخ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.
كلماتٌ أخرى تحمل أثرًا
كل المكتبةخطب الجمعةالعربية
تَضحِيَاتُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَصَبرُهُم عَلَى الأَذَى فِي سَبِيلِ الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن ثَمَنِ الثَّبَاتِ عَلَى العَقِيدَةِ وَمَوَاقِفِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ وَأَئِمَّةِ الهُدَى
تَضحِيَاتُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَصَبرُهُم عَلَى الأَذَى فِي سَبِيلِ الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن ثَمَنِ الثَّبَاتِ عَلَى العَقِيدَةِ وَمَوَاقِف…
تزكية النفسالسيرة والصحابة
2,188 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
وَفَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَعظَمُ مَصَائِبِ الأُمَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَشهَدِ الوَدَاعِ النَّبَوِيِّ وَوَصَايَاهُ الأَخِيرَةِ وَثَبَاتِ الصِّدِّيقِ وَوَاجِبِنَا فِي التَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ
وَفَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَعظَمُ مَصَائِبِ الأُمَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَشهَدِ الوَدَاعِ النَّبَوِيِّ وَوَصَايَاهُ الأَخِير…
السيرة والصحابةالموت والآخرة
2,134 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدعَى لَهَا الأَغنِيَاءُ وَيُترَكُ الفُقَرَاءُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خُطُورَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالرِّيَاءِ فِي الأَفرَاحِ وَفَضلِ جَبرِ خَوَاطِرِ المَسَاكِينِ
شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدعَى لَهَا الأَغنِيَاءُ وَيُترَكُ الفُقَرَاءُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خُطُورَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالرِّيَاءِ فِي الأ…
الأخلاق والمعاملاتالمجتمع والعلاقات
1,974 كلمةاقرأ النص كاملًا