من مكتبة مِداد الخطيب

القَرضُ الحَسَن وأمانَةُ الأداء... بَينَ تَفريجِ الكُرُباتِ وَثِقَلِ التَّبِعات

مشاركة
🕌 القَرضُ الحَسَن وأمانَةُ الأداء... بَينَ تَفريجِ الكُرُباتِ وَثِقَلِ التَّبِعات #خطبة_جمعة #القرض_الحسن #سداد_الدين #المعاملات_المالية #أخلاق #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ المُؤمنينَ إخوَةً يَتَراحَمون، وبَسَطَ لَهُم أسبابَ الخَيرِ لِيَتَعاوَنون. الحمدُ للهِ الذي أمَرَ بِأداءِ الأماناتِ إلى أهلِها، وحَذَّرَ مِن أكْلِ أموالِ النَّاسِ بالباطِل، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ قَضاءَ حَوائجِ النَّاسِ مِن أعظَمِ القُربات، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أوفَى النَّاسِ عَهداً، وأصدَقُهُم وَعداً، وأحسَنُهُم قَضاءً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخيَّلوا معي رَجُلاً بَذَلَ أغلى ما يَملِك... بَذَلَ روحَهُ ودمَهُ في سبيلِ الله. قُتِلَ شَهيداً، وتَفَتَّحَت لَهُ أبوابُ السَّماء، واستَبشَرَت بِقُدومِهِ المَلائكَة... ولكِنَّهُ فَجأةً، يُوقَفُ على بابِ الجَنَّةِ ولا يَدخُل! ما الذي مَنَعَهُ؟ هل أشرَكَ بالله؟ لا. هل تَرَكَ الصَّلاة؟ لا. أمرٌ نَفعَلُهُ كُلَّ يَومٍ ونَستَهينُ بِه، مَنَعَ الشَّهيدَ مِن دُخولِ الجَنَّة! ما هو؟ وكيفَ نَنجو مِنه؟ الجَوابُ بَعدَ قَليل. أيُّها المُؤمِنون، في زَحمَةِ هذه الحَياةِ وقَسوَتِها، تَعصِفُ بالإنسانِ أزَماتٌ ماليَّةٌ تَخنِقُ أنفاسَه، وتُطَيِّرُ النَّومَ مِن عَينَيه. يَنظُرُ يَميناً وشِمالاً فَلا يَجِدُ مَن يُفَرِّجُ كَربَهُ. وفي لَحظَةِ اليَأسِ هذه، تَمتَدُّ إلَيهِ يَدٌ مُؤمِنَةٌ، لا تَطلُبُ رِبحاً، ولا تَبتَغي مَنفَعَةً، تُقَدِّمُ لَهُ مالاً لِيَقضِيَ حاجَتَهُ وتُقيلَ عَثرَتَه. هذا العَمَلُ العَظيمُ، هو ما يُسَمِّيهِ الإسْلام: "القَرضَ الحَسَن". والقَرضُ الحَسَنُ يا عِبادَ الله، لَيسَ مُجَرَّدَ مُعاملَةٍ ماليَّة، بَل هو عِبادَةٌ راقِيَةٌ تَدُلُّ على نَقاءِ القَلبِ ويَقينِ النَّفس. لِذلكَ جَعَلَ اللهُ ثَوابَهُ مُضاعَفاً، بَل نَسَبَهُ سُبحانَهُ إلى نَفسِهِ الكَريمَةِ تَشريفاً لَه، فقالَ جلَّ جلالُه: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245]. تَأمَّلوا هذه الآيَةَ العَظيمَة! اللهُ الغَنيُّ الحَميدُ، مالِكُ خَزائِنِ السَّماواتِ والأرضِ، يَستَقرِضُ مِنكَ! لِماذا؟ قالَ الإمامُ القُرطُبيُّ رَحِمَهُ الله: "سَمَّاهُ قَرضاً تَلطُّفاً بالخَلقِ، وضَماناً لِلأجر". كأنَّ اللهَ يَقولُ لَك: أعطِ أخاكَ المُحتاج، ولا تَخَف على مالِك، فَأنا الضَّامِنُ لَك، وأنا الذي سَأرُدُّهُ لَكَ أضعافاً مُضاعَفَة. ولِعَظَمَةِ القَرضِ، جَعَلَهُ النَّبيُّ ﷺ قَرِيناً لِلصَّدَقَة، بَل قَد يَفوقُها في بَعضِ الأحيان، لأنَّ السَّائِلَ قَد يَسألُ وعِندَهُ ما يَكفيه، أمَّا المُستَقرِضُ فَلا يَطلُبُ الدَّينَ إلَّا مِن حاجَةٍ وعُسرَة. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «كُلُّ قَرْضٍ صَدَقَةٌ» (رواه الطبراني). بَل واسمَعوا لِهذا الحَديثِ الذي يَأسِرُ القُلوب، وبِهِ نُدرِكُ كَيفَ يُعامِلُ اللهُ مَن يُفَرِّجُ عَن خَلقِه. صَعِدَ النَّبيُّ ﷺ المِنبَرَ يَوماً فَقَصَّ على أصحابِهِ قِصَّةَ رَجُلٍ مِمَّن كانَ قَبلَنا، لَم يَعمَل خَيراً قَطّ، إلَّا أنَّهُ كانَ رَجُلاً تاجِراً يُدايِنُ النَّاس، فَكانَ يَقولُ لِفِتيانِه: "إذا أَتَيتُم مُعسِراً فَتَجاوَزوا عَنهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجاوَزَ عَنَّا". فَلَمَّا ماتَ، وَقَفَ بَينَ يَدَيِ الله، فَقالَ اللهُ عزَّ وجلّ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ... تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي» (متفق عليه). يا لَعَظَمَةِ هَذا الدِّين! رَجُلٌ مُفلِسٌ مِنَ الحَسَنات، دَخَلَ الجَنَّةَ بِكَلِمَةٍ واحِدَة: "تَجاوَزوا عَنه". فَهَل تُدرِكُ يا أخي حينَ تُقرِضُ مُسلِماً وتَصبِرُ عَلَيهِ أنَّكَ تَشتَري بِمالِكَ سِتراً وتَجاوُزاً مِنَ اللهِ يَومَ القِيامَة؟ يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280]. ومَن أنظَرَ مُعسِراً، أي أمهَلَهُ وصَبَرَ عَلَيه، أظَلَّهُ اللهُ في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه، كَما أخبَرَ بِذلكَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ. إخوَتي في الله... هَذا هو الوَجهُ المُشرِقُ المُضيءُ لِلدَّينِ والقَرض. ولكِن، لِلأسَفِ الشَّديد، هُناكَ وَجهٌ آخَرُ مُظلِم، هو الذي حَذَّرَ مِنهُ الشَّرعُ أشَدَّ التَّحذير. إنَّهُ التَّساهُلُ في أخْذِ الدُّيون، والمُماطَلَةُ في سَدادِها، وأكْلُ أموالِ النَّاسِ بالباطِل. إنَّ الدَّينَ هَمٌّ باللَّيل، ومَذَلَّةٌ بالنَّهار. وقَد كانَ أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ يَقول: "إِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ، فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ، وَآخِرَهُ حَرْبٌ". واليَوم، استَهانَ النَّاسُ بالدُّيونِ استِهانَةً عَجيبَة! والسُّؤالُ الذي يَطرحُ نَفسَه: لِماذا يَستَدينُ النَّاسُ اليَوم؟ هَل مِن جُوع؟ هَل مِن مَرَض؟ هَل لِتأمينِ مَسكَنٍ يَأويهِم؟ بَعضُهُم كَذلك، وهَؤُلاءِ أعانَهُم الله. ولكِنَّ الكارِثَةَ أنَّ كَثيراً مِنَ النَّاسِ اليَومَ يَستَدينونَ مِن أجلِ الكَماليَّاتِ والتَّفاخُر! يَستَدينُ لِيَشتَرِيَ أفضَلَ هاتِفٍ مَحمُول. يَستَدينُ لِيُسافِرَ لِلسِّياحَة. يَستَدينُ لِيُقيمَ حَفلَ زِفافٍ باذِخٍ يُرضي بِهِ النَّاس، ثُمَّ يَبقى سَنواتٍ طِوالاً يَدفَعُ ثَمَنَ هَذا التَّفاخُرِ الزَّائِفِ مِن عَصَبِهِ ودَمِه، وأسوَأُ مِن ذَلِك... مِن حُقوقِ النَّاس! يَقولُ اللهُ جَلَّ وعَلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29]. واسمَعوا لِهذا الحَديثِ الرَّهيبِ الذي بَدَأنا بِهِ خُطبَتَنا. عَن أبي قَتادَةَ رَضيَ اللهُ عَنهُ، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قامَ فيهِم فَذَكَرَ لَهُم أنَّ الجِهادَ في سَبيلِ اللهِ والإيمانَ باللهِ أفضَلُ الأعمال. فَقامَ رَجُلٌ فَقال: يا رَسولَ الله، أرَأيتَ إن قُتِلتُ في سَبيلِ اللهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطاياي؟ فَقالَ لَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ: «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ». ثُمَّ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ بَعدَ لَحظَة: «كَيْفَ قُلْتَ؟» فَأعادَ الرَّجُلُ السُّؤال. فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: «نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ... إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام قَالَ لِي ذَلِكَ» (رواه مسلم). سُبحانَ الله! الشَّهادَةُ في سَبيلِ اللهِ تَمحو كُلَّ شَيء... الدِّماءَ، الذُّنوبَ، المَعاصي، الزَّلَّات... إلَّا حُقوقَ النَّاس! إلَّا الدَّين! ألا يَهزُّ هَذا الحَديثُ قُلوبَنا؟ كَيفَ يَنامُ قَريرَ العَينِ مَن عليهِ دُيونٌ لِلنَّاسِ وهو قادِرٌ على سَدادِها ولَكِنَّهُ يُماطِل؟ كَيفَ يَتَلَذَّذُ بِطَعامٍ وشَرابٍ، والدَّائِنُ قَد رَفَعَ يَدَيهِ إلى السَّماءِ يَدعو عَلَيهِ في جَوفِ اللَّيل؟ يَقولُ نَبيُّنا ﷺ مُحَذِّراً هَؤُلاءِ المُماطِلين: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (متفق عليه). الغَنيُّ هُنا لَيسَ المِليونير! الغَنيُّ هُنا هو مَن يَملِكُ مَبلَغَ السَّدادِ ولكِنَّهُ يَتأخَّرُ ويَتَعَذَّر ويُماطِل، ويَترُكُ الدَّائِنَ يَستَجدي حَقَّهُ كَأنَّهُ هو الذي يَطلُبُ الصَّدَقَة! هَذا ظُلمٌ بِنَصِّ كَلامِ النَّبيِّ ﷺ. ويَشتَدُّ الخَطَرُ يا عِبادَ اللهِ إذا عَلِمنا أنَّ الدَّينَ يَحبِسُ روحَ المُؤمِنِ بَعدَ مَوتِه. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» (رواه الترمذي وحسنه). ما مَعنى "مُعَلَّقَة"؟ قالَ العُلَماء: مَحبوسَةٌ عَن مَقامِها الكَريمِ في الجَنَّة. رُوحُهُ تُريدُ أن تَرتَفِعَ إلى نَعيمِها، فَيَشُدُّها الدَّينُ إلى أسفَل! انظُروا إلى حالِنا اليَوم: الواحِدُ مِنَّا يَأخُذُ الدَّين، ثُمَّ يَتَغَيَّرُ رَقمُ هاتِفِه، أو يَتَجاهَلُ الاتِّصالات. يَرى رَقمَ مَن أقرَضَهُ فَيَضَعُ الهاتِفَ صامِتاً! يَجلِسُ في المَقاهي الفاخِرَة، ويُسافِرُ لِلنُّزهَة، وحُقوقُ النَّاسِ في ذِمَّتِه! بَل وأعجَبُ مِن ذَلِك، أنَّ بَعضَهُم يَذهَبُ لِيَعتَمِرَ أو لِيَحُجَّ نافِلَةً، ويَترُكُ دُيونَ النَّاسِ مُعَلَّقَة! واللَّهِ إنَّ سَدادَ الدَّينِ الواجِبِ أقدَمُ عِندَ اللهِ وأعظَمُ مِن عُمرَةِ النَّافِلَة! اللهُ تَعالى يَقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. ولكِن، في مُقابِلِ هذا التَّحذير، رِسالَةُ بَشارَةٍ عَظيمَةٍ لِمَن أخذَ الدَّينَ وهو صادِقُ النِّيَّةِ في سَدادِه، ولكِن ضاقَت عَليهِ الدُّنيا. اسمعوا لِهَذا الحَديثِ الذي يَبعَثُ الأمَل، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ اللَّهُ» (رواه البخاري). تَأمَّلوا مِفتاحَ النَّجاة: "يُريدُ أداءَها". النِّيَّةُ الصَّادِقَة! إذا أخَذتَ الدَّينَ وفي قَلبِكَ هَمٌّ وعَزيمَةٌ على أن تَرُدَّهُ لِصاحِبِه، فاعْلَم أنَّ اللهَ سَيَرزُقُك، وسَيَفتَحُ لَكَ أبواباً لا تَتَوَقَّعُها، وسَيُيَسِّرُ لَكَ قَضاءَه. وإن مِتَّ قَبلَ أن تَقضِيَه، وأنتَ صادِقُ النِّيَّة، فإنَّ اللهَ بكَرَمِهِ يُرضي خَصمَكَ يَومَ القِيامَةِ ويُؤَدِّي عَنك. قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ جُندٌ مِن جُنودِ اللهِ الغائِبَة، يَنصُرُ اللهُ بِها عَبدَه". أمَّا مَن يَستَدينُ وفي نِيَّتِهِ أن يَهرُب، أو أن يُماطِل، أو أن يَستَغِلَّ حَياءَ الدَّائِن وطيبَتَه، فَهذا قَد أعلَنَ الحَربَ على نَفسِه، ووَعَدَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ بِالتَّلَفِ المَحقوق: «أَتْلَفَهُ اللَّهُ»! يَتْلَفُ مالُه، وتَتْلَفُ بَرَكَةُ بَيتِه، ويَتْلَفُ دِينُه. يا عِبادَ الله، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]. مَنِ ائتَمَنَكَ على مالِهِ فَقَد أحسَنَ إلَيك، وهَل جَزاءُ الإحسانِ إلَّا الإحسان؟ لا تَجعَلوا أصحابَ المُروءَةِ يَندَمونَ على مُروءَتِهِم، فَإذا ماطَلَ المُستَدينون، وامتَنَعوا عَنِ السَّداد، خافَ النَّاسُ، وامتَنَعوا عَن إقراضِ المُحتاجين، فَتَموتُ المُروءَةُ في المُجتَمَع، ويَهلِكُ الفَقيرُ الصَّادِقُ بِسَبَبِ المُماطِلِ الكاذِب! أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن مَنزِلَةِ القَرضِ الحَسَنِ وكَيفَ أنَّهُ مِن أعظَمِ القُربات، ووَقَفنا مَعَ خَطَرِ الدَّينِ وكَيفَ أنَّهُ يَحبِسُ روحَ الشَّهيدِ عَنِ الجَنَّة، وحَذَّرنا مِن مُماطَلَةِ الأغنِياءِ وأكلِ أموالِ النَّاس. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الكَلامَ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ في حَياتِنا الماليَّة؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأُولى (قَلبيَّة): عِندَما تَضطَرُّ لأخذِ دَين، اجعَل نِيَّتَكَ صادِقَةً حازِمَةً قَبلَ أن تَمُدَّ يَدَك، أنَّكَ سَتَرُدُّ هَذا المالَ مَهما كَلَّفَك الأَمر. استَحضِر أنَّ اللهَ يَرى قَلبَك — فَإن صَدَقتَ قَضى اللهُ عَنك، وإن راوَغتَ وَكَلَكَ اللهُ إلى نَفسِك المَكسورَة. الثَّانِيَة (لِسانيَّة): اكتُبوا الدُّيونَ ووَثِّقوها. لا تَستَحيوا مِن كِتابَةِ الدَّين، فَهذا أمرُ اللهِ في أطوَلِ آيَةٍ في القُرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]. وثِّق حَقَّكَ وحَقَّ أخيـك لِلحَياةِ والمَمات، فَلا أمانَ لِعُمرِ إنسان. الثَّالِثَة (عَمَلِيَّة): إذا كانَ عَلَيكَ دَينٌ، فابْدَأ بِالسَّدادِ فَوراً ولَو بِالقَليل. لا تَنتَظِر حَتَّى يَجتَمِعَ المَبلَغُ كُلُّه. اذهَب لِدائِنِكَ وأعطِهِ جُزءاً مِنه، واعتَذِر لَهُ بِلُطف. هَذا يُطَمئِنُ قَلبَهُ ويُثبِتُ صِدقَك. إيَّاكَ أن تَهرَبَ أو تَتَجاهَلَ اتِّصالَه! الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): رِسالَةٌ لِلدَّائِنِ المُقتَدِر: إذا أقرَضتَ شَخصاً، وعَلِمتَ أنَّهُ عاجِزٌ مُعسِرٌ لا يَستَطيعُ السَّداد، فَتَصَدَّق عَلَيهِ بِالدَّينِ أو بِجُزءٍ مِنه، أو أمهِلهُ لِوَجهِ الله. ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. أعتِق هَمَّهُ اليَوم، لِيُعتِقَكَ اللهُ مِن كُرَبِ يَومِ القِيامَة. الخامِسَة (مَوضوعِيَّة): إيَّاكُم ودُيونَ التَّفاخُرِ والكَمالِيَّات! عِش بِما تَملِك، وارضَ بِما رَزَقَكَ الله. لا تُرهِق ظَهرَكَ بِسَبَبِ سَيَّارَةٍ فَرهَة، أو سَفَرَةٍ لِلتَّباهي أمامَ النَّاس، ثُمَّ تَعيشَ بَقِيَّةَ عُمرِكَ في هَمِّ الدُّيونِ وذُلِّ المُطالَبات. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ تَحمِلُكُم على أداءِ الحُقوق، وتَحجِزُكُم عَن الحَرام، ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: 283]. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين، وَمَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَن، ونَعوذُ بِكَ مِنَ العَجزِ والكَسَل، ونَعوذُ بِكَ مِنَ الجُبنِ والبُخل، ونَعوذُ بِكَ مِن غَلَبَةِ الدَّينِ وقَهرِ الرِّجال. اللَّهُمَّ اقضِ عَنَّا الدَّينَ، وأغنِنا مِنَ الفَقر. اللَّهُمَّ مَن كانَ مَدِيناً مِنَ المُسلِمينَ، مَهموماً مَكروباً، فَيَسِّر لَهُ أمرَه، وبارِك لَهُ في رِزقِه، وسُدَّ عَنهُ دَينَه، ونَفِّس كَربَه. اللَّهُمَّ وَمَن أقَالَ مُعسِراً، وتَجاوَزَ عَن أخيـهِ في الدُّنيا، فَتَجاوَز عَنهُ يَومَ العَرضِ الأكبَر، وأظِلَّهُ في ظِلِّ عَرشِكَ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّك. اللَّهُمَّ ارزُقنا حَلالاً طَيِّباً نَكتَفي بِه، ونَستَغني بِهِ عَن سُؤالِ النَّاس. اللَّهُمَّ اكفِنا بِحَلالِكَ عَن حَرامِك، وأغنِنا بِفَضلِكَ عَمَّن سِواك. اللَّهُمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِح أئِمَّتَنا ووُلاةَ أمورِنا، واجعَل بَلَدَنا هذا آمِناً مُطمَئِنّاً وسائِرَ بِلادِ المُسلِمين. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.