🕌 العبادةُ على حَرف.. ومِحنةُ اليقين
#خطبة_جمعة #اليقين #الابتلاء #يعبدون_الله_على_حرف #الإخلاص #الثبات #عقيدة #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الدَّارَ الآخرةَ هي الغايةَ والمآل، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، يَبتَلي عبادَهُ بالسَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ ليَميزَ الخبيثَ من الطَّيِّب، ويَكشِفَ مَن يَعبُدُهُ يَقينًا ممَّن يَعبُدُهُ على شَكٍّ ومَنفَعة. وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، إمامُ الصَّابرين، وقُدوةُ المُخلِصين، الذي أُوذِيَ في اللهِ فما لانَ ولا ضَعُف، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ:
أيُّها الإخوةُ المؤمنون، هل سَأَلتُم أنفسَكم يومًا في لَحظةِ صِدقٍ وخَلوة: نحنُ نُصَلِّي، ونَصوم، ونَدعو، ونَتَصَدَّق.. لكن، هل نحنُ نَعبُدُ اللهَ، أم نَعبُدُ العَطايا الَّتي نَرجوها من الله؟
سؤالٌ قَد يَبدو صادمًا، وقَد يَهتَزُّ له وِجدانُ المؤمن، لكنَّه السُّؤالُ الذي يَفصِلُ بين إيمانٍ راسخٍ كالجبال، وإيمانٍ هَشٍّ تَذروهُ رِياحُ أوَّلِ مُصيبة. إنَّ العبادةَ سِرُّها في القَصد، والقلبُ الذي يَتَوَجَّهُ إلى السَّماءِ طَمَعًا في الدُّنيا وحدَها، هو قلبٌ يَقِفُ على حافَّةِ الهاوية، يَنتَظِرُ ريحَ الابتلاءِ لتُسقِطَه.
عبادَ الله، واسمعوا لهذه الآيةِ الَّتي إذا تأمَّلتُموها وقَفتُم طَويلًا أمامَ مَرآةِ أنفسِكم، يَقولُ رَبُّنا تباركَ وتعالى واصفًا صِنفًا من النَّاسِ في كُلِّ زمانٍ ومكان: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11].
تأمَّلوا.. لم يَقُل: لا يَعبُدُ الله. بل قال: ﴿يَعْبُدُ اللَّهَ﴾، هو يُصَلِّي مَعنا، ويَحضُرُ الجُمُعات، ويَرفَعُ يَدَيهِ بالدُّعاء، لكن أينَ المُشكلة؟ المُشكلةُ أنَّه يَعبُدُ اللهَ ﴿عَلَىٰ حَرْفٍ﴾!
أتَدرونَ ما الحَرف؟ الحَرفُ هو الطَّرَفُ والحافَّة. كَمَن يَقِفُ على طَرَفِ الجَبَل، لم يَدخُل في ساحةِ الإيمانِ مُطمَئنًّا راكزًا، بَل يَقِفُ على الحافَّة، مُتَرَقِّبًا يُحاسِبُ رَبَّهُ بالسِّنِّتيمتر: "إن أعطَيتَني صَلَّيتُ لك، وإن مَنَعتَني انتَكَستُ وتَرَكتُ صَفَّ المُصَلِّين".
يَقولُ حَبرُ الأُمَّةِ وتُرجُمانُ القرآنِ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما في سَببِ نُزولِ هذه الآية: "كانَ الرَّجُلُ يَقدَمُ المدينةَ، فإن وَلَدَت امرأتُهُ غُلامًا، ونُتِجَت خَيلُهُ (أي وَلَدَت خَيلُه)، قالَ: هذا دينٌ صالِحٌ! وإن لم تَلِد امرأتُهُ، ولم تُنتَج خَيلُهُ، قالَ: هذا دينُ سَوءٍ!".
