من مكتبة مِداد الخطيب

إنَّ اللهَ يحبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيانٌ مرصوص

مشاركة
⚡️ إنَّ اللهَ يحبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيانٌ مرصوص #خطبة_جهادية #الثبات #وحدة_الصف #البنيان_المرصوص #الإخلاص #الجهاد #عقيدة الحمدُ للهِ القويِّ المتين، القاهرِ الجَبَّارِ، الذي شَرَعَ الجهادَ في سبيلِه ذُروةً لسَنامِ الدِّين، وأمَرَ عِبادَهُ المجاهدين بالوحدةِ والاصطفافِ، وجَعَلَ النَّصرَ حليفَ الصَّادقين المُتَّقين. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، نَصَرَ عبدَه، وأعَزَّ جُندَه، وهَزَمَ الأحزابَ وحدَه، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورسولُه، إمامُ المجاهدين، وقائدُ الغُرِّ المُحجَّلين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه، ومَن سارَ على نَهجِه، ورابَطَ في سبيلِ اللهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: أيها القادةُ الميامين، ويا جُنودَ الإسلامِ المُرابطين... تَخيَّلوا جيشاً يَملِكُ أحدثَ السِّلاح، وأقوى العَتاد، وأكثرَ الرِّجالِ عَدداً، لكنَّ أفرادَهُ مُتفرِّقون، وقُلوبَهم شَتَّى، ورِماحَهم مُتخالِفة. هل يُنصَرون؟ وتَخيَّلوا في المُقابلِ فِئةً قليلةً، تَملأُ قُلوبَها سَكينةُ الإيمان، تَقِفُ في الميدانِ كالجِدارِ الواحدِ لا تَختَرِقُهُ الرِّياح. الفارقُ الحقيقيُّ ليس في الكثرة، بل في "البنيان المرصوص". وثلاثُ كلماتٍ في كتابِ اللهِ تُمثِّلُ دُستورَ العسكريَّةِ الإسلاميَّة، لو فَقِهَها كلُّ قائدٍ وجُنديٍّ، لَتغيَّرت مَوازينُ المَعارك... سَنقِفُ عندها اليومَ لِنَبني صُفوفَنا من جديد. أيها الأبطال، يا حُماةَ الثُّغور، واسمعوا لهذه الآيةِ العظيمةِ التي تَهُزُّ الوِجدان، وتَرسمُ خارطةَ الطَّريقِ لكلِّ مَن حَمَلَ سِلاحاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4]. تأمَّلوا! هل بَعدَ هذا الوصفِ وَصفٌ؟ إنَّها ليست مُجرَّدَ أوامرَ عسكريَّةٍ بالثَّبات، بل هي دعوةٌ لِنَيلِ أسمى غاياتِ الوجود: "محبة الله". اللهُ جلَّ جلالُه يُحِبُّك أنتَ أيُّها الجنديُّ الواقفُ في صَفِّكَ، الثَّابتُ في ثَغرِك، حين تَتوفَّرُ فيك هذه الشُّروط. انتبِهوا لكلماتِ الآيةِ بدقَّة. بَدأت بـ ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾. وهذا هو شَرطُ "الإخلاص". فمَن قاتَلَ عَصبيَّةً، أو حَميَّةً، أو لِيُرى مَكانُه، أو لِمَغنمٍ دنيويٍّ؛ فقد سَقَطَ من هذا الصَّفِّ الرَّبانيّ. وفي الحديثِ المتَّفَقِ عليه، حين سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن الرَّجلِ يُقاتِلُ شَجاعةً، ويُقاتِلُ حَميَّةً، ويُقاتِلُ رياءً، أيُّ ذلك في سبيلِ الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». هذا هو البَوصلة، فإذا انحَرَفَت، انحَرَفَ البُنيانُ كلُّه. ثم قال سبحانَه: ﴿صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. لماذا اختارَ اللهُ التَّشبيهَ بالبنيانِ المَرصوص؟ في البُنيان، لا غِنى للَّبِنَةِ عن أختِها، يَشُدُّ بعضُها بعضاً، يُخفي كلُّ جُزءٍ عَيوبَ الجُزءِ الآخر، وتَتَماسَكُ الذَّرَّاتُ حتَّى تَغدو جِداراً لا تَقتَحِمُهُ المَدافع. وفي الحديث الصَّحيح قال النبيُّ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. فكيفَ إذا كان هؤلاء المؤمنون في خَطِّ النَّار؟ الجيشُ الإسلاميُّ جَسدٌ واحد، لا مَكانَ فيه للأَنانيَّة. القائدُ والجُنديُّ، الرَّامي والمُقتَحِم، جميعُهم لَبِناتٌ في حائطِ العِزَّة. فإذا استَكبَرَ قائدٌ، أو عَصى جُنديٌّ، أو تَسلَّلَ الحَسَدُ والتَّنازُعُ بين الصُّفوف؛ سَقَطَت لَبِنَةٌ، ومِن مَكانِها يَدخُلُ العدوّ. وقد صاغَ العَربُ هذه الحقيقةَ شِعراً يُكتَبُ بِماءِ الذَّهب، فقالوا: تَأْبَى الرِّمَاحُ إِذَا اجْتَمَعْنَ تَكَسُّراً ... وَإِذَا افْتَرَقْنَ تَكَسَّرَتْ آحَادَا يا عبادَ الله، هل سَألتُم أنفُسَكم يوماً: لماذا يُهزَمُ جيشٌ جرَّارٌ أمامَ فِئةٍ قليلة؟ ولماذا يَتأخَّرُ النَّصرُ رغمَ كَثرةِ العَتاد؟ الجوابُ في آيةٍ مُحكَمة، فاستَمِعوا إلى اللهِ وهو يَكشِفُ لنا السِّرَّ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]. إنَّ أعظمَ سلاحٍ يُدمِّرُ الجيوشَ ليس طائراتِ العدوِّ ولا دَبَّاباتِه، بل هو "التَّنازُع" و"عِصيانُ الأمر". الخِلافُ الدَّاخليُّ مِعولُ هَدمٍ يَنخَرُ في البنيانِ المرصوص. عُودوا معي بالذَّاكِرةِ إلى غزوةِ أُحُد. جَيشٌ يَقودُهُ سيِّدُ البَشر ﷺ، وفيه كبارُ الصَّحابة. حَقَّقوا نَصراً حاسماً في بِدايةِ المعركة. لكنْ... حَصَلَ اجتهادٌ مِن فِئةٍ قليلةٍ مِنَ الرُّماةِ (خمسينَ رَجُلاً فقط)، خالفوا أمراً عَسكرياً واحداً لِقائدهم: «إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلاَ تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ». نَزَلوا لِجَمعِ الغَنائم... فماذا حَدث؟
انقَلَبَ مِيزانُ المَعركة، واختَرَقَ العَدوُّ الصَّفَّ، وقُتِلَ سَبعونَ مِن خِيارِ الصَّحابةِ، وشُجَّ وَجهُ النَّبيِّ ﷺ وكُسِرَت رَباعيَّتُه! خطأٌ انضباطيٌّ واحدٌ، خَرَقَ "البنيان المرصوص"، فكان الدَّرسُ القاسي للأمَّةِ إلى يومِ القيامة: النَّصرُ لا يَجتَمِعُ مَع المَعصيةِ والتَّفرُّق. وهُنا نَصلُ إلى الأمرِ الأخطَر. يَظُنُّ البعضُ أنَّ الانضباطَ العسكريَّ هو مُجرَّدُ أداءِ التَّحيَّةِ والتزامِ الزِّيّ. لا! الانضباطُ في شَرعِنا "عِبادة". الطَّاعةُ للقائدِ في المَعروفِ هي طاعةٌ للهِ ورسولِه. يقولُ النَّبيُّ ﷺ كما في صَحيحِ مُسلم: «عَلَيْكَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ». هكذا يُبنى الجُنديُّ المسلم. لا يُطيعُ لِخوفٍ مِن عُقوبةٍ دُنيويَّةٍ فحسب، بل يُطيعُ لأنَّ طاعَتَهُ دِينٌ يَتَقرَّبُ به إلى الله. وفي المُقابل، القائدُ ليس جَبَّاراً مُتسلِّطاً، بل هو أبٌ رحيمٌ وخادمٌ لِجُندِه. اسمعوا لِهذه