مَن يُصلِحُ المِلحَ إِذَا المِلحُ فَسَد؟ خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَسؤُولِيَّةِ الحُكَّامِ وَالعُلَمَاءِ وَالقُرَّاءِ وَالمُرَبِّينَ وَخُطُورَةِ فَسَادِ القُدُوَاتِ
الحَمدُ للهِ العَلِيمِ الحَكِيم، الرَّقِيبِ العَظِيم، الَّذِي أَقَامَ النَّاسَ مَقَامَاتٍ فِي الِابتِلَاءِ وَالتَّكلِيف، وَضَاعَفَ المَسؤُولِيَّةَ عَلَى أَهلِ الوِلَايَةِ وَالعِلمِ وَالقُرآنِ وَالتَّربِيَةِ بِقَدرِ مَا آتَاهُم مِنَ التَّشرِيف، وَأَخَذَ عَلَيهِمُ المِيثَاقَ الغَلِيظَ أَن يَكُونُوا مَنَارَاتِ هُدًى وَأَوتَادَ إِصلَاحٍ بِلَا تَبدِيلٍ وَلَا تَحرِيف، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، العَلِيمُ بِمَا فِي البَوَاطِنِ وَالسَّرَائِر، الحَكَمُ العَدلُ يَومَ تَنكَشِفُ الضَّمَائِر، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، أَعدَلُ الحُكَّامِ، وَأَعلَمُ الأَنَامِ، وَأَخشَعُ القُرَّاءِ، وَأَصدَقُ المُرَبِّينَ قَولًا وَفِعلًا وَمَقَامًا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الأَبرَار، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ المِيزَانُ الَّذِي لَا يَحِيف، وَالحِصنُ الَّذِي يَعصِمُ الرَّاعِيَ وَالرَّعِيَّةَ مِنَ الزَّيغِ وَالتَّطفِيف، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: هُنَاكَ حِكمَةٌ سَائِرَةٌ، وَكَلِمَةٌ مَهِيبَةٌ جَرَت مَجرَى الأَمثَالِ عَلَى أَلسِنَةِ الحُكَمَاءِ وَالعُلَمَاءِ وَالمُصلِحِينَ عَبرَ العُصُور؛ كَلِمَةٌ تَختَصِرُ فِي حُرُوفِهَا القَلِيلَةِ أَخطَرَ دَاءٍ يُمكِنُ أَن يَضْرِبَ الأُمَمَ فِي مَقتَلٍ، وَيُقَوِّضَ أَركَانَهَا مِنَ الدَّاخِل؛ إِنَّهَا تِلكَ الصَّرخَةُ المُوقِظَةُ: «مَن يُصلِحُ المِلحَ إِذَا المِلحُ فَسَد؟!».
فَمَا مَعنَى هَذَا التَّمثِيلِ العَجِيبِ يَا عِبَادَ الله؟
إِنَّ المِلحَ هُوَ المَادَّةُ الَّتِي يُصلِحُ النَّاسُ بِهَا الطَّعَامَ وَيَحفَظُونَهُ مِنَ العَفَنِ وَالفَسَاد؛ فَكُلَّمَا خَشِيَ النَّاسُ عَلَى طَعَامٍ أَن يَنتُنَ أَو يَتَغَيَّرَ تَدَارَكُوهُ بِالمِلحِ فَصلَحَ وَطَاب! وَلَكِنْ إِذَا فَسَدَ المِلحُ نَفسُهُ وَتَعَفَّنَ، فَبِأَيِّ شَيءٍ يُصلَحُ المِلحُ؟! وَإِذَا صَارَ الدَّوَاءُ هُوَ الدَّاءَ، وَصَارَ الطَّبِيبُ هُوَ مَصدَرَ الوَبَاء، وَصَارَ الحَارِسُ هُوَ السَّارِقَ، وَالهَادِي هُوَ المُضِلَّ؛ فَمِن أَينَ تُرجَى السَّلَامَةُ وَالنَّجَاة؟!
