🕌 التثبت قبل النشر: لا تكن جسرًا للشائعة
#خطبة_جمعة #التثبت_قبل_النشر #حفظ_اللسان #الإشاعات #أخلاق #الفتن #آفات_اللسان #التبين
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الكَلِمةَ أمانةً في أعناقِ الرِّجال، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، أمَرَ بالتَّثَبُّتِ والبَيان، وحَذَّرَ عبادَهُ من اتِّباعِ الظَّنِّ وإشاعةِ البُهتان، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أصدَقُ الناسِ لَهجَةً، وأعَفُّهُم لِسانًا، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ:
تَخَيَّلوا معي سلاحًا صامتًا، لا يُصدِرُ ضجيجًا، ولا يُريقُ دمًا في ساعته، لكنَّه يَهدمُ بيوتًا عامرة، ويُمَزِّقُ أُسَرًا متآلفة، ويَطعَنُ في أعراضٍ شريفةٍ بضغطةِ زِرٍّ واحدة. سلاحٌ نَحمِلُه جميعًا في جيوبنا كلَّ يوم، ونَستَخدِمُه بلا مُبالاة، ورُبَّما كان هو السَّهمَ الذي يُردينا في قَعرِ جَهنَّم ونحن لا نَشعر! فما هو هذا السلاح؟ وكيف نَحمي أنفُسَنا ومُجتَمعاتِنا من نيرانه؟ الجوابُ في خُطبَتِنا اليوم.
عبادَ الله، نَعيشُ اليومَ في عَصرِ السُّرعَةِ المُذهِلة. عصرٌ تَطوي فيه الكَلِمةُ أقطارَ الأرضِ في كَسرٍ من الثَّانية. في الماضي، كانت الكِذبةُ تَحتاجُ أيَّامًا لتَنتَقِلَ من قريةٍ إلى قرية، أمَّا اليوم، فشاشةٌ صَغيرةٌ تَحمِلُها في يَدِك تَكفي لتَنشُرَ الشَّائعةَ إلى ملايين البَشَر بِلَمسةِ إصبَع. شاشاتٌ جَعَلَت العالَمَ كلَّه قَريةً واحدة، لكنَّها للأسف، جَعَلَت أعراضَ الناسِ ودِماءَهم وأسرارَهم مُباحةً في هذه القريةِ بلا حَسيبٍ ولا رَقيب.
واسمَعوا لِهذه الآيةِ العظيمة، التي لو نَزَلَت اليومَ لكأنَّها تَصِفُ حالَنا بِدِقَّةٍ مُرعِبة. يقولُ ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: 36].
تأمَّلوا معي! اللهُ عزَّ وجلَّ لا يَقولُ لك: لا تَكذِب فَقط، بَل يَقولُ: لا تَتبَع، لا تَنقُل، لا تُرَدِّد ما ليسَ لك به عِلمٌ يَقينيٌّ قاطع! السَّمعُ الذي تَسمَعُ به الرِّسالةَ الصَّوتيَّة، والبَصَرُ الذي تَقرأُ به المَنشور، والفُؤادُ الذي يَستَوعِبُ هذه الشَّائعة.. كلُّ أُولئكَ كانَ عنهُ مَسؤولًا. سيَقِفُ السَّمعُ، وسيَقِفُ البَصَر، وسَتَقِفُ الإصبعُ التي ضَغَطَت على زِرِّ (إرسال) أو (مشاركة) لِتَشهَدَ عليكَ يومَ الحِساب! ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24].
كيفَ يُعقَلُ — يا أُمَّةَ اقرأ — أن يَتَحَرَّى أحَدُنا في طَعامِه وشَرابِه حَلالَهُ من حَرامِه، ويَسألَ عن الدِّرهمِ من أين اكتَسَبَه، ثُمَّ لا يَتَحَرَّى فيما تَرسِلُه أصابِعُه في مجموعاتِ الواتساب أو منصَّاتِ التَّواصُل؟
اسمعوا لهذا الحديث العظيم، الذي يَحسِمُ القضيَّةَ من جذورها. قال رسولُ الله ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (رواه مسلم).
