زَادُ المُعتَمِرِ فِي طَرِيقِ الوِفَادَةِ إِلَى بَيتِ اللهِ الحَرَامِ: مُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ وَفِقهِيَّةٌ تُلقَى فِي السَّفَرِ إِلَى العُمرَةِ عَن فَضَائِلِهَا وَأَسرَارِهَا وَأَحكَامِ مَنَاسِكِهَا
الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ البَيتَ الحَرَامَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمنًا، وَطَهَّرَهُ لِلطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ فَضلًا مِنهُ وَمَنًّا، وَغَرَسَ فِي أَفئِدَةِ المُؤمِنِينَ شَوقًا إِلَى كَعبَتِهِ المُشَرَّفَةِ لَا يَهدَأُ وَلَا يَفتُرُ، فَهُم يَهوُونَ إِلَيهَا مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ شَعثًا غُبرًا يَرجُونَ رَحمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرِينَ عَلَى نِعمَةِ الِاصطِفَاءِ وَتَيسِيرِ السَّفَرِ، وَنَشكُرُهُ شُكرَ المُخبِتِينَ الَّذِينَ سَارَت بِهِمُ الرَّكَائِبُ فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَالجَوِّ تَلبِيَةً لِنِدَاءِ خَالِقِ البَشَرِ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَالقَائِلِ جَلَّ شَأنُهُ عَلَى لِسَانِ خَلِيلِهِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّكَهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، المَلِكُ الكَرِيمُ الجَوَادُ، الَّذِي دَعَا عِبَادَهُ إِلَى زِيَارَةِ بَيتِهِ العَتِيقِ، وَجَعَلَ الحُجَّاجَ وَالمُعتَمِرِينَ وَفدَهُ المُكَرَّمِينَ وَضُيُوفَهُ المُقرَّبِينَ، فَمَن وَفَدَ عَلَى الكَرِيمِ أَكرَمَ وِفَادَتَهُ، وَقَضَى حَاجَتَهُ، وَغَفَرَ حَوبَتَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، إِمَامُ المُلبِّينَ، وَقُدوَةُ الطَّائِفِينَ وَالسَّاعِينَ، الَّذِي اعتَمَرَ أَربَعَ عُمَرٍ كُلَّهُنَّ فِي ذِي القَعدَةِ، وَبَيَّنَ لِأُمَّتِهِ مَعَالِمَ النُّسُكِ بِقَولِهِ وَفِعلِهِ وَحَالِهِ، فَصَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، الَّذِينَ سَارُوا مَعَهُ فِي الشِّعَابِ وَالأَودِيَةِ تَرتَجُّ الأَرضُ بِتَلبِيَتِهِم وَتَفيضُ العُيُونُ مِن خَشيَتِهِم، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا إِخوَةَ الإِيمَانِ، وَيَا رُفقَةَ الطَّرِيقِ المُبَارَكِ، وَيَا ضُيُوفَ الرَّحمَنِ السَّائِرِينَ إِلَى أَطهَرِ بُقعَةٍ عَلَى وَجهِ الأَرضِ:
هَنِيئًا لَكُم ثُمَّ هَنِيئًا لَكُم هَذِهِ الرِّحلَةُ الإِيمَانِيَّةُ المُبَارَكَةُ! نَحنُ الآنَ فِي هَذَا السَّفَرِ السَّعِيدِ، تَطوِي بِنَا المَرَاكِبُ الأَميَالَ وَالفَيَافِيَ، وَكُلُّ دَقِيقَةٍ تَمضِي عَلَينَا فِي هَذَا الطَّرِيقِ تُقَرِّبُنَا مِن أُمِّ القُرَى، وَتُدنِينَا مِنَ المِيقَاتِ، وَتَحمِلُنَا إِلَى رِحَابِ الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ وَزَمزَمَ وَالحَطِيمِ وَالمَقَامِ وَالصَّفَا وَالمَروَةِ!
فَافْتَحُوا قُلُوبَكُم وَأَسمَاعَكُم -أَحَبَّتِي فِي اللهِ- فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الهَادِئَةِ مِن سَاعَاتِ الطَّرِيقِ؛ لِنَتَذَاكَرَ مَعًا زَادَ الرُّوحِ وَزَادَ الفِقهِ، حَتَّى نَدخُلَ مَكَّةَ المكرَّمَةَ بِقُلُوبٍ حَيَّةٍ خَاشِعَةٍ، وَبَصِيرَةٍ فِقهِيَّةٍ نَيِّرَةٍ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُعتَمِرُونَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ أَن يَستَحضِرَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَقعَدِهِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ هُوَ: استِشعَارُ نِعمَةِ «الِاصطِفَاءِ الإِلَهِيِّ» وَشَرَفِ «الوِفَادَةِ عَلَى اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ»!