يا سُبحانَ الله! يَجعَلُ مِعيارَ صِحَّةِ الدِّينِ ووُجوبِ العبادةِ مَربوطًا بامتلاءِ جَيبِه، أو وِلادةِ زَوجَتِه، أو نَجاحِ تِجارتِه. فإن فُتِحَت عليهِ الدُّنيا، كانَ أوَّلَ العابدين، وإن أُغلِقَت عليه، أو مَرِضَ، أو خَسِرَ، سَخِطَ وتَمَرَّدَ وانقَلَبَ على وَجهِه! ألا يُشبِهُ هذا حالَ كثيرٍ منَّا اليوم؟
عبادَ الله، أين نحنُ من هذا الميزان؟
تَجِدُ الشَّابَّ في أيَّامِ الاختباراتِ الجامعيَّةِ لا يُفارِقُ صَفَّ الفَجر، يَبكي في سُجودِه، ويُطيلُ في دُعائِه، فإذا رَسَبَ في مادَّةٍ، أو لم يُوفَّق لِوَظيفة.. هَجَرَ الصَّلاة، وتَسَلَّلَ الشَّكُّ إلى قلبِه وقال: "لَقد دَعَوتُ اللهَ فلم يَستَجِب لي!".
وتَجِدُ الرَّجُلَ يُصابُ بِمَرَضٍ في نَفسِهِ أو ولَدِه، فيُكثِرُ من الصَّدقاتِ بنِيَّةِ الشِّفاء، فإذا طالَ البلاءُ ولم يَأتِ الشِّفاءُ العاجل، قالَ: "ما فائِدةُ الصَّدقةِ والعبادة؟"، وانتَكَسَ على عَقِبَيه.
هؤلاءِ يا كرام، لم يَفهموا مُعادَلةَ الإيمان. هؤلاءِ دَخَلوا في مُعاهَدةٍ تِجاريَّةٍ دُنيويَّةٍ معَ الله، ولَم يَدخُلوا في عَقْدِ العُبوديَّةِ المُطلَق.
واسمَعوا لِهذا القَولِ العظيمِ للإمامِ الحَسَنِ البَصريِّ رضيَ اللهُ عنه حينَ وَصَفَ حالَ المُنافقِ قال: "إنَّما صِفَتُهُ صِفَةُ الرَّبائِب (أي البَهائمِ المَربوطَة)، إن أُعطِيَ طَمِعَ، وإن مُنِعَ جَزِعَ، لا يَعمَلُ للهِ إلَّا على حُظوظِ الدُّنيا".
أيُّها المؤمنون، لِنَضَع الأمورَ في نِصابِها الشَّرعيّ. الغايةُ العُظمى والمَقصِدُ الأوَّلُ لِكلِّ ركعةٍ نَركَعُها، وكُلِّ صَدقةٍ نُخرِجُها، وكُلِّ استغفارٍ نَلهَجُ به، هو الدارُ الآخِرَة. هو النَّجاةُ من النَّار، والفَوزُ بالجَنَّة، والنَّظَرُ إلى وَجهِ اللهِ الكريم. الدُّنيا لم تَكُن يومًا هي الثَّمَنُ للعِبادة، لأنَّ الدُّنيا بأسرِها لا تُساوي عندَ اللهِ جَناحَ بَعوضة.
يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20].
ويَقولُ نَبيُّنا الصَّادقُ
المَصدوقُ ﷺ في الحديثِ الذي رواهُ الترمذي: «مَن كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِناهُ في قلبِه، وجَمَعَ له شَملَه، وأتَتهُ الدُّنيا وهي راغِمَة، ومَن كانتِ الدُّنيا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقرَهُ بَينَ عَينَيه، وفَرَّقَ عليه شَملَه، ولم يَأتِهِ من الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ له».
ولعلَّ قائِلًا يَقول: "ولكن يا خَطيب، أَلَم يَعِدنا اللهُ في القرآنِ بأنَّ الطَّاعةَ تَجلِبُ الرِّزقَ والسَّعادةَ في الدُّنيا؟ أَلَم يَقُل ربُّنا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾؟".
أقولُ لَك: بَلى والله! اللهُ كَريم، وهو يَشكُرُ لِعبادِهِ طاعَتَهم، وقَد يَأتيكَ من الأجرِ في الدُّنيا صِحَّةٌ في جَسَدك، وبَرَكةٌ في رِزقك، وصَلاحٌ في وَلَدك، وهُدوءٌ في نَفسِك. لكنِ انتبِه! هذا الأجرُ الدُّنيويُّ هو مُعَجَّلُ بُشرى المؤمن، هو فَضلٌ إضافيٌّ ومِنحَةٌ رَبَّانيَّة، وليسَ هو الثَّمَنَ الأَساسيَّ للعبادة. الثَّمَنُ الأَساسيُّ مُؤَجَّلٌ هناك، خَلفَ الصِّراط، عندَ أبوابِ الجَنَّة!