تأمَّلوا هذه الجُملةَ النَّبويَّةَ القاطعة! النبيُّ ﷺ لم يَقُل: "كفى بالمرءِ كذِبًا أن يَختَلِقَ الكِذب"، لا! أنتَ لم تَصنَع الشَّائعة، أنتَ لم تُؤَلِّف القِصَّة، أنتَ قُلتَ فقط: "كما وَصَلَني".. "مَنقول".. "يَقولون". رَغمَ أنَّكَ لم تَصنَع الكِذبة، إلَّا أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَكَمَ عليكَ بأنَّكَ (كاذِب)! لماذا؟ لأنَّ المُجتَمَعَ لا يَفسَدُ بالكاذِبِ الأوَّل الذي صَنَعَ الشَّائعة، بل يَفسَدُ بآلافِ السُّذَّجِ الذين نَقَلوها بِحُجَّةِ أنَّهم سَمِعوها!
ولِذلك كان الإمامُ مالكٌ رحمه الله يَقولُ بحَسم: "اعلمْ أنَّه لَيسَ يَسلَمُ رَجلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ ما سَمِع، ولا يَكونُ إمامًا أبَدًا وهو يُحَدِّثُ بِكُلِّ ما سَمِع". الشَّخصُ الذي يُسارِعُ إلى نَشرِ كلِّ مَقطَع، وكلِّ رِسالة، وكلِّ خَبَرٍ سياسيٍّ أو اجتماعيٍّ أو حتَّى دينيٍّ دونَ تَثَبُّت، هو إنسانٌ سَاقِطُ العَدالة، مَعدومُ المِصداقيَّة عندَ السَّلَف.
ولنتأمل معاً، أعظمَ قِصَّةٍ في تاريخ الإسلام عن خُطورةِ الشَّائعات، وكيف تَفعَلُ في المُجتَمَع. إنَّها القِصَّةُ التي كادَت أن تَعصِفَ بالمدينةِ النَّبويَّةِ كُلِّها.. حادِثَةُ الإفك.
تَخَيَّلوا المَشهَد.. المدينةُ تَغلي. الكَلِماتُ تُتَداوَلُ في الأزِقَّة. والمُستَهدَفُ لَيسَ رَجلًا عاديًّا، المُستَهدَفُ هو عِرضُ رسولِ الله ﷺ! زوجَتُهُ الطَّاهرةُ العفيفة، عائشةُ بنتُ أبي بكرٍ رضي الله عنهما، تُتَّهَمُ في شَرَفِها!
مَنِ الذي صَنَعَ الشَّائعة؟ رأسُ المُنافقين، عبدُ الله بنُ أُبَيِّ بن سَلول.
لكن، هل كان المُنافِقُ وَحدَهُ هو مَن نَشَرَ الخَبَر؟ هُنا المأسَاة.. لَقد لاكَ الخَبَرَ بَعضُ الصَّحابةِ الأطهارِ بِحُسنِ نِيَّة! سَمِعوا فَردَّدوا، وتَناقَلوا الكَلام.
ماذا حَدَث؟ مَرِضَت عائشةُ رضي الله عنها، وبَكى أبو بكر، واعتَزَلَ النَّبيُّ ﷺ النَّاسَ شَهرًا كاملًا! شَهرٌ من الدُّموع، شَهرٌ من الألَمِ الذي يَعصِرُ قلبَ أطهرِ بيتٍ على وَجهِ الأرض، بِسَبَبِ ماذا؟ بِسَبَبِ (إشاعة) لم يَتَثَبَّت مِنها النَّاقِلون!
وهُنا نَزَلَ القُرآنُ يَدُكُّ جِبالَ الغَفلَة، ويُؤَسِّسُ مَنهَجَ التَّعامُلِ مع الأخبار. استَمِعوا إلى هذا الوصفِ القُرآنيِّ العَجيب، يَقولُ اللهُ مُعاتِبًا الصَّحابة: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15].
توقَّفوا عند قوله: ﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾! يا سُبحانَ الله! ومُتَى كانَ التَّلَقِّي باللِّسان؟! الإنسانُ يَسمَعُ بِأُذُنِه، ثم يُفَكِّرُ بِعَقلِه، ثم يَنطِقُ بِلِسانِه. لكنَّ القُرآنَ صَوَّرَ حالَ ناقِلِ الشَّائعةِ تَصويرًا بَلاغيًّا مُذهِلًا: لَقد أَلغَيتُمُ الأُذُن، وأَلغَيتُمُ العَقل، وصِرتُم تَتَلَقَّونَ الخَبَرَ باللِّسانِ وتَقذِفُونَهُ باللِّسانِ مُباشرةً! لَم يَمُرَّ الخَبَرُ على عُقولِكم لِتُمَحِّصوه!
وهكذا حالُنا اليوم! نَتَلَقَّى الرِّسالةَ بالإصبَع، ونُرسِلُها بالإصبَع، دُونَ أن تَمُرَّ على العَقل! نَقرأُ العُنوانَ المُثير، ونَضغَطُ (إعادة توجيه) إلى عشراتِ المجموعات. نُشَوِّهُ سُمعَةَ إنسان، أو نُسقِطُ عالِمًا، أو نَنشُرُ خَوفًا ورُعبًا في المُجتَمَع، ونَحنُ نَضحَك ونَحتَسي القَهوة!
﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. تَحسَبُهُ مُجَرَّدَ (رسالة) أو (تغريدة) أو (مقطع فيديو)، وهو عندَ اللهِ جَريمةٌ تُسقِطُكَ في النَّارِ سَبعين خَريفًا!
وفي ذاتِ المِحنَةِ — مِحنَةِ الإفك — بَرَزَ مَوقِفٌ يُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب، لِيَكونَ دُستورًا لِكُلِّ مُسلِمٍ حينَ تَصِلُهُ إشاعةٌ عن أخيِه.
دَخَلَ أبو أيُّوبَ الأنصاريُّ رضي الله عنه بَيتَه، فقالت لَهُ زَوجَتُه: يا أبا أيُّوب، أمَا تَسمَعُ ما يَقولُ النَّاسُ في عائشة؟
فماذا قالَ هذا الرَّجُلُ العَظيمُ الذي تَثَبَّتَ الإيمانُ في قَلبِه؟ لم يَقُل: "أرسِلي لي التَّفاصيل"، ولم يَقُل: "دَعِينا نُحَلِّلُ المَوقِف".
بل التَفَتَ إلى زَوجَتِه وقال لَها مُباشرةً: يَا أُمَّ أَيُّوبَ، أَكُنْتِ فَاعِلَةً ذَلِكَ؟ (هل كُنتِ أنتِ سَتَفعَلينَ الفاحِشة؟)
قالت: لا والله.
قال: فَعَائِشَةُ خَيْرٌ مِنْكِ وأَطْيَب!
فأنزَلَ اللهُ في هذا المَوقِفِ آيةً تُتلى إلى يومِ القيامة، لِيُعَلِّمَنا كيفَ نَقذِفُ الشَّائعةَ في مَهدِها. قال تعالى: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ [النور: 12].
هكذا يَقِفُ المُؤمِن! سَدًّا مَنيعًا أمامَ طُوفانِ الكَذِب.
أيها المسلمون، إنَّ الكَلِمةَ التي تَخرُجُ من فَمِك، أو تُكتَبُ من يَدِك، لَيست مُجَرَّدَ ذَبذَباتٍ في الهَواءِ أو حُروفٍ على شاشة. الكَلِمةُ كائِنٌ حَيٌّ، يَطيرُ في الآفاق، ويَصعَدُ إلى السَّماء، ويُسَجَّلُ في الكِتابِ الذي لا يُغادِرُ صَغيرةً ولا كبيرةً إلَّا أحصاها.
﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
ويقولُ الصَّادِقُ المَصدوق ﷺ، في حَديثٍ يَرتَجِفُ منه قَلبُ كُلِّ مُؤمنٍ حَيّ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (رواه البخاري).
"لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا".. هُنا بَيتُ القَصيد! يَكتُبُ التَّعليقَ المُسيءَ، يَنشُرُ التُّهمَة، يَسخَرُ من قَبيلة، أو يَطعَنُ في ذِمَّةِ شَخص، ثُمَّ يُغلِقُ هاتِفَهُ ويَنامُ قَريرَ العَين! لا يُلقي لها بالًا، لكنَّ المَلَكَ كَتَبَها، واللهُ عَلِمَها، والمَظلومَ في بَيتِهِ يَبكي ويَرفَعُ يَدَيهِ إلى السَّماءِ يَدعو على مَن شَوَّهَ سُمعَتَه! هَل تَظُنُّون أنَّ اللهَ يَغفَلُ عَن دَمعَةِ مَظلومٍ بِسَبَبِ إشاعَة؟ هل تَظُنُّونَ أنَّ حُقوقَ العِبادِ تَسقُطُ بالضَّغطِ على زِرِّ (حذف)؟! واللهِ لَن تَسقُطَ حتى تَقِفوا بَين يَدَي المَلِكِ العَدلِ يومَ تَشخَصُ الأبصار.
ولعلكم تسألون: وإذا جاءنا خَبَرٌ عن أمرٍ عام، عن أمنِ الدَّولة، أو عن مرضٍ وانتشارِ وباء، أو خَبَرٌ سياسيٌّ خطير.. ماذا نَصنَع؟ هل نُسارِعُ بنَشرِه لِنُحَذِّرَ النَّاس؟
هذا السؤالُ أُجيبَ عَنه في كِتابِ الله، بِمِعيارٍ ذَهَبيٍّ صارِم. اسمعوا لِهَذا الحُكمِ الرَّبَّاني:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].
عابَ اللهُ على طائِفةٍ من النَّاسِ أنَّهم عِندما يَأتيهم خَبَرٌ يَمَسُّ أمْنَ المُجتَمَع، يُسارِعونَ إلى إذاعَتِهِ ونَشرِه! هذا النَّشرُ السَّريعُ يُحْدِثُ فَتنةً، ويَزرَعُ خَوفًا، ويُسقِطُ اقتِصادًا. ما هو العِلاج؟ (الرَّدُّ إلى أُولي الأمر).. يَعني إعادَةَ الأمورِ إلى أهلِ الاختِصاص. خَبَرٌ صِحِّي؟ انتَظِر بَيانَ وِزارةِ الصِّحة. خَبَرٌ أمنِي؟ انتَظِر بَيانَ الجِهاتِ الأمنيَّة. خَبَرٌ شَرعي؟ انتَظِر قَولَ كِبارِ العُلَماء.
لا تَكُن أنتَ (وِكالةَ أنباءٍ) مَجَّانيَّةً للشَّيطان! لا تَكُن مِعولَ هَدمٍ في بَلَدِك.
وتدبروا معي هذا الموقف العظيم للفاروقِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
في يومٍ من الأيَّام، انتَشَرَت شائعةٌ ضَخمَةٌ في مَدينةِ النَّبيِّ ﷺ. صَرَخَ النَّاس: طَلَّقَ رسولُ اللهِ نِساءَه! طَلَّقَ النَّبيُّ أزواجَه!
