🕌 الدُّنْيَا.. سَرَابٌ يَسْرِقُ الأَعْمَارَ
#خطبة_جمعة #التعلق_بالدنيا #الزهد #التنافس_على_الدنيا #الرقائق #إيمانيات
الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ مَمَرٍّ لَا دَارَ مَقَرّ، وَجَعَلَ الآخِرَةَ هِيَ دَارَ البَقَاءِ وَالخُلُودِ. وأَشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُعْطِي الدُّنْيَا لِمَنْ يُحِبُّ وَلِمَنْ لَا يُحِبّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبّ. وأَشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُه، أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَرْغَبُهُم فِيمَا عِنْدَ اللهِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بعدُ:
عِبادَ اللهِ، حَقِيقَةٌ مُؤْلِمَةٌ نَعِيشُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ؛ نَبْكِي إِذَا فَاتَنَا مَتَاعٌ، وَنَغْضَبُ إِذَا سَبَقَنَا غَيْرُنَا إِلَى مَنْصِبٍ، ثُمَّ نَضَعُ المَوْتَى فِي قُبُورِهِمْ بِأَيْدِينَا وَنَعُودُ لِنَتَخَاصَمَ عَلَى مَا تَرَكُوه! مَرَضٌ صَامِتٌ يَتَأَكَّلُ قُلُوبَنَا، أَفْسَدَ البُيُوتَ، وَقَطَعَ الأَرْحَامَ، وَأَلْهَى عَنِ الصَّلَوَاتِ. مَا هُوَ هَذَا المَرَضُ؟ وَكَيْفَ نَنْجُو مِنْهُ قَبْلَ أَنْ نَسْتَيْقِظَ عَلَى نِدَاءِ الرَّحِيلِ وَقَدْ فَاتَ الأَوَانُ؟ بَعْدَ قَلِيلٍ نَقِفُ عَلَى العِلَاجِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، هَلْ سَأَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَوْمًا: لِمَاذَا نَرْكُضُ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ وَلَا نَشْبَعُ؟ لِمَاذَا كُلَّمَا حَقَّقْنَا هَدَفًا دُنْيَوِيًّا طَمَحْنَا لِمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ بِلَا شُكْرٍ وَلَا قَنَاعَةٍ؟ إِنَّهَا طَبِيعَةُ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي حَذَّرَنَا خَالِقُهَا مِنْ الِاغْتِرَارِ بِهَا. واسْمَعُوا لِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي إِذَا تَأَمَّلْتُمُوهَا لَنْ تَبْقَى نَظْرَتُكُمْ لِلْحَيَاةِ كَمَا كَانَتْ. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [سورة الحديد: 20]. لَقَدْ لَخَّصَ اللهُ مَرَاحِلَ العُمُرِ كُلِّهِ فِي هَذِهِ الكَلِمَاتِ؛ تَبْدَأُ لَعِبًا فِي الطُّفُولَةِ، وَلَهْوًا فِي الشَّبَابِ، وَزِينَةً فِي مُقْتَبَلِ العُمُرِ، وَتَفَاخُرًا فِي الكُهُولَةِ، وَتَكَاثُرًا فِي الأَمْوَالِ عِنْدَ الشَّيْخُوخَةِ. فَمَاذَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ يَأْتِي المَوْتُ لِيَقْطَعَ هَذَا السِّبَاقَ المَوْهُومَ.