سَل نَفسَكَ أَخِي الحَبِيبَ: كَم فِي الأَرضِ اليَومَ مِن مِليَارَاتِ البَشَرِ؟ وَكَم فِي بِلَادِ المُسلِمِينَ اليَومَ مِن مَلَايِينِ الأَصِحَّاءِ الأَقيَاءِ الأَغنِيَاءِ الَّذِينَ يَملِكُونَ المَالَ وَالصِّحَّةَ وَالفَرَاغَ، وَلَكِنَّهُم فِي هَذِهِ السَّاعَةِ مُنشَغِلُونَ فِي دُنيَاهُم وَأَسوَاقِهِم وَبُيُوتِهِم، وَلَم يُؤذَن لَهُم فِي هَذَا السَّفَرِ؟! فَمَنِ الَّذِي اختَارَكَ أَنتَ بِاسمِكَ، وَأَلقَى العَزمَ فِي قَلبِكَ، وَذَلَّلَ لَكَ العَقَبَاتِ، وَيسَّرَ لَكَ النَّفَقَةَ وَالرُّفقَةَ وَالطَّرِيقَ، حَتَّى جَعَلَكَ اليَومَ مِن زُوَّارِ بَيتِهِ الحَرَامِ؟ إِنَّهُ اللهُ العَلِيُّ الكَرِيمُ الَّذِي دَعَاكَ فَأَجَبتَهُ، وَاستَزَارَكَ فَقَصَدتَهُ!
استَمِعُوا إِلَى هَذِهِ البِشَارَةِ النَّبَوِيَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَملَأُ قَلبَ المُسَافِرِ إِلَى العُمرَةِ فَرَحًا وَإِجلالًا؛ فَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَابنِ مَاجَه وَصَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَعَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ وَالحَاجُّ وَالمُعتَمِرُ وَفدُ اللهِ؛ دَعَاهُم فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ فَأَعطَاهُم»!
اللهُ أَكبَرُ! أَنتُم فِي هَذَا السَّفَرِ لَستُم سُيَّاحًا يَبحَثُونَ عَن نُزهَةٍ دُنيَوِيَّةٍ، وَلَا تُجَّارًا يَسعَونَ وَرَاءَ صَفقَةٍ مَالِيَّةٍ؛ أَنتُم «وَفدُ اللهِ»! وَإِذَا كَانَ مُلُوكُ الدُّنيَا عَلَى فَقْرِهِم وَعَجزِهِم إِذَا وَفَدَ عَلَيهِم وَفدٌ أَكرَمُوا نُزُلَهُم وَأَجزَلُوا عَطَاءَهُم؛ فَكَيفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ، الغَنِيِّ الكَرِيمِ، الَّذِي لَا تَنقُصُ خَزَائِنُهُ مَعَ كَثرَةِ العَطَاءِ، حِينَ يَفِدُ عَلَيهِ عِبَادُهُ التَّائِبُونَ المُلبُّونَ؟!
أَتَدرُونَ مَا هِيَ الجَائِزَةُ الَّتِي تَنتَظِرُكُم فِي نِهَايَةِ هَذِهِ الرِّحلَةِ إِذَا أَخلَصتُمُ النِّيَّةَ وَأَحسَنتُمُ العَمَلَ؟
فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «العُمرَةُ إِلَى العُمرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا، وَالحَجُّ المَبرُورُ لَيسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ»!
وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «تَابِعُوا بَينَ الحَجِّ وَالعُمرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنفِيَانِ الفَقرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ»!
تَأَمَّلُوا هَذَا التَّشبِيهَ النَّبَوِيَّ البَدِيعَ: إِنَّ القَلبَ فِي زَحْمَةِ الدُّنيَا يَعلَقُ بِهِ صَدَأُ الغَفلَةِ وَخَبَثُ الذُّنُوبِ وَالهُمُومِ، فَتَأتِي رِحلَةُ العُمرَةِ كَكِيرِ الحَدَّادِ وَالصَّائِغِ الَّذِي يُصَفِّي الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ مِن كُلِّ شَائِبَةٍ، فَتَرجِعُ مِن عُمرَتِكَ نَقِيَّ الصَّحِيفَةِ، صَافِيَ القَلبِ، مَجبُورَ الخَاطِرِ، مَوسَّعًا عَلَيكَ فِي رِزقِكَ وَمَعَاشِكَ!
وَكُلُّ دِرهَمٍ أَنفَقتَهُ فِي هَذَا السَّفَرِ، وَكُلُّ تَعَبٍ أَو سَهَرٍ أَو مَشَقَّةٍ تَلقَاهَا فِي الطَّرِيقِ، مَكتُوبٌ لَكَ بِهَا عِندَ اللهِ أَعظَمُ الأَجرِ وَالمَثُوبَةِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي عُمرَتِهَا: «إِنَّ لَكِ مِنَ الأَجرِ عَلَى قَدرِ نَصَبِكِ وَنَفَقَتِكِ»!