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ «مِلحَ الأُمَّةِ» الَّذِي يَحفَظُ اللهُ بِهِ دِينَهَا وَدُنيَاهَا وَأَخلَاقَهَا وَأَجيَالَهَا، هُم أَربَعَةُ أَصنَافٍ مِنَ النَّاسِ تَتَعَلَّقُ بِهِمُ الأَعنَاقُ، وَتَمتَدُّ إِلَيهِمُ الأَبصَار: «الحُكَّامُ، وَالعُلَمَاءُ، وَالقُرَّاءُ، وَالمُرَبُّونَ»!
فَإِذَا صَلَحَ هَؤُلَاءِ الأَربَعَةُ وَاستَقَامُوا عَلَى أَمرِ اللهِ، صَلَحَتِ الأُمَّةُ وَاستَقَامَت؛ وَإِذَا فَسَدَ هَؤُلَاءِ الأَربَعَةُ، أَو دَخَلَ الدَّخَنُ وَالهَوَى وَالدُّنيَا إِلَى قُلُوبِهِم، فَسَدَتِ الرَّعِيَّةُ وَضَاعَتِ الأَجيَال! قَالَ الحَبرُ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ، وَسُفيَانُ الثَّورِيُّ، وَعَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُمُ اللهُ كَلِمَتَهُمُ المَشهُورَةَ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو نُعَيمٍ فِي «الحِليَةِ» وَابنُ عَبدِ البَرِّ فِي «جَامِعِ بَيَانِ العِلمِ»: «صِنفَانِ مِنَ النَّاسِ إِذَا صَلَحَا صَلَحَ النَّاسُ، وَإِذَا فَسَدَا فَسَدَ النَّاسُ: الأُمَرَاءُ وَالعُلَمَاءُ!». وَكَانَ الإِمَامُ سُفيَانُ الثَّورِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ بِحُرقَةِ النَّاصِحِ المُشفِق: «العُلَمَاءُ مِلحُ البَلَدِ، فَإِذَا فَسَدُوا فَمَن يُصلِحُهُم؟!».
فَتَعَالَوا بِنَا أَيُّهَا المُؤمِنُونَ نَقِفْ وَقفَةَ مُصَارَحَةٍ وَمُحَاسَبَةٍ تَحتَ ضَوءِ الوَحيَينِ الشَّرِيفَينِ مَعَ هَذِهِ الأَصنَافِ الأَربَعَةِ الَّتِي هِيَ مِلحُ المُجتَمَعِ وَصِمَامُ أَمَانِه:
الصِّنفُ الأَوَّلُ: الحُكَّامُ وَوُلَاةُ الأُمُورِ وَأَصحَابُ المَسؤُولِيَّةِ وَالقَرَار!
لَقَد جَعَلَ اللهُ السُّلطَانَ وَالحُكمَ أَمَانَةً عُظمَى؛ لِإِقَامَةِ العَدلِ، وَحِرَاسَةِ الدِّينِ، وَإِنصَافِ المَظلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، وَحِفظِ حُقُوقِ العِبَادِ وَالبِلَاد، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. فَالَحاكِمُ وَالمَسؤُولُ هُوَ المَلجَأُ الَّذِي يَفزَعُ إِلَيهِ المَظلُومُ إِذَا ظُلِم، وَالمَلهُوفُ إِذَا هُضِم؛ فَإِن كَانَ عَادِلًا تَقِيًّا كَانَ فِي طَلِيعَةِ السَّبعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «إِمَامٌ عَادِلٌ»!
وَلَكِنْ مَاذَا يَحدُثُ إِذَا فَسَدَ هَذَا المِلحُ؟ إِذَا صَارَ المَسؤُولُ أَوِ الحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يَظلِمُ الرَّعِيَّةَ، وَيَستَأثِرُ بِالأَموَالِ، وَيُقَرِّبُ أَهلَ النِّفَاقِ وَالفَسَادِ، وَيُقصِي أَهلَ الأَمَانَةِ وَالصَّلَاحِ، وَيَحتَجِبُ عَن حَاجَةِ الفُقَرَاءِ وَالمَكرُوبِين؟! حِينَهَا يَنتَشِرُ الظُّلمُ، وَتَضِيعُ الحُقُوقُ، وَيَحِلُّ بِالمُفَرِّطِ أَشَدُّ الوَعِيدِ النَّبَوِيِّ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ!».
وَالصِّنفُ الثَّانِي: العُلَمَاءُ وَالدُّعَاةُ وَحَمَلَةُ الشَّرِيعَة!
