⚡ لغز الوجود.. لماذا نحن هنا؟
#درس_علمي #موعظة_شباب #الهدف_من_الحياة #الهمة #عقيدة #للشباب
الحمدُ لله الذي خَلَقَنا لغايةٍ عظيمة، وكَرَّمَنا بعقلٍ يُفَكِّر، وقَلبٍ يُبصِر، وروحٍ تَتَّصِل بخالقها. والحمدُ لله الذي جَعَلَ مرحلةَ الفُتُوَّةِ والشبابِ أقوى مراحل العمر، وأشَدَّها أثرًا، وأعظَمَها أجرًا إذا صُرِفَت في طاعته. وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، الذي بُعِثَ فالتَفَّ حوله الشباب، ونَصَروه، وحَمَلوا معه رسالةَ الإسلام إلى العالَمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:
إخوتي الأبطال، وأصدقائي الأذكياء، السلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته.
دعوني أبدأ معكم اليوم بتجربةٍ ذهنيَّة.. لُغزٍ صغير أريدُ من كلِّ واحدٍ منكم أن يُعْمِلَ فيه عقلَه، وأن يَتَخَيَّلَ الموقفَ بتفاصيله.
تَخَيَّل أنَّك كُنتَ نائمًا في سريرك، وفجأةً.. استَيقَظتَ فوَجَدتَ نفسَك في غُرفةٍ واسعةٍ جدًّا لم تَرَها من قَبل. الغرفةُ مُجَهَّزةٌ بأحدث شاشات الألعاب، وفيها ثلاجةٌ مليئةٌ بأشهى أنواع الطعام، وسريرٌ مُريح، ومَلابِسُ فاخرة. أنتَ وحدَك في هذه الغرفة، والبابُ مُغلَق.
السؤال لكم الآن: ما هو أوَّلُ سؤال سيَخطُر في بالك حين تَفتح عَينيك؟
هل ستَركُض لتَلعَب (البلايستيشن)؟ هل ستَفتح الثلاجة لِتَأكُل؟
لا! أيُّ إنسانٍ عاقلٍ في هذا الموقف سيَقف مَذهولًا ويَسأل نفسه ثلاثة أسئلةٍ لا مَفَرَّ منها:
كيف جئتُ إلى هنا؟
مَن الذي أحضَرَني؟
ولماذا أنا في هذه الغرفة تحديدًا؟ وما المطلوب منِّي؟
إذا جَلَستَ تَلعَب وتَأكُل دون أن تَطرح هذه الأسئلة، فسيَقول عنك أيُّ عاقلٍ: "هذا إنسانٌ غائبٌ عن الوعي، لا يُفَكِّر!".
يا أصدقائي.. هذه الغُرفة الكبيرة المُجَهَّزة هي "كوكب الأرض".
والطعامُ والألعابُ والملابس هي "مُتَعُ الدنيا".
ونحنُ استَيقَظنا فوَجَدنا أنفسَنا فيها. شمسٌ تُضيء، وقمرٌ يُنير، وأكسجينٌ نَتَنَفَّسه، وجاذبيَّةٌ تُمسِكُنا. كلُّ شيءٍ مُجَهَّزٌ بدقَّةٍ مُذهِلة.
فكيف يَعيش إنسانٌ عُمرَه كلَّه — يَأكُل، يَشرَب، يَلعَب، يَكبَر، يَموت — دون أن يَسأل نفسَه يومًا السُّؤالَ الأهم: مَن الذي جاء بي إلى كوكب الأرض؟ ولماذا أنا هنا؟
هذا السؤال ليس مُجَرَّد "فلسفة"، هذا هو السؤال الذي يَفصِل بين الإنسان الذي يَعيش كالآلة المُبَرمَجة، والإنسانِ الحُرِّ الذكيِّ الذي يَعرِفُ هَدَفَه. قال الله تعالى مُستَنكِرًا على مَن يَعيش بلا هدف:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115].
عَبَثًا! أي بلا حكمة، بلا غاية، هكذا صُدفة! وتَعالى اللهُ عن العَبَث.
### مباراةٌ بلا شِباك!
أعرفُ أنَّ كثيرًا منكم يُحِبُّ كرةَ القدم. دعونا نَضرِب مَثَلًا آخر.
تَخَيَّل أنَّك نَزَلتَ إلى مَلعبِ كرة قدم، أرضيَّتُه خضراءُ مُمتازة، والجمهورُ يَملأ المُدَرَّجات، وهناك حَكَم، وكُرة، وفريقان. أطلَقَ الحَكَمُ الصَّافرة، وبدأ اللاعبون يَركون، يَمينًا ويَسارًا، يَستَعرِضون مهاراتهم، يَتَعَرَّقون ويَلهَثون.
لكن هناك مُشكلةً واحدة في هذا الملعب: لا توجد شِباك (أهداف) في المَرمَيَين!
ما الذي سيَحدُث؟ سيَركُضون 90 دقيقة، ثُمَّ يُطلِق الحَكَمُ الصافرة. مَن الفائز؟ لا أحد. مَن الخاسر؟ لا أحد. ماذا استفادوا من هذا الرَّكض التَّكتيكي المُرهِق؟ لا شيء! لأنَّ المباراةَ فقدَت "الهدف" الذي تَتَوَجَّهُ إليه الكُرة.
حياتُك يا أخي الحبيب، طاقتُك القويَّة في سنِّ الثانية عشرة أو الخامسة عشرة، ذكاؤك، صِحَّتُك، وقتُك.. كلُّها أقدامٌ تَركُض في المَلعب. إذا لم تَضَع لها "هَدَفًا" — شِباكًا تُسَدِّد نحوها — فستَركُض وتَتعب وتَدرس وتَكبَر، وفي النهاية.. ستُطلَق صافرةُ النِّهاية (الموت)، وتَكتَشف أنَّك كُنتَ تَركُض في الفَراغ!
يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: "يا ابن آدم، إنَّما أنتَ أيَّام، كلَّما ذَهَبَ يومٌ، ذَهَبَ بَعضُك".
كلُّ يومٍ يَمُرُّ هو دقيقةٌ تُخصَم من وقتِ المباراة. فهل أنتَ تُسَجِّل أهدافًا، أم تَركُض بلا غاية؟
### البطلُ الذي سأل: "لماذا؟"
في تاريخِنا الإسلامي، لا يوجد سنٌّ صَغيرة على التَّفكير العَميق. سأُحَدِّثكم عن فتًى — نعم شابٌّ في عُمركم تقريبًا — كان يَعيش في مجتمعٍ كلُّه يَلعَب ويَعبُد الأصنام. الناس حَولَه نَسوا هَدفَهم، ونَحَتوا حِجارةً بأيديهم ثم سَجدوا لها.
لكنَّ هذا الفتى لم يَكُن إمَّعَةً يُقَلِّد الناس. كان يَمتَلِك عقلًا حُرًّا ذكيًّا، وكان يَنظُر إلى السماء ويَسأل: "لماذا أنا هنا؟ ومَن هو رَبِّي الحقيقي؟".
هذا الشابُّ هو أبونا إبراهيمُ عليه السلام.
تأمَّلوا كيف يَحكي لنا القُرآنُ رِحلةَ عقلِ هذا الشاب. نَظَرَ في اللَّيل، فرأى كَوكبًا مُضيئًا. قال للناس الذين يَعبُدون الكواكب: ﴿هَٰذَا رَبِّي﴾؟ لكنَّ الكوكبَ غابَ واختَفى. فقال بعقلِ الفتى الذَّكي: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (لا أُحبُّ الإله الذي يَغيب ويَختَفي، الإلهُ يَجب أن يَكون قويًّا دائمًا).