أَحَبَّتِي فِي اللهِ: وَنَحنُ فِي هَذَا الطَّرِيقِ قَبلَ أَن نَبلُغَ المِيقَاتَ، مَا هِيَ الوَظَائِفُ القَلبِيَّةُ وَالآدَابُ السَّفَرِيَّةُ الَّتِي يَنبَغِي أَن نَعمُرَ بِهَا سَاعَاتِ هَذَا السَّفَرِ؟
إِنَّ أَعظَمَ مَا نَشتَغِلُ بِهِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ خَمسَةُ آدَابٍ جَلِيلَةٍ:
الأَدَبُ الأَوَّلُ: تَجدِيدُ التَّوبَةِ النَّصُوحِ وَتَصفِيَةُ القَلبِ وَالنِّيَّةِ للهِ؛ فَكَمَا أَنَّكَ قَبلَ قَلِيلٍ سَتَخلَعُ ثِيَابَكَ المَعتَادَةَ عِندَ المِيقَاتِ لِتَلبَسَ ثِيَابَ الإِحرَامِ البَيضَاءَ النَّقِيَّةَ، فَاخلَع مِن قَلبِكَ الآنَ كُلَّ ذَنبٍ وَمَعصِيَةٍ وَحِقدٍ وَشَحنَاءَ! اعقِدِ العَزمَ الصَّادِقَ فِيمَا بَينَكَ وَبَينَ رَبِّكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ العُمرَةَ سَتَكُونُ نُقطَةَ تَحَوُّلٍ فِي حَيَاتِكَ، وَتَجَرَّد مِن كُلِّ رِيَاءٍ أَو سُمعَةٍ أَو مُبَاهَاةٍ أَوِ انشِغَالٍ بِالتَّصوِيرِ الَّذِي يُفسِدُ خُشُوعَ القُلُوبِ؛ وَاهتِف بِقَلبِكَ وَلسَانِكَ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَدعُو فِيمَا رَوَاهُ ابنُ مَاجَه وَالطَّبَرَانِيُّ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «اللَّهُمَّ عُمرَةً لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمعَةَ»!
وَالأَدَبُ الثَّانِي: إِحيَاءُ سُنَّةِ الذِّكرِ فِي الطَّرِيقِ؛ فَلَا يَليقُ بِوَفدِ الرَّحمَنِ أَن يَمضِيَ بِهِمُ الطَّرِيقُ فِي غَفلَةٍ أَو لَغوٍ أَو سَمرٍ لَا فائِدَةَ فِيهِ؛ بَلِ السُّنَّةُ لِلمُسَافِرِ أَن يَلهَجَ لِسَانُهُ بِذِكرِ اللهِ وَتِلَاوَةِ القُرآنِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ وَكَانَ مِن هَديِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابِهِ فِي السَّفَرِ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَعِدنَا كَبَّرنَا، وَإِذَا نَزَلنَا سَبَّحنَا»! فَكُلَّمَا عَلَت بِنَا الحَافِلَةُ أَوِ المَركَبَةُ مُرتَفَعًا مِنَ الأَرضِ قُلنَا: «اللهُ أَكبَرُ»، وَكُلَّمَا هَبَطَت فِي وَادٍ أَو مُنحَدَرٍ قُلنَا: «سُبحَانَ اللهِ»!
وَالأَدَبُ الثَّالِثُ: اغتِنَامُ دَعوَةِ المُسَافِرِ المُستَجَابَةِ فِي طُولِ هَذَا الطَّرِيقِ؛ فَأَنتَ الآنَ جَمَعتَ بَينَ شَرَفِ السَّفَرِ وَشَرَفِ الوِفَادَةِ إِلَى بَيتِ اللهِ الحَرَامِ، وَدَعوَتُكَ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ مَفتُوحَةٌ لَهَا أَبوَابُ السَّمَاءِ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُستَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعوَةُ المَظلُومِ، وَدَعوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعوَةُ الوَالِدِ». فَاغتَنِم خَلوَتَكَ فِي مَقعَدِكَ، وَارفَع حَاجَاتِكَ إِلَى رَبِّكَ، وَادعُ لِنَفسِكَ وَوَالِدَيكَ وَأَهلِكَ وَذُرِّيَّتِكَ وَلِأُمَّةِ الإِسلَامِ!
وَالأَدَبُ الرَّابِعُ: حِفظُ اللِّسَانِ، وَسَعَةُ الصَّدرِ، وَخِدمَةُ الإِخوَانِ وَالرُّفقَةِ؛ قَالَ العُلَمَاءُ: إِنَّمَا سُمِّيَ السَّفَرُ سَفَرًا لِأَنَّهُ يُسفِرُ عَن أَخلَاقِ الرِّجَالِ! فَفِي السَّفَرِ قَد يَحدُثُ تَأَخُّرٌ أَو زِحَامٌ أَو تَعَبٌ؛ وَهُنَا يَظهَرُ المَعدِنُ النَّفِيسُ لِلمُؤمِنِ الحَلِيمِ الصَّبُورِ الهَيِّنِ اللِّيِّنِ، الَّذِي يَكظِمُ غَيظَهُ، وَيَبتَسِمُ فِي وُجُوهِ إِخوَانِهِ، وَيُؤثِرُ كَبِيرَهُم وَضَعِيفَهُم، وَيَحذَرُ كُلَّ الحَذَرِ مِنَ المِرَاءِ وَالجِدَالِ وَالتَّذَمُّرِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وَالأَدَبُ الخَامِسُ: المُحَافَظَةُ التَّامَّةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوقَاتِهَا مَعَ الرُّخصَةِ الشَّرعِيَّةِ فِي القَصرِ وَالجَمعِ لِلمُسَافِرِ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ هِيَ عَمُودُ الدِّينِ، وَلَا يَجُوزُ لِمَن خَرَجَ يَطلُبُ نَافِلَةَ العُمرَةِ أَو فَرِيضَتَهَا أَن يُفَرِّطَ فِي صَلَاةٍ مَفرُوضَةٍ حَتَّى يَخرُجَ وَقتُهَا!
مَعَاشِرَ الأَحِبَّةِ وَالضُّيُوفِ الكِرَامِ: وَالآنَ تَعَالَوا بِنَا نَصحَبُ قُلُوبَنَا وَأَفكَارَنَا فِي جَولَةٍ فِقهِيَّةٍ وَرُوحِيَّةٍ مُيَسَّرَةٍ، نَتَعَرَّفُ فِيهَا عَلَى مَنَاسِكِ العُمرَةِ خُطوَةً بِخُطوَةٍ عَلَى هَديِ مَن قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «لِتَأخُذُوا مَنَاسِكَكُم»؛ فَإِنَّ العُمرَةَ كُلَّهَا تَقُومُ عَلَى أَربَعِ مَحَطَّاتٍ عَظِيمَةٍ: الإِحرَامِ، وَالطَّوَافِ بِالبَيتِ، وَالسَّعيِ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ، وَالحَلقِ أَوِ التَّقصِيرِ:
المَحَطَّةُ الأُولَى: المِيقَاتُ وَالإِحرَامُ وَالتَّلبِيَةُ:
إِذَا وَصَلنَا -بِإِذنِ اللهِ وَتَوفِيقِهِ- إِلَى المِيقَاتِ المَكَانِيِّ الَّذِي حَدَّدَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ السُّنَّةَ لِلمُعتَمِرِ أَن يَتَهَيَّأَ بِخِصَالِ الفِطرَةِ وَالنَّظَافَةِ؛ فَيَغتَسِلَ غُسلًا كَغُسلِ الجَنَابَةِ (وَحَتَّى المَرأَةُ الحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ يُسَنُّ لَهَا أَن تَغتَسِلَ وَتُحرِمَ مَعَ النَّاسِ وَتَفعَلَ كُلَّ شَيءٍ إِلَّا الطَّوَافَ بِالبَيتِ فَتُؤَخِّرُهُ حَتَّى تَطهُرَ)، ثُمَّ يَتَطَيَّبُ الرَّجُلُ بِأَطيَبِ مَا يَجِدُ مِنَ الطِّيبِ فِي بَدَنِهِ كَرَأسِهِ وَلِحيَتِهِ دُونَ ثِيَابِ إِحرَامِهِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: «كُنتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِإِحرَامِهِ قَبلَ أَن يُحرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبلَ أَن يَطُوفَ بِالبَيتِ».
ثُمَّ يَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ مِنَ الثِّيَابِ المَخِيطَةِ المُفَصَّلَةِ عَلَى قَدرِ الأَعضَاءِ، وَيَلبَسُ إِزَارًا وَرِدَاءً أَبيَضَينِ نَقِيَّينِ ونَعلَينِ؛ وَفِي تِلكَ اللَّحظَةِ الَّتِي تَلبَسُ فِيهَا الرِّدَاءَ وَالإِزَارَ الأَبيَضَينِ، تَذَكَّر أَخِي المُؤمِنَ أَنَّكَ قَد تَجَرَّدتَ مِن شَارَاتِ الدُّنيَا وَمَنَاصِبِهَا وَفَوَارِقِهَا، وَتَذَكَّر يَومَ تُلفُّ فِي الكَفَنِ الأَبيَضِ بِلَا جَيبٍ وَلَا مَالٍ وَلَا زِينَةٍ إِلَّا العَمَلَ الصَّالِحَ، وَتَذَكَّر يَومَ الحَشرِ العَظِيمِ حِينَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ! وَأَمَّا المَرأَةُ المُسلِمَةُ فَلَيسَ لِإِحرَامِهَا لَونٌ مَخصُوصٌ، بَل تُحرِمُ فِي ثِيَابِهَا السَّاتِرَةِ الفَضفَاضَةِ غَيرِ المُتَبَرِّجَةِ بَزِينَةٍ وَلَا مُتَطَيِّبَةٍ، وَتَجتَنِبُ لُبسَ النِّقَابِ المَخِيطِ عَلَى الوَجهِ وَلُبسَ القُفَّازَينِ فِي الكَفَّينِ؛ لِقَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «وَلَا تَنتَقِبِ المَرأَةُ المُحرِمَةُ وَلَا تَلبَسِ القُفَّازَينِ»، وَلَكِنَّهَا إِذَا مَرَّ بِهَا الرِّجَالُ الأَجَانِبُ سَدَلَت خِمَارَهَا أَو غِطَاءَ رَأسِهَا عَلَى وَجهِهَا كَمَا كَانَت أُمَّهَاتُ المُؤمِنِينَ يَفعَلنَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ.
وَاعلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ الإِحرَامَ هُوَ «نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ» وَلَيسَ مُجَرَّدَ لُبسِ الثِّيَابِ؛ وَلَيسَ لِلإِحرَامِ صَلَاةٌ خَاصَّةٌ تُسمَّى «صَلَاةَ الإِحرَامِ» عَلَى الصَّحِيحِ مِن أَقوَالِ أَهلِ العِلمِ، وَلَكِن إِن صَادَفَ وُصُولُنَا للمِيقَاتِ وَقتَ صَلَاةٍ مَفرُوضَةٍ صَلَّينَا الفَرِيضَةَ ثُمَّ أَحرَمنَا، أَو إِن تَوَضَّأَ المُعتَمِرُ وَصَلَّى رَكعَتَي سُنَّةِ الوُضُوءِ أَو سُنَّةِ الضُّحَى ثُمَّ أَحرَمَ فَحَسَنٌ؛ فَيَنوِي بِقَلبِهِ الدُّخُولَ فِي العُمرَةِ وَيَقُولُ بِلِسَانِهِ: «لَبَّيكَ اللَّهُمَّ عُمرَةً» أَو «اللَّهُمَّ لَبَّيكَ عُمرَةً»، وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَو خَافَ عَائِقًا يَمنَعُهُ مِن إِتمَامِ عُمرَتِهِ فَإِنَّهُ يَشتَرِطُ عِندَ إِحرَامِهِ فَيَقُولُ: «فَإِن حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيثُ حَبَستَنِي» كَمَا عَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ضُبَاعَةَ بِنتَ الزُّبَيرِ فِي الصَّحِيحَينِ.
فَإِذَا عَقَدتَ الإِحرَامَ، حَرُمَت عَلَيكَ مَحظُورَاتُ الإِحرَامِ: مِن أَخذِ الشَّعرِ أَو تقليمِ الأَظفَارِ، أَو وَضعِ الطِّيبِ، أَو تَغطِيَةِ الرَّأسِ بِمُلَاصِقٍ لِلرِّجَالِ وَلُبسِ المَخِيطِ، أَو عَقدِ النِّكَاحِ وَالمُبَاشَرَةِ، أَوِ الصَّيدِ البَرِّيِّ؛ وَبَدَأَت رِحلَةُ «التَّلبِيَةِ» الخَالِدَةِ الَّتِي هِيَ شِعَارُ التَّوحِيدِ وَالعُبُودِيَّةِ؛ فَيَرفَعُ الرِّجَالُ أَصوَاتَهُم بِهَا، وَتُسمِعُ المَرأَةُ نَفسَهَا وَمَن بِجِوَارِهَا مِنَ النِّسَاءِ: «لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمدَ وَالنِّعمَةَ لَكَ وَالمُلكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»!
استَشعِر -أَخِي المُعتَمِرَ- وَأَنتَ تُلَبِّي فِي هَذَا الطَّرِيقِ أَنَّ الكَونَ كُلَّهُ مِن حَولِكَ يُلَبِّي مَعَكَ! فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِن مُسلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَن عَن يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِن حَجَرٍ أَو شَجَرٍ أَو مَدَرٍ، حَتَّى تَنقَطِعَ الأَرضُ مِن هَاهُنَا وَهَاهُنَا»! وَمَعنَى «لَبَّيكَ»: أَي إِجَابَةً لَكَ يَا رَبِّ بَعدَ إِجَابَةٍ، وَطَاعَةً بَعدَ طَاعَةٍ، وَإِقَامَةً عَلَى عُبُودِيَّتِكَ وَتَوحِيدِكَ!
المَحَطَّةُ الثَّانِيَةُ: دُخُولُ مَكَّةَ وَالمَسجِدِ الحَرَامِ وَالطَّوَافُ بِالبَيتِ العَتِيقِ:
فَإِذَا وَصَلتَ إِلَى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ مَهبِطِ الوَحيِ وَمَهدِ الرِّسَالَةِ، وَأَقبلتَ عَلَى المَسجِدِ الحَرَامِ، فَقَدِّم رِجلَكَ اليُمنَى عِندَ الدُّخُولِ قَائِلًا: «بِسمِ اللهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، اللَّهُمَّ افتَح لِي أَبوَابَ رَحمَتِكَ»، حَتَّى إِذَا وَقَعَ بَصَرُكَ عَلَى الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ فِي مَهَابَتِهَا وَجَلَالِهَا، فَأَحضِر قَلبَكَ وَعَظِّم رَبَّ البَيتِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَاقطَعِ التَّلبِيَةَ عِندَ الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ!
ويُسَنُّ لِلرَّجُلِ عِندَ إِرَادَةِ الطَّوَافِ «الِاضطِبَاعُ» فِي جَمِيعِ الأَشوَاطِ السَّبعَةِ: وَهُوَ أَن يَجعَلَ وَسَطَ رِدَائِهِ تَحتَ إِبطِهِ الأَيمَنِ وَيَطْرَحَ طَرَفَيهِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيسَرِ (فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ وَأَرَادَ صَلَاةَ الرَّكعَتَينِ أَعَادَ رِدَاءَهُ عَلَى كَتِفَيهِ)، كَمَا يُسَنُّ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ «الرَّمَلُ» فِي الأَشوَاطِ الثَّلَاثَةِ الأُولَى فَقَط إِن تَيَسَّرَ بِلَا إِيذَاءٍ: وَهُوَ الإِسرَاعُ فِي المَشيِ مَعَ مُقَارَبَةِ الخُطَى.