وَاسْمَعُوا إِلَى التَّحْذِيرِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ، حِينَ وَقَفَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ ﷺ يُخَاطِبُ أَصْحَابَهُ، وَيُخَاطِبُنَا مِنْ بَعْدِهِمْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). تَأَمَّلُوا! النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَخَفْ عَلَيْنَا الجُوعَ وَلَا الفَقْرَ؛ لِأَنَّ الفَقْرَ قَدْ يَرُدُّ العَبْدَ إِلَى رَبِّهِ مُنْكَسِرًا مُتَضَرِّعًا. إِنَّمَا خَافَ عَلَيْنَا "التَّنَافُسَ". خَافَ أَنْ تَنْفَتِحَ أَبْوَابُ الدُّنْيَا فَنَتَسَابَقَ عَلَيْهَا، وَنَنْسَى الآخِرَةَ! فَهَلْ وَقَعَ مَا خَافَهُ عَلَيْنَا نَبِيُّنَا ﷺ؟ بَلَى وَاللَّهِ، لَقَدْ وَقَعَ، وَأَصْبَحْنَا نَرَى هَذَا التَّنَافُسَ يَأْكُلُ حَسَنَاتِنَا كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ.
أَلَا يُشْبِهُ هَذَا حَالَ كَثِيرٍ مِنَّا الْيَوْمَ؟ تَعَالَوْا نَنْظُرُ فِي وَاقِعِنَا بِصِدْقٍ. أُصِبْنَا بِحُمَّى المُقَارَنَاتِ، وَخَاصَّةً مَعَ انْتِشَارِ شَاشَاتِ الهَوَاتِفِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ. هَذَا بَنَى قَصْرًا أَوْسَعَ مِنْ قَصْرِي، وَهَذَا اشْتَرَى سَيَّارَةً أَفْخَمَ مِنْ سَيَّارَتِي، وَتِلْكَ تَلْبَسُ ثِيَابًا أَغْلَى مِنْ ثِيَابِي. فَيَسْتَدِينُ الرَّجُلُ وَيُحَمِّلُ نَفْسَهُ مَالَا تُطِيقُ؛ فَقَطْ لِيُجَارِيَ النَّاسَ فِي سِبَاقِ المَظَاهِرِ الكَاذِبَةِ! نَسِينَا قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [سورة طه: 131]. لَقَدْ جَعَلْنَا زَهْرَةَ الدُّنْيَا هِيَ الغَايَةَ، وَنَسِينَا أَنَّ الزَّهْرَةَ مَهْمَا جَمُلَتْ فَإِنَّهَا تَذْبُلُ بَعْدَ أَيَّامٍ وَتَمُوتُ.
تَخَيَّلُوا مَعِي هَذَا المَشْهَدَ المَهِيبَ الَّذِي يَنْقُلُنَا إِلَى حُجْرَةٍ صَغِيرَةٍ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ. يَدْخُلُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَإِذَا هُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى حَصِيرٍ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحَصِيرِ فِرَاشٌ. وَقَدْ أَثَّرَ الحَصِيرُ فِي جَنْبِهِ الشَّرِيفِ ﷺ! نَظَرَ عُمَرُ إِلَى أَحَبِّ الخَلْقِ إِلَى اللَّهِ، سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى خَزَائِنِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، فَبَكَى عُمَرُ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟! فَمَاذَا أَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ؟ أَلَمْ يَكُنْ قَادِرًا أَنْ يَطْلُبَ جِبَالَ الدُّنْيَا ذَهَبًا؟ بَلَى، وَلَكِنَّهُ قَالَ كَلِمَةً زَلْزَلَتْ مَقَايِيسَ الأَرْضِ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ).
أَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذَا اليَقِينِ؟ كَيْفَ نَرْضَى أَنْ نَتْرُكَ الصَّلَوَاتِ فِي المَسَاجِدِ مِنْ أَجْلِ تِجَارَةٍ أَوْ عَمَلٍ زَائِلٍ؟ أَيَعْقِلُ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ حُقُوقَ إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ فِي المِيرَاثِ لِيَزِيدَ رَصِيدَهُ فِي البَنْكِ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةً؟ يَقُولُ لَنَا الحَقُّ سُبْحَانَهُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة الأعلى: 16-17]. كُلُّ خِلَافٍ قَطَعْنَا بِهِ رَحِمًا، وَكُلُّ غِشٍّ كَسَبْنَا بِهِ مَالًا حَرَامًا، هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ إِيثَارٌ لِعَاجِلٍ فَانٍ عَلَى آجِلٍ بَاقٍ. وَقَدْ لَخَّصَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الحَالَةَ بِكَلِمَةٍ عَجِيبَةٍ، حِينَ قَالَ: "مُحِبُّ الدُّنْيَا لَا يَنْفَكُّ مِنْ ثَلَاثٍ: هَمٍّ لَازِمٍ، وَتَعَبٍ دَائِمٍ، وَحَسْرَةٍ لَا تَنْقَضِي". وَاللَّهِ إِنَّهَا لَحَقِيقَةٌ نَرَاهَا؛ فَكُلَّمَا زَادَ تَعَلُّقُ القَلْبِ بِالدُّنْيَا، زَادَ خَوْفُهُ مِنْ زَوَالِهَا، فَطَارَ النَّوْمُ مِنْ عَيْنَيْهِ، وَمُحِقَتِ السَّكِينَةُ مِنْ قَلْبِهِ!
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، لَيْسَ المَقْصُودُ بِالزُّهْدِ أَنْ تَتْرُكَ العَمَلَ وَالنَّجَاحَ وَبِنَاءَ الأَوْطَانِ. كَلَّا، فَالإِسْلَامُ دِينُ عِمَارَةٍ لِلْأَرْضِ. وَلَكِنَّ الخَطَرَ هُوَ أَنْ تَدْخُلَ الدُّنْيَا فِي قَلْبِكَ حَتَّى تُزَاحِمَ مَحَبَّةَ اللَّهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابٌ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ". وَهُوَ المَعْنَى ذَاتُهُ الَّذِي غَرَسَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَلْبِ الشَّابِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حِينَ أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ). هَلْ رَأَيْتُمْ يَوْمًا مُسَافِرًا يَنْتَظِرُ فِي المَطَارِ طَائِرَتَهُ، فَيَقُومُ لِيُزَيِّنَ صَالَةَ الِانْتِظَارِ وَيَشْتَرِيَ لَهَا الأَثَاثَ؟ هَذَا هُوَ حَالُ المَفْتُونِ بِالدُّنْيَا؛ يَسْتَثْمِرُ كُلَّ طَاقَتِهِ فِي صَالَةِ الِانْتِظَارِ، وَيَنْسَى وِجْهَتَهُ الأَسَاسِيَّةَ، فَإِذَا دُعِيَ لِلرَّحِيلِ وَجَدَ حَقِيبَتَهُ فَارِغَةً!
إِخْوَتِي فِي اللَّهِ، مَاذَا لَوْ قِيلَ لَكَ الآنَ: أَمَامَكَ سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ ثُمَّ تَلْقَى اللَّهَ؟ مَاذَا سَتَفْعَلُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟ هَلْ سَتَفْتَحُ هَاتِفَكَ لِتُتَابِعَ حِسَابَاتِ النَّاسِ؟ هَلْ سَتَذْهَبُ لِتَجْمَعَ مَالًا حَرَامًا؟ أَمْ أَنَّكَ سَتَسْجُدُ طَوِيلًا، وَتَبْكِي، وَتَسْتَغْفِرُ، وَتَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الخَاتِمَةِ؟ إِذَنْ لِمَاذَا نُؤَجِّلُ سَجْدَةَ السَّرَائِرِ؟ لِمَاذَا نُسَوِّفُ التَّوْبَةَ وَنَحْنُ لَا نَضْمَنُ هَذِهِ السَّاعَةَ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). هَذَا هُوَ المِيزَانُ! مَنْ رَكَضَ خَلْفَهَا هَرَبَتْ مِنْهُ، وَمَنْ رَكَضَ إِلَى اللَّهِ تَبِعَتْهُ الدُّنْيَا خَاضِعَةً مَأْمُورَةً!