ثم رأى القَمَر طالعًا بحجمه الكبير المُنير. قال: ﴿هَٰذَا رَبِّي﴾؟ فلمَّا غاب القمرُ الصباحَ، عَرَفَ أنَّ هذا مَخلوقٌ ضَعيفٌ مَحكومٌ بنظام.
ثم طلعت الشَّمسُ كبيرةً ساطعة، تَملأ الأرضَ دِفئًا. فقال: ﴿هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ﴾! فلمَّا غابَت هي الأخرى وسَقَط الظلام، وَقَفَ هذا الشابُّ الذَّكي وأعلَنَ اكتشافَ الهَدَف الأعظم في الوجود. التَفَتَ إلى قومه وقال بثباتِ الجِبال:
﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 76-79].
هكذا وَجَدَ إبراهيمُ الشابُّ هَدفَه: أن يُوَجِّهَ وَجهَه وقَلبَه وحياتَه كُلَّها للخالقِ العظيم الذي صَنَعَ كلَّ هذا النِّظام.
السؤالُ لكم يا أبطال: كم مرَّةً نَحنُ نَنخَدِعُ بـ"كواكب" و"أقمار" و"شموس" مُزَيَّفة في زماننا؟
قد يَكون المَشهورُ أو اللاعبُ أو (اليوتيوبر) الذي تتابعُه بشَغَف.. كوكبًا ساطِعًا في عَينيك. قد تَكون اللُّعبةُ الَّتي تَقضي عليها 6 ساعاتٍ يوميًّا قَمَرًا يَملأ ليلَك.
لكنَّها كُلَّها "تَأفَل" وتَغيب ولا تَنفَعك إذا وَقَفتَ بين يَدَي الله.
الشابُّ الذكيُّ يَقول كما قال إبراهيم: أنا لا أُحبُّ الأشياء التَّافِهَة التي تَسرِقُ عُمري وتَغيب، أنا أُوَجِّهُ قَلبي ومَهاراتي للَّذي فَطَرَ السَّماوات والأرض.
### شِفرةُ الحَياة.. الآيةُ الَّتي تَحُلُّ اللُّغز
ربَّما يَسألُ أحدُكم الآن: "حَسَنًا، لقد اقتَنَعت. الغُرفةُ لها صانع، والمُباراةُ يَجب أن يَكون لها أهداف. فما هو هذا الهَدَف تحديدًا، وبِكَلِماتٍ مُختَصَرة؟"
الإجابةُ لم يَتركها اللهُ لاجتهادات الفلاسفة وتَخَمُّنات المُفَكِّرين. بل أرسَلَها في رسالةٍ واضحةٍ، قاطعةٍ، في آيةٍ واحدةٍ تَحُلُّ لُغزَ وُجودِ البَشريَّةِ منذُ آدمَ إلى قيام الساعة. استَمِعوا إليها بقُلوبكم:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
"ليَعبُدون".. هذه هي شِفرةُ الحياة.
لكن، توقَّفوا معي دقيقة. هل يَعني هذا أن أتركَ دراستي، وأتركَ الرياضة، وأتركَ أصدقائي، وأجلسَ في المسجد على سِجَّادة الصلاة 24 ساعة أُسَبِّح؟ هل هذا هو مَفهوم "يَعبُدون"؟
إذا كُنتَ تَظُنُّ ذلك، فهذا فَهمٌ خاطئ.
قال حَبرُ الأُمَّة وتُرجُمان القرآن، الصحابيُّ الجليلُ عبدُ الله بن عباس رضي الله عنهما (وقد كان شابًّا حينها) في تَفسير "ليَعبُدون": (أي لِيَعرِفُونِ).
يَعني أن تَعيش حياتَك كلَّها وأنتَ تَتَعَرَّف على الله وتَشعُر بمُراقَبَتِه.
العبادةُ يا إخوتي مَفهومٌ أوسَع بكثير من حركات الصلاة.