إِنَّ العُلَمَاءَ هُم وَرَثَةُ الأَنبِيَاء، وَأُمَنَاءُ اللهِ عَلَى دِينِهِ، وَنُجُومُ الأَرضِ الَّتِي يَهتَدِي بِهَا الحَائِرُونَ فِي ظُلُمَاتِ الفِتَن! فَالنَّاسُ إِذَا أَشكَلَ عَلَيهِمُ الحَلَالُ وَالحَرَامُ، أَوِ التَبَسَ عَلَيهِمُ الحَقُّ وَالبَاطِلُ، فَرُّوا إِلَى العَالِمِ الرَّبَّانِيِّ لِيَسمَعُوا مِنهُ حُكمَ اللهِ الصَّافِيَ الَّذِي لَا يَشُوبُهُ هَوًى وَلَا طَمَع!
وَلَكِنْ أَيُّ مُصِيبَةٍ أَعظَمُ عَلَى الإِسلَامِ مِن «فَسَادِ العَالِمِ»؟! حِينَ يَبِيعُ العَالِمُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا قَلِيل، أَو يَكتُمُ الحَقَّ مَخَافَةَ الخَلقِ أَو مَدَارَاةً لِأَهلِ البَاطِل، أَو يَلوِي أَعنَاقَ النُّصُوصِ لِيُحِلَّ مَا حَرَّمَ اللهُ، أَو يَأمُرُ النَّاسَ بِالتَّقوَى وَالوَرَعِ وَأَفعَالُهُ تَنقُضُ أَقوَالَه!
تَذكَّرُوا يَا عِبَادَ اللهِ ذَلِكَ المَثَلَ القُرآنِيَّ الرَّهِيبَ الَّذِي ضَرَبَهُ اللهُ لِمَن آتَاهُ اللهُ العِلمَ وَالآيَاتِ فَانْسَلَخَ مِنهَا وَأَخلَدَ إِلَى الأَرضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فِي سُورَةِ الأَعرَاف: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٥-١٧٦]. وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَومَ القِيَامَةِ فَيُلقَى فِي النَّارِ، فَتَندَلِقُ أَقتَابُهُ فِي النَّارِ -أَي تَخرُجُ أَمعَاؤُهُ- فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجتَمِعُ أَهلُ النَّارِ عَلَيهِ فَيَقُولُونَ: أَي فُلَانُ، مَا شَأنُكَ؟ أَلَيسَ كُنتَ تَأمُرُنَا بِالمَعرُوفِ وَتَنهَانَا عَنِ المُنكَرِ؟ قَالَ: كُنتُ آمُرُكُم بِالمَعرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنهَاكُم عَنِ المُنكَرِ وَآتِيهِ!».
وَالصِّنفُ الثَّالِثُ: القُرَّاءُ وَحَمَلَةُ القُرآنِ الكَرِيم!
إِنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ نَزَلَ لِيَخشَعَ بِهِ القَلبُ، وَتَستَقِيمَ بِهِ الجَوَارِحُ، وَتَزكُوَ بِهِ النَّفس؛ فَحَامِلُ القُرآنِ وَقَارِئُهُ هُوَ قُدوَةُ النَّاسِ فِي الإِخلَاصِ وَالخُشُوعِ وَالتَّرفُّعِ عَنِ الدَّنَايَا!
فَمَاذَا إِذَا فَسَدَ مِلحُ القُرَّاءِ؟! حِينَ يَصِيرُ القُرآنُ عِندَ بَعضِهِم حِرفَةً لِلتَّكَسُّبِ وَالمُتَاجَرَةِ، وَمَطيَّةً لِلرِّيَاءِ وَالسُّمعَةِ وَطَلَبِ الشُّهرَةِ وَالثَّنَاءِ وَتَصَدُّرِ المَجَالِسِ، بَينَمَا قَلبُهُ خَالٍ مِن تَعظِيمِ حُدُودِ القُرآنِ، مُضَيِّعٌ لِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيه!