تَذَكَّرُوا أَيُّهَا الأَحِبَّةُ ذَلِكَ المَشْهَدَ الَّذِي نَرَاهُ كَثِيرًا؛ حِينَ نَحْمِلُ النَّعْشَ عَلَى الأَكْتَافِ. مَشْهَدٌ يَهْزُّ القُلُوبَ الحَيَّةَ. نَضَعُ المَيِّتَ فِي حُفْرَةٍ ضَيِّقَةٍ، وَنُهِيلُ عَلَيْهِ التُّرَابَ، ثُمَّ نَنْفُضُ أَيْدِيَنَا وَنَمْضِي. أَيْنَ السَّيَّارَاتُ الفَارِهَةُ؟ بَقِيَتْ فِي الخَارِجِ. أَيْنَ المَنَاصِبُ وَالكَرَاسِيُّ الدَّوَّارَةُ؟ لَمْ تَدْخُلْ مَعَهُ مِلِّيمِتْرًا وَاحِدًا. أَيْنَ الأَرْصِدَةُ الَّتِي قَاطَعَ مِنْ أَجْلِهَا إِخْوَتَهُ؟ ذَهَبَتْ لِلْوَرَثَةِ دُونَ عَنَاءٍ. مَنْ بَقِيَ مَعَهُ؟ لَمْ يَبْقَ إِلَّا كَلِمَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَسَجْدَةٌ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَصَدَقَةٌ مَسَحَ بِهَا دَمْعَةَ مِسْكِينٍ، وَرَكْعَةَا الفَجْرِ. يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [سورة آل عمران: 185]. لِذَلِكَ كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ يَتَنَافَسُونَ فِي شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ أَمْوَالِنَا، كَمَا قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُنَافِسُكَ فِي الدُّنْيَا فَنَافِسْهُ فِي الآخِرَةِ". وَهَذَا هُوَ المَيْدَانُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [سورة المطففين: 26].
فَيَا أَيُّهَا الرَّاكِضُ فِي مَيْدَانِ الدُّنْيَا، لَا تَخْسَرْ قَلْبَكَ بَيْنَمَا تَرْبَحُ مَالًا تَتْرُكُهُ. اجْعَلِ الدُّنْيَا فِي يَدِكَ تَعْمَلُ بِهَا وَتُنْفِقُ مِنْهَا، وَإِيَّاكَ أَنْ تُدْخِلَهَا قَلْبَكَ فَتَعْمَى.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🔷 الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، وَقَفْنَا فِي خُطْبَتِنَا الأُولَى مَعَ حَقِيقَةِ الدُّنْيَا، وَكَيْفَ أَنَّهَا سَرَابٌ يَخْدَعُ النَّاظِرَ إِلَيْهِ. وَتَأَمَّلْنَا خُطُورَةَ التَّنَافُسِ عَلَيْهَا كَمَا حَذَّرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ، وَرَأَيْنَا كَيْفَ عَاشَ رَسُولُ اللَّهِ وَصَحَابَتُهُ مُسْتَعْلِينَ عَلَى المَتَاعِ الزَّائِلِ وَالآخِرَةُ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ. وَالآنَ، إِخْوَتِي الكِرَامَ، وَنَحْنُ نَعِيشُ فِي زَمَانِ المُغْرِيَاتِ، كَيْفَ نُطَبِّقُ هَذَا الفَهْمَ لِنَحْمِيَ أَنْفُسَنَا؟ بَقِيَ السُّؤَالُ العَمَلِيُّ: كَيْفَ نَعِيشُ فِي الدُّنْيَا دُونَ أَنْ نَغْرَقَ فِيهَا؟
وَأُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي:
الأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): جَدِّدُوا النِّيَّةَ فِي أَعْمَالِكُمْ كُلِّهَا. ارْزُقْ قَلْبَكَ طُمَأْنِينَةَ اليَقِينِ بِأَنَّ رِزْقَكَ مَكْتُوبٌ؛ فَلَا تَحْسِدْ أَحَدًا، وَلَا تَبِعْ دِينَكَ لِأَجْلِ صَفْقَةٍ. وَاليَوْمَ قَبْلَ نَوْمِكَ، انْوِ أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُ غَدِكَ كُلُّهَا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ؛ حَتَّى سَعْيُكَ لِرِزْقِ أَوْلَادِكَ يُكْتَبُ لَكَ عِبَادَةً.