* أنتَ حين تَجلِس أمام كُتُبِك لِتَدرُس، وتَنوي في قلبك: "يا رب، أنا أدرُس لأكون مهندسًا أو طبيبًا أو مُبَرمِجًا مُسلمًا قَويًّا أَنفَعُ أُمَّتي".. فأنتَ في عِبادة!
* أنتَ حين تَنزل إلى المَلعَب وتَتَدَرَّب وتَقوي جَسَدك، وتَنوي: "المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف".. فأنتَ في عِبادة!
* أنتَ حين تَبتَسِم في وَجه أمِّك صباحًا، وتُقبِّل رَأسَها، وتَسمَع كَلامَ أبيك.. فأنتَ في عِبادَة!
كلُّ حركةٍ في حياتك يُمكِنُ أن تَنقَلِب إلى عِبادة، وإلى أهدافٍ تُسَجِّلُها في شِباك الآخرة، بشَرطٍ واحد: النِّيَّة.
أن يَكونَ في قلبك أنَّك تَفعَلُ هذا لله، أو تَترُكُ الحرامَ لله.
هذا هو سِرُّ الهَدَف. مَن عَرَفَه، أصبَحَت أيَّامُه كلُّها ذاتَ معنى، وصارَ نومُه عِبادَة، وأكلُه عِبادَة، ومُذاكَرتُه عبادة. ومَن جَهلَه، عاشَ يَتَخَبَّط، يَفرَحُ يومًا ويَكتَئِب شَهرًا، لأنَّه لا يَعرف وُجهَتَه.
### هِمَّةُ شابٍّ.. ماذا تَطلُب لو سُئِلت؟
اسمحوا لي أن أُقَدِّم لكم بَطَلًا آخَر من أبطال السِّيرة النَّبَويَّة. شابٌّ صَغيرٌ في السِّن، اسمُه ربيعةُ بن كَعب الأسلمي رضي الله عنه.
كان ربيعة شابًّا فَقيرًا، ينام في المسجد، لكنَّه اختارَ هَدَفًا شَريفًا: أن يَخدُمَ النبيَّ ﷺ. كان يُجهِّز له ماءَ الوُضوء في اللَّيل.
وفي ليلةٍ، أرادَ النبيُّ ﷺ أن يُكافِئ هذا الشابَّ المُجتَهِد. نَظَرَ إليه وقال له كلمةً لو قيلَت لأيِّ إنسانٍ لَطارَ من الفَرَح. قال له النَّبيُّ ﷺ (وهو المُجابُ الدَّعوة، والذي لا يُرَدُّ طَلَبُه):
«يا ربيعة.. سَلْني» (أي اطلُب منِّي ما شِئت).
قِفوا لحظة.. لو جاءكَ ملِكٌ أو أثرى أثرياءِ العالَم اليوم، وقال لك وأنتَ في سِنِّ الرابعة عشرة: "اطلُب منِّي ما تُريد الآن وسأُحققُه لك".. ماذا ستَطلُب؟
قد يَقُفز عقلُ أحدنا إلى: "أريدُ حِسابًا بَنكيًّا فيه مليون دولار"، "أريدُ أحدثَ حاسوبٍ للألعاب"، "أريدُ سيَّارةً رياضيَّة فاخرة عندما أَكبَر".
لكنَّ ربيعة.. الشابَّ الذي فَهِمَ "لُغز الوجود" وعَرَف الهَدَف.. لم يَطلُب دُنيا زائلة. كان ذكيًّا جِدًّا. نَظَرَ إلى النبيِّ ﷺ وقال بكلِّ هُدوء وعُمق:
«أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ!».
يا لله! أيُّ هِمَّةٍ كان يَحمِلُها هذا الفتى؟ لم يَطلُب فقط أن يَدخل الجنَّة، بل طَلَبَ أعلى دَرَجاتِها، جِوارَ النبيِّ ﷺ.
فماذا ردَّ عليه النبيُّ ﷺ؟ هل قال له: هذا سهل؟
لا، الهدفُ العظيمُ يَحتاج إلى عَمَلٍ عَظيم. قال له النبيُّ ﷺ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» [رواه مسلم].