فإذا قَدَّرَ اللهُ — بحِكمَتِه — أن يَبتَليَك، فيَقبِضَ عَنكَ الرِّزقَ الدُّنيويَّ ليَختَبِرَ إيمانَك، أو يُؤَخِّرَ إجابةَ دُعائِك، فلا يَحِقُّ لكَ أن تَعتَرِض، لأنَّ العَقدَ الذي بَينَكَ وبَينَ اللهِ هو على الجَنَّة. أَلَم تَقرَأ قَولَهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]. لم يَقُل: بأن لَهمُ المَناصِب، ولا بأن لَهمُ القُصورَ في الدُّنيا، ولا خلوَّ الحياةِ من المُنَغِّصات!
فكيفَ يَنتَكِسُ مَن دَفَعَ اللهُ لهُ الثَّمَنَ غاليًا في الآخرة، إذا نَقَصَهُ في الدُّنيا رُبُعُ دِرهَم؟!
أيُّها المؤمنون، دَعونا نَنتَقِلِ الآنَ آلافَ السِّنينَ للوَراء، لِنَرى مَشهدًا لِرِجالٍ عَرَفوا مَعنى العبادةِ للهِ خالصةً، لا على حَرفٍ ولا على شَرط.
تَخَيَّلوا مَعي خَبَّابَ بنَ الأرَتِّ رضيَ اللهُ عنه. شابٌّ أسلَمَ في مَكَّة، فعَرَفَ سادَتُها، فأخَذوهُ، وجَرَّدوهُ من ثيابِه، وطَرَحوهُ على الجَمرِ المُلتَهِب، حتى كانَ شَحمُ ظَهرِهِ هو الذي يُطفِئُ الجَمر! خَبَّابٌ دَخَلَ الإسلام، فماذا رَبِحَ في الدُّنيا حينَها؟ الفَقر، التَّعذيب، الضَّرب، ذَهابَ الصِّحَّة.
يَأتي خَبَّابٌ إلى النَّبيِّ ﷺ وهو مُتَوَسِّدٌ بُردَةً لهُ في ظِلِّ الكعبة، يَقولُ لهُ والوَجَعُ يَعتَصِرُه: "يا رسولَ الله، ألا تَستَنصِرُ لنا؟ ألا تَدعو لنا؟". فماذا قالَ لهُ القائدُ والمُرَبِّي ﷺ؟ هل قالَ له: "سَنُعطيكَ غدًا الأموالَ والمَناصِبَ عِوَضًا عَن هذا"؟
لا والله! بَل قالَ له كلماتٍ تَغرِسُ اليَقينَ في القَلب: «قد كانَ مَن قَبلَكُم، يُؤخَذُ الرَّجُلُ فيُحفَرُ لهُ في الأرضِ، فيُجعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فيُجعَلُ نِصفَين، ويُمشَطُ بأمشاطِ الحَديدِ ما دونَ لَحمِهِ وعَظمِه، فَما يَصُدُّهُ ذلكَ عَن دينِه!» [رواه البخاري].
تَأمَّلوا.. ما يَصُدُّهُ ذلك عن دينِه! لأنَّهم لم يَعبُدوا اللهَ على شَرطِ العافية. ولم يَعبُدوا اللهَ على حَرفِ الرَّخاء. بل عَبَدوهُ لأنَّهُ الله.. المستَحِقُّ للعبادة، طَمَعًا في دارِ البقاء.
وقَد أشارَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ إلى مَعنًى عَظيمٍ حينَ قال: "لا يَشمَمُ رائِحَةَ الصِّدقِ عَبدٌ داهَنَ نَفسَهُ أو داهَنَ النَّاس. المُخلِصُ للهِ طائِرٌ يَطيرُ بِجَناحَي الخَوفِ والرَّجاء، ورأسُهُ المَحَبَّة.. فإن عُصِفَت بهِ رِياحُ البَلاء، زادَهُ ذلكَ تَعَلُّقًا بربِّه، لا نُفورًا مِنه".
