من مكتبة مِداد الخطيب

لماذا يبتلينا الله؟... أسرارُ المِحَنِ وعَطايا المِنَح

مشاركة
🕌 لماذا يبتلينا الله؟... أسرارُ المِحَنِ وعَطايا المِنَح #خطبة_جمعة #الابتلاء #الصبر #حكمة_الله #الرضا_بالقضاء #إيمانيات #رقائق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الدُّنيا دارَ مَمَرٍّ وابتلاء، لا دارَ مَقَرٍّ وبقاء، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَبتَلي عِبادَهُ بالمِحَنِ ليَرفَعَ دَرَجاتِهم ويُطَهِّرَ قُلوبَهم، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الصَّابرينَ، وقُدوةُ الشَّاكرين، وأشَدُّ النَّاسِ بَلاءً وأعظَمُهم رِضًا، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيرًا. أمَّا بعدُ: تَخيَّلوا معي رَجُلًا تَتَوالى عليهِ الخُطوب، يَفقِدُ مالَهُ، ثم يَفقِدُ صِحَّتَهُ، ثم يَفقِدُ أحَبَّ النَّاسِ إليه. يَقِفُ في عُمقِ اللَّيلِ باكياً يَسأل: يا رَبّ، لِماذا أنا؟ لِماذا كُلُّ هذا الألَم؟ إنَّ خَلفَ هذا السُّؤالِ الدَّامِعِ حَقيقَةً لَو كُشِفَ الغِطاءُ عَنها، لَبَكى هذا العَبدُ فَرَحًا بِما خَبَّأهُ اللهُ لَه في طَيَّاتِ هذا البَلاء... حَقيقَةٌ سَنَغوصُ في أعماقِها بَعدَ قَليل. أيُّها المؤمنون، هل سَأَلتُم أنفسَكم يومًا: لماذا يَختَبِرنا اللهُ؟ ولماذا تَأتي البَلايا في أحبَّ الأشياء إلى قلوبنا؟ لماذا نَمرَض؟ ولماذا نَفتَقِر؟ ولماذا نَفقِدُ مَن نُحِبّ؟ هذا السُّؤالُ يَطرُقُ أبوابَ القُلوبِ في لَحَظاتِ الضَّعفِ والانكِسار، وحينَ تَشتَدُّ العَواصِفُ، يَحتاجُ المُؤمِنُ إلى مِرسَاةٍ مِنَ اليَقينِ تَربِطُ قَلبَهُ بِحِكمَةِ رَبِّه. دعونا نُؤَسِّسُ قاعِدَةً قُرآنيَّةً تُريحُ القُلوب. يَقولُ اللهُ تباركَ وتَعالى كاشِفاً حَقيقَةَ هذا الوُجود: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]. تَأمَّلوا هَذِه الآيَة... اللهُ لَم يَخلُقِ الحَياةَ لِنَرتَاحَ فيها راحَةً مُطلَقَة، ولَم يَخلُقها لِتَكونَ جَنَّةً بِلا كَدَر. بَل خَلَقَها "لِيَبْلُوَكُمْ"؛ أي لِيَختَبِرَكُم. الأرضُ قاعَةُ امتِحان، والجَنَّةُ هِيَ قاعَةُ النَّتيجَةِ والراحَة. مَن دَخَلَ قاعَةَ الامتِحانِ يَطلُبُ الرَّاحَة، فَقَد أخطَأَ الفَهم، وضَيَّعَ الوِجهَة. ويَزيدُنا المَولى جَلَّ جَلالُهُ بَيانًا لِهَذِه السُّنَّةِ الرَّبَّانيَّة، فَيَقول: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]. السُّنَّةُ أن تُبتَلى. قَد تُبتَلى بِالمَرَضِ، وقَد تُبتَلى بِالصِّحَّة! قَد تُبتَلى بِالفَقر، وقَد تُبتَلى بِالغِنى! كِلاهُما ابتِلاء، وكِلاهُما مِحَكٌّ لِيَرى اللهُ صِدقَ عُبوديَّتِك. إخوَتي في الله، هُنا يَبزُغُ السُّؤالُ الأكبَر: لِماذا يَأتِي البَلاءُ مُوجِعًا؟ لِماذا يَشتَدُّ حَتَّى تَكادَ النُّفوسُ تَزهَق؟ لِلبَلاءِ في حَياةِ المُؤمِنِ حِكَمٌ عَظيمَة، لَو أدرَكَها القَلبُ لَتَلَذَّذَ بِالمُرِّ رِضًا عَنِ الله. أوَّلُ هَذِه الحِكَم: التَّمحيصُ وكَشفُ المَعادِن. الإيمانُ في أوقاتِ الرَّخاءِ يَدَّعيهِ كُلُّ أحَد. كُلُّنا في المَسجِدِ مُؤمِنون، وكُلُّنا نُحِبُّ الله. لَكِنْ حينَ تَأتي العاصِفَة، يَتَبَيَّنُ الصَّادِقُ مِنَ المُدَّعي. استَمِعوا لِهَذِه الآيَةِ الَّتي تَهُزُّ القُلوب: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3]. البَلاءُ هُوَ النَّارُ الَّتي تُسلَّطُ عَلى الذَّهَبِ لِتُخرِجَ مِنهُ الشَّوائِب، فَيَخرُجَ الذَّهَبُ خالِصًا نَقِيًّا يَبَرُقُ بإيمانِه. وثاني الحِكَم: تَكفيرُ السَّيِّئاتِ ورَفعُ الدَّرَجات. نَحنُ نُذنِب، ونُخطي، ونُقَصِّر. ولَولا أنَّ اللهَ يُريدُ أن يُطَهِّرَنا في الدُّنيا، لَجِئناهُ يَومَ القِيامَةِ بِجِبالٍ مِنَ الخَطايا تُهلِكُنا. البَلاءُ هُوَ "غَسيلُ مَكفول" لِروحِك! واسمَعوا لِهَذا الحَديثِ العَظيم، فَإنَّ فيهِ كَنزًا يَحُلُّ كَثيراً مِن أمورِنا، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ ولَا وَصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أَذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (متفق عليه). اللهُ أكبَر! حَتَّى الهَمُّ الَّذي يَسكُنُ صَدرَكَ قَبلَ النَّوم، حَتَّى الدَّمعَةُ الَّتي تُخفيها عَن أطفالِك، حَتَّى التَّعَبُ في مَكانِ عَمَلِك.. كُلُّهُ مَكتوب، وكُلُّهُ يُسقِطُ عَنكَ ذُنوبَك كَما تُسقِطُ الشَّجَرَةُ وَرَقَها في الخَريف! ومِن أعظَمِ أسرارِ البَلاء — وثالِثُ حِكَمِه — أنَّ اللهَ يَشتاقُ لِسَماعِ صَوتِك. نَعَم، قَد يَكونُ البَلاءُ رِسالَةَ شَوقٍ مِنَ الخالِق! يَبتَليكَ لِيُسمِعَكَ صَوتَ النِّداءِ في الأسحار، لِيَرى رَفعَ يَدَيكَ وتَضرُّعَك. كانَ الإمامُ الفُضَيلُ بنُ عِياض
رَحِمَهُ اللهُ يَقول: "إنَّ اللهَ لَيَتَعَهَّدُ عَبدَهُ المُؤمِنَ بِالبَلاء، كَما يَتَعَهَّدُ الرَّجُلُ أهلَهُ بِالخَير". اللهُ يَتَعَهَّدُك.. لا يُريدُكَ أن تَركَنَ إلى الدُّنيا وتَنساه، فَيَرسِلُ إلَيكَ مِحْنَةً لِتَكونَ هِيَ "المُنَبِّهَ" الَّذي يُوقِظُ قَلبَكَ مِن سُباتِ الغَفلَة. ألا يُشبِهُ هَذا حالَ كَثيرٍ مِنَّا؟ كَم مِن عاصٍ لَم يَعرِف طَريقَ المَسجِدِ إلا بَعدَ مَرَضٍ ألمَّ بِه؟ كَم مِن غافِلٍ لَم يَذُق حَلاوَةَ السُّجودِ إلَّا بَعدَ فِقدانِ عَزيز؟ لَقَد كانَ البَلاءُ في حَقِّهِم هُوَ "البابَ" الَّذي أدخَلَهُم عَلى الله. قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ في أسرارِ الابتِلاءِ مَعنىً عَجيبًا حينَ قال: "الابتِلاءُ مِنَ اللهِ كَالدَّواءِ المُرِّ يَسقيهِ الطَّبيبُ الشَّفيقُ لِمَريضِه، فَإنَّهُ وَإن آلمَهُ في اللَّحظَة، إلَّا أنَّهُ يَستَخرِجُ مِنهُ الدَّاءَ، ولَولا هَذا الدَّواءُ لَهَلَكَ المَريض". فَاللهُ أرحَمُ بِكَ مِن نَفسِك، وإذا سَقاكَ مُرَّ البَلاء، فَاعلَم أنَّ فيهِ شِفاءَ قَلبِك. عبادَ الله... لَعَلَّ قائِلًا يَقول: لَقَد طالَ البَلاء، واشتَدَّ الكَرب، وقَد ضاقَت بِيَ السُّبُل! الدُّيونُ تُثقِلُ كاهِلي، والمَرَضُ يَنهَشُ جَسَدي، أو ولَدي قَد تاهَ في دُروبِ الفِتَن! إلى مَتى هَذا الألم؟ يا مَن تَسمَعُني الآن ويَعتَصِرُ قَلبَكَ هَمٌّ لا يَعْلَمُهُ إلَّا الله.. انظُر إلى مَن هُم أكرَمُ عَلى اللهِ مِنِّي ومِنك! انظُر إلى صَفوَةِ الخَلق! قالَ رَسولُ الله ﷺ لَمَّا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). هَل غَضِبَ اللهُ عَلى أيُّوبَ عَلَيهِ السَّلامُ حينَ أفقَدَهُ مالَهُ ووَلَدَهُ وصِحَّتَه ثَمانيَةَ عَشَرَ عاماً؟ حاشا وكَلَّا! بَل كانَ يُحِبُّه، وكانَ يُعِدُّ لَهُ مَقامًا في أعلَى عِلِّيِّين. وماذا عَن نَبيِّنا وحَبيبِنا مُحَمَّد ﷺ؟ رَسولُ الله.. أحَبُّ الخَلقِ إلى الخالِق.. يُولَدُ يَتيمًا، وتَموتُ أُمُّهُ وهو صَغير، وتَموتُ زَوجَتُهُ وحَبيبَتُهُ خَديجَةُ في أشَدِّ أوقاتِ حاجَتِهِ إلَيها. وتَأمَّلوا مَعي هَذا المَشهَدَ الدَّامِع.. يَقِفُ رَسولُ اللهِ ﷺ، الجَبَلُ الأَشَمّ، حامِلاً ولَدَهُ إبراهيمَ بَينَ يَدَيه، والرُّوحُ تَفيضُ، فَتَدمَعُ عَينا رَسولِ الله.. نَعَم، يَبكي رَسولُ الله! فَيُسألُ عَن ذَلِك، فَيَقولُ كَلِمَتَهُ الخالِدَة الَّتي تُوازِنُ بَينَ أَلَمِ البَشَرِ ويَقينِ المُؤمِن: «إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، ولَا نَقُولُ إلَّا ما يُرْضِي رَبَّنَا، وإنَّا بفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (متفق عليه). الرِّضا بِالقَضاءِ لا يَعني أن لا تَتَألَّم، ولا يَعني أن لا تَبكي.. بَل يَعني أن يَكونَ لِسانُكَ مَحبوسًا عَنِ الشَّكوى لِغَيرِ الله، وقَلبُكَ مُعَلَّقًا بِيَقينِ الفَرَج. ولَكُم في سَلَفِكُمُ الصَّالِحِ قُدوَةٌ وعِبرَة. هَذا عُروَةُ بنُ الزُّبَير — رَضِيَ اللهُ عَنهُ وأرضاه — مِن كِبارِ التَّابِعين. أُصيبَت رِجلُهُ بِـ"الآكِلَة" (مَرَضٌ خَطير)، فَقَرَّرَ الأطِبَّاءُ قَطعَها حَتَّى لا يَسري المَرَضُ إلى جَسَدِه. وفي نَفسِ اليَومِ الَّذي قُطِعَت فيهِ رِجلُه، رَفَسَت بَغلَةٌ وَلَدَهُ الأحَبَّ إليهِ، فَماتَ مِن فَوْرِه! في يَومٍ واحِد: فَقَدَ عُضوًا مِن جَسَدِه، وفَقَدَ فِلذَةَ كَبِدِه! فَماذا قالَ هَذا الجَبَلُ الشَّامِخ؟ رَفَعَ يَدَيهِ إلى السَّماءِ، ولَم يَسخَط، ولَم يَصرُخ، ولَم يَقُل "لِماذا أنا يا رَب".. بَل قالَ بِقَلبٍ مُوقِن: "اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ أخَذتَ وَلَداً فَقَد أبقَيتَ أبناء، وإنْ كُنْتَ أخَذتَ طَرَفاً فَقَد أبقَيتَ أطرافاً.. فَلَكَ الحَمدُ عَلى ما أخَذت، ولَكَ الحَمدُ عَلى ما أبقَيت". أينَ نَحنُ مِن صَبرِ هَؤُلاء؟ أينَ إيمانُنا عِندَ الصَّدمات؟ يَمرَضُ أحَدُنا مَرَضًا يَسيرًا، أو يَخسَرُ صَفقَةً في تِجارَتِه، فَيَمكُثُ أيَّامًا يَتَسَخَّطُ ويَندُبُ حَظَّه، وقَد يَترُكُ الصَّلاة، والعياذُ بالله! يا إخوَةَ الإيمان.. لِكُلِّ مُبتَلىً يَسمَعُني الآن، اسمَع هَذِه البِشارَةَ النَّبَويَّةَ العَظيمَة، قالَ رَسولُ الله ﷺ: «إنَّ العَبْدَ إذا سَبَقَتْ له مِنَ اللهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْها بعَمَلِهِ، ابْتَلاهُ اللَّهُ في جَسَدِهِ أوْ في مالِهِ أوْ في ولَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ علَى ذلكَ، حتَّى يُبْلِغَهُ المَنْزِلَةَ الَّتي سَبَقَتْ له مِنَ اللهِ عزَّ وجَلَّ» (رواه أبو داود وصححه الألباني). سُبحانَ الله! لَكَ في الجَنَّةِ مَنزِلَةٌ عاليَة، لَكِنَّ صَلاتَكَ وصِيامَكَ لا يَكفيانِ لِبُلوغِها.. ماذا يَفعَلُ بِكَ رَبُّكَ