أعطاهُ الخطوةَ العَمَليَّة. تُريد الهَدَف الأكبر؟ إذن عليكَ بالصلاة. كثرةُ السجود هي السُّلَّم الذي سيَرفَعُكَ من الأرضِ إلى مرافقةِ سيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرين.
يا إخوتي.. المُشكلةُ في زماننا ليست أنَّ الشبابَ ليس لديهم طاقة. أنتم تَملِكون طاقةً تَهزُّ الجبال! بل المشكلة أنَّ هذه الطاقة تُهدَر في طُموحاتٍ صَغيرة جدًّا. تَتَنافَسون في "مستويات" لُعبة إلكترونية، أو في جَمعِ "إعجابات" على مَقطَع، وتَترُكون المَلعَبَ الحقيقيَّ الذي يُسَجِّل فيه الرِّجالُ أهدافَ الخلود!
يقول ابن القيم رحمه الله: "كمالُ الإنسانِ إنَّما هو بهِمَّتِه وحبِّه، فمَن كَبُرَت هِمَّتُه، صَغُرَت في عَينِه الدنيا".
### كيف أعيشُ هَدَفي.. غدًا صباحًا؟
الآن، وقَبلَ أن نَختِم.. قد يَسأل أحدُكم: "يا أخي، أنا فَهِمتُ أنَّ هَدفي هو العبادة، وأنَّ طُموحي يَجب أن يَكون كربيعة. لكن كيف أُتَرجِم هذا في حياتي الواقعيَّة؟ أنا شابٌّ أذهب للمدرسة، وأجلس مع أهلي، وألتقي بأصدقائي.. ماذا أفعَل تحديدًا؟"
الجواب يا صديقي أُلَخِّصُه لك في خَمسِ وَصايا عَمَليَّة، إذا طبَّقتَها، أصبَحَت حياتُك كلُّها ذاتَ هَدَفٍ واضِح. أوصيكم بخَمسٍ قَبل أن نَختِم مجلسَنا هذا:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نِيَّتك كلَّ صباح. حين تَقوم من سَريرك، قُل في قلبك: "يا رب، أنا سأذهبُ لمدرستي، وسألعب رياضةً، وسأبرُّ أهلي، كلُّه بنيَّة التَّقَوِّي على طاعتك ونَفع أمَّتك". هذا التفكير يأخذ منك 5 ثوانٍ، لكنَّه يُحَوِّل يومَك العاديَّ إلى جَبَلٍ من الحَسَنات!
الثانية (لِسانيَّة): احفَظ لسانَك وسطَ أصدقائك. الشابُّ القويُّ الذي يَعرف هَدَفه، لا يَستَخدِم الكلماتِ البذيئة، ولا يَشتِم حتَّى لو كان مازِحًا أو في لُعبةٍ تَعَصَّب فيها. رسولنا ﷺ يقول: «المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ من لسانِه ويَدِه». لسانُك هو عنوانُ عَقلك.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): صلاةُ الفَجر. هذه هي الميزانُ اليوميُّ للهدف. إذا كُنتَ تَستَيقظ للمدرسة ولا تَستَيقظ للفجر، فراجِع هَدَفَك. اجعَل ضَبطَ مُنَبِّه الفجرِ أوَّلَ وأهمَّ قَرارٍ تَتَّخِذه الليلة قبل أن تَنام. وكما قال النبي ﷺ لربيعة: "أَعِنِّي على نَفسِكَ بكَثرة السُّجود".
الرابعة (اجتماعيَّة): برُّ الوالدَين. الهَدَفُ ليس في المسجد فقط. حين تَبتَسِم في وَجه أمِّك المُتعبة وتُقَبِّل رأسَها، أو تُسارع لتلبية طَلَبِ أبيك قبل أن يُكَرِّره.. أنتَ هنا تَقوم بأعظم أنواع العبادة، وتَقتَرِب من الجنَّة بِسُرعةِ الصَّاروخ!