فَتَبدَأُ الشَّوطَ الأَوَّلَ مِن عِندِ «الحَجَرِ الأَسوَدِ»، فَتَستَقبِلُهُ؛ فَإِن تَيَسَّرَ لَكَ تَقبِيلُهُ أَوِ استِلَامُهُ بِيَدِكَ مِن غَيرِ مُزَاحَمَةٍ وَلَا إِيذَاءٍ لِلمُسلِمِينَ فَعَلتَ، وَإِلَّا فَلَا تُزَاحِم؛ فَالزِّحَامُ وَالإِيذَاءُ حَرَامٌ وَتَقبِيلُ الحَجَرِ سُنَّةٌ، بَل تُشِيرُ إِلَيهِ بِيَدِكَ اليُمنَى مِن بَعِيدٍ مَرَّةً وَاحِدَةً قَائِلًا: «بِسمِ اللهِ وَاللهُ أَكبَرُ» دُونَ أَن تُقَبِّلَ يَدَكَ بَعدَ الإِشَارَةِ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالبَيتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكنَ أَشَارَ إِلَيهِ بِشَيءٍ كَانَ عِندَهُ وَكَبَّرَ».
ثُمَّ تَجعَلُ الكَعبَةَ عَن يَسَارِكَ وَتَمضِي فِي طَوَافِكَ خَاشِعًا ذَاكِرًا دَاعِيًا تَالِيًا لِلقُرآنِ؛ وَاحذَر -أَخِي المُعتَمِرَ- مِن بِدعَةِ تَخصِيصِ كُلِّ شَوطٍ مِن أَشوَاطِ الطَّوَافِ بِدُعَاءٍ مُعَيَّنٍ مِمَّا يُطبَعُ فِي بَعضِ الكُتَيِّبَاتِ الصَّغِيرَةِ أَو يَقرَؤُهُ بَعضُ النَّاسِ بِصَوتٍ جَمَاعِيٍّ يُشَوِّشُ عَلَى الطَّائِفِينَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَم يُخَصِّص لِكُلِّ شَوطٍ دُعَاءً مُعَيَّنًا، بَل تَدعُو فِي طَوَافِكَ كُلِّهِ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيكَ مِن خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ بِلِسَانِكَ وَحُضُورِ قَلبِكَ!
حَتَّى إِذَا وَصَلتَ إِلَى «الرُّكنِ اليَمَانِيِّ» -وَهُوَ الرُّكنُ الَّذِي قَبلَ الحَجَرِ الأَسوَدِ- فَإِن كُنتَ قَرِيبًا مِنهُ استَلَمتَهُ بِيَدِكَ اليُمنَى قَائِلًا: «بِسمِ اللهِ وَاللهُ أَكبَرُ» مِن غَيرِ تَقبِيلٍ، وَإِن كُنتَ بَعِيدًا عَنهُ مَرَرتَ وَلَم تُشِر إِلَيهِ؛ ثُمَّ تَقُولُ بَينَ الرُّكنِ اليَمَانِيِّ وَالحَجَرِ الأَسوَدِ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. وَإِذَا حَاذَيتَ الحَجَرَ الأَسوَدَ فَقَد تَمَّ الشَّوطُ الأَوَّلُ، وَتُكَبِّرُ لِبِدَايَةِ الشَّوطِ الثَّانِي، وَهَكَذَا حَتَّى تُتِمَّ سَبعَةَ أَشوَاطٍ كَامِلَةٍ تَنتَهِي عِندَ الحَجَرِ الأَسوَدِ، مَعَ الحِرصِ عَلَى الطَّوَافِ مِن وَرَاءِ «حِجرِ إِسمَاعِيلَ» (الحَطِيمِ)؛ لِأَنَّ الحِجرَ جُزءٌ مِنَ الكَعبَةِ، فَمَن دَخَلَ مِنهُ أَثنَاءَ الطَّوَافِ لَم يَصِحَّ شَوطُهُ!
فَإِذَا أَتمَمتَ الأَشوَاطَ السَّبعَةَ، فَأَعِد رِدَاءَكَ عَلَى كَتِفَيكَ، وَتَوَجَّه إِلَى مَقَامِ إِبرَاهِيمَ وَأَنتَ تَتلُو قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فَصَلِّ رَكعَتَيِ الطَّوَافِ خَلفَ المَقَامِ إِن تَيَسَّرَ بِلَا إِيذَاءٍ لِلطَّائِفِينَ، أَو فِي أَيِّ مَكَانٍ مِنَ المَسجِدِ الحَرَامِ؛ تَقرَأُ فِي الرَّكعَةِ الأُولَى بَعدَ الفَاتِحَةِ سُورَةَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ سُورَةَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، ثُمَّ تَتَوَجَّهُ إِلَى مَاءِ «زَمزَمَ» المُبَارَكِ فَتَشرَبُ مِنهُ وَتَتَضَلَّعُ وَتَدعُو اللهَ بِمَا تُحِبُّ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَن زَمزَمَ: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعمٍ»، وَفِي سُنَنِ ابنِ مَاجَه وَمُسنَدِ أَحمَدَ عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَاءُ زَمزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ»!
