🕌 الكلمة أمانة.. قبل أن تتكلم أو تنشر
#خطبة_جمعة #حفظ_اللسان #الأمانة #الغيبة_والنميمة #وسائل_التواصل #أخلاق #رقائق
الحمدُ للهِ الذي خلقَ الإنسانَ وعَلَّمَهُ البَيان، الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الكَلِمةَ ميزاناً للقلوب، ومِفتاحاً للدرجات، ومَطِيَّةً إمّا للنجاةِ وإمّا للضياع والهلاك. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، أحاطَ بكلِّ شيءٍ عِلماً، وأحصى على العبادِ أقوالَهُم وأفعالَهُم وحركاتِ أصابعِهم، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورسولُه، أصدقُ الناسِ لهجةً، وأعَفُّهُم لساناً، وأطهرُهُم مَنطِقاً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً. أمَّا بعد:
عبادَ الله، لو قيلَ لأحدِنا إنَّ كاميرا دقيقةً تراقبه في خلوته، وتُسجِّلُ كلَّ همسةٍ ينطقُ بها وكلَّ حرفٍ يكتبه، لباتَ الليلَ قلقاً يحسبُ لكلِّ حركةٍ حسابها. فكيفَ وبكلِّ واحدٍ منا مَلَكانِ يكتبان، وصحيفةٌ لا تغادرُ حرفاً ولا تعليقاً ولا إعجاباً ولا رسالةً إلا أحصتها؟ اليومَ نفتحُ ملفاً يومياً نعيشهُ في كلِّ لحظة، ملفاً قد يهوي بالعبدِ في النارِ سبعينَ خريفاً وهو يظنُّ أنه يمزح، أو يرفعهُ إلى أعلى عليين وهو لا يدري. فما هو هذا الخطرُ الخفيُّ الذي نحملهُ في جيوبنا وعلى أطرافِ أصابعنا؟ الجوابُ بين أيديكم الآن.
أيها المؤمنون، هل سألتم أنفسكم يوماً: لماذا كان أولُ ما نطقَ به عيسى ابن مريم عليه السلام في المهدِ كلمة، وكان أكثرُ ما يُدخل الناسَ النارَ يوم القيامةِ حصائد الألسنة والكلمات؟
تأملوا هذا التناقضَ العجيب... الكلمةُ التي تبني أمةً وتُقيم حقاً، هي ذاتها الكلمةُ التي قد تهدم أسرةً وتستبيح دماً أو عِرضاً!
نحن نعيشُ اليوم في عصرٍ لم تعد فيه الكلمةُ حبيسةَ الجدران، ولم تعد المجالسُ تُطوى بانتهاءِ الجلوس. في الماضي، كانت الكلمةُ تخرجُ من الفمِ فتموتُ عند حدودِ السامعين، أما اليوم... فالأمر جَلَل. الكلمةُ اليوم تُكتب في غرفةٍ مظلمة، ومن خلفِ شاشةٍ مضيئة، فتطوفُ أرجاء الأرض في ثوانٍ معدودات، وتدخلُ ملايين البيوت، وتبقى حيةً في صحيفتك الرقمية، وصحيفتك عند ربِّ العالمين، سنواتٍ وسنوات بعد موتك!
واسمعوا لهذا التأسيس الرباني العظيم، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. تأملوا دقة القرآن... لم يقل الله "ما يتكلم"، بل قال ﴿مَا يَلْفِظُ﴾. واللفظ هو الرمي، أي ما ترمي به من فمك أو من أطراف أصابعك. ﴿رَقِيبٌ﴾ أي مراقب حاضر، ﴿عَتِيدٌ﴾ أي مهيأ ومستعد للكتابة، لا ينام، لا يغفل، ولا ينسى.
ويوم القيامة، تُنشر الدواوين، ويُعطى الإنسان كتابه، فإذا به يُذهل مما يرى! يقول الله عز وجل واصفاً مشهداً تذوب منه القلوب: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].
يا عبد الله، إن من أصعب ما يواجهه الإنسان في زمننا هذا هو استسهال الكلمة! يمسك أحدنا بهاتفه، فيرى خبراً عن فلان، أو صورة لفلان، أو مقطعاً يُسخر فيه من جهة أو شخص، فيضغط بضغطة زر واحدة (إعادة إرسال) أو (مشاركة). ضغطة واحدة لا تستغرق ثانية! ولكنه لا يدري أنه بهذه الثانية قد شارك في اغتياب مسلم، أو هتك ستر غافل، أو بهتان بريء، أو إشاعة فاحشة!
واسمعوا لهذا الحديث الذي يزلزل القلوب الحية، يقول الصادق المصدوق ﷺ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (رواه البخاري).
توقفوا معي عند قوله ﷺ: «لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً». هذه هي الطامة الكبرى! يتكلم، يكتب، يعلق، يغرد، يرسل... وهو يضحك، يظن الأمر هيناً، يظنه مجرد "تعليق ساخر"، يظنه مجرد "مشاركة لمزحة"... وهو عند الله من سخطه!
