من مكتبة مِداد الخطيب

شَمْسُ الدُّنْيَا.. وَظِلُّ القِيَامَة

مشاركة
🕌 شَمْسُ الدُّنْيَا.. وَظِلُّ القِيَامَة #خطبة_جمعة #حر_الصيف #الابتلاء #يوم_القيامة #الظل_يوم_القيامة #رقائق #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ في تَوَالي اللَّيلِ والنَّهارِ عِبرةً لأُولي الألباب، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، يُقَلِّبُ الفُصولَ، ويُصَرِّفُ الأيَّامَ، ويَبتَلي عبادَهُ بالرَّخاءِ والشِّدَّةِ ليَتَذَكَّروا المآب. وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، أرسَلَهُ اللهُ رحمةً للعالمين، وبَشيرًا ونَذيرًا بين يَدَي السَّاعة، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ، وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: عبادَ الله، هل تَساءَلتُم وأنتم تَخرُجون من بيوتكم في هذه الأيَّام، وتَلفَحُ وُجوهَكم سَمومُ الهَواجِر، وتَهرُبونَ من شُعاع الشَّمسِ إلى أيِّ ظِلِّ جِدار.. ماذا لو كانت هذه الحرارةُ هي كلَّ ما نَملِك؟ وماذا لو لم يَكُن هناك مُكَيِّفٌ نَأوي إليه، ولا ماءٌ بارِدٌ نُطفِئُ به هذا اللَّهيب؟ بَل ماذا لو أنَّ هذه الشَّمسَ الَّتي تَبعُد عنَّا مَلايينَ الأميال، دَنَت من رُؤوسنا قَدرَ مِيل؟ جوابٌ يَنتظرُنا جميعًا، وسَنَقِفُ عليه بعد قليل. أيُّها المُسلِمون، نَعيشُ في هذه الأيَّام مَوسِمًا من مَواسِمِ الشِّدَّةِ المُناخيَّة؛ حيثُ تَرتَفعُ دَرَجاتُ الحرارة، وتَشتَدُّ وَطأةُ الشَّمس، وتَغلي حَبَّاتُ الرِّمال. وفي زَحمةِ هذا الهَجير، وتَذَمُّرِ النَّاسِ من شِدَّة الحَرّ، يَقِفُ المُؤمِنُ مَوقِفًا مُختَلِفًا تَمامًا عن غَيرِه. المُؤمنُ لا يَرى في تَقَلُّباتِ الطَّقسِ مُجَرَّدَ ظواهِرَ طَبيعيَّةٍ عَمياء، بَل يَراها رَسائلَ رَبَّانيَّةً، وآياتٍ ناطِقةً تَهُزُّ قَلبَه، وتُوقِظُ إيمانَه. أوَّلُ ما يَقِفُ عليه المُؤمِنُ في حَرِّ الصَّيف: أنَّ هذه الشَّمسَ اللَّاهبةَ هي في حقيقتها رَحمةٌ من رَحَماتِ اللهِ العُظمى بَل نِعمةٌ لا تَقومُ الحياةُ إلَّا بها. يَظُنُّ القاصِرُ أنَّ الشَّمسَ مَصدَرُ أذًى حينَ تَشتَد، لكنَّ اللهَ جلَّ جلالُه يَقولُ في مُحكَمِ تَنزيلِه، مُنَبِّهًا عُقولَنا الغافِلة: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: 72]. وتَأمَّلوا الآيةَ الَّتي قَبلَها مُباشرةً: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: 71]. لَو غابَت هذه الشَّمسُ لَتَجَمَّدَت الأرض، ولَماتَ الزَّرع، ولَهَلَكَ الحَرثُ والنَّسل. بِحرارتِها تَنضَجُ الثِّمار، وبِأَشِعَّتِها تَتَبَخَّرُ مِياهُ البِحارِ لِتَسوقَها الرِّياحُ سَحابًا ثِقالًا تُحيي بَلَدًا مَيِّتًا. فالمُؤمِنُ الذَّكيُّ يَتَعَرَّقُ جَبينُه، فَيَقولُ قَلبُه: "الحمدُ للهِ الَّذي خَلَقَ فسَوَّى، وقَدَّرَ فَهَدى". ولَكِن.. وراءَ هذه الرَّحمةِ نَذيرٌ مُخيف! هذا الحَرُّ الشَّديدُ الَّذي نَشتَكي مِنه، ويَجعَلُنا نَفرُّ إلى المَنازِل المُلَطَّفَة ببرودةِ الأجْهِزَة، ما هو في حقيقَتِه إلَّا "نَفَسٌ" واحِدٌ من أنفاسِ نارِ جَهَنَّم! واسمَعوا لِهذا الحَديثِ الَّذي يَخفَقُ لَهُ القَلبُ الحَيّ، قالَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ مِنْ سَمُومِ جَهَنَّمَ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ مِنْ زَمْهَرِيرِ جَهَنَّمَ» (متفق عليه). يا سُبحانَ الله! كُلُّ هذا الغَلَيانِ في الأرض، كُلُّ هذا العَرَقِ الَّذي يَتَصَبَّب، كُلُّ هذه الشَّمسِ الَّتي لا نَقوى على مُواجَهَتِها دَقيقةً ظُهرًا.. ما هي إلَّا أَثَرٌ مِن "نَفَسٍ واحِدٍ" تَنَفَّسَتهُ جَهَنَّم! فَكَيفَ بِمن أُلقِيَ فيها؟ كَيفَ بِمَن كانَت هي مَأواهُ ومُستَقَرَّه؟ ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ ۝ تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: 4-5]. قال الإمامُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَليُّ رَحِمَهُ الله في (لطائف المعارف): "وكانَ السَّلَفُ إذا شَهِدوا حَرَّ الصَّيفِ استَعاذوا باللهِ من نارِ جَهَنَّم، وتَذَكَّروا بها ذلك المَوقِف". عبادَ الله.. هذا هو الفَرقُ بينَ الذَّكيِّ والغافِل. الغافِلُ في الدُّنيا يَفزَعُ إلى أجهِزَةِ التَّكييف، وإلى الماءِ المُثَلَّج، وإلى ظِلِّ الأشجار.. وهذا طَبيعيٌّ ومَشروع، فاللهُ أمَرَنا بِأخذِ الأسباب. لكِنَّ ذَكاءَ المُؤمِنِ يَتَجاوَزُ هذه اللَّحظَة.. المُؤمِنُ يَسأَلُ نَفسَه: أنا الآنَ هَرَبتُ من شَمسِ الدُّنيا لِظِلِّ غُرفَتي، لكِن يَومَ القِيامة.. يَومَ تُبَدَّلُ الأرضُ غَيرَ الأرضِ والسَّماوات.. أينَ سَأَهرُب؟ تَخَيَّلوا مَعي ذلِك المَشهَد..
تَخَيَّلوا أنَّكُم تَقِفونَ في صَعيدٍ واحِد، أرضٌ بَيضاءُ نَقِيَّةٌ لا عِوَجَ فيها ولا أمْتًا. لا جَبَلَ يُظِلُّك، ولا شَجَرةَ تَأوي إليها، ولا غُرفةَ تَختَبِئُ فيها. مِلياراتٌ من البَشَر، من لَدُن آدمَ إلى آخِرِ رَجُل، واقِفونَ حُفاةً عُراة. ثمَّ ماذا يَحصُل؟ استَمِعوا إلى هذا الحَديثِ الَّذي يَرويهِ المِقدادُ بنُ الأسوَد رضي الله عنه، قال: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ... فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا»، وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ (رواه مسلم). شَمسٌ مِثلُ الَّتي تَشكونَ مِنها اليَوم، بَل أَعظَمُ حَرارةً، تُوضَعُ فَوقَ الرُّؤوسِ بِمِقدارِ مِيل! والزِّحامُ شَديد، والنَّاسُ يَغلي عَرَقُهُم، ويَتَمَنَّونَ مَكانًا يَقِفونَ فيهِ لا تَلفَحُهُم فِيه الشَّمس. في تِلكَ اللَّحظَةِ الحاسِمةِ المُرعِبة، يَرتَفِعُ نِداءٌ إلهي.. نِداءٌ يُخَصِّصُ أُناسًا اختارَهُم اللهُ لِيُؤَمِّنَهُم من هذا الرُّعب. يُنادى على أصنافٍ مُعَيَّنة، لِيَدخُلوا تَحتَ ظِلِّ عَرشِ الرَّحمن، يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه! مَن هؤلاءِ الأذكياء؟ مَن هؤلاءِ الَّذي فَكَّروا في حَرِّ القِيامَةِ قَبلَ حَرِّ الدُّنيا فَعَمِلوا لَه؟ يُجيبُكَ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ المَشهورِ الَّذي نَحفَظُه جَميعًا، لكِنَّنا اليَومَ نَستَشعِرُ حَرارَتَه بِطَريقةٍ مُختَلِفة: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (متفق عليه). تَأمَّلوا هؤلاءِ السَّبعَة.. لَم يُظِلَّهُم اللهُ بِحَسَبِ أموالِهِم في الدُّنيا، ولا بِمَقدارِ عَقاراتِهم المُلَطَّفَة، بَل بِأعمالِ قُلوبِهِم وجَوارِحِهم. شابٌّ في رَيعانِ شَبابِه، تَتَقادَحُ فيه الشَّهَوات، لكِنَّهُ كَبَحَ جِماحَ نَفسِه وعاشَ في طاعَةِ الله.. هذا الشَّابُّ يَستَحِقُّ أن يُظَلَّلَ يَومَ تَغلي الرُّؤوس. ورَجُلٌ اقتَطَعَ من مالِه، وتَصَدَّقَ في السِّرِّ لا يَعلَمُ بِهِ أحَد، يُريدُ وَجهَ الله.. هذا الجُودُ الخَفيُّ يَتَحَوَّلُ يَومَ القِيامَةِ إلى سَحابَةٍ بارِدَةٍ تُظِلُّه. يَقولُ يَزيدُ بنُ حَبيبٍ رَحِمَهُ الله: "كانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه يَقولُ لِأَصحابِه: صُومُوا يَوْمًا شَدِيدًا حَرُّهُ لِحَرِّ يَوْمِ النُّشُورِ، وَصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لِظُلْمَةِ الْقُبُورِ". وهكَذا كانوا يَتعامَلونَ مَع الشِّدَّة. في مَعرَكَةِ تَبُوك، وكانَت في أشدِّ أيَّامِ الصَّيفِ حَرًّا، جاءَ المُنافِقونَ يَتَخاذَلون، وقالوا لِأصحابِهِم: لا تَخرُجوا، الشَّمسُ حارِقة، الصَّحراءُ مُهلِكة! ﴿وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾.. فَماذا كانَ الجَوابُ القُرآنيُّ القاطِع؟ ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 81]. الفِقهُ الحَقيقيُّ — يا عِبادَ الله — هُوَ أن تُوازِنَ بَينَ حَرٍّ تَستَطيعُ دَفعَهُ بِمُكَيِّفٍ وشَربَةِ ماء، وحَرٍّ لا يُدفَعُ إلَّا بِصَدَقةٍ وسَجدَةٍ وعَمَلٍ صالِح. بارَكَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونَفَعَني وإيَّاكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيم. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعد: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَع رِسالَةِ الحَرِّ الشَّديد الَّذي نَشهَدُه، وكَيفَ أنَّ الشَّمسَ رَحمةٌ ونِعمةٌ لَو دامت علينا لَعَرَفنا قَدْرَها، وكَيفَ أنَّ هذا الهَجيرَ نَفَسٌ من نارِ جَهَنَّم يُذَكِّرُنا بِيَومِ الحَشر، حيثُ تَدنو الشَّمسُ من الرُّؤوس، ولا يَنجو إلَّا مَن بَنى لِنَفسِهِ ظِلًّا بِعَمَلِه الصَّالِح.
والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَلي الأَهَم: كَيفَ نَفزَعُ إلى الحُلولِ الشَّرعيَّةِ والواقِعيَّةِ لِنَقي أنفُسَنا حَرَّ الدُّنيا وحَرَّ الآخِرة؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ من مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): لِيَكُن هذا الحَرُّ مُحَرِّكًا لِقَلبِك نَحوَ الخَوفِ مِنَ الله، واللُّجوءِ إليه. إذا لَفَحَتكَ الشَّمس، قُل في قَلبِك: يا رَبّ، لا طاقةَ لي بِحَرِّ شَمسِك، فَكَيفَ بِحَرِّ نارِك؟! حَوِّل التَّذَمُّرَ والعَصَبيَّةَ إلى خَشيَةٍ صامِتَةٍ تُجَدِّدُ بِها تَوبَتَك، وتَستَغفِرُ من ذُنوبِك، فَإنَّ الخَوفَ من عذابِ اللهِ من أرجى أسبابِ النَّجاةِ مِنه. الثانية (لِسانيَّة): الاستِعاذةُ الدَّائمةُ من النَّار. إذا رَكِبتَ سَيَّارَتَكَ وهي تَغلي مِن الحَرّ، أو مَشَيتَ في ظُهيرةٍ لاهِبة، فاجعَل لِسانَكَ يَلهَجُ: "اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّار". كانَ النَّبيُّ ﷺ يُرشدُنا أن نَقولَها سَبعَ مَرَّاتٍ بَعدَ الفَجرِ والمَغرِب. كَرِّرها مُستَشعِرًا مَعناها، فَمَن استَجارَ باللهِ من النَّارِ ثَلاثًا، قالَت النَّار: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّار. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): سَقْيُ الماءِ. هذا مِن أَعظَمِ ما تُطفِئُ بِه حَرَّ الآخِرَة! جاءَ سَعدُ بنُ عُبادَةَ للنَّبيِّ ﷺ يَسأَلُه: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَقْيُ الْمَاءِ» (رواه أحمد). اليَومَ.. ضَع عُبوَةَ ماءٍ بارِدَةٍ في سَيَّارَتِك، وأَعطِها لِعامِلِ نَظافَةٍ يَكنِسُ الشَّارِعَ في الحَرّ. ضَع وِعاءَ ماءٍ في نافِذَتِك لِطُيورِ السَّماء. إنَّ قَطرةَ ماءٍ تُبَرِّدُ بِها كَبِدًا حَرَّى، قد تَكونُ هي السَّحابَةَ الَّتي تُظِلُّكَ يَومَ القِيامَة. الرابعة (اجتماعيَّة): الرَّحمَةُ بِمَن يَعمَلونَ تَحتَ الشَّمس. لا تَغضَب أَيُّها المُسلِمُ بسُرعةٍ في الصَّيف، فالحَرُّ يُضَيِّقُ الصُّدور، لكِنَّ أخلاقَ المُؤمِنِ أوسَع. ارحَموا العُمَّالَ الَّذينَ تَضطَرُّهُم لُقمةُ العَيشِ لِلوُقوفِ في الهَجير. خَفِّفوا عَنهُم، لا تُشَقُّوا عَليهِم، وقَدِّموا لَهُم العُذر. «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ». الخامسة (موضوعيَّة): ابْنِ ظِلَّكَ اليَوم. صَدَقةُ السِّر.. صَلاةُ اللَّيل.. غَضُّ البَصَر.. قَضاءُ حَوائجِ النَّاس. قالَ رَسولُ الله ﷺ: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» (رواه أحمد). ما تُقَدِّمُهُ اليومَ من ظِلٍّ للآخَرين، سَيَعودُ لَكَ ظِلًّا عَرشِيًّا يَومَ تَدنو الشَّمس. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن عَرَفَ قِيمَةَ الآخِرة، هانَت عَلَيه مَتاعِبُ الدُّنيا. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ من حَرِّ جَهَنَّم، اللَّهُمَّ أَجِرنا مِنَ النَّار، اللَّهُمَّ أَجِرنا مِنَ النَّار، اللَّهُمَّ أَجِرنا مِنَ النَّار. اللَّهُمَّ أظِلَّنا تَحتَ ظِلِّ عَرشِك، يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّك. اللَّهُمَّ حَرِّم وُجوهَنا ووُجوهَ آبائنا وأُمَّهاتِنا وأهلينا على النَّار. اللَّهُمَّ بَرِّد قُلوبَنا بِاليَقين، وارزُقنا التَّوبَةَ قَبلَ المَوت، والرَّاحَةَ عِندَ المَوت، والمَغفِرةَ بَعدَ المَوت. اللَّهُمَّ مَن كانَ من المُسلِمينَ يَعمَلُ في هذا الحَرِّ طَلَبًا لِلحَلال، فَخَفِّف عَنه، واجزِهِ خَيرَ الجَزاء، وبارِك لَهُ في رِزقِه وعافِيَتِه. اللَّهُمَّ انصُر إخوانَنا المُستَضعَفينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لَهُم ظِلًّا ومَأوى، وانصُرهُم على مَن بَغى عَلَيهم يا قَويُّ يا مَتين. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.