المَحَطَّةُ الثَّالِثَةُ: السَّعيُ بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ:
ثُمَّ تَخرُجُ إِلَى المَسعَى مُتَّجِهًا إِلَى جَبَلِ الصَّفَا؛ وَهُنَالِكَ تَتَذَكَّرُ قِصَّةَ أُمِّنَا هَاجَرَ عَلَيهَا السَّلَامُ مَعَ وَلَدِهَا الرَّضِيعِ إِسمَاعِيلَ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ؛ حِينَ تَرَكَهُمَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِأَمرِ رَبِّهِ فِي وَادٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا أَنِيسَ، فَقَالَت لَهُ هَاجَرُ بِيَقِينِ المُؤمِنَاتِ: «آللهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَم! قَالَت: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا»! ثُمَّ سَعَت بَينَ الصَّفَا وَالمَروَةِ سَبعَةَ أَشوَاطٍ تَطلُبُ الغَوثَ لِوَلَدِهَا؛ فَجَمَعَت بَينَ قِمَّةِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ وَقِمَّةِ السَّعيِ وَالأَخذِ بِالأَسبَابِ، فَخلَّدَ اللهُ سَعيَهَا شَعِيرَةً إِلَى يَومِ القِيَامَةِ!
فَإِذَا دَنَوتَ مِنَ الصَّفَا قَرَأتَ فِي بِدَايَةِ الشَّوطِ الأَوَّلِ فَقَط قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وَتَقُولُ: «أَبدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»، ثُمَّ تَرقَى عَلَى الصَّفَا أَو تَقِفُ عِندَهُ فَتَستَقبِلُ القِبلَةَ، وَتَرفَعُ يَدَيكَ كَهَيئَةِ الدُّعَاءِ، فَتُكَبِّرُ اللهَ ثَلَاثًا وَتَقُولُ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ، أَنجَزَ وَعدَهُ، وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ»، ثُمَّ تَدعُو بَينَ ذَلِكَ دُعَاءً طَوِيلًا، تُكَرِّرُ هَذَا الذِّكرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَالدُّعَاءَ بَينَهُنَّ!
ثُمَّ تَنحَدِرُ مَاشِيًا نَحوَ المَروَةِ ذَاكِرًا دَاعِيًا، حَتَّى إِذَا بَلَغتَ «العَلَمَينِ الأَخضَرَينِ» سُنَّ لِلرِّجَالِ القَادِرِينَ دُونَ النِّسَاءِ أَن يَسعَوا بَينَهُمَا سَعيًا قَوِيًّا مَن غَيرِ إِيذَاءٍ، ثُمَّ يَمشُونَ مَشيًا مُعتَادًا حَتَّى يَصِلُوا إِلَى المَروَةِ، فَيَستَقبِلُونَ القِبلَةَ وَيَرفَعُونَ أَيدِيَهُم وَيَذكُرُونَ اللهَ وَيَدعُونَ كَمَا فَعَلُوا عَلَى الصَّفَا؛ وَاعلَمُوا أَنَّ الذَّهَابَ مِنَ الصَّفَا إِلَى المَروَةِ شَوطٌ أَوَّلُ، وَالعَودَةَ مِنَ المَروَةِ إِلَى الصَّفَا شَوطٌ ثَانٍ، حَتَّى تَختِمُوا الشَّوطَ السَّابِعَ عِندَ المَروَةِ!
المَحَطَّةُ الرَّابِعَةُ وَالأَخِيرَةُ: الحَلقُ أَوِ التَّقصِيرُ وَالتَّحَلُّلُ مِنَ الإِحرَامِ:
فَإِذَا أَتمَمتَ الشَّوطَ السَّابِعَ عِندَ المَروَةِ، لَم يَبقَ عَلَيكَ لِإِتمَامِ عُمرَتِكَ إِلَّا نُسُكُ «الحَلقِ أَوِ التَّقصِيرِ»؛ وَالحَلقُ لِلرِّجَالِ -وَهُوَ إِزَالَةُ شَعرِ الرَّأسِ كُلِّهِ بِالمُوسَى- أَفضَلُ وَأَعظَمُ أَجرًا؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ دَعَا لِلمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا فَقَالَ: «اللَّهُمَّ ارحَمِ المُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «وَالمُقَصِّرِينَ»!