الخامسة (موضوعيَّة): المُحاسَبة المسائيَّة. كلَّ ليلة، قبل أن تَنام وتَضعَ رأسَك على الوِسادة، اسأل نفسَك سؤالًا واحدًا فقط: "هل أنا اليوم اقتَرَبتُ من هَدَفي (الجنَّة ورضا الله)، أم ابتَعَدتُ عنه؟"
إن كان خيرًا فاحمَد الله، وإن كان تقصيرًا فاستَغفِر واعزِم على التعويض غدًا.
### أنتم أملُ الأمَّة
أصدقائي الأبطال.. لا تَسمَحوا لأحدٍ أن يَقول لكم: "أنتم صِغار".
مَن قال لكم هذا لا يَعرف تاريخَنا!
* محمَّد الفاتح فَتَحَ بلادًا وعُمرُه لا يَتجاوز الثانيَة والعشرين.
* وأسامةُ بن زيد أمَّرَهُ النبيُّ ﷺ على جيشٍ فيه كبارُ الصحابة وعُمره ثمانيةَ عَشَرَ عامًا.
* ومعاذ بن جبل كان يُفتي ويُعَلِّم النَّاسَ الحلالَ والحرام وهو في سنِّ الشباب.
أنتم في سِنٍّ تَستَطيعون فيها حِفظَ القرآن، وتَعَلُّمَ البَرمَجة، وإتقانَ اللُّغات، وبِناءَ أجسادٍ قويَّة، وتَأسيسَ شخصيَّاتٍ لا تَنكَسِر أمام الفِتَن. الشاشاتُ الَّتي بَين أيديكم اليوم، إمَّا أن تَكونَ أداةً لِبِنائكم فتَنفَعوا الإسلام، أو أداةً لِتَخدير عُقولكم وضَياعِ أهدافِكم. والخِيارُ في أَيديكُم.
تَذَكَّروا دائمًا المَلعَبَ الذي بلا شِباك. إيَّاكم أن تَركُضوا في حياتكم بلا شِباك. حَدِّدوا وُجهَتَكم، وصَوِّبوا نَحوَ رِضا خالِقكم، وكُونوا رِجالًا تَفخَرُ بِهِم أمَّةُ محمَّد ﷺ.
دعونا نَرفَع أيدينا بالدُّعاء بقلوبٍ صادقة:
اللَّهمَّ يا مُقَلِّب القُلوبِ، ثَبِّت قُلوبَنا على دِينك.
اللَّهمَّ أنِر بَصائِرنا، واهدِنا سُبُلَ السَّلام، وأخرِجنا من ظُلُماتِ الجَهلِ والغَفلَة إلى نورِ العِلمِ والمَعرفَة.
اللَّهمَّ اجعَلنا شبابًا نَنشَأُ في طاعَتِك، ونَعيشُ على مَرضاتِك، ولا تَجعَلنا من الغافِلين.
اللَّهمَّ ارزُقنا هِمَّةَ ربيعةَ في التَّعَلُّقِ بالجنَّةِ ومُرافَقةِ حَبيبك المُصطَفى ﷺ.
اللَّهمَّ أعِنَّا على ذِكركَ وشُكركَ وحُسن عِبادتك.
اللَّهمَّ احفَظنا من فِتَنِ الشاشات والمُلهِيات، واجعَل أوقاتَنا شاهِدةً لنا لا علينا.
اللَّهمَّ ارزُقنا بِرَّ آبائنا وأمَّهاتنا، واجعَلنا قُرَّةَ عَينٍ لهم في الدُّنيا والآخرة.
اللَّهمَّ اجعَلنا قادةً في طَريقِ الحقِّ، ونَبَتَةً صالحةً في أرضِ الإسلام، تَنفَعُ بِها العِبادَ والبلاد.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وصَلَّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّنا مُحمَّدٍ، وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمَعين.
والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.