الرَّحيم؟ يَبتَليكَ، ويَرزُقُكَ الصَّبر، لِيَرفَعَكَ إلى تِلكَ المَنزِلَةِ بِلا عَمَل! أيُّ رَحمَةٍ هَذِه؟ وقَد قالَ أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "الرِّضا والصَّبرُ مَطِيَّتانِ، لا أُبالي أيَّتَهُما رَكِبت". فَإن لَم تَقدِر عَلى الرِّضا — وهُوَ دَرَجَةُ العارِفين — فَلا تَتَنازَل عَنِ الصَّبر، فَهُوَ واجِبُ المُؤمِنين. تَأمَّلوا مَعي واقِعَنا المُعاصِر. نَرى في الشَّاشاتِ صُوَراً لِإخوَتِنا المُستَضعَفين.. في بُلدانٍ تَعصِفُ بِها الحُروب، كَغَزَّةَ الأبيَّةِ أو غَيرِها. نَرى بُيوتاً تُهَدَّم، وعائِلاتٍ تُباد، وأطفالاً يَتَضَوَّرونَ جُوعاً. فَيَأتيكَ الشَّيطانُ لِيَهمِسَ في أُذُنِك: "أينَ اللهُ عَن هَؤُلاء؟ لِماذا يَترُكُهُم؟" الحَقيقَةُ — يا عِبادَ الله — أنَّ اللهَ لَم يَترُكُهُم، ولَكِنَّهُ يَصنَعُهُم لِغَدٍ لا نَعْلَمُه، ويَصطَفي مِنهُم شُهَداء، ويُعِدُّ لَهُم مِنَ الكَرامَةِ في الآخِرَةِ ما لَو رَآهُ أهلُ العافيَةِ لَتَمَنَّوا أن تُقَرَّضَ جُلودُهُم بِالمَقاريضِ في الدُّنيا! ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]. البِشارَةُ هُنا مُطلَقَة.. لَم يُحَدِّدِ اللهُ ما هِيَ البِشارَة، لِتَشمَلَ كُلَّ خَيرٍ في الدُّنيا والآخِرَة. فَإذا نَزَلَ بِكَ الكَرب، أو أُغلِقَت في وَجهِكَ الأبواب، فَتَذَكَّر قَولَهُ تَعالى: ﴿فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]. وكَما كانَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ يُرَدِّد: "لا تَكرَهوا المُلمَّاتِ الواقِعَة، فَإنَّها قَد تَأتي بِما تُحِبُّون، وتَصرِفُ عَنكُم ما تَكرَهون". أقولُ قَولي هَذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبْدُهُ ورَسولُهُ، صلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن حَقيقَةِ الابتِلاء، وكَيفَ أنَّهُ سُنَّةٌ رَبَّانيَّةٌ مَليئَةٌ بِالرَّحمات، وكَيفَ كانَ صَبرُ الأنبِياءِ والسَّلَف. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهَمِّ الَّذي يُحَدِّدُ مَصيرَنا: كَيفَ نَتَرجِمُ هَذا الفَهمَ إلى واقِعٍ في حَياتِنا عِندَما تَضرِبُنا المُصيبَة؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، تَجعَلُكُم مِنَ المُفلِحينَ عِندَ الصَّدَمات: الأولى (قَلبيَّة): طَوِّن قَلبَكَ عَلى التَّسليمِ الرِّضا مِن أوَّلِ لَحظَة. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى» (متفق عليه). لَيسَ الصَّبرُ أن تَجزَعَ وتَبكي أيَّاماً ثُمَّ تَسكُت حِينَ يَنفَدُ جُهدُك! الصَّبرُ الحَقيقيُّ الَّذي تُؤجَرُ عَلَيهِ هُوَ أن يَقولَ قَلبُكَ مِن اللَّحظَةِ الأُولى لِسَماعِ الخَبَرِ المُفجِع: "يا رَبِّ، رَضيتُ بِحُكمِك". الثَّانية (لِسانيَّة): اجعَل أوَّلَ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن شَفَتَيكَ هي "الاستِرجاع". قُل كَما عَلَّمَنا الله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وأضِف دُعاءَ النَّبيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا». ما قالَها عَبدٌ عِندَ مُصيبَةٍ إلَّا أخلَفَ اللهُ لَهُ خَيراً مِمَّا فَقَد. الثَّالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): إذا داهمَتكَ الخُطوب، افزَع إلى السُّجود. الصَّلاةُ ليسَت حَرَكاتٍ روتينيَّة، إنَّها مَلجَأ. قالَ تَعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45]. لَيلَةَ أن تَشعُرَ بِأنَّ الدُّنيا قَد ضاقَت عَلَيك بِما رَحُبَت، تَوَضَّأ، وصَلِّ رَكعَتَينِ في جَوفِ اللَّيل، وابكِ بَينَ يَدَي رَبِّك. هُناكَ فَقَط تَتَبَدَّدُ الغُيوم. الرَّابعة (اجتِماعيَّة): انظُر إلى مَن هُوَ أضْعَفُ مِنكَ وأكثَرُ بَلاءً، تَهونُ عَلَيكَ مُصيبَتُك. زُر مَريضاً في مَشفى، أو واسِ فَقيرًا مَعدومًا. حِينَ تَأخُذُكَ نَفسُكَ لِمُواساةِ الآخَرينَ في جِراحِهِم، سَيُرسِلُ اللهُ مَن يُداوي جِراحَك. الخامِسَة (مَوضوعيَّة): إيَّاكَ ثُمَّ إيَّاكَ أن تَيأسَ مِن رَحمَةِ اللهِ أو تُوقِفَ الدُّعاء. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].. لَم يَقُل بَعدَهُ، بَل مَعَهُ! اليُسرُ مَوجودٌ الآنَ في طَيَّاتِ عُسرِك، يَنتَظِرُ
الإذنَ الإلهيَّ لِيَتَجَلَّى، فادعُ مُوقِناً بِالإجابَة. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ سَفينَةُ النَّجاةِ في مَوجِ الفِتَن، وهيَ الَّتي تَحمِلُكُم عَلى الصَّبرِ الجَميلِ عِندَ المُلِمَّات. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيهِ، عَمَلاً بِقَولِ رَبِّكُم جَلَّ جَلالُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَنِ اتَّبَعَهُ بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ اجعَلنا عِندَ البَلاءِ مِنَ الصَّابِرين، وعِندَ العَطاءِ مِنَ الشَّاكِرين، وعِندَ القَضاءِ مِنَ الرَّاضين. اللَّهُمَّ أفرِغ عَلَينا صَبراً، وثَبِّت أقدامَنا، ولا تُحَمِّلنا ما لا طاقَةَ لَنا بِه. اللَّهُمَّ مَن كانَ مِنَّا مَريضاً فاشفِه، ومَن كانَ مَهموماً فَفَرِّج هَمَّه، ومَن كانَ مَدِيناً فاقضِ دَينَه، ومَن فَقَدَ عَزيزاً فاجبُر كَسرَ قَلبِهِ وارزُقهُ الصَّبرَ والسَّلوان. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِن جَهدِ البَلاء، ودَرَكِ الشَّقاء، وسُوءِ القَضاء، وشَماتَةِ الأعداء. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ لإخوَتِنا المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ أَنزِل عَلَيهِم سَكينَتَك، وأفرِغ عَلَيهِم صَبراً لا يَنفَد، ويَقينًا لا يَتَزَعزَع، واكتُب لَهُم فَرَجاً قَريباً، ونَصراً مُبيناً، واجعَل بَلاءَهُم رِفعَةً لَهُم في الدُّنيا والآخِرَة. اللَّهُمَّ اجعَل خَواتيمَ أعمالِنا خَيرَها، وخَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعون. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.