خَبَرٌ مُزَلزِل! ماذا فَعَلَ عُمر؟ هل جَلَسَ في زاويةِ المَسجِدِ يَبكي؟ هل ذَهَبَ إلى الصَّحابةِ يَقولُ: "هَل سَمِعتُم آخِرَ الأخبار؟"
أبدًا! قال عُمر: فنَزَلتُ فأتَيتُ المَسجِد، فإذا النَّاسُ يَبكونَ ويَقولون: طَلَّقَ رسولُ اللهِ نِساءَه. فقُلتُ: لَأعلَمَنَّ اليومَ هذا الخَبَر.
ذَهَبَ عُمَرُ مُباشرةً إلى المَصدَر. دَخَلَ على رسولِ الله ﷺ في غُرفَتِه، وقال مُباشَرةً: يا رسولَ الله، أطَلَّقتَ نِساءَك؟
فرَفَعَ النَّبيُّ ﷺ رَأسَهُ وقال: «لا».
هُنا أدرَكَ عُمَرُ أنَّ البَلَدَ كُلَّهُ غارِقٌ في شائِعَةٍ كاذِبة. ماذا فَعَل؟ لم يَكتَفِ بِمَعرِفةِ الحَقيقَة، بل قامَ على بابِ المَسجِدِ ونادى بأعلى صَوتِه: "لَم يُطَلِّقْ رَسولُ اللهِ نِساءَه!".
قال عُمَر: فَنَزَلَت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ...﴾.
ومن العجائبِ اليوم، أنَّ بَعضَ النَّاسِ لا يَنشُرُ الأخبارَ حُبًّا في الخَير، بَل حُبًّا في السَّبقِ، أو تَشَفِّيًا في الخُصوم. وإذا جاءَهُ خَبَرٌ يَفضَحُ مُسلِمًا، أو يَكشِفُ سِترًا، سارَعَ إلى نَشرِه بِدافع "الفَضيحَة". وهُنا نَقِفُ أمامَ تَهديدٍ قُرآنيٍّ يُشَيِّبُ الرُّؤوس. يقولُ الجبَّارُ جلَّ جلاله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].
تَأمَّلوا يا عِبادَ الله! اللهُ لا يَتَوَعَّدُ هُنا مَن نَشَرَ الفاحِشَة.. بَل يَتَوَعَّدُ مَن (يُحِبُّ) مُجَرَّدَ الحُبِّ في قَلبِه، أن تَنتَشِرَ الفضائِحُ والشَّائِعاتُ بَينَ المُسلِمين! له عَذابٌ أليمٌ في الدُّنيا قَبلَ الآخِرة. فكيفَ بِمَن صَوَّرَ، ونَشَرَ، وشارَكَ في الفَضيحَة؟!
يقول الإمامُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمية رحمه الله كلمةً تَقشَعِرُّ لها الأبدان: "الكِذبُ على النَّاسِ ظُلمٌ، والظُّلمُ مُحَرَّمٌ في كلِّ حال، فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَكذِبَ على أحدٍ، ولو كانَ كافرًا أو مُبتَدِعًا". لا يَجوزُ لكَ أن تَنشُرَ إشاعةً كاذبةً حتَّى لو كانت ضِدَّ عَدُوِّك! فدينُنا دينُ العَدل، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
أيُّها المسلمون، متى نَفقَهُ القاعِدةَ الذَّهبيَّةَ التي قَرَّرها ربُّنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]؟ الفاسِقُ هُنا ليس شريب الخمر فحسب، بل في عَصرنا الرَّقميّ، كلُّ حِسابٍ مَجهول، وكلُّ رسالةٍ غُفلٍ من المَصدَر، وكلُّ مَقطَعٍ مَجتَزأ، هو (نَبَأُ فاسِق) يَجِبُ أن نَتَبَيَّنَ فيهِ قَبلَ أن نُصيبَ قَومًا بِجَهالَةٍ فنُصبِحَ على ما فَعَلنا نادِمين. وكما قالَ الحَسَنُ البَصريُّ رضي الله عنه مُلَخِّصًا مَنهَجَ السَّلف: "المُؤمِنُ وَقَّافٌ حتَّى يَتَبَيَّن".