وَمَنِ اختَارَ التَّقصِيرَ مِنَ الرِّجَالِ فَلْيَنتَبِه إِلَى تَنبِيهٍ فِقهِيٍّ مُهِمٍّ جِدًّا: لَا يَجُوزُ الاكتِفَاءُ بِقَصِّ شَعَرَاتٍ قَلِيلَةٍ مِن جَانِبٍ وَاحِدٍ مِنَ الرَّأسِ كَمَا يَفعَلُ بَعضُ العَوَامِّ، بَل يَجِبُ أَن يَعُمَّ التَّقصِيرُ ظَاهِرَ الرَّأسِ كُلِّهِ! وَأَمَّا المَرأَةُ فَلَيسَ عَلَيهَا حَلقٌ، وَإِنَّمَا تَجمَعُ ضَفَائِرَهَا أَو أطرافَ شَعرِهَا فَتَأخُذُ مِن رُؤُوسِ شَعرِهَا قَدرَ أُنمُلَةٍ (أَي قَدرَ عُقلَةِ الإِصبَعِ)؛ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَيسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلقٌ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقصِيرُ». وَبِذَلِكَ تَتِمُّ العُمرَةُ وَيَحِلُّ لِلمُعتَمِرِ كُلُّ شَيءٍ حَرُمَ عَلَيهِ بِالإِحرَامِ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ!
أَيُّهَا الإِخوَةُ الأَحبَابُ: بَقِيَت وَصِيَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ نَختِمُ بِهَا هَذِهِ المُحَاضَرَةَ: إِذَا مَنَّ اللهُ عَلَيكُم بِإِتمَامِ العُمرَةِ، فَإِيَّاكُم أَن تَضِيعَ بَقِيَّةُ أَوقَاتِكُم وَأَيَّامِكُم فِي مَكَّةَ أَوِ المَدِينَةِ فِي التَّسَوُّقِ الطَّوِيلِ أَوِ النَّومِ أَوِ القِيلِ وَالقَالِ! تَذَكَّرُوا أَنَّ الصَّلَاةَ الوَاحِدَةَ فِي المَسجِدِ الحَرَامِ تَعدِلُ مِائَةَ أَلفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَسُنَنِ ابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسجِدِي أَفضَلُ مِن أَلفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسجِدَ الحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي المَسجِدِ الحَرَامِ أَفضَلُ مِن مِائَةِ أَلفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ»!
تَصَوَّر يَا عَبدَ اللهِ: الصَّلَوَاتُ الخَمسُ فِي يَومٍ وَاحِدٍ فِي المَسجِدِ الحَرَامِ تَعدِلُ خَمسَمِائَةِ أَلفِ صَلَاةٍ، أَي مَا يَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ مِائَتَينِ وَسَبعِينَ سَنَةً مِن أَعمَارِنَا! فَأَيُّ عَاقِلٍ يُفَرِّطُ فِي دَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ مِن هَذَا الكَنزِ العَظِيمِ؟!
وَاعلَمُوا أَنَّ عَلَامَةَ قَبُولِ العُمرَةِ وَبِرِّهَا أَن يَرجِعَ العَبدُ مِنهَا خَيرًا مِمَّا كَانَ قَبلَهَا؛ أَنقَى قَلبًا، وَأَصدَقَ لِسَانًا، وَأَحفَظَ لِصَلَاتِهِ، وَأَبَرَّ بِوَالِدَيهِ وَأَهلِهِ، وَأَزهَدَ فِي الحَرَامِ، وَأَرغَبَ فِي الآخِرَةِ!
اللَّهُمَّ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، وَيَا ذَا الطَّولِ وَالإِنعَامِ، نَسأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقوَى، وَمِنَ العَمَلِ مَا تَرضَى، اللَّهُمَّ هَوِّن عَلَينَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطوِ عَنَّا بُعدَهُ، اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهلِ وَالمَالِ وَالوَلَدِ، اللَّهُمَّ بَلِّغنَا بَيتَكَ الحَرَامَ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَأَعِنَّا عَلَى أَدَاءِ عُمرَتِنَا عَلَى الوَجهِ الَّذِي يُرضِيكَ عَنَّا إِخلَاصًا لِوَجهِكَ وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ.
اللَّهُمَّ اجعَل عُمرَتَنَا عُمرَةً مَبرُورَةً، وَسَعيَنَا سَعيًا مَشكُورًا، وَذَنبَنَا ذَنبًا مَغفُورًا، وَعَمَلَنَا عَمَلًا صَالِحًا مَقبُولًا، وَتِجَارَتَنَا تِجَارَةً لَن تَبُورَ، اللَّهُمَّ ارحَم ضَعفَنَا، وَاجبُر كَسرَنَا، وَتَقَبَّل وِفَادَتَنَا، وَلَا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، وَأَعِدنَا إِلَى دِيَارِنَا وَأَهلِينَا مَغفُورًا لَنَا كَيَومِ وَلَدَتنَا أُمَّهَاتُنَا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
من مكتبة مِداد الخطيب
زَادُ المُعتَمِرِ فِي طَرِيقِ الوِفَادَةِ إِلَى بَيتِ اللهِ الحَرَامِ: مُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ وَفِقهِيَّةٌ تُلقَى فِي السَّفَرِ إِلَى العُمرَةِ عَن فَضَائِلِهَا وَأَسرَارِهَا وَأَحكَامِ مَنَاسِكِهَا
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.