إخواني في الله، لقد أصبحنا نرى الغيبة والنميمة والسخرية تتخذ أشكالاً جديدة في عصرنا. قديماً كانت الغيبة في المجالس، أما اليوم فقد تحولت إلى "غيبة إلكترونية". أتدرون ما هي الغيبة الإلكترونية؟ أن تأخذ صورة (شاشة) لحديث أخيك، أو زلة لسان من أختك، ثم ترسلها في مجموعة أخرى لتضحكوا عليه!
وقد سأل النبي ﷺ أصحابه يوماً: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» (رواه مسلم).
والبهتان أشد من الغيبة! البهتان هو نشر الشائعات، واختلاق الأكاذيب، وتشويه السمعة. كم من بيت هُدم بسبب تعليق خبيث؟ كم من زوج طلق زوجته بسبب رسالة نُمَّت إليه عبر وسائل التواصل تحوي تخبيباً وسماً زعافاً؟ كم من تاجر كُسرت تجارته بسبب حملة تشويه كاذبة أُطلقت عليه ظلماً وعدواناً في الفضاء الرقمي؟
ولنتأمل معاً هذا المشهد النبوي العظيم الذي يعلمنا وزن الكلمة. جلست أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مع النبي ﷺ، وتحدثت عن أم المؤمنين صفية رضي الله عنها، فأشارت بيدها إشارة أو قالت كلمة تعني أنها قصيرة. لم تشتمها، لم تلعنها، لم تخض في عرضها! إنما وصفت خلقة فيها. فماذا كان رد النبي ﷺ؟ هل سكت؟ هل جاملها وهي أحب أزواجه إليه؟
لا والله! بل تغير وجهه، وقال كلمة تُكتب بماء الذهب: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
تخيلوا يا عباد الله! كلمة واحدة... لو خُلطت بماء البحر المتلاطم الأمواج، المالح العظيم، لغيرت طعمه ولونه وريحه لشدة نتانتها وقبحها عند الله!
كلمة واحدة في الطول والقصر أفسدت البحر! فكيف بمن يخوضون في أعراض الناس ليل نهار؟ كيف بمن يطعنون في النيات، ويسخرون من الأنساب، ويلمزون الهيئات؟ ماذا تفعل كلماتهم وتعليقاتهم الطويلة بحرناتهم وصحائفهم؟ والله إنها لتفسد عليهم آخرتهم إن لم يتداركهم الله برحمته.
وهنا نصل إلى الأمر الأخطر، وهو الخوض فيما لا علم لنا به تحت غطاء "الناس كلها تتكلم". يقول الله جل جلاله محذراً عباده من خطورة نقل الكلام بلا تثبت: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15].
﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾! هذه هي الآفة. تظنه "مجرد ضغطة زر"، وهو عند الله عظيم. تظنه "مجرد رأي"، وهو عند الله قذف. تظنه "مجرد نقل للخبر"، وهو عند الله بهتان.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله مبيناً هذه العجيبة في بني آدم: "ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم، وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه! حتى يرى الرجل يُشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالاً، يهوي بالكلمة الواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب".
صدق رحمه الله! كم من صائم قائم يفسد طاعاته بلسانه وأصابعه؟ كم من امرأة تحافظ على صلاتها وحجابها، لكن مجالسها ومجموعاتها في الهاتف لا تخلو من تمزيق لأعراض المسلمات وسخرية من هذه وتلك!
لقد حذرنا الله من السخرية تحذيراً قاطعاً فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11]. والميمات (Memes) الساخرة، والصور المركبة التي نتبادلها لنضحك على أشكال الناس أو أخطائهم، كلها داخلة في هذا الوعيد القرآني الشديد.
أيها الأحبة، إن الكلمة المكتوبة اليوم أصبحت "سيئة جارية" إن كانت شراً، أو "حسنة جارية" إن كانت خيراً. الإنسان قد يموت، ويُوسّد في قبره، وينقطع عمله... إلا من حسابه على وسائل التواصل! فإذا كان قد ترك خلفه كلمات فيها سخرية بالدين، أو طعن في المسلمين، أو نشر لمقاطع محرمة، فإن عداد السيئات يستمر في العمل وهو في ظلمة قبره لا يستطيع أن يمحو حرفاً واحداً! كلما أُعيد نشر تغريدته، وكلما قُرئ تعليقه، كُتبت عليه سيئة جديدة. فهل نطيق عذاب القبور حتى نثقل ظهورنا بسيئات لم نعُد نملك إيقافها؟
قال الصديق أبو بكر رضي الله عنه، وهو من هو! مبشر بالجنة، وصاحب رسول الله في الغار، أخذ يوماً بلسان نفسه وقال يبكي: "هذا الذي أوردني الموارد". فإذا كان أبو بكر الصديق يخاف من لسانه وهو لا ينطق إلا بالحق، فماذا نقول نحن عن ألسنتنا وأصابعنا في هذا الزمان المفتوح؟
يوم القيامة، حين تقف بين يدي ربك، لن تنفعك الأسماء الوهمية التي تختبئ خلفها، ولن تشفع لك الحسابات المستعارة التي تطعن بها في الناس. فالذي خلقك يعلم سرك ونجواك، ويقول لك: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24]. الأصابع التي تضغط وتكتب، ستنطق يوم القيامة وتشهد عليك أو لك.