الرِّسالةِ العسكريَّةِ الخالدةِ التي بَعَثَها أميرُ المؤمنينَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه إلى قائدِ جَيشِه سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه في مَعرَكةِ القادسيَّة، والتي يُسطِّرُ فيها مَعنى القُوَّةِ الحقيقيَّة، يقول: "أمَّا بعدُ، فَإِنِّي آمُرُكَ وَمَنْ مَعَكَ مِنَ الأَجْنَادِ بِتَقْوَى اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ أَفْضَلُ الْعُدَّةِ عَلَى الْعَدُوِّ، وَأَقْوَى الْمَكِيدَةِ فِي الْحَرْبِ... وَأَنْ تَكُونُوا أَشَدَّ احْتِرَاساً مِنْ مَعَاصِيكُمْ مِنْكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، فَإِنَّ ذُنُوبَ الْجَيْشِ أَخْوَفُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَإِنَّمَا يُنْصَرُ الْمُسْلِمُونَ بِمَعْصِيَةِ عَدُوِّهِمْ لِلَّهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ لَنَا بِهِمْ قُوَّةٌ...". يا لَعَظمةِ هذا الفِقه! ذُنوبُ الجَيشِ أخطَرُ عليهِ مِن جَحافلِ العَدوّ. المعاصي تُفَتِّتُ البُنيان، والكِبرُ يَكسِرُ الصَّفّ، والظُّلمُ يَحجُبُ النَّصر. ولنتأمَّل معاً مَشهداً مِن مَشاهدِ القرآنِ الكَريم، يَرسِمُ لنا حَقيقةَ الجَيشِ المَنصور. في قِصَّةِ طالوتَ وجالوت. قادَ طالوتُ جَيشاً لِمُحاربةِ جَبَّارٍ عَنيد. وقبلَ المَعركة، وَضَعَهُم في "اختبار انضباط": ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249]. لم يَكُن الاختِبارُ في مَهارةِ السَّيف، بل في قوَّةِ "السَّيطرةِ على النَّفس". فَشِلَ الأكثريَّة، وشَرِبوا. وثَبَتَت فِئةٌ قليلةٌ، التَزَمَتِ الأمرَ وصَبرت على العَطَش. هؤلاء القِلَّةُ المُنضَبِطون هُم مَن واجَهوا جيشَ جالوت، وهم مَن قالوا بِيقين: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وهكذا كانت النَّتيجة: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾. وتَأمَّلوا مَشهداً آخرَ من سِيرَةِ النَّبيِّ ﷺ، مَشهداً يُذيبُ القُلوبَ ويُبيِّنُ مَعنى التَّلاحُمِ بين القائدِ وجُندِه. في يَومِ بَدر، كان النَّبيُّ ﷺ يُسوِّي صُفوفَ الجَيش، وبِيدِه قِدْحٌ (سَهمٌ بلا نَصل) يُسوِّي به الصَّفّ، فرأى جُندياً اسمُه سَوَادُ بنُ غَزِيَّةَ بارزاً عن الصَّفّ، فَطَعَنَهُ النَّبيُّ ﷺ في بَطنِه بالقِدْحِ وقال: «اسْتَوِ يَا سَوَادُ». فماذا قال سَواد؟ هل تَمَرَّد؟ هل غَضِب؟ قال: يا رَسولَ اللهِ أوجَعتَني! وقد بَعَثَكَ اللهُ بالحقِّ والعَدلِ فَأَقِدْني (أي اسمح لي أن أقتَصَّ منك). في مَشهدٍ مَهيبٍ أمامَ الجَيشِ، كَشَفَ القائدُ الأعظمُ ﷺ عَن بَطنِه الشَّريف وقال: «اسْتَقِدْ» (أي اقتَصّ). فما كان من سَوادٍ إلا أنِ اعتَنَقَهُ وقَبَّلَ بَطنَهُ الشَّريف! فقال له النَّبيُّ ﷺ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يَا سَوَادُ؟» قال: يا رَسولَ اللهِ، حَضَرَ ما تَرى (يعني الموت في المعركة قادم)، فَأرَدتُ أن يَكونَ آخِرُ العَهدِ بِكَ أن يَمَسَّ جِلدي جِلدَك. فَدَعا لَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ بِخَير. هذه هي الرُّوحُ التي نُقاتِلُ بها! انضباطٌ دَقيقٌ في تَسويةِ الصَّفّ، مَعَ حُبٍّ عَميقٍ، وعدلٍ مُطلَق، ورُوحٍ تَتَعانَقُ في سبيلِ الله. بِمِثلِ هؤلاءِ الرِّجالِ تُدَكُّ حُصونُ الأعداء، وبِهذه العَقيدةِ تَتَهاوى الجُيوش. وقد صَدَقَ السَّمَوألُ حينَ وَصَفَ حالَ أمثالِ هؤلاء في الفِداءِ والمَوتِ بِعِزَّة: وَمَا مَاتَ مِنَّا سَيِّدٌ حَتْفَ أَنْفِهِ ... وَلَا طُلَّ مِنَّا حَيْثُ كَانَ قَتِيلُ تَسِيلُ عَلَى حَدِّ الظُّبَاتِ نُفُوسُنَا ... وَلَيْسَتْ عَلَى غَيْرِ الظُّبَاتِ تَسِيلُ وَكَيْفَ يَخَافُ الْمَوْتَ مَنْ كَانَ يَرْتَجِي ... حَيَاةً بِدَارِ الْخُلْدِ فِيهَا التَّنَعُّمُ
يا قادةَ الجُند، ويا أُمَراءَ السَّرايا: كونوا قُدوةً في الميدان. التَضحيَةُ تَبدأُ مِنكُم، والعَدلُ يَنطَلِقُ مِن خِيَمِكم. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. ويا أيُّها الجُنديُّ المُرابِط: أَخلِص نِيَّتَك، وأطِع أميرَكَ في المَعروف، واثبُت ثَباتَ الجِبالِ الرَّاسيات. قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمَهُ الله: "أشجَعُ النَّاسِ أشَدُّهم إخلاصاً لله، وأقواهم يَقيناً بِوَعدِه". بارَكَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونَفَعني وإياكم بما فيه مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحكيم. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحدَّثنا في خُطبتنا الأولى عن مَعنى البُنيان المرصوص، ووَقَفنا على أثَرِ الانضباطِ والوِحدةِ والطَّاعةِ في صِناعةِ النَّصر، ورأينا في قِصَّةِ سَوادٍ وطالوتَ كيف تَتَحطَّمُ أمواجُ الأعداءِ على صَخرةِ الصَّفِّ الموحَّد. والآن، كيف نُترجِمُ هذا إلى واقعٍ مَلموسٍ في ثُغورنا ومَياديننا؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري هذا، تَحفَظونَ بها أنفُسَكم ومَواقِعَكم: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نيَّتَكَ للهِ في كُلِّ صَباحٍ ومَساء. اجعَل مُرابطَتَكَ وسَهرَكَ وتَعبَكَ مَحضاً لله (توجيه)، فإنَّ اللهَ لا يَقبَلُ مِنَ الجِهادِ إلا ما كانَ لِوَجهِهِ خالصاً (تحفيز). حينَ تَحمِلُ سِلاحَكَ اليوم، قُل في نفسِكَ: أنا أرسُمُ مَساري إلى الجنَّة (فِعل محدَّد)، ولا تَسمَح لِوَسواسِ الرِّياءِ أو شَهوةِ المَنصِبِ أن تُفسِدَ أجرَكَ (حَل). الثانية (لِسانيَّة): رَطِّب لِسانَكَ بذِكرِ اللهِ في ثَغرِك، وخُصوصاً وقتَ الحِراسة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (توجيه)، فإنَّ الذِّكرَ يُثبِّتُ القَلبَ ويُنزلُ المَلائكةَ للمَدَد (تحفيز). اجعَل نِصفَ وَقتِ مُرابطتِكَ الليلةَ تَسبيحاً واستغفاراً (فِعل مُحدَّد)، لتَقطَعَ به مَلَلَ الانتظارِ وتَدفَعَ وَسَاوسَ الخَوف (حل). الثالثة (عَمَليَّة): أَعِدُّوا العُدَّةَ وتَعلَّموا مَهاراتِ القِتال. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (توجيه). الدِّينُ لا يَنتَصِرُ بالدُّعاءِ وَحدَهُ بَل بالدُّعاءِ والبارود (تحفيز). الليلة، تَفقَّد سِلاحَك، ونَظِّفْ عَتادَكَ، وتَدَرَّب على خُطَّتِكَ (فعل مُحدَّد)، لِتَكونَ جاهزاً للحَظةِ الصِّفرِ بلا ارتباك (حل). الرابعة (اجتماعيَّة): كُن هيِّناً لَيِّناً مَعَ إخوانِكَ في الصَّفّ. صِلْ رَحِمَ الأُخُوَّةِ في المَيدان (توجيه)، فإنَّ الجَيشَ المُتآخي صَخرةٌ لا تُكسَر (تحفيز). تَبَسَّم اليومَ في وَجهِ رَفيقِكَ، وتَجاوَز عَن هَفوتِه، واقسِم مَعهُ زادَك (فعل محدَّد)، لِتَقضي على أيِّ حَزازَةٍ شَيطانيَّةٍ تُفَرِّقُ صَفَّكم (حل). الخامسة (موضوعيَّة): السَّمعُ والطَّاعةُ في المَنشَطِ والمَكرَه. نَفِّذ أوامرَ قائِدِك في المَعروف (توجيه)، فإنَّ نِظامَ الجَيشِ مَبنيٌّ على الانضباطِ الصَّارم (تحفيز). مَهما شَعَرتَ بِصُعوبةِ التَّكليفِ اليوم، قُل "سَمعاً وطاعةً للهِ ثُمَّ للأمير" (فعل مُحدَّد)، لِتَكونَ لَبِنَةً صُلبةً في هذا البُنيانِ المرصوص، ولا تَكُن ثُغرَةً يُؤتى الإسلامُ مِن قِبَلِها (حل). فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ تَقوى اللهِ هي الدِّرعُ الذي لا يُخترَق، والسَّيفُ الذي لا يَنبو. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليهِ، إمامِ المُتَّقين، وقائِدِ الغُرِّ المُحجَّلين. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِه وصَحبِه ومَن تَبِعَهم بِإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللَّهُمَّ يا ناصِرَ المُستضعَفين، ويا مُجيبَ دَعوةِ المُضطرِّين، انصُر إخوانَنا المُجاهدينَ المُرابطين في سَبيلِكَ في كُلِّ مَكان. اللَّهُمَّ رُصَّ صُفوفَهُم، واجمَع كَلِمَتَهُم، وَوَحِّد رايَتَهُم، واجعَلهُم بُنياناً مَرصوصاً يَشُدُّ بَعضُه بَعضاً. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ لإخوانِنا الثَّباتَ في المَيادين، والقُوَّةَ عِندَ اللِّقاء، والبَصيرةَ عِندَ التَّخطيط. اللَّهُمَّ أَنزِل سَكينَتَكَ على قُلوبِهِم، واربِط عليها، وثَبِّت بهَا أقدامَهُم، وسَدِّد رَميَهُم.
اللَّهُمَّ أصلِح قادَتَهُم، ووَفِّقهُم لِلعدلِ والحِكمةِ والرِّفقِ بجُندِهِم، واجعَلهُم أُمَناءَ على حُرماتِ المُسلمين. اللَّهُمَّ مَن قُتِلَ مِنهُم فَتَقبَّلهُ في الشُّهداء، ومَن أُصيبَ فاشفِه عاجلاً غيرَ آجِل. اللَّهُمَّ كُن لِلمَظلومينَ نَصيراً، وللمُستَضعَفينَ مُعيناً. اللَّهُمَّ أقرِر أعيُنَنا بِنَصرِ الإسلامِ وعِزِّ المُسلمين. اللَّهُمَّ ارزُقنا حُسنَ الخاتِمة، وتَوَفَّنا وأنتَ راضٍ عَنَّا غيرَ غَضبان. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، وينهى عن الفَحشاءِ والمُنكرِ والبَغي، يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِه يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.