اسْمَعُوا يَا حَمَلَةَ القُرآنِ إِلَى الحَدِيثِ الَّذِي كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَغشَى عَلَيهِ إِذَا حَدَّثَ بِهِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِم؛ حِينَ أَخبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن أَوَّلِ ثَلَاثَةٍ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَومَ القِيَامَةِ، وَذَكَرَ مِنهُم: «وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُهُ وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ! قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأتَ القُرآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ! ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ!». وَرَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَكثَرُ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا!»؛ أَيِ الَّذِينَ يَقرَؤُونَ القُرآنَ تَصَنُّعًا وَرِيَاءً بِلَا إِيمَانٍ وَلَا عَمَل! وَلِذَلِكَ قَالَ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ: «حَامِلُ القُرآنِ حَامِلُ رَايَةِ الإِسلَامِ، لَا يَنبَغِي أَن يَلهُوَ مَعَ مَن يَلهُو، وَلَا يَسهُوَ مَعَ مَن يَسهُو، وَلَا يَلغُوَ مَعَ مَن يَلغُو؛ تَعظِيمًا لِحَقِّ القُرآنِ!».
وَالصِّنفُ الرَّابِعُ: المُرَبُّونَ وَالمُعَلِّمُونَ وَالآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ!
فَهُمُ المِلحُ الَّذِي يَحفَظُ فِطرَةَ النَّاشِئَةِ وَيَصنَعُ مُستَقبَلَ الأَجيَال؛ فَإِذَا كَانَ المُرَبِّي وَالمُعَلِّمُ وَالأَبُ هُوَ الَّذِي يَكذِبُ أَمَامَ تَلَامِيذِهِ وَأَولَادِهِ، وَيَتَهَاوَنُ بِالصَّلَاةِ، وَيَنطِقُ بِالفُحشِ، وَيَخُونُ أَمَانَةَ التَّعلِيمِ وَالتَّربِيَةِ؛ فَمِمَّن يَتَعَلَّمُ النَّشءُ الصِّدقَ وَالِاستِقَامَةَ وَالعَفَاف؟! قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ لِمُؤَدِّبِ أَولَادِ الرَّشِيد: «لِيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَبدَأُ بِهِ مِن إِصلَاحِ أَولَادِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ إِصلَاحُكَ نَفسَكَ؛ فَإِنَّ أَعيُنَهُم مَعقُودَةٌ بِعَينِكَ، فَالحَسَنُ عِندَهُم مَا استَحسَنتَهُ، وَالقَبِيحُ عِندَهُم مَا استَقبَحتَهُ!».
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ زَلَّةَ القُدوَةِ -مِن حَاكِمٍ أَو عَالِمٍ أَو قَارِئٍ أَو مُرَبٍّ- لَيسَت كَزَلَّةِ الفَردِ العَادِيِّ؛ لِأَنَّ العَامِّيَّ إِذَا زَلَّ هَلَكَ وَحدَهُ، وَأَمَّا القُدوَةُ إِذَا زَلَّ وَفَسَدَ أَفسَدَ بَزَلَّتِهِ فِئَامًا مِنَ الخَلقِ يَقتَدُونَ بِهِ أَو يَستَدِلُّونَ بِانحِرَافِهِ عَلَى تَركِ الدِّين! كَمَا قَالَ السَّلَفُ: «زَلَّةُ العَالِمِ كَانكِسَارِ السَّفِينَةِ؛ تَغرَقُ وَتُغرِقُ مَن مَعَهَا!».
فَبِأَيِّ شَيءٍ يَسلَمُ «مِلحُ الأُمَّةِ» مِنَ الفَسَادِ، وَكَيفَ يُصلِحُ أَهلُ القدوَةِ أَنفُسَهُم؟
أَوَّلًا: بِتَصحِيحِ النِّيَّةِ وَالإِخلَاصِ للهِ تَعَالَى، وَمُرَاقَبَةِ اللهِ فِي الخَلَوَاتِ قَبلَ الجَلَوَات؛ فَإِنَّ مَن أَصلَحَ مَا بَينَهُ وَبَينَ اللهِ أَصلَحَ اللهُ عَلَى يَدَيهِ العِبَادَ وَالبِلَاد.