عبادَ الله، هل سَأَلتُم أنفُسَكم يومًا: لماذا يَبتَلينا الله؟ لماذا يَأتي البلاءُ أحيانًا في أحَبِّ الأشياءِ إلى قُلوبنا؟ في الصِّحَّة، أو في الوَلَد، أو في المال؟
يُجيبُنا القُرآنُ إجابةً واضحةً قاطِعة: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3].
وَيقولُ سُبحانَه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
الابتلاءُ مِصفاة. الغَربَلَةُ سُنَّةٌ إلهيَّة. لو كانتِ الدُّنيا تُعطى لِمَن أطاعَ اللهَ دائِمًا مُباشَرةً، لأصبَحَ النَّاسُ كُلُّهم مُؤمنين — لا حُبًّا في الله، بل حُبًّا في الدُّنيا الدَّرَّارَة! ولَصارَت المَساجِدُ بَصَماتٍ للمُنتَفِعين. لكنَّ اللهَ سُبحانَهُ يَقطَعُ عنكَ أحيانًا لِيَرى: هل سَتَبقى في الصَّفِّ الأماميِّ أم تَتَراجَع؟ هل سَيَبقى لِسانُكَ لاهِجًا بالحمدِ أم سَيَشتَكي للخَلق؟
يَقولُ نَبيُّنا ﷺ: «عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خَير،
ولَيسَ ذاكَ لأحَدٍ إلَّا للمؤمنِ؛ إن أصابَتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابَتهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له» [رواه مسلم].
هذا هو المُؤمِنُ الحَقيقي، يَتَقَلَّبُ بَينَ الشُّكرِ في النِّعمَة، والصَّبرِ في المِحنَة، قِبلَتُهُ واحدة، ورَبُّهُ واحد، ولا يَنقَلِبُ على وَجهِه.
يا مَن تَدعو اللهَ فيتَأخَّرُ العَطاء.. لا تَظُنَّ أنَّ دُعاءَكَ ذهَبَ سُدًى.
ويا مَنِ استَقَمتَ على الشَّرعِ فَضاقَت عليكَ أبوابُ التِّجارةِ بَينما فُتِحَت للمُرابين والمُرتَشين.. لا تَظُنَّ أنَّ اللهَ أهانَك وأكرَمَهم.
﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 18]. عطاءُ الدُّنيا لِمَن يَعصي اللهَ استِدراجٌ، ومَنعُ الدُّنيا عَنِ المُطيع حِمايَةٌ وتَرفيعُ دَرَجات.
يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ عِظَمَ الجَزاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحَبَّ قَومًا ابتَلاهُم، فَمَن رَضِيَ فلَهُ الرِّضا، ومَن سَخِطَ فلَهُ السَّخَط» [رواه الترمذي وحسنه].
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن حقيقةِ العبادةِ على حَرف، وكيفَ أنَّ بَعضَ النَّاسِ يَربِطُ إيمانَهُ بعَطاءِ الدُّنيا ومَنعِها. ووَقَفنا مَع مَعنى أنَّ الثَّمَنَ الحَقيقيَّ للطَّاعةِ هو الآخِرةُ والجَنَّة، وأنَّ ما يَأتي في الدُّنيا من خَيرٍ فهو فَضلٌ إضافيّ، وما يَأتي من مُصيبةٍ فهو مِحنَةٌ لامتحانِ الثَّبات. والآن، كَيفَ نُحَصِّنُ أنفُسَنا حَتَّى لا نَكونَ مِمَّن ﴿انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾؟
أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكم:
الأولى (قَلبيَّة): جَرِّدوا نِيَّاتِكم للهِ وَحدَه. اجعَلوا طَلَبَ رِضا اللهِ والدارِ الآخرةِ هو الغايةَ من كلِّ طاعة. إذا دَعَوتُم اللهَ لحاجةٍ من حَوائجِ الدُّنيا، فاسألوهُ قَبلَها التَّوفيقَ للآخرة. ولا تَجعَلوا عبادَتَكم مَربوطةً بِشَرط — فإن لم يَتَحَقَّقِ الشَّرط، ذَكِّروا قلوبَكم: نحنُ نَعبُدُ الرَّبَّ، لا نَعبُدُ النِّعمة.