فكِّروا معي.. كم شَخصًا فَقَدَ وَظيفتَه بِسَبَبِ إشاعة؟ كم زَوجةً طُلِّقَت بِسَبَبِ كِذبة؟ كم عالِمًا سَقَطت هَيبَتُه بِمَقطَعٍ مَبتور؟ هل سألتَ نفسَك يومًا: كم رسالةً أرسلتَها وكانت كَذِبًا؟ لو وُضِعَت كلُّ تِلكَ الرَّسائلِ في صَحيفَتِك يومَ القِيامة، ماذا ستَقولُ لربِّك؟ هل سيَنفعُكَ قولُك: "يا رب، كُنتُ أَمزَح"، أو "يا رب، نَسَختُها ولَصَقتُها"؟
«بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ: زَعَمُوا»! هكذا قالَ نَبيُّكُم ﷺ (رواه أبو داود). أسوَأُ مَركَبٍ تَركَبُهُ في كَلامِك أن تَقول: زَعَموا، وقالوا، ويَقولون! كُن أرفَعَ من أن تَكونَ بُوقًا للشَّيطان، واعلَم أنَّ الصَّمتَ في الفِتَنِ والمُشتبِهاتِ حِكمَةٌ ونَجاة، فقد قال المُصطَفى ﷺ في المُتَّفَقِ عَليه: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمَّا بعد:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن خُطورةِ الكَلِمةِ والشَّائِعةِ في زَمَنِنا الرَّقمي، وكيفَ أنَّ ضَغطَةَ زِرٍّ واحِدةٍ قد تَهوي بِصاحِبها في النَّار. وتَدَبَّرنا حادِثَةَ الإفكِ وكيفَ عاتَبَ اللهُ مَن تَلَقَّى الشَّائِعَةَ بِلِسانِهِ دونَ عَقلِه، وعَلِمنا يَقينًا أنَّ النَّشرَ بِلا تَثَبُّتٍ كَذِبٌ صَريح وخِيانَةٌ لِأمانَةِ العَقلِ والمُجتَمَع. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهم: كيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ نَحمي بِهِ أنفُسَنا، ونُحَصِّنُ بِهِ بُيوتَنا؟
أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ من مِنبَري:
الأولى (قلبية): استَحضِر نيَّةَ (الإمساكِ) في قلبك دائماً. إذا وَصَلَكَ خَبَرٌ مُثير، أو قِصَّةٌ فيها فَضيحَة، أو تَسريب، فَانْوِ إمساكَها في جِهازِكَ حِسْبَةً للهِ وخَوفًا من وُقوفِكَ بَينَ يَدَيه. تذكَّر أنَّك باحتِفاظِكَ بِها وعَدَمِ نَشرِها تَحفَظُ حَسَناتِكَ من أن تُوزَّعَ يومَ القِيامَةِ على مَنِ اغتَبتَهُم بِمُشارَكَتِك!
الثانية (لسانية): عَوِّد لِسانَكَ على كَلِمةِ "لا أَدري". إذا سَألَكَ النَّاسُ في مَجلِسٍ عن شائِعَةٍ رائِجة، فلا تُشارِكهُم التَّحليلَ والخَوضَ بِلا دَليل. قُل بِوُضوح: "لا عِلمَ لي بِهذا، ولم أتَثَبَّت". قال النبيُّ ﷺ: «مِن حُسنِ إسلامِ المَرءِ تَركُهُ ما لا يَعنيه». احذِف الرِّسالةَ المشبوهَةَ بَدَلًا من الخَوضِ فيها.
الثالثة (عملية فعلية): اجعَل التَّحَقُّقَ والبَحثَ عادَتَك اليَوميَّة. قَبلَ أن تَضغَطَ زِرَّ (المُشارَكة) لأيِّ خَبَرٍ أو مَعلومةٍ أو حتَّى حَديثٍ يُنسَبُ لِلنَّبيِّ ﷺ، اذهَب وابحَث عَنهُ وتَأَكَّد من صِحَّتِه. خُطوةُ البَحثِ هذهِ تَستَغرِقُ ثَواني، لكِنَّها تُطَبِّقُ أمرَ اللهِ لَك: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.
الرابعة (اجتماعية): كُن مُحاميًا عن أعراضِ المُسلمينَ في مَجالِسِك ومجموعاتِك. إذا رَأيتَ أحَدًا يَنشُرُ إشاعَةً في مَجموعَةِ العائلةِ أو الأصدقاء، فلا تَسكُت مُداهَنَةً! رُدَّ الإشاعَةَ بأدَب، ودافِع عن العِرضِ المَظلوم. قال النبيُّ ﷺ: «مَن ذَبَّ عن عِرضِ أخيه بِالغَيب، ذَبَّ اللهُ عن وَجهِهِ النَّارَ يومَ القِيامَة» (رواه الترمذي).
الخامسة (موضوعية): تُب إلى اللهِ مِمَّا مَضى من نَشرٍ كاذِب. إن كُنتَ قد نَشَرتَ إشاعةً عن شَخصٍ أو مُؤسَّسةٍ ثم تَبَيَّنَ لَكَ كَذِبُها، فالواجبُ عليكَ شَرعًا أن تَعودَ لِنَفسِ المَكانِ أو المَجموعةِ التي نَشَرتَ فيها، وتُعلِنَ تَصحيحَ الخَطأ والاعتِذار. لا تَستَكبِر عن الحَقِّ، فالرُّجوعُ إلى الحقِّ فَضيلة، والتَّمادي في الباطِلِ هَلاك.
فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هي المِيزانُ الذي يَضبِطُ الألسِنَةَ في زَمَنِ الفِتَن، وهي العاصِمُ من الزَّلَلِ حينَ تَطيشُ العُقول وتَسرَعُ الأهواء. واعلَموا أنَّ المُسلِمَ الحَقيقيَّ هو الذي أَمِنَهُ النَّاس، كما قال ﷺ: «المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لِسانِهِ ويَدِه».
ثم صلُّوا وسلِّموا على من أُمرتُم بالصلاةِ عليه، فقد قال جلَّ من قائلٍ عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللَّهمَّ إنَّا نَسألُكَ ألسِنَةً صادِقَة، وقُلوبًا سَليمة، وأنفُسًا مُطمَئنَّة. اللَّهمَّ طَهِّر ألسِنَتَنا من الكَذِب، وقُلوبَنا من النِّفاق، وأعمالَنا من الرِّياء.
اللَّهمَّ اجعَلنا مَفاتيحَ لِلخَيرِ مَغاليقَ لِلشَّر. اللَّهمَّ لا تَجعَلنا جُسورًا تَعبرُ عليها فِتَنُ الشَّياطين، ولا أبواقًا تَنشُرُ الإفكَ بَينَ المُؤمنين.
اللَّهمَّ ارزُقنا التَّثَبُّتَ في الأُمورِ كُلِّها، وأَلْهِمنا الرُّشدَ واليَقين، وبَصِّرنا بِعُيوبِ أنفُسِنا حتَّى نَنشَغِلَ بِها عَن عُيوبِ النَّاس.
اللَّهمَّ استُر عوراتِنا، وآمِن رَوعاتِنا، واحفَظ أعراضَنا وأعراضَ المُسلمينَ من سِهامِ المُفتَرين. اللَّهمَّ مَن أرادَ بِنا وبِالمُسلمينَ فِتنةً أو تَشويهًا فاشغَلهُ في نَفسِه، واجعَل كَيدَهُ في نَحرِه.
اللَّهمَّ انصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمَظلومين في كُلِّ مَكان، اللَّهمَّ كُن لهم مُؤَيِّدًا ونَصيرًا، واربُط على قُلوبِهِم يا قَويُّ يا مَتين.
عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبالتثبت قبل النشر: لا تكن جسرًا للشائعة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.