ثَانِيًا: بِمُطَابَقَةِ الأَفعَالِ لِلأَقوَال؛ فَلَا نَأمُرُ النَّاسَ بِأَمرٍ إِلَّا كُنَّا أَسبَقَهُم إِلَى امتِثَالِهِ، وَلَا نَنهَاهُم عَن مُنكَرٍ إِلَّا كُنَّا أَبعَدَ النَّاسِ عَنِ اقتِرَافِهِ، كَمَا قَالَ نَبِيُّ اللهِ شُعَيبٌ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨].
ثَالِثًا: بِالعِفَّةِ وَالزُّهدِ فِيمَا فِي أَيدِي النَّاس؛ فَإِنَّ العَالِمَ وَالقَارِئَ وَالمُرَبِّيَ وَالحَاكِمَ مَتَى تَطَلَّعَ إِلَى حُطَامِ الدُّنيَا ذَلَّت رَقَبَتُهُ، وَسَقَطَت مَهَابَتُهُ، وَفَسَدَ مِلحُهُ!
رَابِعًا: بِإِحيَاءِ فَرِيضَةِ التَّنَاصُحِ الصَّادِقِ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ، وَالدُّعَاءِ بِصَلَاحِ الوُلَاةِ وَالعُلَمَاءِ وَالقُرَّاءِ وَالمُرَبِّين؛ كَمَا قَالَ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ: «لَو كَانَت لِي دَعوَةٌ مُستَجَابَةٌ مَا جَعَلتُهَا إِلَّا فِي السُّلطَانِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا صَلَحَ صَلَحَ بِصَلَاحِهِ العِبَادُ وَالبِلَادُ!». وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ هَتَفَ بِهَذِهِ الحِكمَةِ البَالِغَة:
بِالمِلحِ نُصلِحُ مَا نَخشَى تَغَيُّرَهُ ... فَكَيفَ بِالمِلحِ إِن حَلَّت بِهِ الغِيَرُ
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ ... هَلَّا لِنَفسِكَ كَانَ ذَا التَّعلِيمُ
ابدَأْ بِنَفسِكَ فَانْهَهَا عَن غَيِّهَا ... فَإِذَا انتَهَت عَنهُ فَأَنتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ يُقبَلُ مَا تَقُولُ وَيُهتَدَى ... بِالقَولِ مِنكَ وَيَنفَعُ التَّعلِيمُ
فَاتَّقُوا اللهَ يَا مَن أَقَامَكُمُ اللهُ فِي مَقَامِ القُدوَةِ وَالوِلَايَةِ وَالعِلمِ وَالقُرآنِ وَالتَّربِيَةِ، وَاحفَظُوا مِلحَ الأُمَّةِ نَقِيًّا طَاهِرًا صَالِحًا مُصلِحًا؛ تَفُوزُوا بِشَرَفِ الدُّنيَا وَكَرَامَةِ الآخِرَة.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ أَصلِحْ حُكَّامَ المُسلِمِينَ وَعُلَمَاءَهُم وَقُرَّاءَهُم وَمُرَبِّيهِم وَعَامَّتَهُم يَا رَبَّ العَالَمِين. اللَّهُمَّ ارزُقْ حُكَّامَ المُسلِمِينَ البِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ الَّتِي تَدُلُّهُم عَلَى الخَيرِ وَتُعِينُهُم عَلَيه، وَاصْرِف عَنهُم بِطَانَةَ السُّوءِ وَالفَسَاد. اللَّهُمَّ احفَظْ عُلَمَاءَنَا وَقُرَّاءَنَا وَمُرَبِّينَا مِنَ الفِتَنِ وَالرِّيَاءِ وَالأَهوَاء، وَاجعَلهُم هُدَاةً مُهتَدِينَ، صَالِحِينَ مُصلِحِينَ، يَصدَعُونَ بِالحَقِّ وَيَعمَلُونَ بِهِ سِرًّا وَعَلَانِيَة. اللَّهُمَّ لَا تَجعَلنَا مِمَّن يَقُولُونَ مَا لَا يَفعَلُون، وَاجعَل سَرَائِرَنَا خَيرًا مِن عَلَانِيَتِنَا. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
مَن يُصلِحُ المِلحَ إِذَا المِلحُ فَسَد؟ خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَسؤُولِيَّةِ الحُكَّامِ وَالعُلَمَاءِ وَالقُرَّاءِ وَالمُرَبِّينَ وَخُطُورَةِ فَسَادِ القُدُوَاتِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.