فيا من ابتُلي بالخوض في أعراض الناس، ويا من اعتاد على التعليقات الجارحة، ويا من يتساهل في نقل الأخبار الكاذبة... تدارك صحيفتك اليوم. امحُ ما استطعت مما كتبت، وتحلل ممن اغتبت وسخرت، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه حذفٌ للمنشور، ولا إغلاقٌ للحساب، بل حساب وكتاب ووقوف بين يدي الملك الوهاب.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً يليقُ بجلالِ وجهِهِ وعظيمِ سلطانِه، والصلاةُ والسلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين، سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد:
عباد الله، وقفنا في خطبتنا الأولى مع الوزن العظيم للكلمة، وكيف أنها ترفع العبد أو تهوي به، ورأينا كيف أصبحت وسائل التواصل في عصرنا ميداناً تتضاعف فيه السيئات بالكلمة المكتوبة والمنشورة، وكيف أن الغيبة والسخرية والبهتان أصبحت أسرع انتشاراً من النار في الهشيم. والآن، إخواني، بقي السؤال الأهم الذي سيحدد إن كانت هذه الخطبة ستثمر في قلوبنا وجوارحنا: كيف نحمي أنفسنا وصحائفنا في هذا الفضاء الرقمي المزدحم؟
أوصيكم بخمسٍ قبل أن أنزل من منبري، خذوها عهداً بينكم وبين ربكم:
الأولى (قلبية): طهِّر قلبك يطهر لسانك وقلمك. قال يحيى بن معاذ رحمه الله: "القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها". فالذي يمتلئ قلبه بالحقد والحسد وسوء الظن، لن يغرف لسانه إلا تجريحاً وسخرية. اغسل قلبك من الغلّ تجاه المسلمين، ترتح في دنياك وتُفلح في أخراك.
الثانية (لسانية وفعلية): طبِّق "قاعدة الثواني الثلاث". قبل أن تضغط زر "إرسال" أو "مشاركة" أو "إعادة تغريد"، توقف ثلاث ثوانٍ واسأل نفسك: هل هذه الكلمة ترضي الله؟ هل فيها كذب؟ هل تجرح أحداً؟ إن شككت فيها فاحذفها فوراً! وتذكر حديث نبيك ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». الصمت في وسائل التواصل هو عدم النشر، وهو نجاة.
الثالثة (عملية): توبة رقمية عاجلة. عد اليوم إلى حساباتك القديمة والجديدة. نظّفها من كل صورة محرمة، ومن كل تعليق فيه سخرية أو سب، ومن كل مقطع فيه باطل. امحُ هذه الذنوب بيدك اليوم، قبل أن يعجز جسدك غداً وتتحول هذه المنشورات إلى سيئات جارية تلاحقك في قبرك.
الرابعة (اجتماعية): ذُبَّ عن عرض أخيك. إذا كنت في مجموعة "واتساب" أو غيرها، ورأيت أحدهم يغتاب مسلماً أو يسخر منه، فلا تكن شيطاناً أخرس. دافع عن أخيك أو غادر المجلس. قال ﷺ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه الترمذي).
الخامسة (موضوعية): حوّل شاشتك إلى "حسنة جارية". بدلاً من أن يكون الهاتف باباً للذنوب، اجعله مفتاحاً للخير. انشر آية، شارك موعظة، اكتب كلمة طيبة تجبر بها خاطراً، ادعُ بالخير للناس. ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. اجعل من حساباتك منابر للخير، تسرك رؤيتها يوم العرض الأكبر.
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن ألسنتكم وأصابعكم أمانة، وأن الكلمة إن خرجت ملكتك ولم تملكها، فاحفظوا أماناتكم.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، عملاً بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم طهِّر ألسنتنا من الكذب، وقلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وأعيننا من الخيانة. اللهم اجعل ألسنتنا عامرة بذكرك، وأقلامنا مسخرة لمرضاتك، وجوارحنا طائعة لأمرك.
اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنّا، وما أنت أعلم به منا. اللهم تب علينا من زلات ألسنتنا، وسقطات أصابعنا، واغفر لنا كل كلمة سخطت بها علينا ونحن لا نشعر.
اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، ولا تجعلنا ممن يخوضون في أعراض المسلمين.
اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وارفع البلاء عن المستضعفين والمظلومين من إخواننا يا أرحم الراحمين، وانصرهم بنصرك المبين.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
الكلمة أمانة.. قبل أن تتكلم أو تنشر
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.