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): أَكْثِرُوا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ الدَّائِمِ عَلَى مَا دَخَلَ القُلُوبَ مِنْ حُبِّ التَّفَاخُرِ. اِجْعَلْ لِسَانَكَ رَطْبًا بِقَوْلِ "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ" مِائَةَ مَرَّةٍ كُلَّ يَوْمٍ؛ فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ يَمْسَحُ صَدَأَ الغَفْلَةِ الَّذِي نَكْتَسِبُهُ مِنْ مَعَارِكِ الدُّنْيَا، وَيُنَقِّي القَلْبَ مِنْ هُمُومِ الرِّزْقِ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ): أَخْرِجُوا صَدَقَةً السِّرِّ؛ فَإِنَّهَا كَاسِرَةٌ لِحُبِّ الدَّرَاهِمِ. تَصَدَّقْ اليَوْمَ —وَلَوْ بِمَبْلَغٍ يَسِيرٍ جِدًّا— لِتُثْبِتَ لِنَفْسِكَ أَنَّكَ أَنْتَ مَنْ تَمْلِكُ المَالَ، وَلَيْسَ المَالُ مَنْ يَمْلِكُكَ. إِنَّ لَذَّةَ العَطَاءِ تُطْفِئُ حَرَارَةَ التَّنَافُسِ عَلَى الأَخْذِ.
الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): لَا تَقْطَعُوا أَرْحَامَكُمْ لِأَجْلِ قَطِيعَةِ أَرْضٍ أَوْ خِلَافٍ عَلَى مِيرَاثٍ. بَادِرُوا الْيَوْمَ لِلصُّلْحِ؛ فَوَاللَّهِ لَا يُبَارِكُ اللَّهُ فِي أَمْوَالٍ جَاءَتْ بِقَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَإِنَّ تَسَامُحَكَ مَعَ أَخِيكَ هُوَ الغِنَى الحَقِيقِيُّ الَّذِي تَفْرَحُ بِهِ يَوْمَ وُقُوفِكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ.
الخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): طَبِّقُوا وَصِيَّةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سِبَاقِ الدُّنْيَا وَهُوَ يَقُولُ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ». إِذَا نَظَرْتَ لِمَنْ دُونَكَ، رَضِيتَ وَشَكَرْتَ وَارْتَاحَ قَلْبُكَ، وَهَذِهِ هِيَ جَنَّةُ الدُّنْيَا المُعَجَّلَةُ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَلَا تَجْعَلُوا الدُّنْيَا فِي قُلُوبِكُمْ فَتَشْقَوْا، بَلْ فِي أَيْدِيكُمْ لِتَبْنُوا بِهَا قُصُورَكُم فِي الْجَنَّةِ. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، عَمَلًا بِقَوْلِ رَبِّكُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
🤲 اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ لَا تَجْعَلَ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلَنَا كُلَّهُ خَالِصًا لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ غِنَى النَّفْسِ، وَطُمَأْنِينَةَ القَلْبِ، وَالقَنَاعَةَ بِمَا رَزَقْتَنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَنَا.
اللَّهُمَّ انْزَعْ حُبَّ الدُّنْيَا مِنْ قُلُوبِنَا، وَاغْرِسْ فِيهَا حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنَا إِلَى حُبِّكَ. اللَّهُمَّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا مَالًا فَاجْعَلْهُ لَهُ مَطِيَّةً لِلْجَنَّةِ، وَمَنْ ضَيَّقْتَ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ فَعَوِّضْهُ بِرِضَاكَ وَصَبْرِهِ قُصُورًا عِنْدَكَ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَحْوَالَ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
---
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الخَطِيبُ الكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجٌ ذَكِيٌّ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. المِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ يَوْمَ الحِسَابِ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا أَوْ تَعْدِيلَ جُزْءٍ فِيهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.