الثانية (لِسانيَّة): عَوِّدوا ألسِنَتَكم على قَولِ "الحمدُ لله" في المَنعِ كَما في العَطاء. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا». الليلةَ، قَبلَ أن تَنام، حَمِّدِ اللهَ على نِعمَةٍ سُلِبَت مِنك كمَا تَحمَدُهُ على نِعمَةٍ بَقِيَت معك.
الثالثة (عَمَليَّة): لا تَقطَعوا وِردَكُم من العبادةِ أبدًا مهما ضاقَت بِكمُ السُّبُل. مَن كانَ يَقرَأُ صَفحةً من القرآنِ فلْيَستَمِرَّ عليها ولو في أحَلَكِ أيَّامِه، ومَن كانَ يُحافِظُ على السُّنَنِ الرَّواتِب فلا يَترُكها بحُجَّةِ الهُموم. ففي الحديث: «أَحَبُّ الأعمَالِ إِلى اللَّهِ أَدْوَمُها وإِن قَلَّ». المُواظَبَةُ وقتَ الضِّيقِ بُرهانُ الصِّدق.
الرابعة (اجتماعيَّة): لا تَقيسوا مَحَبَّةَ اللهِ لِعِبادِه بما آتاهُم من الدُّنيا. لا تَقولوا عن الغَنيِّ الفاسدِ: "لولا أنَّ اللهَ يُحِبُّهُ لَما أعطاه"، ولا تَقولوا عن الفَقيرِ المُبتَلى: "لولا أنَّ اللهَ يَكرَهُهُ لَما أفقَرَه". هذا ميزانٌ أعمى. ذَكِّروا أنفُسَكُم وأهليكُم أنَّ اللهَ يُعطي الدُّنيا لِمَن يُحِبُّ ومَن لا يُحِب، ولا يُعطي الدِّينَ إلَّا لِمَن يُحِبّ.
الخامسة (موضوعيَّة): إذا أصابَتكم فِتنَةٌ أو ابتِلاءٌ شَديد، وتَسَلَّلَ الشَّيطانُ ليَهمِسَ لكم: "لِماذا يَحدُثُ لي هذا وأنا أُصَلِّي؟"، فاقطَعوا حَديثَهُ مُباشرةً بقَولكم: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 35]. الثَّباتُ في تِلك اللَّحظةِ هو العُبورُ الحَقيقيُّ لِلصِّراط.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمرَ قَصير، وأنَّ الدُّنيا سُوقٌ يُوشِكُ أن يُغلَق، والفائزُ مَن باعَ نَفسَهُ للهِ بَيعًا لا مَثنَويَّةَ فيه.
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمَعين، وارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدين: أبي بَكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ، وعَليّ، وعَن سائِرِ الصَّحابَةِ والتَّابِعين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَعبُدُكَ حُبًّا ويَقينًا، لا مِمَّن يَعبُدُكَ طَمَعًا على حَرف.
اللَّهُمَّ لا تَجعَل مُصيبَتَنا في دِينِنا، ولا تَجعَلِ الدُّنيا أكبَرَ هَمِّنا، ولا مَبلَغَ عِلمِنا، ولا تُسَلِّط علينا مَن لا يَرحَمُنا.
اللَّهُمَّ ارزُقنا الإخلاصَ في الأقوالِ والأعمالِ والنيَّات، وثَبِّت أقدامَنا يومَ تَزِلُّ الأقدام.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ إيمانًا لا يَرتَدّ، ونَعيمًا لا يَنفَد، ومُرافَقَةَ نَبيِّنا مُحمَّدٍ ﷺ في أعلى جَنَّةِ الخُلد.
اللَّهُمَّ مَن كانَ مِنَّا مَهمومًا فَفَرِّج هَمَّه، ومَن كانَ مَدينًا فاقضِ دَينَه، ومَن كانَ مُبتَلًى فاصبُب عليهِ الصَّبْرَ صَبًّا، ولا تَحرِمهُ أجرَ شَوكَتِه.
اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلمينَ في كُلِّ مَكان، واحفَظ أعراضَهم ودِماءَهم، واحقِنها يا رَبَّ العالَمين.
عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أکبَرُ، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعُون.
وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.